🚘

البلاغة الواضحة

علي الحازم ومصطفى أمين

البلاغة الواضحة

المؤلف:

علي الحازم ومصطفى أمين


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: مؤسسة الصادق عليه السلام للطباعة والنشر
المطبعة: شريعت
الطبعة: ٥
الصفحات: ٣٠٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد ومن والاه ، وبعد ؛ فهذا كتاب وضعناه فى البلاغة ، واتجهنا فيه كثيرا إلى الأدب ، رجاء أن يجتلى الطّلّاب فيه محاسن العربية ، ويلمحوا ما فى أساليبها من جلال وجمال ، ويدرسوا من أفانين القول وضروب التعبير ، ما يهب لهم نعمة الذوق السليم ، ويربّى فيهم ملكة النّقد الصحيح ، وأملنا أن يكون لعملنا هذا شأن فى إحياء الأدب ، وتوجيه أذهان المعلمين والطّلاب إلى هذه الطريقة التى ابتكرناها فى دراسة البلاغة. ولعلنا نكون قد وفّقنا إلى ما قصدنا إليه ، والله خير مستعان.

٣
٤

مقدمة

الفصاحة ـ البلاغة ـ الأسلوب

الفصاحة : الظهور والبيان ، تقول : أفصح الصّبح إذا ظهر. والكلام الفصيح ما كان واضح المعنى ، سهل اللفظ ، جيّد السّبك. ولهذا وجب أن تكون كلّ كلمة فيه جارية على القياس الصّرفى (١) ، بينة فى معناها ، مفهومة ـ عذبة سلسة.

وإنما تكون الكلمة كذلك إذا كانت مألوفة الاستعمال بين النابهين من الكتاب والشعراء ، لأنها لم تتداولها ألسنتهم ، ولم تجر بها أقلامهم ، إلا لمكانها من الحسن باستكمالها جميع ما تقدم من نعوت الجودة وصفات الجمال.

والذوق السليم هو العمدة فى معرفة حسن الكلمات وسلاستها ، وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه ؛ لأن الألفاظ أصوات ، فالذى يطرب لصوت البلبل ، وينفر من أصوات البوم والغربان ، ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف (٢). ألا ترى أن كلمتى «المزنة» و «الدّيمة» للسحابة الممطرة ، كلتاهما سهلة عذبة يسكن إليها السمع ، بخلاف كلمة «البعاق» التى فى معناهما ؛ فإنها قبيحة تصك الآذان. وأمثال ذلك كثير فى مفردات اللغة تستطيع أن تدركه بذوقك.

__________________

(١) فقول المتنى :

فلا يبرم الأمر الذى هو حالل

ولا يحلل الأمر الذى هو يبرم

غير فصيح ؛ لأنه اشتمل على كلمتين غير جاريتين على القياس الصرفى ، وهما حالل ، ويحلل ، فإن القياس حال ويحل بالإدغام. (٢) تنافر الحروف : وصف فى الكلمة يوجب ثقلها على السمع وصعوبة أدائها باللسان ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة سوى الذوق السليم المكتسب بالنظر فى كلام البلغاء وممارسة أساليبهم.

٥

(١) ويشترط فى فصاحة التركيب فوق جريان كلماته على القياس الصحيح وسهولتها أن يسلم من ضعف التأليف ، وهو خروج الكلام عن قواعد اللغة المطردة كرجوع الضمير على متأخر لفظا ورتبة فى قول سيدنا حسان رضى الله عنه (١) :

ولو أنّ مجدا أخلد الدهر واحدا

من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما (٢)

فإن الضمير فى «مجده» راجع إلى «مطعما» وهو متأخر فى اللفظ كما ترى ، وفى الرتبة لأنه مفعول به ، فالبيت غير فصيح.

(٢) ويشترط أن يسلم التركيب من تنافر الكلمات ، فلا يكون اتّصال بعضها ببعض مما يسبّب ثقلها على السمع ، وصعوبة أدائها باللسان ، كقول الشاعر :

وقبر حرب بمكان قفر

وليس قرب قبر حرب قبر (٣)

قيل إن هذا البيت لا يتهيّأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات متواليات دون أن يتتعتع (٤) ، لأن اجتماع كلماته وقرب مخارج حروفها ، يحدثان ثقلا ظاهرا ، مع أن كل كلمة منه لو أخذت وحدها كانت غير مستكرهة ولا ثقيلة.

(٣) ويجب أن يسلم التركيب من التّعقيد اللفظى ، وهو أن يكون الكلام خفىّ الدلالة على المعنى المراد بسبب تأخير الكلمات أو تقديمها عن مواطنها الأصلية أو بالفصل بين الكلمات التى يجب أن تتجاور ويتّصل بعضها ببعض ، فإذا قلت : «ما قرأ إلّا واحدا محمد مع كتابا أخيه»

__________________

(١) هو شاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، أجمعت العرب على أنه أشعر أهل المدر. قيل إنه عاش ١٢٠ سنة ، ٦٠ فى الجاهلية و٦٠ فى الإسلام ، وتوفى سنة ٥٤ ه‍.

(٢) هو مطعم بن عدى أحد رؤساء المشركين ، وكان يذب عن النبى صلّى الله عليه وسلّم. ومعنى البيت أنه لو كان مجد الإنسان أو شرفه سببا لطول حياته وخلوده فى هذه الدنيا ، لكان مطعم بن عدى أولى الناس بالخلود ، لأنه حاز من المجد والسؤدد ما لم يحزه غيره.

(٣) البيت من الرجز ، ولا يعرف قائله ، ولعله مصنوع.

(٤) تتعتع فى الكلام : تردد فيه من حصر أو عى.

٦

كان هذا الكلام غير فصيح لضعف تأليفه ، إذ أصله «ما قرأ محمد مع أخيه إلا كتابا واحدا» ، فقدّمت الصفة على الموصوف ، وفصل بين المتلازمين ، وهما أداة الاستثناء والمستثنى ، والمضاف والمضاف إليه. ويشبه ذلك قول أبى الطّيب المتنبى (١) :

أنّى يكون أبا البريّة آدم

وأبوك والثّقلان أنت محمّد؟ (٢)

والوضع الصحيح أن يقول : كيف يكون آدم أبا البرية ، وأبوك محمد ، وأنت الثقلان؟ يعنى أنه قد جمع ما فى الخليقة من الفضل والكمال ، فقد فصل بين المبتدأ والخبر وهما «أبوك محمد» ، وقدّم الخبر على المبتدأ تقديما قد يدعو إلى اللبس فى قوله «والثقلان أنت» ، على أنه بعد التعسف لم يسلم كلامه من سخف وهذر.

(٤) ويجب أن يسلم التركيب من التعقيد المعنوى ، وهو أن يعمد المتكلم إلى التعبير عن معنى فيستعمل فيه كلمات فى غير معانيها الحقيقية ، فيسىء اختيار الكلمات للمعنى الذى يريده ، فيضطرب التعبير ويلتبس الأمر على السامع. مثال ذلك أن كلمة اللسان تطلق أحيانا ويراد بها اللغة ، قال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) أى ناطقا بلغة قومه ، وهذا استعمال صحيح فصيح ، فإذا استعمل إنسان هذه الكلمة فى الجاسوس ، وقال : «بثّ الحاكم ألسنته فى المدينة» كان مخطئا ، وكان فى كلامه تعقيد معنوى ، ومن ذلك قول امرىء القيس (٣) فى وصف فرس :

وأركب فى الرّوع خيفانة

كسا وجهها سعف منتشر (٤)

__________________

(١) أبو الطيب المتنبى هو أحمد بن الحسين الشاعر الطائر الصيت ، كان من المطلعين على غريب اللغة ، وشعره غاية فى الجودة ، يمتاز بالحكمة وضرب الأمثال وشرح أسرار النفوس ، ولد بالكوفة فى محلة تسمى كندة سنة ٣٠٣ ه‍ ، وتوفى سنة ٣٥٤ ه‍.

(٢) الثقلان : الإنس والجن ، والبيت من قصيدة طويلة فى مدح شجاع بن محمد الطائى.

(٣) هو رأس شعراء الجاهلية وقائدهم إلى الافتنان فى أبواب الشعر وضروبه ، ولد سنة ١٣٠ ق ه ، وآباؤه من أشراف كندة وملوكها ، وتوفى سنة ٨٠ ق ه ، وله المعلقة المشهورة.

(٤) الروع : الفزع ، والسعف جمع سعفة : وهى غصن النخل.

٧

الخيفانة فى الأصل الجرادة ، ويريد بها هنا الفرس الخفيفة ، وهذا لا بأس به وإن كان تشبيه الفرس بالجرادة لا يخلو من ضعف ، أما وصف هذه الفرس بأن شعر ناصيتها طويل كسعف النخل يغطّى وجهها ، فغير مقبول ؛ لأن المعروف عند العرب أن شعر الناصية إذا غطّى العينين لم تكن الفرس كريمة ولم تكن خفيفة. ومن التعقيد المعنوى قول أبى تمّام (١) :

جذبت نداه غدوة السّبت جذبة

فخرّ صريعا بين أيدى القصائد (٢)

فإنه ما سكت حتى جعل كرم ممدوحه يخرّ صريعا وهذا من أقبح الكلام.

* * *

أما البلاغة فهى تأدية المعنى الجليل واضحا بعبارة صحيحة فصيحة ، لها فى النفس أثر خلاب ، مع ملاءمة كلّ كلام للموطن الذى يقال فيه ، والأشخاص الذين يخاطبون.

فليست البلاغة قبل كل شىء إلّا فنّا من الفنون يعتمد على صفاء الاستعداد الفطرى ودقة إدراك الجمال ، وتبين الفروق الخفية بين صنوف الأساليب ، وللمرانة يد لا تجحد فى تكوين الذوق الفنّى ، وتنشيط المواهب الفاترة ، ولا بد للطالب إلى جانب ذلك من قراءة طرائف الأدب ، والتّملؤ من نميره الفياض ، ونقد الآثار الأدبية والموازنة بينها ، وأن يكون له من الثقة بنفسه ما يدفعه إلى الحكم بحسن ما يراه حسنا وبقبح ما يعدّه قبيحا.

وليس هناك من فرق بين البليغ والرّسام إلا أنّ هذا يتناول المسموع من الكلام ، وذلك يشاكل بين المرئى من الألوان والأشكال ، أما فى غير ذلك فهما سواء ، فالرّسام إذا همّ برسم صورة فكّر فى الألوان الملائمة لها ، ثم فى

__________________

(١) أبو تمام : هو حبيب بن أوس الطائى الشاعر المشهور. كان واحد عصره فى الغوص وراء المعانى وفصاحة الشعر وكثرة المحفوظ ، وتوفى بالموصل سنة ٢٣١ ه‍.

(٢) الندى : الجود. وخر صريعا : سقط على الأرض.

٨

تأليف هذه الألوان بحيث تختلب الأبصار وتثير الوجدان ، والبليغ إذا أراد أن ينشئ قصيدة أو مقالة أو خطبة فكر فى أجزائها ، ثم دعا إليه من الألفاظ والأساليب أخفها على السمع ، وأكثرها اتصالا بموضوعه. ثم أقواها أثرا فى نفوس سامعيه وأروعها جمالا.

فعناصر البلاغة إذا لفظ ومعنى وتأليف للألفاظ يمنحها قوة وتأثيرا وحسنا. ثم دقة فى اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعاته وحال السامعين والنّزعة النفسية التى تتملّكهم وتسيطر على نفوسهم ، فربّ كلمة حسنت فى موطن ثم كانت نابية مستكرهة فى غيره. وقديما كره الأدباء كلمة «أيضا» وعدّوها من ألفاظ العلماء فلم تجربها أقلامهم فى شعر أو نثر حتى ظهر بينهم من قال :

ربّ ورقاء هتوف فى الضّحا

ذات شجو صدحت فى فنن (١)

ذكرت إلفا ودهرا سالفا

فبكت حزنا فهاجت حزنى (٢)

فبكائى ربّما أرّقها

وبكاها ربّما أرّقنى (٣)

ولقد تشكو فما أفهمها

ولقد أشكو فما تفهمنى

غير أنّى بالجوى أعرفها

وهى «أيضا» بالجوى تعرفنى (٤)

فوضع «أيضا» فى مكان لا يتطلب سواها ولا يتقبّل غيرها ، وكان لها من الرّوعة والحسن فى نفس الأديب ما يعجز عنها البيان.

وربّ كلام كان فى نفسه حسنا خلابا حتى إذا جاء فى غير مكانه ، وسقط فى غير مسقطه ، خرج عن حدّ البلاغة ، وكان غرضا لسهام الناقدين.

__________________

(١) الورقاء : الحمامة فى لونها بياض إلى سواد. والهتوف : كثيرة الصياح. والشجو : الهم والحزن. والصدح : رفع الصوت بالغناء ، والفنن : الغصن.

(٢) الإلف : الأليف

(٣) الأرق : السهر ، وأرقها : أسهرها.

(٤) الجوى : الحرقة وشدة الوجد.

٩

ومن أمثلة ذلك قول المتنبى لكافور الإخشيدى (١) فى أول قصيدة مدحه بها :

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا (٢)

وقوله فى مدحه :

وما طربى لمّا رأيتك بدعة

لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب

قال الواحدىّ (٣) : هذا البيت يشبه الاستهزاء فإنه يقول : طربت عند رؤيتك كما يطرب الإنسان لرؤية المضحكات. قال ابن جنّى (٤) : لما قرأت على أبى الطيب هذا البيت قلت له : ما زدت على أن جعلت الرجل قردا ، فضحك. ونرى أن المتنبى كان يغلى صدره حقدا على كافور وعلى الأيام التى ألجأته إلى مدحه ؛ فكانت تفر من لسانه كلمات لا يستطيع احتباسها وقديما زلّ الشعراء لمعنى أو كلمة نفّرت سامعيهم ، فأخرجت كلامهم عن حد البلاغة ، فقد حكوا أن أبا النجم (٥) دخل على هشام ابن عبد الملك وأنشده :

صفراء قد كادت ولمّا تفعل

كأنّها فى الأفق عين الأحول (٦)

__________________

(١) كافور الإخشيدى : هو الأمير المشهور صاحب المتنبى ، وكان عبدا اشتراه الإخشيد ملك مصر سنة ٣١٢ ه‍ فنسب إليه وأعتقه ، فترقى عنده ، وما زالت همته تسمو به حتى ملك مصر سنة ٣٥٥ ه‍ ، وكان مع شجاعته فطنا ذكيا حسن السياسة ، وتوفى بالقاهرة سنة ٣٥٧ ه

(٢) كفى بك : أى كفاك فالباء زائدة ، والمنايا جمع منية وهى الموت ، والأمانى : جمع أمنية وهى الشىء الذى تتمناه ؛ يخاطب أبو الطيب نفسه ويقول : كفاك داء رؤيتك الموت شافيا لك ، وكفى المنية أن تكون شيئا تتمناه.

(٣) الواحدى : مفسر عالم بالأدب ، مولده ووفاته بنيسابور ، وكتبه البسيط والوسط والوجيز فى التفسير مخطوطة ، وشرحه لديوان المتنبى مطبوع توفى سنة ٤٦٨ ه‍.

(٤) ابن جنى : هو من أئمة النحو والعربية ولد فى الموصل وتوفى ببغداد سنة ٣٩٢ ه‍. ومن مؤلفاته الخصائص فى اللغة ، وكان المتنى يقول : ابن جنى أعرف بشعرى منى.

(٥) أبو النجم : هو الفضل بن قدامة ، وهو من رجال الإسلام ، والفحول المتقدمين فى الطبقة الأولى منهم ، وله مع هشام بن عبد الملك أخبار طويلة ، وكانت وفاته آخر دولة بنى أمية.

(٦) قيل هما البيت فى وصف الشمس ، والأحول : من بعينه حول. وهو ظهور البياض فى مؤخر العين ، ويكون السواد من قبل الماق.

١٠

وكان هشام أحول فأمر بحبسه.

ومدح جرير (١) عبد الملك بن مروان بقصيدة مطلعها :

«أتصحو أم فؤادك غير صاح» فاستنكر عبد الملك هذا الابتداء وقال له : بل فؤادك أنت.

ونعى علماء الأدب على البحترى (٢) أن يبدأ قصيدة ينشدها أمام ممدوحه بقوله :

«لك الويل من ليل تقاصر آخره».

وعابوا على المتنبى قوله فى رثاء أمّ سيف الدولة (٣) :

صلاة الله خالقنا حنوط

على الوجه المكفّن بالجمال (٤)

قال ابن وكيع (٥) : إن وصفه أمّ الملك بجمال الوجه غير مختار.

وفى الحق أن المتنبى كان جريئا فى مخاطبة الملوك ، ولعلّ لعظم نفسه وعبقريّته شأنا فى هذا الشذوذ.

إذن لا بدّ للبليغ أولا من التفكير فى المعانى التى تجيش فى نفسه ، وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة وقوة يظهر فيها أثر الابتكار

__________________

(١) جرير : هو ابن عطية التميمى ، أحد الشعراء الثلاثة المقدمين فى دولة بنى أمية ، وهم الأخطل ، وجرير ، والفرزدق ، وقد فاق صاحبيه فى بعض فنون الشعر ، وتوفى سنة ١١٠ ه

(٢) البحترى شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية ، سئل أبو العلاء المعرى : من أشعر الثلاثة ، أبو تمام أم البحترى أم المتنبى؟ فقال : أبو تمام والمتنبى حكيمان ، وإنما الشاعر البحترى. وكانت ولادته بمنبج (وهى بلدة قديمة بين حلب والفرات) ، وتوفى بها سنة ٢٨٤ ه‍.

(٣) سيف الدولة : هو أبو الحسن على بن عبد الله بن حمدان ، كان ملكا على حلب ، وكان أديبا شاعرا مجيدا محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز له ؛ قيل لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشعراء ، وقد انقطع المتنبى إليه وخصه بمدائحه. وكانت ولادته سنة ٣٠٣ ه‍ وهى سنة ولادة المتنبى ، ووفاته سنة ٣٥٦ ه‍ بعد مقتل المتنبى بسنتين.

(٤) الصلاة : الرحمة ، والحنوط : طيب يخلط الميت. يدعو لها بأن تكون رحمة الله لها بمنزلة الحنوط للميت. (٥) ابن وكيع : شاعر مجيد ، أصله من بغداد ، ولد فى تنيس بمصر وتوفى بها سنة ٣٩٣ ه‍ وله ديوان شعر.

١١

وسلامة النظر ودقة الذوق فى تنسيق المعانى وحسن ترتيبها ، فإذا تم له ذلك عمد إلى الألفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة ، فألف بينها تأليفا يكسبها جمالا وقوّة ، فالبلاغة ليست فى اللفظ وحده ، وليست فى المعنى وحده ، ولكنها أثر لازم لسلامة تأليف هذين وحسن انسجامهما.

* * *

بعد هذا يحسن بك أن تعرف شيئا عن الأسلوب الذى هو المعنى المصوغ فى ألفاظ مؤلفة على صورة تكون أقرب لنيل الغرض المقصود من الكلام وأفعل فى نفوس سامعيه ، وأنواع الأساليب ثلاثة :

(١) الأسلوب العلمى : وهو أهدأ الأساليب ، وأكثرها احتياجا إلى المنطق السليم والفكر المستقيم ، وأبعدها عن الخيال الشّعرىّ ، لأنه يخاطب العقل ، ويناجى الفكر ويشرح الحقائق العلمية التى لا تخلو من غموض وخفاء ، وأظهر ميزات هذا الأسلوب الوضوح. ولا بد أن يبدو فيه أثر القوة والجمال ، وقوته فى سطوع بيانه ورصانة حججه ، وجماله فى سهولة عباراته ، وسلامة الذوق فى اختيار كلماته ، وحسن تقريره المعنى فى الأفهام من أقرب وجوه الكلام.

فيجب أن يعنى فيه باختيار الألفاظ الواضحة الصريحة فى معناها الخالية من الاشتراك ، وأن تؤلّف هذه الألفاظ فى سهولة وجلاء ، حتى تكون ثوبا شفّا للمعنى المقصود ، وحتى لا تصبح مثارا للظنون ، ومجالا للتوجيه والتأويل.

ويحسن التنّحى عن المجاز ومحسّنات البديع فى هذا الأسلوب ؛ إلّا ما يجىء من ذلك عفوا من غير أن يمسّ أصلا من أصوله أو ميزة من ميزاته. أما التشبيه الذى يقصد به تقريب الحقائق إلى الأفهام وتوضيحها بذكر مماثلها ، فهو فى هذا الأسلوب حسن مقبول.

ولسنا فى حاجة إلى أن نلقى عليك أمثلة لهذا النوع ، فكتب الدراسة

١٢

التى بين يديك تجرى جميعها على هذا النحو من الأساليب.

(٢) الأسلوب الأدبى : والجمال أبرز صفاته ، وأظهر مميّزاته ، ومنشأ جماله ما فيه من خيال رائع ، وتصوير دقيق ، وتلمّس لوجوه الشبه البعيدة بين الأشياء ، وإلباس المعنوىّ ثوب المحسوس ، وإظهار المحسوس فى صورة المعنوىّ.

فالمتنبى لا يرى الحمّى الراجعة كما يراها الأطباء أثرا لجراثيم تدخل الجسم ، فترفع حرارته ، وتسبب رعدة وقشعريرة. حتى إذا فرغت نوبتها تصبّب الجسم عرقا ، ولكنه يصوّرها كما تراها فى الأبيات الآتية :

وزائرتى كأنّ بها حياء

فليس تزور إلّا فى الظّلام (١)

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت فى عظامى (٢)

يضيق الجلد عن نفسى وعنها

فتوسعه بأنواع السّقام (٣)

كأنّ الصبح يطردها فتجرى

مدامعها بأربعة سجام

أراقب وقتها من غير شوق

مراقبة المشوق المستهام (٤)

ويصدق وعدها والصّدق شرّ

إذا ألقاك فى الكرب العظام (٥)

أبنت الدّهر عندى كلّ بنت

فكيف وصلت أنت من الزّحام؟ (٦)

والغيوم لا يراها ابن الخياط (٧) كما يراها العالم بخارا متراكما يحول

__________________

(١) الواو واو رب أى رب زائرة لى ، يريد بهذه الزائرة الحمى وكانت تأتيه ليلا ، يقول : كأنها فتاة ذات حياء ؛ فهى تزورنى تحت سواد الليل.

(٢) المطارف : جمع مطرف كمكرم وهو رداء من خز ، الحشايا : جمع حشية وهى الفراش المحشو ، وعافتها : أبتها. يقول هذه الزائرة أى الحمى لا تبيت فى الفراش ، وإنما تبيت فى العظام.

(٣) يقول : جلدى يضيق عن أن بسع أنفاسى ويسعها ، فهى تذيب جسمى وتوسع جلدى بما تصيبه به من أنواع السقام.

(٤) يقول إنه يراقب وقت زيارتها خوفا لا شوقا.

(٥) يريد بوعدها وقت زيارتها ، ويقول إنها صادقة الوعد لأنها لا تتخلف عن ميقاتها ، وذلك الصدق شر ، لأنها تصدق فيما يضر.

(٦) يريد ببنت الدهر الحمى ، وبنات الدهر شدائده ، يقول للحمى : عندى كل نوع من أنواع الشدائد ، فكيف لم يمنعك ازدحامهن من الوصول إلى؟

(٧) ابن الخياط : شاعر من أهل دمشق ، طاف بالبلاد يمتدح الناس ، وعظمت شهرته. وله ديوان شعر مشهور ، توفى بدمشق سنة ٥١٧ ه‍.

١٣

إلى ماء إذا صادف فى الجوّ طبقة باردة ولكنه يراها :

كأن الغيوم جيوش تسوم

من العدل فى كلّ أرض صلاحا (١)

إذا قاتل المحل فيها الغمام

بصوب الرّهام أجاد الكفاحا (٢)

يقرطس بالطّلّ فيه السّهام

ويشرع بالوبل فيه الرّماحا (٣)

وسلّ عليه سيوف البروق

فأثخن بالضرب فيه الجراحا (٤)

ترى ألسن النور تثنى عليه

فتعجب منهن خرسا فصاحا (٥)

وقد يتظاهر الأديب بإنكار أسباب حقائق العلم ، ويتلمس لها من خياله أسبابا تثبت دعواه الأدبية وتقوّى الغرض الذى ينشده ، فكلف البدر الذى يظهر فى وجهه ليس ناشئا عما فيه من جبال وقيعان جافة كما يقول العلماء ، لأن المعرّى (٦) يرى لذلك سببا آخر فيقول فى الرثاء :

وما كلفة البدر المنير قديمة

ولكنها فى وجهه أثر اللّطم (٧)

ولا بد فى هذا الأسلوب من الوضوح والقوة ؛ فقول المتنبى :

قفى تغرم الأولى من اللّحظ مهجتى

بثانية والمتلف الشىء غارمه (٨)

غير بليغ ؛ لأنه يريد أنه نظر إليها نظرة أتلفت مهجته ، فيقول لها قفى لأنظرك نظرة أخرى ترد إلىّ مهجتى وتحييها ، فإن فعلت كانت النظرة غرما لما أتلفته النظرة الأولى.

__________________

(١) تسوم من العدل فى كل أرض صلاحا ، أى تولى كل أرض صلاحا بالخصب والنماء.

(٢) المحل : الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ ، والصواب : نزول المطر ، والرهام : جمع رهمة وهى المطر الضعيف الدائم ، والكفاح : القتال والمدافعة.

(٣) القرطاس : الغرض أو الهدف ، ويقال قرطس الرامى إذا أصاب القرطاس أى الغرض ، فهو يقول : إن الغمام يسدد السهام إلى المحل فيقضى عليه ، ومعنى يشرع الرماح يسددها ، والوبل : المطر الشديد الضخم القطر.

(٤) أثخن بالضرب فيه الجراح : بالغ الجراحة فيه.

(٥) النور : الزهر.

(٦) المعرى : هو أبو العلاء المعرى اللغوى الفيلسوف الشاعر المشهور ، ولد بالمعرة وهى بلد صغير بالشام ، وعمى من الجدرى وهو فى الرابعة من عمره ، وتوفى بالمعرة سنة ٤٤٩ ه

(٧) الكلفة : حمرة كدرة تعلو الوجه.

(٨) غرم ما أتلفه : لزمه أداؤه ، وتغرم جواب قفى وفاعله الأولى ، ومن اللحظ بيان للأولى ، ومهجتى مفعول تغرم.

١٤

فانظر كيف عانينا طويلا فى شرح هذا الكلام الموجز الذى سبّب ما فيه من حذف وسوء تأليف شدة خفائه وبعده عن الأذهان ، مع أن معناه جميل بديع ، وفكرته مؤيّدة بالدليل.

وإذا أردت أن تعرف كيف تظهر القوة فى هذا الأسلوب ، فاقرأ قول المتنبى فى الرثاء :

ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى

رضوى على أيدى الرجال يسير (١)

ثم اقرأ قول ابن المعتز (٢) :

قد ذهب الناس ومات الكمال

وصاح صرف الدّهر أين الرجال؟

هذا أبو العبّاس فى نعشه

قوموا انظروا كيف تسير الجبال

تجد أن الأسلوب الأول هادى مطمئن ، وأن الثانى شديد المرّة عظيم القوة وربما كانت نهاية قوته فى قوله ؛ «وصاح صرف الدهر أين الرجال» ثم فى قوله : «قوموا انظروا كيف تسير الجبال».

وجملة القول أن هذا الأسلوب يجب أن يكون جميلا رائعا بديع الخيال ، ثم واضحا قويّا. ويظن الناشئون فى صناعة الأدب أنه كلما كثر المجاز ، وكثرت التشبيهات والأخيلة فى هذا الأسلوب زاد حسنه ، وهذا خطأ بيّن ، فإنه لا يذهب بجمال هذا الأسلوب أكثر من التكلف ، ولا يفسده شرّ من تعمّد الصناعة. ونعتقد أنه لا يعجبك قول الشاعر :

فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت

وردا وعضّت على العنّاب بالبرد (٣)

هذا ومن السهل عليك أن تعرف أن الشعر والنثر الفنى هما موطنا

__________________

(١) رضوى : اسم جبل بالمدينة ، شبه المرثى به لعظمته وفخامة قدره.

(٢) ابن المعتز : هو عبد الله بن المعتز العباسى ، أحد الخلفاء العباسيين ، منزلته فى الشعر والنثر رفيعة. ويشتهر بتشبيهاته الرائعة ، وهو أول من كتب فى البديع ، توفى سنة ٢٩٦ ه‍.

(٣) العناب : ثمر أحمر تشبه به الأنامل ، والبرد ، حب الغمام وتشبه به الأسنان.

١٥

هذا الأسلوب ففيهما يزدهر وفيهما يبلغ قنّة الفنّ والجمال.

(٣) الأسلوب الخطابى : هنا تبرز قوة المعانى والألفاظ ، وقوة الحجة والبرهان ، وقوة العقل الخصيب ، وهنا يتحدث الخطيب إلى إرادة سامعيه لإثارة عزائمهم واستنهاض هممهم ، ولجمال هذا الأسلوب ووضوحه شأن كبير فى تأثيره ووصوله إلى قرارة النفوس ، ومما يزيد فى تأثير هذا الأسلوب منزلة الخطيب فى نفوس سامعيه وقوة عارضته ، وسطوع حجته ، ونبرات صوته ، وحسن إلقائه ، ومحكم إشارته.

ومن أظهر مميزات هذا الأسلوب التكرار ، واستعمال المترادفات ، وضرب الأمثال ، واختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين ، ويحسن فيه أن تتعاقب ضروب التعبير من إخبار إلى استفهام إلى تعجب إلى استنكار ، وأن تكون مواطن الوقف فيه قوية شافية للنفس. ومن خير الأمثلة لهذا الأسلوب خطبة على بن أبى طالب (١) رضى الله عنه لمّا أغار سفيان بن عوف الأسدى (٢) على الأنبار (٣) وقتل عامله عليها :

«هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار وقتل حسّان البكرى (٤) وأزال خيلكم عن مسالحها (٥) وقتل منكم رجالا صالحين.

«وقد بلغنى أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة (٦) ، فينزع حجلها (٧) ، وقلبها (٨) ، ورعاثها (٩) ، ثم انصرفوا

__________________

(١) على بن أبى طالب : هو رابع الخلفاء الراشدين ، وأحد السابقين إلى الإسلام ، وابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وصهره وقد اشتهر ببلاغته وشجاعته ، توفى سنة ٤٠ ه‍.

(٢) سفيان بن عوف الأسدى : هو أحد بنى غامد ، وهى قبيلة باليمن ، وقد بعثه معاوية لشن الغارة على أطراف العراق.

(٣) الأنبار : بلدة على الشاطىء الشرقى للفرات.

(٤) حسان البكرى : هو عامل على رضى الله عنه على الأنبار.

(٥) المسالح جمع مسلحة بالفتح : وهى الثغر حيث يخشى طروق العدو.

(٦) المعاهدة : الذمية

(٧) الحجل : الخلخال.

(٨) القلب بالضم : السوار.

(٩) الرعاث : جمع رعثة ، القرط.

١٦

وافرين (١) ما نأل رجلا منهم كلم (٢) ، ولا أريق لهم دم ، فلو أن رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ، ما كان به ملوما ، بل كان عندى جديرا.

«فواعجبا من جدّ هؤلاء فى باطلهم ، وفشلكم عن حقّكم. فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى (٣) ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون (٤)».

فانظر كيف تدرج ابن أبى طالب فى إثارة شعور سامعيه حتى وصل إلى القمّة فانه أخبرهم بغزو الأنبار أولا ، ثم بقتل عامله ، وأنّ ذلك لم يكف سفيان بن عوف فأغمد سيوفه فى نحور كثير من رجالهم وأهليهم.

ثم توجه فى الفقرة الثانية إلى مكان الحميّة فيهم ، ومثار العزيمة والنخوة من نفس كل عربى كريم ، ألا وهو المرأة ، فإن العرب تبذل أرواحها رخيصة فى الذود عنها ، والدفاع عن خدرها. فقال : إنهم استباحوا حماها ، وانصرفوا آمنين.

وفى الفقرة الثالثة أظهر الدّهش والحيرة من تمسك أعدائه بالباطل ومناصرته ، وفشل قومه عن الحق وخذلانه. ثم بلغ الغيظ منه مبلغه فعيّرهم بالجبن والخور.

هذا مثال من أمثلة الأسلوب الخطابى نكتفى به فى هذه العجالة ، ونرجو أن نكون قد وفقنا إلى بيان أسرار البلاغة فى الكلام وأنواع أساليبه ، حتى يكون الطالب خبيرا بأفانين القول ، ومواطن استعمالها وشرائط تأديتها ، والله الموفق.

__________________

(١) وافرين : تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم.

(٢) الكلم بالفتح : الجرح.

(٣) الغرض : ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها.

(٤) يشير بالعصيان إلى ما كان يفعله جيش معاوية من السلب والنهب والقتل فى المسلمين والمعاهدين ، أما رضا أهل العراق بهذا العصيان فكناية عن قعودهم عن المدافعة ، إذ لو غضبوا لهموا إلى القتال.

١٧

علم البيان

التشبيه

(١) أركانه

الأمثلة

(١) قال المعرّى فى المديح :

أنت كالشّمس فى الضّياء وإن جا

وزت كيوان فى علوّ المكان (١)

(٢) وقال آخر :

أنت كاللّيث فى الشّجاعة والإقدام

والسّيف فى قراع الخطوب (٢)

(٣) وقال آخر :

كأنّ أخلاقك فى لطفها

ورقّة فيها نسيم الصّباح

(٤) وقال آخر :

كأنّما الماء فى صفاء

وقد جرى ذائب اللّجين (٣)

البحث :

فى البيت الأول عرف الشاعر أن ممدوحه وضىء الوجه متلألئ الطلعة ، فأراد أن يأتى له بمثيل تقوى فيه الصفة ، وهى الضياء والإشراق فلم يجد أقوى من الشمس ، فضاهاه بها ، ولبيان المضاهاة أتى بالكاف.

وفى البيت الثانى رأى الشاعر ممدوحه متصفا بوصفين ، هما الشجاعة ومصارعة الشدائد ، فبحث له عن نظيرين فى كلّ منهما إحدى هاتين

__________________

(١) كيوان : زحل ، وهو أعلى الكواكب السيارة.

(٢) قراع الخطوب : مصارعة الشدائد والتغلب عليها.

(٣) اللجين : الفضة.

١٨

الصفتين قوية ، فضاهاه بالأسد فى الأولى ، وبالسيف فى الثانية ، وبيّن هذه المضاهاة بأداة هى الكاف.

وفى البيت الثالث وجد الشاعر أخلاق صديقه دمثة لطيفة ترتاح لها النفس ، فعمل على أن يأتى لها بنظير تتجلّى فيه هذه الصّفة وتقوى ، فرأى أن نسيم الصباح كذلك فعقد المماثلة بينهما ، وبيّن هذه المماثلة بالحرف «كأن».

وفى البيت الرابع عمل الشاعر على أن يجد مثيلا للماء الصافى تقوى فيه صفة الصفاء ، فرأى أن الفضة الذائبة تتجلّى فيها هذه الصفة فماثل بينهما ، وبيّن هذه المماثلة بالحرف «كأن».

فأنت ترى فى كل بيت من الأبيات الأربعة أن شيئا جعل مثيل شىء فى صفة مشتركة بينهما ، وأن الذى دلّ على هذه المماثلة أداة هى الكاف أو كأن ، وهذا ما يسمّى بالتشبيه ، وقد رأيت أن لا بدّ له من أركان أربعة : الشىء الذى يراد تشبيهه ويسمى المشبه ، والشىء الذى يشبّه به ويسمى المشبه به ، (وهذان يسميان طرفى التشبيه) ؛ والصفة المشتركة بين الطرفين وتسمى وجه الشبه ، ويجب أن تكون هذه الصفة فى المشبّه به أقوى وأشهر منها فى المشبّه كما رأيت فى الأمثلة ، ثم أداة التشبيه وهى الكاف وكأن ونحوهما (١).

ولا بد فى كل تشبيه من وجود الطرفين ، وقد يكون المشبه محذوفا للعلم به ولكنه يقدّر فى الإعراب ، وهذا التقدير بمثابة وجوده كما إذا سئلت «كيف على»؟ فقلت : «كالزهرة الذابلة» فإن «كالزهرة» خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير هو الزهرة الذابلة ، وقد يحذف وجه الشبه ، وقد تحذف الأداة. كما سيبين لك فيما بعد.

__________________

(١) أداة التشبيه إما اسم ، نحو شبه ومثل ومماثل وما رادفها ، وإما فعل ، يشبه ويماثل ويضارع ويحاكى ويشابه ، وإما حرف ، وهو الكاف وكان.

١٩

القواعد

(١) التّشبيه : بيان أنّ شيئا أو أشياء شاركت غيرها فى صفة أو أكثر ، بأداة هى الكاف أو نحوها ملفوظة أو ملحوظة.

(٢) أركان التّشبيه أربعة ، هى : المشبّه ، والمشبّه به ، ويسمّيان طرفى التّشبيه ، وأداة التّشبيه ، ووجه الشّبه ، ويجب أن يكون أقوى وأظهر فى المشبّه به منه فى المشبّه.

نموذج

قال المعرى :

ربّ ليل كأنّه الصّبح فى الحس

ن وإن كان أسود الطّيلسان (١)

* * *

وسهيل كوجنة الحبّ فى اللّو

ن وقلب المحبّ فى الخفقان (٢)

الشبه

الشبه به

الأداة

وجه الشبه

الضمير في كأنه

العائد في الليل

الصبح

كأن

الحسن

سهيل

وجنة الحب

الكاف

اللون والاحمرار

سهيل

قلب الحب

الكاف «مقدرة»

الخفقان

__________________

(١) الطيلسان : كساء واسع يلبسه الخواص من العلماء ، وهو من لباس العجم ، جمعه طيالس وطيالسة.

(٢) سهيل : كوكب ضوؤه يضرب إلى الحمرة فى اهتزاز واضطراب ، الحب : الحبيب. والخفقان : الاضطراب.

٢٠