🚖

سلامة القرآن من التحريف

علي موسى الكعبي

سلامة القرآن من التحريف

المؤلف:

علي موسى الكعبي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٢
ISBN: 964-8629-49-8
الصفحات: ١١١
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة



نماذج من روايات التحريف في كتب أهل السُنّة

نذكر هنا جملة من الروايات الموجودة في كتب أهل السُنّة ، ونبيّن ما ورد في تأويلها ، وما قيل في بطلانها وانكارها ، وعلىٰ هذه النماذج يقاس ما سواها ، وهي علىٰ طوائف :

الطائفة الأُولىٰ : الروايات التي ذكرت سوراً أو آيات زُعِم أنّها كانت من القرآن وحُذِفت منه ، أو زعم البعض نسخ تلاوتها ، أو أكلها الداجن ، نذكر منها :

الأُولىٰ : أنّ سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة :

١ ـ رُوي عن عائشة : « أنّ سورة الأحزاب كانت تُقْرأ في زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مائتي آية ، فلم نقدر منها إلّا علىٰ ما هو الآن » (١). وفي لفظ الراغب : « مائة آية » (٢).

٢ ـ ورُوي عن عمر وأُبي بن كعب وعكرمة مولىٰ ابن عباس : « أنّ سورة الأحزاب كانت تقارب سورة البقرة ، أو هي أطول منها ، وفيها كانت آية الرجم » (٣).

٣ ـ وعن حذيفة : « قرأتُ سورة الأحزاب علىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنسيتُ منها

______________________

(١) الاتقان ٣ : ٨٢ ، تفسير القرطبي ١٤ : ١١٣ ، مناهل العرفان ١ : ٢٧٣ ، الدرّ المنثور ٦ : ٥٦٠.

(٢) محاضرات الراغب ٢ : ٤ / ٤٣٤.

(٣) الاتقان ٣ : ٨٢ ، مسند أحمد ٥ : ١٣٢ ، المستدرك ٤ : ٣٥٩ ، السنن الكبرىٰ ٨ : ٢١١ ، تفسير القرطبي ١٤ : ١١٣ ، الكشاف ٣ : ٥١٨ ، مناهل العرفان ٢ : ١١١ ، الدر المنثور ٦ : ٥٥٩.

٦١

سبعين آية ما وجدتها » (١).

وقد حمل ابن الصلاح المدّعىٰ زيادته علىٰ التفسير ، وحمله السيوطي وابن حزم علىٰ نسخ التلاوة ، والمتأمّل لهذه الروايات يلاحظ وجود اختلاف فاحش بينها في مقدار ما كانت عليه سورة الأحزاب ، الأمر الذي يشير إلىٰ عدم صحّة هذه النصوص وبطلانها ، أمّا آية الرجم الواردة في الحديث الثاني فستأتي في القسم الرابع من هذه الطائفة.

الثانية : لو كان لابن آدم واديان...

رُوي عن أبي موسىٰ الأشعري أنّه قال لقرّاء البصرة : « كنّا نقرأ سورة نُشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها ، غير أنّي حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغىٰ وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب » (٢).

وقد حمل ابن الصلاح هذا الحديث علىٰ السُنّة ، قال : « إنّ هذا معروف في حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ أنّه من كلام الرسول ، لا يحكيه عن ربِّ العالمين في القرآن ويؤيّده حديث روي عن العباس بن سهل ، قال : سمعت ابن الزبير علىٰ المنبر يقول : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أنّ ابن آدم أُعطي واديان.. » وعدّه الزبيدي الحديث الرابع والأربعين من الأحاديث المتواترة وقال : « رواه من الصحابة خمسة عشر نفساً » (٣). ورواه أحمد في

______________________

(١) الدر المنثور ٦ : ٥٥٩.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٧٢٦ / ١٠٥٠.

(٣) مقدمتان في علوم القرآن : ٨٥ ـ ٨٨.

٦٢

( المسند ) عن أبي واقد الليثي علىٰ أنّه حديث قدسيّ (١).

أمّا إخبار أبي موسىٰ بأنّه كان ثمّة سورة تشبه براءة في الشدّة والطول ، فلو كانت لحصل العلم بها ، ولما غفل عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة وكُتّاب الوحي وحُفّاظه وقُرّاؤه.

الثالثة : سورتا الخلع والحفد.

روي أنّ سورتي الخلع والحفد كانتا في مصحف ابن عباس وأُبي بن كعب وابن مسعود ، وأنّ عمر بن الخطاب قنت بهما في الصلاة ، وأنّ أبا موسىٰ الأشعري كان يقرأهما.. وهما :

١ ـ « اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ».

٢ ـ «اللّهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعىٰ ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشىٰ عذابك ، إنّ عذابك بالكافرين ملحق » (٢).

وقد حملهما الزرقاني والباقلاني والجزيري وغيرهم علىٰ الدعاء ، وقال صاحب الانتصار : « إنّ كلام القنوت المروي : أنّ أُبي بن كعب أثبته في مصحفه ، لم تقم الحجّة بأنّه قرآن منزل ، بل هو ضرب من الدعاء ، ولو كان قرآناً لنقل إلينا وحصل العلم بصحّته » إلىٰ أن قال : « ولم يصحّ ذلك عنه ، وإنّما روي عنه أنّه أثبته في مصحفه ، وقد أثبت في مصحفه ما ليس

______________________

(١) مسند أحمد ٥ : ٢١٩.

(٢) مناهل العرفان ١ : ٢٥٧ ، روح المعاني ١ : ٢٥.

٦٣

بقرآن من دعاء أو تأويل.. الخ » (١).

وقد روي هذا الدعاء في ( الدر المنثور ) والاتقان والسنن الكبرىٰ و ( المصنّف ) وغيرها من عديد من الروايات عن ابن الضرس والبيهقي ومحمد بن نصر ، ولم يُصرّحوا بكونه قرآناً (٢).

الرابعة : آية الرجم

روي بطرق متعدّدة أنّ عمر بن الخطاب ، قال : « إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم.. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبتها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة ، نكالاً من الله ، والله عزيز حكيم. فإنّا قد قرأناها » (٣).

وأخرج ابن أشته في ( المصاحف ) عن الليث بن سعد ، قال : « إنّ عمر أتى إلىٰ زيدٍ بآية الرجم ، فلم يكتبها زيد لأنّه كان وحده » (٤).

وقد حمل ابن حزم آية الرجم في ( المحلى ) علىٰ أنّها ممّا نسخ لفظه وبقي حكمه ، وهو حملٌ باطلٌ ، لأنّها لو كانت منسوخة التلاوة لما جاء عمر ليكتبها في المصحف ، وأنكر ابن ظفر في ( الينبوع ) عدّها ممّا نسخ تلاوةً ، وقال : « لأنّ خبر الواحد لا يُثبت القرآن » (٥).

______________________

(١) مناهل العرفان ١ : ٢٦٤.

(٢) السنن الكبرىٰ ٢ : ٢١٠ ، المصنف لعبد الرزاق ٣ : ٢١٢.

(٣) المستدرك ٤ : ٣٥٩ و ٣٦٠ ، مسند أحمد ١ : ٢٣ و ٢٩ و ٣٦ و ٤٠ و ٥٠ ، طبقات ابن سعد ٣ : ٣٣٤ ، سنن الدارمي ٢ : ١٧٩.

(٤) الاتقان ٣ : ٢٠٦.

(٥) البرهان للزركشي ٢ : ٤٣.

٦٤

وحملها أبو جعفر النحاس علىٰ السُنّة ، وقال : « إسناد الحديث صحيحٌ ، إلّا أنّه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة ، ولكنها سُنّةٌ ثابتةٌ ، وقد يقول الإنسان كنتُ أقرأ كذا لغير القرآن ، والدليل علىٰ هذا أنّه قال : لولا أنّي أكره أن يقال زاد عمر في القرآن ، لزدته » (١).

الخامسة : آية الجهاد :

رُوي أنّ عمر قال لعبدالرحمن بن عوف : « ألم تجد فيما أُنزل علينا : أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة ، فأنا لا أجدها ؟ قال : أُسقطت فيما أسقط من القرآن » (٢).

نقول : ألم يرووا في أحاديث جمع القرآن أنّ الآية تُكتَب بشهادة شاهدين من الصحابة علىٰ أنّها ممّا أنزل الله في كتابه ؟ فما منع عمر وعبدالرحمن بن عوف من الشهادة علىٰ أنّ الآية من القرآن وإثباتها فيه ؟ فهذا دليلٌ قاطعٌ علىٰ وضع هذه الرواية ، وإلّا كيف سقطت هذه الآية المدّعاة عن كُتّاب القرآن وحُفّاظه في طول البلاد وعرضها ، ولم تبق إلّا مع عمر وعبدالرحمن بن عوف ؟

السادسة : آية الرضاع :

رُوي عن عائشة أنّها قالت : « كان فيما أُنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

______________________

(١) الناسخ والمنسوخ : ٨.

(٢) الاتقان ٣ : ٨٤ ، كنز العمال ٢ : ٥٦٧ حديث / ٤٧٤١.

٦٥

وهنّ ممّا يقرأ من القرآن » (١).

لقد أوّل بعض المحقّقين خبر عائشة هذا بأنّه ليس الغرض منه أنّ ذلك كان آيةً من كتاب الله ، بل كان حكماً من الأحكام الشرعية التي أوحىٰ الله بها إلىٰ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير القرآن ، وأمر القرآن باتباعها ، فمعنىٰ قولها : « كان فيما أُنزل من القرآن... » كان من بين الأحكام التي أنزلها الله علىٰ رسوله وأمرنا باتباعها في القرآن أن عشر رضعات يحرمن ، ثمّ نسخ هذا الحكم بخمس رضعات معلومات يحرمن ، وتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا الحكم باقٍ لم ينسخ ، فأمّا كونه منزلاً موحىٰ به فذلك لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينطق عن الهوىٰ ، وأمّا كوننا مأمورين باتّباع ما جاء به الرسول من الأحكام فلأن الله تعالىٰ قال : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ( الحشر٥٩ : ٧ ). وحمله البعض علىٰ أنّه ممّا نسخت تلاوته وحكمه فأبطلوه ، وهذا الحمل باطلٌ علىٰ ما سيأتي بيانه. لكن بعض الشافعية والحنابلة حملوه علىٰ نسخ التلاوة ، وذلك لا يصحّ لأنّ الظاهر من الحديث أنّ النسخ كان بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو أمرٌ باطلٌ بالاجماع ، وقد ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس وهو راوي الحديث ، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم ، وقال الطحاوي والسرخسي وغيرهما ببطلانه وشذوذه وعدم صحته ، ومن المتأخرين الأُستاذ السايس وتلميذه الأُستاذ العريض وعبد الرحمن الجزيري وابن الخطيب وغيرهم (٣).

______________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ١٠٧٥ / ١٤٥٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٥٦ ، المصنف للصنعاني ٧ : ٤٦٧ و ٤٧٠.

(٢) الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٩.

(٣) مشكل الآثار ٣ : ٦ ـ ٨ ، الناسخ والمنسوخ : ١٠ ـ ١١ ، أُصول السرخسي ٢ : ٧٨ ، فتح المنان : ٢٢٣ ـ ٢٣٠ ، التمهيد في علوم القرآن ٢ : ٢٨٢ ، الفقه علىٰ المذاهب الاربعة ٤ : ٢٥٨ ـ ٢٦٠.

٦٦

وهذا الحديث بلفظ « فتوفي رسول الله وهنّ ممّا يقرأ من القرآن » رواه أنس بن مالك عن عبدالله بن أبي بكر ، وقد رُوي عن غيره بدون هذا اللفظ ، قال أبو جعفر النحاس : « قال بعض أجلّة أصحاب الحديث : قد روىٰ هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبد الله بن أبي بكر ، فلم يذكرا أنّ هذا فيه ، وهما القاسم بن محمد بن أبي بكر ويحيىٰ بن سعيد الأنصاري » (١) ، وقال الطحاوي : « هذا ممّا لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبدالله بن أبي بكر ، وهو عندنا وهمٌ منه » (٢).

لكنّ خلوّ الرواية من هذا اللفظ لا يصحّح كونها قرآناً يُتلىٰ ولا ينفيه ، قال صاحب المنار : « لو صحّ أنّ ذلك كان قرآناً يتلىٰ لما بقي علمه خاصاً بعائشة ، بل كانت الروايات تكثر فيه ، ويعمل به جماهير الناس ، ويحكم به الخلفاء الراشدون ، وكل ذلك لم يكن » وقال : « إنّ ردّ هذه الرواية عن عائشة لأهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها »(٣).

السابعة : آية رضاع الكبير عشراً :

رُوي عن عائشة أنَّها قالت : « نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً ، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (٤).

__________________

(١) الناسخ والمنسوخ : ١٠ ـ ١١.

(٢) مشكل الآثار ٣ : ٧ ـ ٨.

(٣) تفسير المنار ٤ : ٤٧٢.

(٤) مسند أحمد ٦ : ٢٦٩ ، المحلّى ١١ : ٢٣٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٥ ، الجامع لأحكام القرآن ١٤ :

٦٧

وظاهرٌ من هذه الرواية أنّه لم يحفظ القرآن ولم يكتبه غير عائشة ، وهو أمرٌ في غاية البعد والغرابة ، فأين سائر الصحابة والحُفّاظ والكتبة منهم ، قال السرخسي : «حديث عائشة لا يكاد يصحّ ؛ لأنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب ، ولا يتعذّر عليهم به إثباته في صحيفة أُخرىٰ ، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث » (١). أمّا بالنسبة لآية الرجم المذكورة في الحديث فقد تقدم أنّه لا يصحّ اعتبارها قرآنا لكونها من أخبار الآحاد ، وحكم الرجم من السنن الثابتة عن الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثم إنّ هذا الحكم ـ في رضاع الكبير عشراً ـ قد انفردت به عائشة ، وعارضها فيه سائر أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم تأخذ واحدة منهنّ بقولها في ذلك ، وأنكره أيضاً ابن مسعود علىٰ أبي موسىٰ الأشعري ، وقال : « إنّما الرضاعة ما أنبت اللحم والدم » فرجع أبو موسىٰ عن القول به (٢).

الثامنة : آية الصلاة علىٰ الذين يصلون في الصفوف الأولىٰ !

عن حميدة بنت أبي يونس ، قالت : « قرأ عليّ أبي ، وهو ابن ثمانين سنة ، في مصحف عائشة : إنّ الله وملائكته يصلّون علىٰ النبيّ يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولىٰ ». قالت : « قبل أن يغيّر عثمان المصاحف » (٣).

وظاهر أنّ هذا من الآحاد التي لايثبت بها قرآن ، وإلّا فكيف فات هذا

______________________

١١٣.

(١) أُصول السرخسي ٢ : ٧٩.

(٢) جامع بيان العلم ٢ : ١٠٥.

(٣) الاتقان ٣ : ٨٢.

٦٨

عن سائر الصحابة وكُتّاب الوحي منهم وحُفّاظه وجُمّاعه ، واختصت به عائشة دونهم ؟ ولو صحّ فهو روايةٌ عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاعتقدت عائشة كونها من القرآن فكتبتها ، حيثُ روي عن البراء بن عازب أنّه قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله وملائكته يصلون علىٰ الصفوف الأُوّل » (١) ، وروي عن عائشة أنّها قالت : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله وملائكته يصلّون علىٰ الذين يَصِلُون الصفوف » (٢) ، ولعلّه أيضاً ممّا يُكْتب في حاشية المصحف ، حيث كانوا يسجّلون ما يرون له أهميةً وشأناً في حاشية مصاحفهم الخاصّة.

التاسعة : عدد حروف القرآن.

أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب ، قال : « القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف » (٣). بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار ، قال الذهبي : « تفرّد محمّد بن عبيد بهذا الخبر الباطل » (٤) ، هذا فضلاً عن الاختلاف في رواية عدد الحروف ، فقد روي ألف ألف وواحد وعشرون ألفاً ومئة وخمسون حرفاً ، وقيل : غير ذلك ، الأمر الذي يضعف الثقة بصحة صدورها.

وإذا صحّ ذلك فلعلّه من الوحي الذي ليس بقرآن كالاحاديث القدسية ؛ وقد لاحظنا في أدلّة نفي التحريف أنّه بلغ من الدقّة والتحرّي

______________________

(١) المصنف لعبد الرزاق ٢ : ٤٨٤.

(٢) المستدرك ١ : ٢١٤.

(٣) الاتقان ١ : ٢٤٢.

(٤) ميزان الاعتدال ٣ : ٦٣٩.

٦٩

في ثبت آيات القرآن أن يحمل بعض الصحابة السيف لحذف حرف واحد منه ، فكيف يحذف ثلثاه ولم نجد معارضاً منهم ، ولا مطالباً بتدوين ما بقي من ثلثيه ؟! هذا فضلاً عن وجود كثير من الصحابة ممّن جمع القرآن كلّه أو بعضه في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما سيأتي بيانه ـ حفظاً في الصدور ، أو تدويناً في القراطيس ، فكانت القراطيس شاهدة علىٰ ما في الصدور ، والصدور شاهدة علىٰ ما في القراطيس ، فكيف يضيع ثلثاه في حال كهذه ؟!

وأخيراً فأنّ الملاحظ علىٰ كثير ممّا أدّعي أنّه من القرآن مخالفته لقواعد اللغة وأُسلوب القرآن الكريم وبلاغته السامية ، ممّا يدل علىٰ أنّه ليس بكلام الخالق تعالىٰ ، وليست له طلاوته ، ولا به حلاوته وعذوبته ، وليست عليه بهجته ، بل يتبرّأ من ركاكته وانحطاطه وتهافته المخلوقون ، فكيف برب العالمين ، وسمّو كتابه المبين ؟!

ومن أراد الاطلاع علىٰ ما ذكرناه ، فليراجع مقدمة ( تفسير آلاء الرحمن ) ، للشيخ البلاغي ففيه مزيد بيان.

والملاحظ أيضاً أن قسماً منه هو من الأحاديث النبوية ، أو من السُنّة والأحكام التي ظنّوها قرآناً ، كما روي أنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الولد للفراش ، وللعاهر الحجر » هو آية ، ولا يشكّ أحدٌ في أنّه حديث. و الملاحظ أيضاً أنّ أغلبه روي بألفاظ متعدّدة وتعابير مختلفة ، فلو كان قرآناً لتوحّدت ألفاظه.

٧٠



نسخ التلاوة

قسّموا النسخ في الكتاب العزيز إلىٰ ثلاثة أقسام :

١ ـ نسخ الحكم دون التلاوة ، وهذا هو القسم الذي نطق به محكم التنزيل ، وهو المشهور بين العلماء والمفسرين ، وهو أمر معقولٌ مقبولٌ ، حيثُ إنّ بعض الاحكام لم ينزل دفعةً واحدةً ، بل نزل تدريجياً لتألفه النفوس وتستسيغه العقول ، فنسخت تلك الأحكام وبقيت ألفاظها ، لأسرارٍ تربويةٍ وتشريعيةٍ يعلمها الله تعالىٰ.

٢ ـ نسخ التلاوة دون الحكم ، وقد مثّلوا له بآية الرجم ، فقالوا : إنّ هذه الآية كانت من القرآن ثمّ نسخت تلاوتها وبقي حكمها.

٣ ـ نسخ التلاوة والحكم معاً ، وقد مثّلوا له بآية الرضاع.

وقد تقدّم في ثنايا البحث السابق أنّ البعض حمل قسماً من الروايات الدالة علىٰ النقصان علىٰ أنّها آيات نسخت تلاوتها وبقيت أحكامها ، أو نسخت تلاوةً وحكماً ، وذلك تحاشياً من التسليم بها الذي يفضي إلىٰ القول بتحريف القرآن ، وفراراً من ردّها وتكذيبها الذي يؤول إلىٰ الطعن في الكتب الصحاح والمسانيد المعتبرة ، أو الطعن في الأعيان الذين نُقلت عنهم ، ولا شكّ أنّ القول بالضربين الأخيرين من النسخ هو عين القول بالتحريف : وهو باطل لما يلي

١ ـ يستحيل عقلاً أن يرد النسخ علىٰ اللفظ دون الحكم ، لأنّ الحكم لا بدّ له من لفظ يدلّ عليه ، فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدلّ عليه ؟

٧١

فالحكم تابع للّفظ ، ولا يمكن أن يرفع الأصل ويبقىٰ التابع.

٢ ـ النسخ حكم ، والحكم لا بدّ أن يكون بالنصّ ، ولا انفكاك بينهما ، ولا دليل علىٰ نسخ النصوص التي حكتها الآثار المتقدّمة وسواها ، إذ لم ينقل نسخها ولم يرد في حديث عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في واحدٍ منها أنّها منسوخة ، والواجب يقتضي أن يُبلّغ الأُمة بالنسخ كما بلّغ بالنزول ، وبما أنّ ذلك لم يحدث فالقول به باطل.

٣ ـ الأخبار التي زعم نسخ تلاوتها أخبار آحاد ، ولا تقوىٰ دليلاً وبرهاناً علىٰ حصوله ، إذ صرحوا باتّفاق العلماء أجمع علىٰ عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد (١) ، ونسبه القطّان إلىٰ الجمهور (٢) ، وعلّله رحمة الله الهندي « بأنّ خبر الواحد إذا اقتضىٰ عملاً ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدلّ عليه وجب ردّه » (٣) ، بل إنّ الشافعي وأصحابه وأكثر أهل الظاهر ، قد قطعوا بامتناع نسخ القران بالسُنّة المتواترة ، وبهذا صرّح أحمد بن حنبل في إحدىٰ الروايتين عنه ، بل من قال بإمكان نسخ الكتاب بالسُنّة المتواترة منع وقوعه (٤) ، لذا لا تصحّ دعوىٰ نسخ التلاوة مع بقاء الحكم أو بدونه ، حتىٰ لو ادّعي التواتر في أخبار النسخ ، فضلاً عن كونها أخبار آحاد ضعيفة الاسناد واهية المتن كما تقدّم.

٤ ـ أنكر بعض المعتزلة وعامة علماء الإمامية وأعلامهم الضربين

______________________

(١) الموافقات للشاطبي ٣ : ١٠٦.

(٢) مباحث في علوم القرآن : ٢٣٧.

(٣) إظهار الحق ٢ : ٩٠.

(٤) الاحكام للآمدي ٣ : ١٣٩ ، أُصول السرخسي ٢ : ٦٧.

٧٢

الأخيرين من النسخ واعتبروهما نفس القول بالتحريف ، وكذا أنكرهما أغلب علماء ومحققي أهل السنّة المتقدمين منهم والمتأخرين ، وحكىٰ القاضي أبو بكر في ( الانتصار ) عن قومٍ انكار الضرب الثاني منه (١) ، وأنكره أيضاً ابن ظفر في كتاب ( الينبوع ) (٢) ، ونُقِل عن أبي مسلم « أنّ نسخ التلاوة ممنوع شرعاً » (٣) وفيما يلي بعض أقوال محقّقي أهل السنّة في إبطال القول بنسخ التلاوة :

١ ـ قال الخضري : « أنا لا أفهم معنىٰ لآيةٍ أنزلها الله تعالىٰ لتفيد حكماً ثمّ يرفعها مع بقاء حكمها ؛ لأنّ القرآن يقصد منه إفادة الحكم والاعجاز معاً بنظمه ، فما هي المصلحة في رفع آية مع بقاء حكمها ؟ إنّ ذلك غير مفهوم ، وقد أرىٰ أنّه ليس هناك ما يدعو إلىٰ القول به » (٤).

٢ ـ وقال الدكتور صبحي الصالح : « أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما بزعمهم آيات معينة ، إمّا مع نسخ أحكامها وإمّا دون نسخ أحكامها ، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركباً ، فتقسيم المسائل إلىٰ أضرب إنّما يصلح إذا كان لكلّ ضربٍ شواهد كثيرةٍ أو كافيةٍ علىٰ الأقل ليتيسّر استنباط قاعدةٍ منها ، وما لعشّاق النسخ إلّا شاهدٌ أو اثنان علىٰ كلّ من هذين الضربين ، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع علىٰ إنزال قرآن ونسخه بأخبار

______________________

(١) البرهان في علوم القرآن ٢ : ٤٧.

(٢) البرهان في علوم القرآن ٢ : ٤٣.

(٣) مناهل العرفان ٢ : ١١٢.

(٤) التحقيق في نفي التحريف : ٢٧٩ ، صيانة القرآن من التحريف : ٣٠.

٧٣

آحاد لا حجّة فيها » (١).

٣ ـ وقال الدكتور مصطفىٰ زيد : « ومن ثمّ يبقىٰ منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرّد فرض لم يتحقّق في واقعةٍ واحدةٍ ، ولهذا نرفضه ، ونرىٰ أنّه غير معقولٍ ولا مقبول » (٢).

٤ ـ وقال عبد الرحمن الجزيري : « إنّ الأخبار التي جاء فيها ذكر كلمةٍ ( من كتاب الله ) علىٰ أنّها كانت فيه ونسخت في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذه لا يُطلق عليها أنّها قرآن ، ولا تُعطىٰ حكم القرآن باتّفاق ، ثمّ ينظر إنّ كان يمكن تأويلها بما يخرجها عن كونها قرآناً ، فإنّ الإخبار بها يعطي حكم الحديث ، وإن لم يمكن تأويلها فالذي اعتقده أنّها لا تصلح للدلالة علىٰ حكم شرعي ، لأنّ دلالتها موقوفةٌ علىٰ ثبوت صيغتها. وصيغتها يصحّ نفيها باتفاقٍ ، فكيف يمكن الاستدلال بها ؟! فالخير كلّ الخير في ترك مثل هذه الروايات » (٣).

٥ ـ وقال ابن الخطيب : « أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها ، فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه ، ويقدّر ما وهبه الله تعالىٰ من نعمة العقل ، إذ ما هي الحكمة من نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها ؟ ما الحكمة من صدور قانون واجب التنفيذ ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه ؟ ويستدلّون علىٰ باطلهم هذا بإيراد آيةٍ من هذا النوع يدّعون نسخها ، ويعلم الله تعالىٰ أنّها ليست من القرآن ، ولو كانت لما

______________________

(١) مباحث في علوم القرآن : ٢٦٥.

(٢) فتح المنان : ٢٢٩.

(٣) الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ٤ : ٢٦٠.

٧٤

أغفلها الصحابة ( رضوان الله عليهم ) ولدوّنها السلف الصالح في مصاحفهم » (١).

الطائفة الثانية : الروايات الدالّة علىٰ الخطأ واللحن والتغيير.

الأولىٰ : روي عن عثمان أنّه قال : « إنّ في المصحف لحناً ، وستقيّمه العرب بألسنتها. فقيل له : ألا تغيره ؟ فقال : دعوه ، فإنّه لا يحلّ حراماً ، ولا يحرّم حلالاً » (٢).

حمل ابن أشتة اللحن الوارد في الحديث علىٰ الخطأ في اختيار ما هو أولىٰ من الأحرف السبعة ، وعلى أشياء خالف لفظُها رَسْمَها ، وهذا الحمل غير مستقيمٍ ، والأولىٰ منه هو ترك الرواية وتكذيبها وإنكارها ، كما فعل الداني والرازي والنيسابوري وابن الانباري والآلوسي والسخاوي والخازن والباقلاني وجماعة آخرين (٣) ، حيثُ صرّحوا أنّ هذه الرواية لا يصحّ بها دليل ولا تقوم بمثلها حجّة ، لأنّ إسنادها ضعيف ، وفيه اضطراب وانقطاع وتخليط ، ولأنّ المصحف منقولٌ بالتواتر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يمكن ثبوت اللحن فيه ، ثمّ إن ما بين الدفّتين هو كلام الله بإجماع المسلمين ، ولا يجوز أن يكون كلام الله لحناً وغلطاً ، وقد ذهب عامّة الصحابة وسائر علماء الأُمّة من بعدهم إلىٰ أنّه لفظ صحيح ليس فيه أدنىٰ خطأ من كاتبٍ ولا من غيره ، واستدلّوا أيضاً علىٰ إنكار هذه الرواية

______________________

(١) الفرقان : ١٥٧.

(٢) الاتقان ٢ : ٣٢٠ ، ٣٢١.

(٣) تاريخ القرآن الكردي : ٦٥ ، التفسير الكبير ١١ : ١٠٥ ، تفسير النيسابوري ٦ : ٢٣ المطبوع في هامش تفسير الطبري ، تفسير الخازن ١ : ٤٢٢.

٧٥

بقولهم : إنّ عثمان جعل للناس إماماً ، فكيف يرىٰ فيه لحناً ويتركه لتقيّمه العرب بألسنتها ، أو يؤخّر شيئاً فاسداً ليصلحه غيره ؟! وإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيّموا ذلك ـ وهم الخيار وأهل اللغة والفصاحة والقدرة علىٰ ذلك ـ فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم ! ثمّ إنّ عثمان لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدة مصاحف ، فلم تأتِ المصاحف مختلفة قطّ ، إلّا فيما هو من وجوه القراءات والتلاوة دون الرسم ، وليس ذلك باللحن » (١).

والذي يهوّن الخطب في هذه الرواية ومثيلاتها الآتية أنّها برواية عكرمة مولىٰ ابن عبّاس ، وكان من أعلام الضلال ودعاة السوء ، وكان يرىٰ رأي الخوارج ، ويُضرب به المثل في الكذب والافتراء ، حتىٰ قدح به الأكابر وكذّبوه ، أمثال ابن عمر ومجاهد وعطاء وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي وسعيد بن المسيب ويحيىٰ بن سعيد ، وحرّم مالك الرواية عنه ، وأعرض عنه مسلم (٢).

الثانية : روي عن ابن عباس في قوله تعالىٰ : ( حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ) ( النور ٢٤ : ٢٧ ) قال : « إنّما هو ( حتّىٰ تستأذنوا ) ، وأنّ الأوّل خطأٌ من الكاتب » (٣) ، والمراد بالاستئناس هنا الاستعلام ، أي حتىٰ تستعلموا من في البيت ، فهذه الرواية مكذوبةٌ علىٰ ابن عباس ولا تصحّ عنه ، لأنّ مصاحف الإسلام كلّها قد ثبت فيها ( حتّىٰ تَسْتَأنِسُوا ) وصحّ الإجماع فيها

______________________

(١) روح المعاني ٦ : ١٣.

(٢) أُنظر وفيات الاعيان ١ : ٣١٩ ، ميزان الاعتدال ٣ : ٩٣ ، المغني في الضعفاء ٢ : ٨٤ ، الضعفاء الكبير ٣ : ٣٧٣ ، طبقات ابن سعد ٥ : ٢٨٧ ، تهذيب الكمال ٧ : ٢٦٣.

(٣) الاتقان ٢ : ٣٢٧ ، لباب التأويل ٣ : ٣٢٤ ، فتح الباري ١١ : ٧.

٧٦

منذ عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلىٰ الآن ، فلا يعوّل علىٰ مثل هذه الرواية ، قال الرازي : « إعلم أنّ هذا القول من ابن عبّاس فيه نظر ، لأنّه يقتضي الطعن في القرآن الذي نُقِل بالتواتر ، ويقتضي صحّة القرآن الذي لم يُنْقَل بالتواتر ، وفَتح هذين البابين يطرق الشكّ في كلِّ القرآن ، وإنّه باطل » (١).

وقال أبو حيان : « من روىٰ عن ابن عبّاس أنّ قوله تعالىٰ : ( حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا ) خطأ أو وهمٌ من الكاتب ، وأنّه قرأ ( حتىٰ تَسْتَأذِنُوا ) فهو كافرٌ في الإسلام ، مُلْحِدٌ في الدين ، وابن عباس بريءٌ من هذا القول (٢).

الثالثة : روى عروة بن الزبير عن عائشة : أنّه سألها عن قوله تعالىٰ : ( لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ( النساء ٤ : ١٦٢ ) : ثمّ قال ( والمقيمين ) ، وفي المائدة : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ) ، و ( المائدة ٥ : ٦٩ ) ، و ( إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (طه ٢٠ : ٦٣ ) فقالت : يابن أُختي ، هذا عمل الكُتّاب ، أخطأوا في الكتاب (٣).

أمّا قوله تعالىٰ : ( والمقيمين ) فانّه علىٰ العطف يكون ( والمقيمون ) كما في قراءة الحسن ومالك بن دينار ، والذي في المصاحف وقراءة أُبيّ والجمهور ( والمقيمين ) قال سيبويه : « نُصِب علىٰ المدح ، أي وأعني المقيمين » وذكر له شواهد وأمثلة من كلام العرب (٤).

قال الآلوسي : « ولا يُلْتَفَت إلىٰ من زعم أنّ هذا من لحن القرآن ، وأنّ

______________________

(١) التفسير الكبير ٢٣ : ١٩٦.

(٢) البحر المحيط ٦ : ٤٤٥.

(٣) الاتقان ٢ : ٣٢٠.

(٤) الكتاب ١ : ٢٨٨ ـ ٢٩١.

٧٧

الصواب ( والمقيمون ) بالواو.. إذ لا كلام في نقل النظم متواتراً ، فلا يجوز اللحن فيه أصلاً » (١).

وأمّا قوله تعالىٰ : ( وَالصَّابِئُونَ ) بالرفع فهو معطوفٌ علىٰ محلّ اسم إنّ.

قال الفراء : « ويجوز ذلك إذا كان الاسم ممّا لم يتبيّن فيه الاعراب ، كالمضمر والموصول ، ومنه قول الشاعر :

فمن يكُ أمسىٰ بالمدينة رحله

فــإنّي وقـيارٌ بها لغـريبَ

برفع ( قيار ) عطفاً علىٰ محلّ ياء المتكلّم » (٢) وقد أجاز الكوفيون والبصريون الرفع في الآية واستدلّوا بنظائر من كلام العرب.

وقال صاحب المنار : « قد تجرأ بعض أعداء الاسلام علىٰ دعوىٰ وجود الغلط النحوي في القرآن ، وعدّ رفع ( الصابئين ) هنا من هذا الغلط ، وهذا جمعٌ بين السخف والجهل ، وإنّما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من قواعد النحو ، مع جهل أو تجاهل أنّ النحو استنبط من اللغة ، ولم تستنبط اللغة منه » (٣).

وأمّا قوله تعالىٰ : ( إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ) فإنّ القراءة التي عليها جمهور المسلمين هي تخفيف إن المكسورة الهمزة ، فتكون مخففةٌ من الثقيلة غير عاملةٍ ، ورفع ( هذان ).

______________________

(١) روح المعاني ٦ : ١٣.

(٢) معاني القرآن ١ : ٣١٠ ، مجمع البيان ٣ : ٣٤٦ ، صيانة القرآن من التحريف : ١٨٣.

(٣) تفسير المنار ٦ : ٤٧٨.

٧٨

قال الزمخشري : « إنّ هذان لساحران علىٰ قولك : إنّ زيد لمنطلق ، واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة » (١) ، وعليه فلا إشكال في هذه الآية ، ولا لحن من الكُتّاب !

قال الرازي : « لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن ، فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن ، وذلك يفضي إلىٰ القدح في التواتر ، وإلى القدح في كلِّ القرآن ، وإنّه باطل » (٢).

الرابعة : روي أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في المصحف اثني عشر موضعاً ، منها :

١ ـ كانت في سورة البقرة ( لم يَتَسَنَّ ) (٢٥٩) فغيّرها ( لم يَتَسَنَّه ) بالهاء.

٢ ـ وكانت في سورة المائدة ( شريعةً ومنهاجاً ) (٤٨) فغيّرها ( شِرعةً ومنهاجاً ).

٣ ـ وكانت في سورة يونس ( هو الذي ينشركم ) (٢٢) فغيّرها ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ) (٣).

وهذه الأمثلة ، وسواها منقولةٌ من ( مصاحف السجستاني ) برواية عباد ابن صهيب (٤) ، وعباد متروك الحديث لدىٰ أئمّة الحديث والجرح

______________________

(١) الكشاف ٣ : ٧٢.

(٢) التفسير الكبير ٢٢ : ٧٥.

(٣) الفرقان : ٥٠.

(٤) المصاحف : ٤٩.

٧٩

والتعديل ، ومغموزٌ فيه بالكذب والاختلاق (١).

قال السيد الخوئي : « هذه الدعوىٰ تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال ، فإنّ الحجّاج واحدٌ من ولاة بني أُمية ، وهو أقصر باعاً وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيءٍ ، بل هو أعجز من أن يغيّر شيئاً من الفروع الإسلامية ، فكيف يغير ما هو أساس الدين وقوام الشريعة ؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها ؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه ، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية ، وكثرة الدواعي إلىٰ نقله ؟ وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته ؟ وكيف أغضىٰ المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج وانتهاء سلطته ؟ وهب أنّه تمكّن من جمع نسخ المصاحف جميعها ، ولم تشذّ عن قدرته نسخةٌ واحدةٌ من أقطار المسلمين المتباعدة ، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلّا الله » (٢) ، وقد بيّنا في أدلّة نفي التحريف أنّ خلفاء الصدر الأول لم يجرءوا علىٰ حذف حرفٍ منه ، وقد بلغ من دقّة وتحرّي المسلمين أن يهدّدوا برفع السيف في وجه من يُقدِم علىٰ ذلك ، فكيف يتمكّن الحجّاج بعد اشتهار القرآن وتعدّد نسخه وحفّاظه أن يغيّر اثني عشر موضعاً من كتاب الله علىٰ مرأىٰ ومسمع جمهور المسلمين ومصاحفهم ؟!

الطائفة الثالثة : الروايات الدالّة علىٰ الزيادة.

______________________

(١) أُنظر المغني ٢ : ٣٢٦ / ٣٠٣٧.

(٢) البيان في تفسير القرآن : ٢١٩.

٨٠