🚘

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ج ٢

مجير الدين الحنبلي العليمي

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ج ٢

المؤلف:

مجير الدين الحنبلي العليمي


المحقق: محمود عودة الكعابنة
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مكتبة دنديس
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٢٨
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

الإهداء

ـ إلى روح والدي ووالدتي ...

ـ إلى شهداء ثرى فلسطين الطاهر ...

ـ إلى الأمتين العربية والإسلامية ...

ـ إلى كل من ساهم ويساهم في تحرير القدس والخليل ...

ـ إلى عشيرة الكعابنة في فلسطين والأردن ...

ـ إلى زوجي سمر وأولادي مقداد ، أحمد ، آلاء ، عز الدين وولاء ...

وفاء للجميل ...

٣

بسم الله الرّحمن الرّحيم

٤

مقدّمة

بعد الاطلاع على كتب التراث الإسلامي ، ومحاولة تحقيق ما يمكن منها ، مهمة جليلة يطلع بها الباحثون والدارسون لهذا التراث ، ومخطوط الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل من المخطوطات التي تبحث في فترة مهمة من فترات هاتين المدينيتن ، في مقدمة المخطوطات التي تم الاهتمام بها ، غير أن هذا الاهتمام جاء مبتورا ، فقد طبع هذا المخطوط في فترة مبكرة عدة مرات وفي عدة بلدان ، دون أن يلقى حقه من التحقيق والمراجعة.

وجاء اهتمام الباحث بهذا السفر العظيم ، لأنه يؤرخ لفلسطين بشكل عام ، وللقدس والخليل بشكل خاص ، وحسب اطلاع الباحث فقد كان هذا المخطوط هو الأول من نوعه الذي يحمل هذا العنوان ، رابطا أقدس مدينتين في العالمين العربي والإسلامي معا بعد مكة المشرفة والمدينة المنورة ، وكأن مجير الدين الحنبلي يستقرئ التاريخ لما نلاحظه من ربط ديني وتاريخي وسياسي في الوقت الراهن ، إذ تشكل هاتان المدينتان الأساس الموضوعي لنسف ما يسمى بعملية السلام التي لم يؤمن بها اليهود على الإطلاق.

وقد واجه الباحث في عمله صعوبات عدة ، ومنها جمع مخطوطاته المنتشرة في أرجاء العالم ، وقد تمكن من جمع بعضها التي يطمح من خلالها إبراز هذا المخطوط بشكل يليق بمكانته العلمية والتاريخية.

والصعوبة الثانية تأتي من مركز إحياء التراث الإسلامي في القدس الذي توجه إليه الباحث طلبا للمساعدة ، غير أنه واجه رفضا متواصلا منه ، ولم يتمكن من تصوير المخطوطات التي عنده ، والتي هي جزء من التراث الإسلامي العام ، ليطلع عليه الباحثون ، وهو أول أهداف إقامة ذلك المركز ، الذي حرم من هذه الرسالة العظيمة.

وصعوبة ثالثة هي مشكلة الطباعة ، إذ أن هذا النمط من الرسائل غير معتاد عليه وبخاصة وجود هامشين ورموز.

٥

وقد بدأ عمله هذا بدراسة عن المؤلف ، إذ أن التوسع في موضوعه يدخل في إطار دراسة أخرى ، ثم قام بدراسة مستفيضة حول مخطوط الأنس الجليل ، حاول من خلالها إبراز المواضيع التي ركز عليها هذا المخطوط ، وحاول أن يعطينا معلومات دقيقة وتفصيلية عنها.

ثم قام بتحقيق المخطوط من خلال المخطوطات التي جمعها ، وبلغ عددها خمس مخطوطات ، ولم يكتف بضبط النص ، وإنما قام بتحقيق الأخطاء الإملائية واللغوية وغيرها مما عثر عليه.

ثم قام بتعريف الأعلام والأماكن التي وردت في هذا السفر الجليل ، والتي كان ينقصها مثل هذا التعريف ، ويزيد من أهمية هذا العمل أن مجير الدين الحنبلي قد كتب عن أماكن وأعلام ، وأفادنا بمعلومات كانت ستندثر وتذهب هباء منثورا ، لو لا أن حفظها في مخطوطه القيم ، والدال على قيمة هذا المخطوط أيضا كثرة المستفيدين منه عند بحث موضوع القدس والخليل ، وهكذا أراده العليمي عندما ألفه فقال : (وفي هذا المختصر ما لم يوجد في غيره مما يتعلق بالقدس الشريف ، وبلد سيدنا الخليل ، عليه السلام) ، وهكذا كان.

والحمد لله أولا وأخيرا

٦

الدراسة

أولا : ترجمة المؤلف

١ ـ حياته :

هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف العمري ، العليمي ، الحنبلي والعمري نسبة إلى عمر بن الخطاب (١) رضي الله عنه ، والعليمي نسبة إلى أحد أجداده عليل (٢) ، والحنبلي نسبة إلى المذهب الحنبلي.

ولد العالم الجليل في مدينة بيت المقدس يوم الأحد ١٣ ذي القعدة ، ٨٦٠ ه‍ / ١٤٥٥ م ، من بيت عرف بالعلم ، إذ كان والده قاضي بيت المقدس الشريف ، وقد نبغ مجير الدين منذ صغره ، حيث تتلمذ على عدد كبير من شيوخ العلم في المدينة المقدسة ، منهم الشيخ عبد الله بن محمد القلقشندي (٣) ، وابن جماعة (٤) وآخرون (٥) ، وقد تمكن في الثامنة عشرة من عمره من الحصول على

__________________

(١) ينظر ص : ١٠٠.

(٢) ينظر ص : ١٠٠.

(٣) القلقشندي : الشيخ تقي الدين أبو بكر عبد الله بن شمس الدين القلقشندي المقدسي ، جلس في بيت المقدس للإجازة والإفتاء والحديث ، وتوفي عام ٨٦٧ ه‍ / ١٤٦٢ م ، ينظر : ابن العماد ٧ / ٣٠٦ ؛ الأنصاري ، ماملا ٩٧ ـ ١٠٠.

(٤) ابن جماعة : نجم الدين محمد بن إبراهيم المقدسي ، تولى التدريس بالمسجد الأقصى والمدرسة الصلاحية ببيت المقدس ، توفي بعد عام ٩٠١ ه‍ / ١٤٩٥ م ، ينظر : السخاوي ، الضوء ٢ / ٢٥٦ ، الغزي ١ / ٢٥.

(٥) تتلمذ مجير الدين الحنبلي على عدد آخر من العلماء ، أمثال شهاب الدين أبو العباس العميري ، وعلاء الدين بن عبد الله المقري ، وكمال الدين محمد بن أبي شريف ، ونور الدين علي بن إبراهيم المصري ، وشمس الدين أبو مساعد محمد بن عبد الوهاب ، وبرهان الدين أبو إسحاق الأنصاري ، وشمس الدين محمد بن عمران الحنفي ، ينظر : الأنصاري ، مؤرخ : ٤٤ ـ ٥٩.

٧

إجازة في قواعد اللغة ، وحفظ القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، وخلال حياته العلمية والعملية تنقل مجير الدين الحنبلي في البلاد الإسلامية ، فذهب إلى القاهرة في ربيع الثاني عام ٨٨٠ ه‍ / ١٤٧٥ م ، ولزم قاضي مصر الحنبلي أبا بكر السعدي (١) ، وبقي في القاهرة حتى شوال سنة ٨٨٩ ه‍ / ١٤٧٥ م (٢) ، ثم عاد إلى مدينة الرملة وعين قاضيا فيها ، وبقي في هذا المنصب حتى عين سنة ٨٩١ ه‍ / ١٤٨٦ م قاضيا في القدس والخليل ونابلس ، بالإضافة إلى الرملة ، ويبدو أنه بقي قاضيا في بيت المقدس والمناطق الأخرى حتى وفاته عام ٩٢٧ ه‍ / ١٥٢١ م (٣).

٢ ـ مؤلفاته :

كتب مجير الدين الحنبلي في العديد من العلوم الإسلامية ، فكتب في الفقه والحديث والتراجم والتاريخ ، وأهم هذه المؤلفات :

١ ـ المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٤) ، وقد نشر هذا الكتاب في مجلدين ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد والتراجم مرتبة فيه حسب سنوات الوفاة.

٢ ـ التاريخ المعتبر في أنباء من غبر ، وهو تاريخ مرتب بشكل حولي من تاريخ سيدنا آدم حتى عام ٨٩٦ ه‍ / ١٤٩٠ م (٥).

٣ ـ الإتحاف : ويبدو أنه مختصر لكتاب الإنصاف في معرفة مراجع من الخلاف للعلاء المرداوي الحنبلي (٦).

٤ ـ الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل.

وهناك كتب ذكرت أنها منسوبة إليه ، ولكن النسبة غير مؤكدة ، وهي :

__________________

(١) أبو بكر السعدي : محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي ، قاضي الحنابلة في القاهرة وله عدة مؤلفات منها الجوهر الموصل في مناقب الإمام أحمد ، توفي عام ٩٠٠ ه‍ / ١٤٩٤ ، ينظر : السخاوي ، الضوء ٩ / ٥٨ ؛ ابن العماد ٧ / ٣٦٦ ـ ٣٦٧ ، العسلي ، مجير ١٢٠.

(٢) ينظر ص : ٢٨٦ من هذه الدراسة ؛ الشطي ٧٣.

(٣) عن ترجمة مجير الدين الحنبلي ، ينظر : ابن العماد ٧ / ٣١٦ ؛ حاجي خليفة ١ / ١٧٧ ، ٢ / ١٧٣١ ؛ الشطي ٧٤ ؛ الزركلي ٣ / ٣٣١ ؛ سركيس ١ : ١ / ٣٥٨ ؛ أبو حمد ٢٣٤ ؛ الأنصاري ، ماملا ٩٧ ـ ١ ؛ الأنصاري ، مؤرخ ١٢٠ ـ ١٢١ ، العسلي ، فضائل ١٠٥ ؛ يوسف ، لمحات ٣٢ ـ ٣٣.

(٤) يقع هذا المؤلف في جزأين ، يجمعهما مجلد واحد ، وهو محقق ومطبوع منذ سنة ١٩٦٣ م.

(٥) ينظر : حاجي خليفة ١ / ٣٠٥ ؛ يوسف ، لمحات ٤٧ ـ ٤٨.

(٦) العلاء المرداوي : علاء الدين علي بن سليمان الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشق ، توفي سنة ٨٨٥ ه‍ / ١٤٨٠ م بالصالحية في دمشق ، ينظر : ابن العماد ٧ / ٣٤٠ ، الأنصاري ، مؤرخ ١٣٢.

٨

١ ـ الدر المنضد في أصحاب الإمام أحمد (١).

٢ ـ الإعلام بأعيان دولة الإسلام.

٣ ـ الوجيز.

ولم يحقق من كتبه سوى مؤلفين هما : المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ، ومخطوط الأنس الجليل الذي نحن بصدد تحقيق القسم الذي يبدأ من الفتح الناصري الداودي ، وقد حظي كتاب الأنس ببعض الاهتمام ، فقد ترجمه المستشرق هنري سوفيرHenri Sauvaire إلى الفرنسية في باريس عام ١٨٧٦ م (٢).

وهناك مختصر للأنس الجليل اسمه «الأنس الجميل باختصار الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» وضعه محمود ابن عبد المحسن المعروف بابن المدقع الدمشقي (٣).

٣ ـ عصره :

عايش مؤلف الأنس الجليل فترة انتقال بين سقوط الدولة المملوكية ، وبداية الفتح العثماني ـ إن جاز لنا هذا التعبير ـ ليس لمدينة القدس فقط ، وإنما لبلاد الشام كاملة عام ٩٢٢ ه‍ / ١٥١٦ م ، هذه الفترة التي شهدت ركودا اقتصاديا شاملا بسبب الانهيار الاقتصادي الذي أصاب المورد الرئيس للاقتصاد المملوكي ، وهو تحول طريق التجارة من بلاد الشام والبحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح ، وما رافق ذلك من قيام البرتغاليين والإسبان بمهاجمة الشواطئ الإسلامية في المحيط الهندي والبحر الأحمر وحتى في البحر المتوسط.

ومع ذلك فقد استمرت القدس المدينة التي ينظر إليها دائما بقدسية بخاصة في بلاد الشام ، وأجاد مجير الدين الحنبلي بحق عندما كتب تاريخا محليا بكل ما للكلمة من معنى للقدس ، والمدينة المجاورة لها والمقدسة عند المسلمين وهي مدينة الخليل ، وحفظ لنا بذلك تراجم ومدارس وزوايا ومقابر وأعلاما وأحداثا كنا سنفقدها لو لا هذا السفر العظيم ، وكان مجير الدين الحنبلي قد سن سنة حسنة عندما بدأ بالاعتماد على وثائق وسجلات عصره ، وحتى على اللوحات التأسيسية ، فأضاف بذلك عنصرا جديدا لكتابة التاريخ في عصره.

__________________

(١) ينظر : الحنبلي م ؛ يوسف ، لمحات ٣٣ ـ ٣٤ ؛ الأنصاري ، مؤرخ ١٣٢ ـ ١٣٨ ، العسلي ، فضائل ١٠٥.

(٢) ينظر : أبو حمد ٢٣٤ ؛ سركيس ١ / ٣٥٨ ؛ يوسف ، لمحات ٣٨ ؛ العسلي ، فضائل ١٠٨.

(٣) ينظر : يوسف ، لمحات ٣٨ ؛ العسلي ، فضائل ١٠٨.

٩

وبالرغم من أن العصر الذي عايشه المؤلف كان مؤلما من الناحية الاقتصادية ، والتي تركت أثرها على جميع مناحي الحياة في ذلك العصر ، وتركت بصماتها حتى على مسألة السكان الاجتماعية ، وبالرغم من أن مجير الدين الحنبلي كان رائدا في مجال كتابة التاريخ المحلي ، فإن هناك بعض المؤرخين (١) الذين كتبوا بصدق وأجادوا في كتابة التاريخ ـ وإن ركزوا على التاريخ العام أو على التراجم ـ ولم يركزوا على كتابة التاريخ المحلي كما فعل مجير الدين.

ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني الذي توفي سنة ٨٥٢ ه‍ / ١٤٤٨ م ، وقد ركز على التراجم ، ومن كتبه (تهذيب التهذيب) ، وكتاب (إنباء الغمر بأبناء العمر) ، وكتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) ، وابن عرب شاه ٨٥٤ ه‍ / ١٤٥٠ م ، وكتابه (عجائب المقدور في أنباء تيمور) الذي كان كتابه بمثابة سيرة ذاتية للسلطان المغولي تيمور لنك ، والسخاوي ت ٩٠٢ ه‍ / ١٤٩٦ م الذي ألف كتاب (الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع).

ومع ذلك فإن هناك عددا من المؤرخين الذين اهتموا بالتاريخ العام للمنطقة ، أمثال : العيني ت ٨٥٥ ه‍ / ١٤٥١ م صاحب كتاب (عقد الجمان في أخبار الزمان) ، وابن تغري بردي الذي كتب تاريخا عن مصر ولا يمكن أن يعتبر نوعا من التاريخ المحلي ، لأنه وصف إقليما كاملا وليس منطقة محددة ، وكتابه (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) ، وكتابه الآخر (حوادث الدهور في ذكر الأيام والعصور) ، والسيوطي ت ٩١١ ه‍ / ١٥٠٥ م صاحب كتاب (تاريخ الخلفاء) ، وابن إياس ت ٩٣٠ ه‍ / ١٥٢٣ م ، الذي ألف كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور).

وقد ظهرت كتب الجغرافيا ، وخصوصا الجغرافيا العامة مثل غرس الدين بن الظاهري ت ٨٧٣ ه‍ / ١٤٦٨ م الذي كتب (زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك).

٤ ـ مصادره :

بالرغم من أن مجير الدين الحنبلي قرر تاريخا مختصرا (٢) على حد قوله لكل من بيت المقدس مسرى ومعراج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخليل بلد سيدنا إبراهيم الخليل ،

__________________

(١) هناك بعض المؤرخين أمثال الباعوني ٨٧٠ ه‍ / ١٤٦٥ م ، والكافيجي ٨٧٩ ه‍ / ١٤٧٤ م ، وشهاب الدين الأشرفي ٨٨٠ ه‍ / ١٤٧٥ م ؛ وابن الصيرفي ٩٠٠ / ١٤٩٤ م.

(٢) ينظر : مقدمة المخطوط.

١٠

إلا أنه رغم ذلك جاء شاملا ، وبهذا الحجم الكبير ، فقد صرح في بداية كتابه عن بعض مصادره عندما قال : «... عنّ لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهداب ألفاظه من فوائد المؤرخين وتراجم الأعيان على وجه الاختصار ...» (١).

وعند الحديث عن مصادر الأنس الجليل (٢) التي استخدمها مجير الدين في كتابه يمكن أن نسجل ما يلي :

١ ـ مصادر صرح بذكرها ولكنه لم يصرح بحجم الفائدة التي حصل عليها من تلك المصادر ، مثل ابن واصل (٣) ، السبكي (٤).

٢ ـ استخدام عبارات مبهمة في الفترة التي عاصر أحداثها ، وكتب عنها بنفسه كشاهد عيان فقال : «المتعارف عند الناس» (٥) ، «رجلا لا يحظرني من هو» (٦).

٣ ـ اطلع على بعض التراجم وحدد صاحب الترجمة عندما قال : «قد تقدم في ترجمة ابن العربي» (٧).

٤ ـ اطلع أيضا على بعض المختصرات فقال : وقد وقفت على معظم المختصر (٨)

٥ ـ اعتمد كذلك على كثير من الوثائق والسجلات والمستندات واللوحات التأسيسية للمباني ، وخصوصا المساجد والمدارس والترب ، وعند رأسه بلاطة مكتوب عليها (٩).

٦ ـ كما اطلع على بعض التوقيعات في المستندات لمن كتب عنهم أو سجلات أسلافهم ، فقال : وقفت على إسجالا من إسجالات (١٠).

ومن هنا تبرز أهمية كتاب الأنس الجليل ، في ضوء تلف أو فقدان الكثير من السجلات والوثائق التي تعود إلى الفترة المملوكية الثانية ، أو هدم كثير من الترب

__________________

(١) ينظر : مقدمة المخطوط.

(٢) ينظر ص : ١ من هذه الدراسة.

(٣) ينظر ص : ٥.

(٤) ينظر ص : ٩٧.

(٥) ينظر ص : ٢٥.

(٦) ينظر ص : ٢٧٧.

(٧) ينظر ص : ٢٤.

(٨) ينظر ص : ٢٦٢.

(٩) ينظر ص : ٤٦ ، ٥١ ، ٢٤٦.

(١٠) ينظر ص : ١٩١ ، ٣٠٧.

١١

والمدارس والمساجد التي تعود إلى تلك الفترة.

٧ ـ اعتمد أيضا على مشاهداته الشخصية (١) أو سماعه (٢) وخصوصا الأحداث التي كان حاضرا فيها وكتب عنها أو المجالس التي حضرها (٣) ، كما وصف مثل هذه الأحداث وصفا دقيقا مفصلا وشاملا ، كما حدد تاريخ وقوعها بدقة متناهية (٤) ، واستشهد بكثير من الآيات القرآنية الكريمة (٥) ، والأحاديث النبوية الشريفة والتي كانت في معظمها موضوعة (٦).

٨ ـ اعتمد مجير الدين على روايات وردت من أقوال علماء عصره ، وعلماء العصر السابق مثل الشيخ شمس الدين (٧) ، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال ت ٧٦٥ ه‍ / ١٣٦٣ م صاحب كتاب «مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام» (٨). والشيخ أبو محمد نصر البندنيجي (٩) قال الصاحب الأكمال تاج الدين أحمد بن الصاحب أمين الدين (١٠) ، وحكى لي صاحب كتاب الأنس للجليس (١١) ، وآخرين لم يحددهم.

٩ ـ اعتمد مجير الدين الحنبلي على مصادر لم يحددها بدقة ، وإنما اكتفى بالإشارة إليها ببعض الكلمات المبهمة ، مثل «وقد أخبرت» (١٢) و «يقال» (١٣) «وأخبرت قديما» (١٤) «والظاهر أن» (١٥) «والذي يظهر» (١٦) «وقيل» (١٧) «وقلت» (١٨)

__________________

(١) ينظر ص : ٣٨٩ ، ٣٩٨.

(٢) ينظر ص : ٤٧٩.

(٣) ينظر ص : ٣٣١.

(٤) ينظر ص : ٩٢.

(٥) ينظر ص : ٣٩٨.

(٦) ينظر ص : ٩٢.

(٧) ينظر ص : ٦٨.

(٨) ينظر ص : ١٠٥.

(٩) ينظر ص : ٣٨.

(١٠) ينظر ص : ٣٤.

(١١) ينظر ص : ٧٩.

(١٢) ينظر ص : ١٧.

(١٣) ينظر ص : ٩٤.

(١٤) ينظر ص : ٣٦.

(١٥) ينظر ص : ٣٠.

(١٦) ينظر ص : ١٥.

(١٧) ينظر ص : ٨٢.

(١٨) ينظر ص : ٧٠.

١٢

«وقد ذكر المسافرون» (١) «ورأيت منقولا بخط بعض العلماء» (٢) «ونقل بعض المؤرخين» (٣) «وحكى لي» (٤) «وقال بعضهم» (٥) ، ونقل أن الدعاء عنده مستجاب (٦) ، فالظاهر أن (٧) «وقد أخبرني من جلس إلى جانبه» (٨) «وأخبار وأحاديث كثيرة مختلفة» (٩).

٥ ـ أسلوبه :

اعتمد مجير الدين اسلوبين في الكتابة :

الأسلوب الأول : اعتمد فيه على ذكر المواضيع حسب أهميتها دون إغفال التاريخ ، وهذا يمتد من بداية القسم الذي هو موضوع الدراسة وحتى عام ٨٧٢ ه‍ / ١٤٦٧ م ، فقد يذكر المواقع أو التراجم حسب أهميتها وعلاقتها ببيت المقدس والخليل ، وكان يرتب هذه المواقع والأحداث والتراجم ، سبب وجودها الزمني في بيت المقدس والخليل.

الأسلوب الثاني : وهو التاريخ الحولي الخالص والذي اعتمده منذ عام ٨٧٢ ه‍ / ١٤٦٧ م ، وهي السنة التي جلس فيها السلطان الأشرف قايتباي (١٠) على سدة السلطنة وحتى عام ٩٠٠ ه‍ / ١٤٩٤ م ، إذ يبدأ بذكر سنة ثم الحوادث ، فالوفيات في كل عام بالترتيب.

أما داخل المتن فأبرز الملحوظات على أسلوب مجير الدين الحنبلي في كتابه الأنس الجليل ما يلي :

اهتم بالمادة التاريخية أكثر من اهتمامه بالصياغة اللغوية.

اهتم بالتراجم اهتماما كبيرا وخصوصا تراجم القضاة ، والسلاطين المماليك الذين عاصرهم ، وقد أفرد لهم صفحات واسعة ، وتحدث عن تاريخ حياتهم وعن أعمالهم ومدارسهم وإصلاحاتهم.

__________________

(١) ينظر ص : ٧٠.

(٢) ينظر ص : ٨٥.

(٣) ينظر ص : ٢٠.

(٤) ينظر ص : ١١١.

(٥) ينظر ص : ١٩٢.

(٦) ينظر ص : ٢٣١.

(٧) ينظر ص : ٣٠.

(٨) ينظر ص : ٢٨٢.

(٩) ينظر ص : ١٩.

(١٠) ينظر ص : ٣٨٣.

١٣

الإيمان بعنصر الخرافة مثل الصخرة المعلقة بين الأرض والسماء (١) ، أن الإنسان إذا خاف التخمة من كثرة الأكل وقال عقب رفع المائدة وفراغه من الأكل : أبو عبد الله القرشي اليوم يوم عيد ولم يضره شيء (٢) ... الخ.

٤ ـ تمتع بأمانة علمية كبيرة بدليل أنه ذكر بعض المواقع التي لم يتمكن من معرفة سبب تسميتها ، مثل خط مرزبان ، وقال ولم أدر نسبته لماذا (٣) ، وقال أيضا : ولم اطلع له على ترجمة (٤).

٥ ـ الاهتمام بالألقاب والكنى مثل : شيخ الإسلام العالم العلامة (٥).

٦ ـ الدقة في الوصف مثل وصف الثلج وارتفاعه وذوبانه ومتى بدأ (٦) ... الخ.

٧ ـ ذكر أوصاف دقيقة لمن ترجم لهم ، من حيث الطول أو اللون (٧) ... الخ.

٨ ـ وصف المواقع بدقة متناهية (٨).

٩ ـ استخدام السجلات والوثائق التي تعود إلى الفترة السابقة والمعاصرة للمؤلف ، وهذا يدل على حنكة تاريخية ، وأسلوب تاريخي ناضج في وقت ندر فيه مثل هذا العمل (٩).

١٠ ـ استخدام الناحية العملية في التحقق من معلوماته مثل قياس المسجد الأقصى بنفسه (١٠).

١١ ـ ذكر بعض أسماء مصادره مثل : ابن خلكان ، القرطبي ، السبكي ، ابن واصل (١١) ... الخ.

__________________

(١) ينظر ص : ٢٤.

(٢) ينظر ص : ٢١١.

(٣) ينظر ص : ٧٢.

(٤) ينظر ص : ١٤٨.

(٥) ينظر ص : ٢٠٠.

(٦) ينظر ص : ٤٦٦.

(٧) ينظر ص : ٢١٤ ، ٤٧٢.

(٨) ينظر ص : ٢٥.

(٩) ينظر ص : ١٨٤ ، ١٨٧ ، ٣٦٦.

(١٠) ينظر ص : ١٤.

(١١) ينظر ص : ٥ ، ١٤٥.

١٤

١٢ ـ لقد صحح مجير الدين الحنبلي كثيرا من الأخطاء الواقعة في بعض التراجم من خلال الاطلاع الواسع على حيثيات العصر الذي عاش فيه مثل قوله بوفاة شيخه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن القاضي زين الدين العميري عام ٨٩٠ ه‍ / ١٤٨٥ م ، بالرغم مما كتب على قبره بأنه توفي في ربيع الأول (١) سنة ٨٨٩ ه‍ / ١٤٨٤ م ، والخطأ الوارد بتاريخ عمارة المقعد الموجود بدار النيابة ببيت المقدس ، حيث كتب أنه عمر في محرم عام ٨٩١ ه‍ / ١٤٨٦ م ، والصحيح أنه عمر في محرم عام ٨٩٢ ه‍ / ١٤٨٧ م (٢) ، وبعض الناس يظنه ابن أبي عذيبة والصحيح (٣).

١٣ ـ ذكر التاريخ الهجري مقرونا بالتاريخ الميلادي ، قال : تاسع عشر ربيع الأول الموافق لسابع كانون الثاني (٤).

١٤ ـ استخدم صيغة الفعل المبني للمجهول بكثرة ، قال : وأخبرت أن ، ويقال أنه (٥).

__________________

(١) ينظر ص : ٢٨٦.

(٢) ينظر ص : ٢٦٢.

(٣) ينظر ص : ٤٣٥.

(٤) ينظر ص : ٤٦٥.

(٥) ينظر ص : ٢٦ ، ٢٧.

١٥

ثانيا : كتاب الأنس الجليل

١ ـ التعريف بالكتاب

ابتدأ النص موضوع الدراسة والتحقيق من كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ، من فتح الناصر داود صاحب الكرك لمدينة بيت المقدس عام (٦٣٧ ه‍ / ١٢٣٩ م) ، ومن ثم انتقل للحديث عن مدينة القدس ووصفها وصفا ماديا لكل جزئية فيها تقريبا ، والذي يدل على ذلك هو ذكر بعض المواقع التي دثرت مثل برج عرب (١) ، وبعض المواقع في فلسطين مثل أوتارية (٢) والتي لم يعد لهما وجود في أيامنا.

لقد وصف المسجد الأقصى ، وأقسامه ومساحته ، وقبة الصخرة ، والمناطق المحيطة به من تكايا ومدارس ومساجد ، وغير ذلك. ثم بعد ذلك انتقل للتعريف بالمدارس الموجودة بالقدس الشريف سواء تلك الموجودة داخل السور أو التي خارجه ، أو التي هي قريبة منه أو بعيدة عنه. ثم يتحدث عن الترب والمقابر ودور الحديث والزوايا ، وحتى الآبار وعدد أفواهها ، ثم انتقل بعد ذلك لوصف حارات وأزقة وأسواق مدينة القدس الشريف ، إذ يصفها وصفا ماديا دقيقا ، لا يوجد أحد قبله قد اعتنى بالقدس بهذا الشكل الدقيق المميز. وبعدها يصف مناطق بيت لحم والرملة ويافا واللد وغزة وأريحا ونابلس ، والأحداث التي مرت بها بشكل مختصر.

ثم يأتي إلى مدينة الخليل فيسهب في وصفها ذاكرا الحارات والزوايا والأربطة وعيون الماء والأضرحة ، ثم يفرد عنوانا خاصا لإقطاع تميم الداري ويذكر بعض المشاكل التي واجهت الورثة.

ثم ينتقل للحديث عن أحداث القدس والخليل وخصوصا في عهد المماليك ، فيذكر كافة سلاطينهم وبالترتيب وبخاصة أولئك الذين عاصرهم بنفسه ، ويذكر

__________________

(١) ينظر ص : ٢١٦.

(٢) ينظر ص : ٢٥٧.

١٦

علاقتهم ببيت المقدس والخليل.

وبعدها يفرد عناوين خاصة بالقضاة والفقهاء والشيوخ من أتباع المذهب الشافعي ، ويسير على النمط نفسه في ذكر قضاة الحنفية ، والمالكية والحنبلية. ثم يتحدث عن بعض رجال السلطة من نواب ونظار ممن تولوا الأمر في القدس والخليل ، ومما هو جدير ذكره أن القدس والخليل كانتا وباستمرار تشكلان وحدة إدارية سواء في عهد المماليك أو من سبقهم من الأيوبيين ، سواء في الولاية أو النظر ، إذ يكون والي القدس والي الخليل وناظر القدس ناظر الخليل.

ولا يغفل مجير الدين الحديث عن أحوال الطبيعة من الثلج (١) ، وانحباس المطر والقحط (٢) ، والأمراض مثل الطاعون (٣). وكذلك يصف حالة الناس النفسية واستغاثتهم ودعاءهم ونفسياتهم عندما لا يستجاب لهم (٤). ولا يهمل كذلك الحديث عن علاقة السكان بعضهم ببعض وخاصة علاقة المسلمين بأهل الذمة من يهود ونصارى فيذكر وقائع وأحداثا عن مشاكل الكنيسة (٥) ، والقبة (٦) ، وقبر داود (٧).

ثم تحول مجير الدين بعد ذلك للحديث بشكل حولي على نمط من سبقه من المؤرخين فبدأ ذلك بأحداث سنة ٨٧٢ ه‍ / ١٤٦٧ م ، وأنهى ذلك بأحداث سنة ٩٠٠ ه‍ / ١٤٦٤ م ، وهذه الفترة تعتبر الأهم من وجهة نظري في الكتاب لأن مجير الدين قد عاشها بنفسه.

ويبدو أن هناك ذيلا للأنس الجليل ، أشار مجير الدين الحنبلي عن نيته في عمله في نهاية كتاب الأنس الجليل عندما قال : «وكان ابتدائي في جمعه في خامس عشري ذي الحجة سنة تسعمائة ، وفرغت من جمعه وترتيبه في دون أربعة أشهر ، وإن فسح الله في الأجل جعلت له ذيلا أذكر فيه ما يقع من الحوادث بالقدس الشريف وبلاد سيدنا الخليل عليه السلام ، وغيرهما من أول سنة إحدى وتسعمائة إلى آخر وقت يريده الله تعالى فيما بقي من العمر» (٨).

__________________

(١) ينظر ص : ٤٦٥.

(٢) ينظر ص : ٤٣٤.

(٣) ينظر ص : ٤٨٥.

(٤) ينظر ص : ٤٤٥.

(٥) ينظر ص : ٣٩٨.

(٦) ينظر ص : ٤٤٨.

(٧) ينظر ص : ٤٤٧.

(٨) ينظر ص : ٤٧٩.

١٧

ويبدو أن إحدى مخطوطات الأنس الجليل تحوي هذا الذيل الذي أصبح مثار خلاف حاد بين المهمتين بهذا المصدر ، ولم يتم حسم الموضوع بشكل نهائي (١).

٢ ـ موضوعات الكتاب

٢ : ١ ـ المدارس والمعاهد العلمية :

تحدث مجير الدين عن المدارس والمعاهد العلمية في بيت المقدس ، فبدأ بالموجود داخل الحرم القدسي ، ثم ذكر دار الحديث التي أوقفها الأمير عيسى الهكاري ودار القرآن التي أوقفها أبو بكر السلامي ٧٦١ ه‍ / ١٣٥٩ م ، فالخانقاه التي أوقفها صلاح الدين الأيوبي ، واحتل هذا الباب حيزا كبيرا من هذا الكتاب.

فلقد ذكر المدارس والمعاهد العلمية التي يفوق عددها ستين مدرسة وزاوية ورباطا وخانقاه ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أهمية العلم في عهده ، واهتمامه هو نفسه بالعلم والعلماء ، وإن القدس كانت تشكل مصدر إشعاع علمي.

وتحدث كذلك عن الزوايا والتكايا في مدينة الخليل ، وبين موقعها ، وتاريخ بنائها ، وبانيها ، أو من وقفها لخدمة المسلمين في هاتين المدينتين ، كما بين دور هذه المدارس في خدمة سكان هاتين المدينتين ، كما تحدث عن العلماء الذين خدموا أو تخرجوا من هذه المدارس ، وذكر بعض الشروط التي وضعها الواقف (٢).

٢ : ٢ ـ القضاء :

أفرد مجير الدين الحنبلي عناوين كبيرة لمؤسسة القضاة والخطباء في بيت المقدس والخليل ، وجعل لهم تصنيفا خاصا بهم حسب الأهمية والتدرج التاريخي لوجودهم في بيت المقدس ، وذلك حسب المذاهب الأربعة.

وبدأ بالقضاة والعلماء الشافعية الذين أفرد لهم فصلا خاصا (٣) ، ثم بالقضاة الحنفية (٤) ، والقضاة المالكية (٥) ، ثم القضاة الحنابلة (٦) ، ولم يقتصر حديثه عن بيت

__________________

(١) يذكر العسلي أن هناك ذيلا للأنس الجليل ضمن مخطوط ليدن رقم ٩٥٣ ؛ ومخطوطة البودليان رقم ١٨٥٢٣ ، وقد نشره ضمن مقالة في مجلة دراسات مجلد ١٢ عدد ٨ من ص ١٢٧ ـ ١٣٥ ، أما الأنصاري فيرفض هذا الرأي ويرى أنها عبارة عن تذييلات بقلم الناسخين ، الأنصاري ، مؤرخ ٨٩ ـ ٩٢.

(٢) ينظر ص : ٤٠.

(٣) ينظر ص : ١٤٢ ، ١٧٠.

(٤) ينظر ص : ٢١٨.

(٥) ينظر ص : ٣٣٥.

(٦) ينظر ص : ٣٥٠.

١٨

المقدس والخليل ، وإنما أضاف إليها غزة كذلك ، وقد اهتم بالحديث عن القضاة ودورهم وأعمالهم الحسنة في بيت المقدس والخليل ، كما تحدث عن أسباب عزلهم أحيانا ، وذكر كيف وصل بعضهم للمنصب بطرق ملتوية (١).

٢ : ٣ ـ الجغرافيا :

لقد رسم مجير الدين خارطة لمنطقة القدس والخليل في تلك الفترة حيث ذكر كثير من المواقع التي اندثرت في زماننا مثل برج عرب (٢) وقرية قباب الشاورية (٣). ولم يقتصر حديثه عن فلسطين ، وإنما تحدث عن بعض المواقع في بلاد الشام بشكل عام عندما تحدث عن قرية البويضا قرب دمشق ، وكذلك برصة وبلاد الشعشاع (٤) ، وبالنسبة للقدس فقد تحدث عن موقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة وتحدث عن سور القدس وأعطاه مقياسا دقيقا من ناحية الطول والعرض بالذراع ، ورسم خارطة جغرافية دقيقة لكل من بيت المقدس والخليل بشوارعها وحاراتها ، ومرافق هذه الحارات من آبار مياه وكروم ، وامتدت موسوعته الجغرافية هذه لتشمل الكثير من المواقع القريبة من بيت المقدس ، أو المناطق الواقعة في الطريق إليها مثل الرملة واللد وعسقلان وأريحا ونابلس (٥).

وأبدى اهتماما واضحا بالرحلات وخصوصا رحلة السلطان الملك الأشرف قايتباي من القاهرة قاصدا بلاد الشام سنة ٨٨٢ ه‍ / ١٤٧٧ م (٦).

٢ : ٤ ـ الجانب الاقتصادي :

واقعة الزيت : تمثل واقعة الزيت وتعليقات مجير الدين عليها قمة المعاناة التي لحقت بسكان المنطقة ، ولهذا فقد انفرد مجير الدين الحنبلي بالحديث عن الأوضاع الاقتصادية في أواخر عهد دولة المماليك وتحديدا في عام ٨٩٦ ه‍ / ١٤٩٠ م ، عندما تم تلزيم سكان بيت المقدس والخليل والرملة وغزة بشراء الزيت من نابلس بالقوة ، وإجبارهم على شراء مقدار معين من الزيت سواء كانوا بحاجة إليه أم لا ، واتباع طرق قاسية وصلت إلى حد حبس الشخص أو أهله ، أو حتى جيرانه ، لإجباره على دفع حصته من شراء الزيت المفروض عليه ، إن سياسة الاحتكار الاقتصادي

__________________

(١) ينظر ص : ٣٩٤.

(٢) ينظر ص : ١١٣.

(٣) ينظر ص : ٢١٦.

(٤) ينظر ص : ٣٢٨.

(٥) ينظر ص : ٩٠ ، ١٠١ ، ١٠٢ ، ١٠٤.

(٦) ينظر ص : ٤١٦.

١٩

وإجبار الأهالي على شرائه بادرة تدل على مدى الظلم والجور والانتقام من أهالي القدس ، ويدل أيضا على اهتمام مجير الدين الحنبلي بالحديث عن التاريخ الاقتصادي في الفترة التي عاصرها ، وتفصيلها باهتمام كبير ، ويذكر في هذه الأحداث الأسعار ويقدر مدى الخسارة التي لحقت بالسكان من جراء هذه الممارسات ، وذكر الغلاء وارتفاع الأسعار (١).

٢ : ٥ ـ التراجم :

بالرغم من أن الأنس الجليل ليس كتاب تراجم بالمعنى المتعارف عليه ، إلا أن مجير الدين اهتم بتراجم بيت المقدس اهتماما واضحا وخصوصا القضاة ورجال العلم ، وقد ركز في الترجمة على ذكر اللقب والكنية ، المولد ، وحدد عمر المترجم له ، والسلاطين حدد فترة ولايتهم وذكر الصفات والشكل والوفاة وكيفيتها وتاريخها ومكانها ومكان الدفن لكثير مما ترجم لهم ، وذكر الأعمال التي قام بها صاحب الترجمة ، ولكن نجد أن مجير الدين قد أفرد عنوانا مستقلا لشيخه الكمالي وكأن ذلك نوع من العرفان بالجميل ، إذ اهتم مجير الدين الحنبلي اهتماما خاصا بالشيخ الكمالي الذي كان أحد أساتذته ، وأحد علماء وأعيان القدس الشريف. وكان القاضي الكمالي بن أبي شرف قد دخل في نزاع مع المقر الأشرفي السيفي أقباي كافل نيابة غزة ، وطلب على أثرها إلى القاهرة ، وكان محبوبا جدا من قبل سكان بيت المقدس ، وبعد أن وصل إلى القاهرة وتكلم في حضرة السلطان الأشرف قايتباي ، حتى أعجب برجاحة عقله ، فأنعم عليه برئاسة المدرسة الصلاحية بالقدس ، فكان له دور كبير في زيادة الوازع الديني لدى سكان هذه المدينة ، وتقوية علاقتها بالسلطة المملوكية إذ توجه مع جماعة من أعيان القدس إلى الرملة لملاقاة الأمير أقبردي الدودار الذي حضر لزيارة المدينة المقدسة في عام ٨٧٧ ه‍ / ١٤٧٢ م ، وقد ذكر أن له مكانة خاصة إذ كانت تصل إليه المراسيم التي تعالج شؤون المملكة (٢).

٢ : ٦ ـ الصراع على القدس :

موضوع حديث الصراع على القدس ، يتجدد باستمرار ، وبدأ الصراع عليها منذ فجر التاريخ مرورا بالحرب الصليبية وانتهاء بالاحتلال اليهودي لها سنة ١٩٦٧ م ، وينسحب هذا الكلام على زمن مجير الدين الحنبلي ، وإن كان أخف حدة في مظهره ، ولم يأخذ الطابع العسكري ، فيتجدد الصراع حول كنيس اليهود في هذه

__________________

(١) ينظر ص : ٤٣٥ ، ٤٥٤.

(٢) ينظر ص : ٤٧٤.

٢٠