🚘

مفتاح العلوم

يوسف بن محمّد بن علي السّكّاكي [ السّكّاكي ]

مفتاح العلوم

المؤلف:

يوسف بن محمّد بن علي السّكّاكي [ السّكّاكي ]


المحقق: الدكتور عبد الحميد الهنداوي
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN: 2-7451-1468-9
الصفحات: ٨٤٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بين يدي الكتاب

تقديم ودراسة

الحمد لله الكريم المنّان ، الرحيم الرحمن ، أنزل القرآن ، وخلق الإنسان ، وعلمه البيان.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن الشبيه وجلّ عن التشبيه ، تفرد بالإنعام والرعاية ، فوجب شكره صريحا لا كناية.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أفصح الخلق لسانا ، وأحسنهم بيانا ، حباه ربه بالمثاني ، معجزة الألفاظ والمعاني ، فعليه من الله بديع صلواته ، مطابقة لجمال ذاته وتكميلا لشرف صفاته.

وبعد / فلما استهللت التصنيف بدراسة عن الإمام الطّيبي وجهوده البلاغية وثنيت بتحقيق كتبه في علوم البلاغة وشروح الحديث وهي جليلة مرضية (١) ، وكان الطيبي من جملة من خرجوا من عباءة السكاكي ، التفت إلى نفسي ، ورجعت عليها باللوم والتأنيب ، لتوانيها عن الالتفات إلى مفتاح السكاكي ، والإيغال والإغراق في بحاره ، فحالها حال تجاهل العارف ، أو حال الوجل الخائف ، فتعللت بقصر الباع ، وقلة الاطلاع ، فرأيت ذلك من حسن التعليل ، فصدني ذلك عن هذا السبيل.

إلى أن ظهرت بوارق بعض ما كتبت من المصنفات ، وتباشير جملة من التحقيقات ، اطلع عليها أهل هذا الشان ، فتلقوها باغتباط وإحسان ، فرأيت منهم حثّا على الترقي والاستطراد ، فلم يزل لي معهم مراجعة ، ولهم مواردة ، فعجزت عن حسن التخلص مما طلبوه ، فصرت في هذا الأمر بين ترديد وتغليب ، إلى أن ظهر لي حسن التوجيه للدخول في هذا الأمر ، وهو أن أدخل فيه بنية التعلم والمذاكرة والإفادة لنفسي أولا ،

__________________

(*) ظهر للمحقق من تلك المؤلفات دراسة عن الإمام الطيبي وجهوده البلاغية (ماجستير ـ دار علوم ـ ط المكتبة التجارية مكة المكرمة) والتبيان في المعاني والبيان ، ومعه الجزء الثاني في علم البديع وفن الفصاحة ، وكتاب لطائف التبيان ، وشرح مشكاة المصابيح في ثلاثة عشر مجلدا كلها للإمام الطّيبي بتحقيقي ، ولله الحمد والمنة.

٥

فما أفادني إياه الكريم المنان سيعود بلا شك على الطلاب والإخوان وأكون قد أحييت علما ـ لا أقول : قد اندثر ، ولكن أفاد منه سائر البشر (١).

وبعد فإن مفتاح العلوم للسكاكي كتاب سارت به الركبان في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا يزال إلى يومنا هذا عمدة الدارسين في البلاغة العربية ، يعدونه نهاية المطاف ، وغاية السالك.

وعلى الرغم مما وجه إلى الكتاب من نقد لاذع وشديد في كثير من الأحيان فإنه على الرغم من ذلك قد أثنى عليه الجميع بما في ذلك ناقدوه أنفسهم ، الذين حموا أنفسهم من تهمة الجور والإجحاف ، بالاعتراف بقيمة هذا الكتاب التي تجلّت في لمّ شعث فنون الأدب لا سيما علوم البلاغة ، التي كان للسكاكي أعظم الدور في لم شعثها ، وجمع ما تفرق من أبحاثها (٢).

فمهما قيل وسيقال عن هذا الكتاب فسوف يظل مرجعا مهمّا لا يستهان به في تراثنا البلاغي ؛ لأنه وحده يمثل حلقة من حلقات هذا التراث وشمسا من شموسه ، دارت حوله كوكبة من مؤلفات عصره والعصور التي تليه.

ونحن حينما نقوم بإعادة طبعه وتحقيقه والعناية به ، فليس ذلك معبرا عن استحسان منهج السكاكي أو محاولة فرضه على العصر الحديث ، بقدر ما هي محاولة لإنصاف هذا الكتاب الذي تعجبت كثيرا لعدم الاعتناء به من جهة التحقيق ، وإبرازه في الثوب اللائق به ـ إلى يومنا هذا ـ مع كونه مرجعا لكل دارس للبلاغة ، إن لم يكن مرجعا لكل دارس للغة العربية.

هذا ولم آل جهدا في ضبط نصّه وتحقيق ألفاظه ، ومراجعة نسخه المطبوعة والمخطوطة ، وتخريج شواهده ، وبيان غريبه ، وشرح مشكله ما أمكن ذلك.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بالشكر لإخوة كرام شاركوا في مقابلة متن الكتاب وتصحيح تجاربه ، أخص منهم الأخ الحبيب / حسين محمد حسين ، سائلا المولى أن يجزل المثوبة للجميع.

__________________

(١) هذه مقدمة حاولت أن أتابع فيها أسلوب العصر الذي كتب به الكتاب ، جريا على سنة المصنفين في ذلك العصر من إظهار البراعة في استهلال كل علم بما يناسبه من ألفاظه ومصطلحاته ، ثم تركت هذه الطريقة في باقي المقدمة والدراسة ، إيثارا للسهولة والإيجاز.

(٢) سوف نورد قريبا ضمن الدراسة التالية عن السكاكي وكتابه بعض أقوال هؤلاء الأفاضل الذين أطلقوا ألسنتهم بنقد كتابه والثناء عليه في آن واحد.

٦

وبعد / فإن كتابا كهذا قد حوى علوم الأدب من صرف ونحو ومعان وبيان وبديع ومنطق وعروض لا جرم أن يعتري الخلل من تصدّى له ، وحاول تذليله وتعبيده مع بعد غايته ، ووعورة مسلكه ، وصعوبة مرامه. لذا ، أسأل الله أن يعفو عمّا وقع لنا فيه من ضعف وجهل ، كما أسأله أن يبصر القارئ زلاته وعثراته ، وأن يلهمه عذري ، فغاية ما أرجو من الثناء والشكر أن يلتمس لي القارئ العذر ، مع ما أرجو لدى ذي الجلال من الذخر ، فاللهم ارزقني فيه نية صالحة وتقبله مني برحمتك ، وانفع به عبادك يا أرحم الراحمين.

وكتب

عبد الحميد هنداوي

الجيزة / بولاق الدكرور سنة ١٤١٨ ه

٧

منهج التحقيق

١ ـ مقابلة الأصل المطبوع بسائر النسخ المطبوعة والمخطوطة التي تيسرت لنا وسيأتي بيانها.

٢ ـ تخريج الشواهد القرآنية.

٣ ـ تخريج الشواهد الحديثية.

٤ ـ تخريج الشواهد الشعرية والنثرية الأخرى.

٥ ـ شرح الغريب.

٦ ـ الترجمة لأهم الأعلام.

٧ ـ عزو أهم النقول إلى أربابها.

٨ ـ التعليقات العلمية على أهم مسائل الكتاب.

٩ ـ توضيح ما تيسر لنا حلّه من المشكلات.

١٠ ـ الفهارس العلمية الشاملة للآيات والأحاديث والشواهد الشعرية والنثرية ، والمسائل العلمية وموضوعات الكتاب.

١١ ـ الترجمة للسكاكي صاحب الكتاب.

١٢ ـ دراسة موجزة بين يدي الكتاب.

نسخ الكتاب المخطوطة

التي رجعنا إليها

١ ـ مخطوطات دار الكتب المصرية المسجلة تحت هذه الأرقام :

(أ) ٦٤ بلاغة ، ميكروفيلم ١٣٢٧٢.

(ب) ٦٥ بلاغة ، ميكروفيلم ١٥٨٠٣.

(ج) ٦٦ بلاغة ، ميكروفيلم ١٥٨٠٤.

(د) ٢٧٦ بلاغة ، ميكروفيلم ١٧٥٤٩٠.

٨

نسخ الكتاب المطبوعة التي رجعنا إليها

ذكر د / أحمد مطلوب لكتاب مفتاح العلوم طبعات مختلفة حاولت إحصاءها والزيادة عليها ، وهي :

١ ـ طبعة الأستانة ، وهي طبعة حجرية ، كأنها أصل للتالية ، ولذا فقد استغنيت بالتالية عنها لجودتها.

٢ ـ طبعة المطبعة الأدبية بمصر سنة ١٣١٧ ه‍ ، بهامشها كتاب" إتمام الدراية" للسيوطي ، وقد اعتمدتها أصلا لجودتها ورمزت لها بالرمز (د).

٣ ـ طبعة المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٤١٨ ه‍ ، وبهامشها" إتمام الدراية" رمزت لها بالرمز (م) وأحيانا أضمها إلى غيرها قائلا (وفي بعض النسخ كذا).

٤ ـ طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر سنة ١٣٤٨ ه‍ بهامشها كتاب" إتمام الدراية لقراء النقاية" ولا تفترق كثيرا عن التالية.

٥ ـ طبعة البابي الحلبي بمصر سنة (١٣٥٦ ه‍) (١٩٢٧ م) ورمزت لها بالرمز (ح).

٦ ـ طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق أ/ نعيم زرزور ، وقد رمزت لها بالرمز (ط) أو المطبوع باعتبارها أحدث الطبعات.

٧ ـ طبعة كتب عليها : (ساعدت جامعة بغداد على نشر هذا الكتاب)

ومكتوب عليها أيضا (طبع بمطبعة دار الرسالة) الطبعة الأولى تحقيق / أكرم عثمان يوسف ، وهي أسوأ تلك الطبعات جميعا من حيث رداءة صفها ، وكثرة أخطائها ، وتحريفها ، مع جهد مشكور لمحققها في دراسة له على الكتاب ، وتخريج كثير من الشواهد وغير ذلك. وقد رمزت لها بالرمز (غ).

٩

١٠

١١

١٢

١٣

التعريف بالسكاكي وكتابه مفتاح العلوم (١)

هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد بن على السكاكي الخوارزمي الحنفي.

ولد في قرية من قرى خوارزم عام (٥٥٥ ه‍ / ١١٦٠ م) وعاش في ظل الدولة الخوارزمية وسلطانها الرابع (أيل أرسلان بن اتز).

لقبه : تتفق المصادر التي ترجمت له على لقبه السكاكي ، وإن اختلفت في سرّ هذه النسبة ، ويظهر أن أسرته كانت تحترف صنع المعادن ، وخاصة السكة : وهي المحاريث التي تفلح بها الأرض ؛ ومن ثم شاع لها لقب السكاكي ، وربما كانت تعنى بصنع السكة ، وهي حديدة منقوشة تضرب بها الدراهم ، وقيل : لقب بذلك ؛ لأنه ولد بقرية تسمّى سكاكة.

ويرجح نسبته إلى سك الحديد ومهنة الحدادة أمور منها :

١ ـ أن بعض من تحدثوا عنه سماه ابن السكاك.

٢ ـ يقول صاحب روضات الجنات : إنه كان في أصول أحد أبويه سكاك ، فنسب إليه.

٣ ـ ذكر مترجموه أنه ظل إلى نهاية العقد الثالث من حياته يعنى بصنع المعادن ، حتى وقر في نفسه أن يخلص للعلم ويتفرغ له.

وهذا كله يرجح أنه كان سكاكا أو نشأ في بيت سكاكين ، ومن ثم كان ذلك سبب نسبته إلى ذلك.

__________________

(*) انظر في التعريف بالسكاكي : معجم الأدباء ٢٠ / ٥٨ ـ ٥٩ ، وشذرات الذهب ٥ / ١٢٢ ، وبغية الوعاة ٢ / ٣٦٤ ، والسبكي في طبقات الشافعية بترجمة ابن القفال ٣ / ١٩٩ ، والجواهر المضية ، في طبقات الحنفية ٢ / ٢٢٥ ، وروضات الجنّات ٨ / ٢٢٠ ، والفوائد البهية في تراجم الحنفية ٢٣٣ ، وتاج التراجم لابن قطلوبغا ص ٨١ ، ولب الألباب في تحرير الأنساب ١ / ١٣٧ ، وكشف الظنون ١٧٦٢ ، والأعلام ١٠ / ٢٩٤ ، ومعجم المؤلفين ١٣ / ٢٨٣ ، ومعجم المطبوعات العربية ١٠٣٣ ، وانظر تاريخ العلوم البلاغية للمراغي ص ١١٠ ط الحلبي ، والبلاغة عند السكاكي د / أحمد مطلوب ص ٤٦ ، وانظر بلاغة السكاكي منهجا وتطبيقا د / أحمد محمد علي رسالة دكتوراة الأزهر ص ١٠٣ ، وانظر المفتاح طبعة الرسالة بتحقيق أكرم عثمان يوسف ص ١٦ ، وانظر د / شوقي ضيف البلاغة تطور وتاريخ ص ٢٨٦

١٤

حياته وطلبه للعلوم

بيئته : عاش السكاكي حياته كلها ـ على الراجح ـ في إقليم خوارزم لم يتحول عنه إلى غيره ، حيث اكتفى بتحصيل علومه في مساجد خوارزم ، متأثرا بتلك البيئة التي كانت مركزا من المراكز العلمية آنذاك. وكان المذهب الشائع في خوارزم هو الاعتزال ، فأثر ذلك في أغلب علمائها الذين اتخذوا من الاعتزال منهجا في الدفاع عن العقيدة في وجه الملاحدة والزنادقة ، وإن جرهم ذلك إلى الوقوع في كثير من التأويلات العقلية البعيدة التي أدت إلى انتقادهم وإهدار كثير من جهودهم.

وقد تخرج في تلك البيئة جملة من الأعلام ، منهم عبد القاهر الجرجاني (٤٧١ ه‍) صاحب (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) و (الجمل) ، ورشيد الدين الوطواط (٥٧٣ ه‍) صاحب (دقائق السحر) وجار الله الزمخشري (٥٣٨ ه‍) صاحب (الكشاف) و (أساس البلاغة) و (المفصل في النحو) ، و (الأنموذج في النحو) وغيرها من التصانيف النافعة. وفخر الدين الرازي (٦٠٦ ه‍) صاحب (التفسير الكبير) ، و (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) ، وغيرهم كثير ممن لا يحصون كثرة.

نشأ السكاكي في تلك البيئة التي تخرج بها هؤلاء الأعلام ، وتأثر بالحياة الفكرية الثقافية في تلك المدينة ، ولم ينج من التأثر بمذهب الاعتزال كأكثر علماء بلده ، فهو يعترف في علم البيان بعقيدته الاعتزالية في بعض أمثلته حيث يقول : " قولك عند المخالف : الله إلهنا ، ومحمد نبينا والإسلام ديننا ، والتوحيد والعدل مذهبنا ، والخلفاء الراشدون أئمتنا ، والناصر لدين الله خليفتنا ، والدعاء له والثناء عليه وظيفتنا ...". فهو يعترف في هذا النص أن مذهبه هو التوحيد والعدل ، أي مذهب المعتزلة ، كما يكشف هذا النص عن فائدة أخرى ، وهي بيانه أنه عاش فترة خلافة الناصر لدين الله الخليفة العباسي الذي تولى الخلافة سنة ٥٧٥ ه‍ ، وتوفي سنة ٦٢٢ ه‍ (١) ، وأنه في هذه الفترة كان قد صنف كتابه المفتاح ؛ مما يرجح أنه قد ألفه بعد سنة ٦٠٠ ه‍ ، وذلك لأن السكاكي قد أخذ العلم بعد أن مضى من عمره ثلاثون عاما على ما تذكر المصادر في ترجمته.

طلبه للعلوم : بدأ السكاكي حياته في صناعة المعادن ، على ما تذكر المصادر ثم تحول بعد الثلاثين إلى طلب العلوم طلبا للحظوة عند الملوك ، ولم يزل يتقدم في أمر

__________________

(١) انظر الكامل في التاريخ ١١ / ٤٥٩ ، ١٢ / ٤٣٧.

١٥

العلم ويلتمس تلك الحظوة لديهم حتى كان ذلك سبب سجنه وحتفه ، فوقع عكس ما كان يؤمله ، وما لم يخطر له ببال ، وهذا ما تكشف عنه الحكايات المذكورة في مصارد ترجمته ، إذا صحت تلك الحكايات. فقد ذكر صاحب روضات الجنات أنه كان في مبدأ أمره حدادا ، فعمل بيده محبرة صغيرة من الحديد ، وجعل لها قفلا عجيبا ، ولم يزد وزن تلك المحبرة وقفلها قيراطا واحدا ، فأهداها إلى ملك زمانه ، ولما رآه الملك وندماء مجلسه الرفيع لم يزيدوا على ترحيب الرجل على صنعته ، فاتفق أنه كان واقفا في الحضور إذ دخل رجل آخر ، فقام الملك احتراما لذلك الرجل ، وأجلسه مقامه ، فسأل عنه السكاكي ، فقيل له : إنه من جملة العلماء ، فتفكر السكاكي في نفسه : أنه لو كان من هذه الطائفة لكان بلغ ما كان يطلبه من الفضل والشرف والقبول ، وخرج من ساعته إلى المدرسة لتحصيل العلوم ، وكان إذ ذاك قد ذهب من عمره ثلاثون سنة (١) ...".

فاتجه للدرس وتحصيل العلم ، وتذكر المصادر في هذا المجال أنه لقى في بدء تعليمه مشقة كبيرة وعنتا عظيما في الفهم والأخذ عن أساتذته حتى إنه ترك المدرسة وأساتيذة ، إلا أنه عاود الدرس مرة ثانية فأفلح بعد أن أجهد نفسه ، فكان أن أحسن العلوم وألف فيها وذاع صيته ، وأصبح علما من أعلام عصره ورجال فنه وعلمه ، وتفنن في علوم شتى وعانى مواد مختلفة ، فمن جملة ما عانى النجوم وعلومها ، ولإتقانه العلوم وشهرته بها قامت له صلات مع حكام زمانه ، وكان من جملة علماء السلطان خوارزمشاه ، وقد التقى به ، وقامت معرفة العلم مقام الصلة بينهما (٢). كما أن السكاكي بسبب تفننه في هذه العلوم وقع في كيد الوزير" حبش عميد" وزير" جغتاي خان ابن جنكيز خان" وذلك لقراءة طالع ، وعمل قام به السكاكي ، فحقد عليه هذا الوزير ، الأمر الذي سبب حبس السكاكي (٣)

ويذكر صاحب الفوائد البهية أن (حبش عميد) وزير (جغتاي خان بن جنكيز خان) لم يزل يسعى لدى جغتاي في حبس السكاكي وإغراء السلطان به حتى حبسه ومات في حبسه ، قال صاحب الفوائد : فوجد" حبش عميد" موقع السعاية وقال لجغتاي : لما كان قادرا على إيجاد مثل هذه الأمور فلا عجب منه لو انتزع

__________________

(١) المصدر السابق ٨ : ٢٢١.

(٢) مقدمة مفتاح العلوم / تحقيق أكرم عثمان يوسف ، ص ١٧.

(٣) الفوائد البهية : ٢٣٢.

١٦

سلطتك ، فتخيل هذا في خيال جغتاي ، وحبس السكاكي ، ولم يزل في الحبس ثلاث سنين إلى أن مات (١) ، فلو صح ذلك لكان فيه أعظم العبرة.

شيوخه : ذكرنا من قبل أن السكاكي لم ينتقل من بيئته خوارزم ، وأنه طلب العلم في سن متأخرة ، ومع ذلك فقد كنا نرجو أن تذكر له التراجم عددا وفيرا من المشايخ بخوارزم ، إلا أن المصادر لم تسعفنا بذلك ، حيث لا نجد فيها ذكرا لأحد من مشايخه إلا ثلاثة هم :

١ ـ سديد الدين بن محمد الخياطي ، ويرجح د / أحمد مطلوب أنه هو الحاتمي الذي ذكره السكاكي في كتابه مقرونا بالتعظيم والتبجيل والترحم عليه.

٢ ـ محمود بن صالحة بن محمود الحارثي.

٣ ـ برهان الأئمة محمد بن عبد الكريم التركستاني (٢).

تلاميذه : أما تلاميذه ، فقد كانت المصادر أقل اعتناء بذكرهم فلم يذكروا إلا تلميذا واحدا أخذ عنه علم الكلام هو : " مختار بن محمود بن محمد الزاهدي" ، أبو الرجاء الغزيني ، الملقب نجم الدين ، وله شرح القدوري وغيره (٣).

(آثاره ومصنفاته)

١ ـ (مفتاح العلوم) وهو أول مصنفات السكاكي التي ذاع بها صيته وانتشر ، وهو هذا الكتاب الجليل الذي ضم علوم الأدب واللغة العربية من صرف ونحو ومعان وبيان وبديع وحد واستدلال وعروض وقافية ، وإعجاز قرآن. وقد سبق أن رجحنا أنه ألفه بعد سنة ٦٠٠ ه‍ تقريبا ، في خلافة الناصر لدين الله الخليفة العباسي المتوفى سنة ٦٢٢ ه‍ ، وقد طبع الكتاب طبعات كثيرة غير محققة ، ولا معتنى بطباعتها على أهمية الكتاب ، وكثرة تداوله ، ورجوع الباحثين في اللغة العربية وآدابها إليه ، مما دفعنا إلى تحقيقه والاعتناء به ، وقد سبق أن عرضنا لأهم نسخه المخطوطة والمطبوعة فيما سبق.

٢ ـ (شرح الجمل) : وهو شرح لكتاب عبد القاهر الجرجاني" الجمل" وقد ذكره السكاكي في كتابه مفتاح العلوم.

__________________

(١) الفوائد البهية ص ١٢٢.

(٢) انظر الجواهر المضيئة ٢ / ٢٢٦ ، والبلاغة عند السكاكي ص ٤٧.

(٣) السابق ، وانظر شذرات الذهب ٥ / ١٢٢ ، والبلاغة عند السكاكي ص ٥٥.

١٧

٣ ـ (التبيان) : ذكره ابن خلدون في مقدمته في معرض حديثه عن مفتاح العلوم ، وعبارة ابن خلدون مضطربة وغير مفهومة (١).

٤ ـ كتاب في الطلسم باللغة الفارسية (٢).

٥ ـ رسالة في علم المناظرة ، يقول عنها جرجي زيدان : إنها في منش ، وذكر ذلك الزركلي في الأعلام (٣).

__________________

(١) مقدمة ابن خلدون ص ٥٥٢.

(٢) انظر روضات الجنات ٤ / ٢٣٩ ، كشف الظنون ٢ / ١١٥ ، هدية العارفين ٢ / ٥٥٣.

(٣) تاريخ آداب اللغة العربية ٣ / ٤٩ ، والأعلام ٩ / ٢٩٤.

١٨

كتاب مفتاح العلوم

ومنهج السكاكي فيه

كتاب المفتاح هو غرّة مصنّفات الإمام السكاكي ، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية ، تحدث في القسم الأول منها عن علم الصرف وما يتصل به من الاشتقاق الصغير والكبير والأكبر ، وجعل القسم الثاني لعلم النحو ، أما القسم الثالث فخصّ به علم المعاني وعلم البيان ، وألحق بهما نظرة في الفصاحة والبلاغة ودراسة للمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية. ووجد أن علم المعاني يحتاج من ينظر فيه إلى الوقوف على الحد والاستدلال أو بعبارة أخرى إلى الوقوف على علم المنطق ، ففتح له مبحثا أحاط فيه بمسائله. ووجد أيضا أن من يتدرب على علمي المعاني والبيان يحتاج إلى الوقوف على علمي العروض والقوافي ، فأفرد لهما المبحث الأخير في الكتاب ، وبذلك اشتمل المفتاح على علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان والمنطق والعروض والقوافي ، ونراه يصوّر في تقديمه له طريقته في تصنيفه ، يقول : " وما ضمّنت جميع ذلك في كتابي هذا إلا بعد ما ميّزت البعض عن البعض التمييز المناسب ولخصت الكلام على حسب مقتضى المقام هنالك ، ومهدت لكل من ذلك أصولا لائقة ، وأوردت حججا مناسبة ، وقرّرت ما صادفت من آراء السلف ـ قدّس الله أرواحهم ـ بقدر ما احتملت من التقرير ، مع الإرشاد إلى ضروب مباحث قلّت عناية السلف بها ، وإيراد لطائف مقنّنة ما فتقّ أحد بها رتق أذن. وشهرته إنما دوّت بالقسم الثالث من الكتاب الخاصّ بعلمي المعاني والبيان ولواحقهما من الفصاحة والبلاغة والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية ، فقد أعطى لهذا كله الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده ، يتدارسونها ويشرحونها مرارا ، إذ استطاع أن ينفذ من خلال الكتابات البلاغية قبله إلى عمل ملخص دقيق لما نثره أصحابها من آراء وما استطاع أن يضيفه إليها من أفكار. وصاغ ذلك كله صياغة مضبوطة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتسبيب وفي التجريد والتحديد والتعريف والتقسيم والتفريع والتشعيب. وكان عمدته في النهوض بذلك تلخيص الفخر الرازي وكتابي عبد القاهر : " دلائل الإعجاز" و " أسرار البلاغة" ثم" الكشاف" للزمخشري ، فإنه استوعبه استيعابا دقيقا. ومن الحق أن تلخيصه أدق من تلخيص الفخر الرازي ، وكأنما كان عقله أكثر دقة وضبطا للمسائل ، بل لقد كان أكثر تنظيما وأسدّ تقسيما ، مع ترتيب المقدمات وإحكام المقاييس وصحة البراهين ، بذلك استقام تلخيصه ، بحيث قلما نجد فيه عوجا أو أمتا أو انحرافا ، وإنما نجد فيه الدقة

١٩

والقدرة البارعة على التبويب والإحاطة الكاملة بالأقسام والفروع. غير أن ذلك عنده لم يشفع بتحليلات عبد القاهر والزمخشري التي كانت تملأ نفوسنا إعجابا ، فقد تحولت البلاغة في تلخيصه إلى علم ، بأدق المعاني لكلمة علم ، فهي قوانين وقواعد تخلو من كل ما يمتع النفس ، إذ سلط عليها المنطق بأصوله ومناهجه الحادة ، حتى في لفظها وأسلوبها الذي لا يحوي أيّ جمال ، وما للجمال والسكاكي إنه بصدد وضع قواعد وقوانين كقوانين النحو وقواعده ، وهي قواعد وقوانين تسبك في قوالب منطقية جافّة أشد ما يكون الجفاف" (١).

يتبين لنا من النصّ السابق أن القيمة العظمى لمفتاح السكاكي إنما ترجع إلى القسم الثالث منه ، وهو الخاص بعلوم البلاغة ، وقد أخذ عليه فيه تقسيمه البلاغة إلى علومها الثلاثة التي استقرت عليها عنده وهي : المعاني والبيان والبديع.

__________________

(١) انظر د / شوقي ضيف / البلاغة تطور وتاريخ / ط دار المعارف ص ٢٨٧ ـ ٢٨٨.

٢٠