🚘

معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها

الدكتور أحمد مطلوب

معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها

المؤلف:

الدكتور أحمد مطلوب


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: مكتبة لبنان ناشرون
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٥
🚘 نسخة غير مصححة
١
٢

٣
٤

مقدّمة الطّبعة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذا المعجم ثمرة أعوام ، وزبدة كتب كثار ، عكفت عليها عكوف المتعبّد ، ونهلت منها كما ينهل الظّمآن ، حتّى إذا ارتويت واطمأنّت نفسي إلى ما استقرّيت ، شرعت في التّبويب والتّصنيف وأنا أطوي اللّيل والنّهار غير ملتفت إلى ما حولي من عالم مصطخب يمور ، وخلق مشت بهم الحياة وسعوا إليها راغبين. في هذا الجوّ كتبت هذا السّفر الذي أخرجه المجمع العلميّ العراقيّ في ثلاثة أجزاء ، وما إن ظهر الجزء الأوّل سنة ١٤٠٣ ه‍ ـ ١٩٨٣ م ، حتّى انهالت عليه الطّلبات وطفق الباحثون والمهتمّون بالمصطلح البلاغيّ يسألون عن الجزءين الآخرين ، وكان توفيق الله عظيما فصدر الجزء الثاني سنة ١٤٠٦ ه‍ ـ ١٩٨٦ م وصدر الجزء الثالث سنة ١٤٠٧ ه‍ ـ ١٩٨٧ م.

ولم تمض شهور على صدور المعجم حتّى نفد وأصبح عزيزا ، واشتدّ الطّلب عليه وحثّني المهتمّون على إعادة طبعه ، وكنت أقول لهم : ليس من دأيي أن أعود إلى ما نشرت. ومضيت أصدر الكتب الجديدة ومنها «معجم النّقد الأدبيّ القديم» الذي أصدرته وزارة الثّقافة والإعلام سنة ١٤٠٩ ه‍ ـ ١٩٨٩ م في جزءين ..

وزاد الإلحاح وعرض عليّ في عمّان أن أعيد طبعه وكان موقفي ثابتا ، وعدت إلى بغداد فإذا برسالة كريمة بعث بها الأستاذ الدّكتور جورج متري عبد المسيح عارضا أن أعيد طبع المعجم في «مكتبة لبنان» الشّهيرة بإخراج المعاجم الأنيقة الدّقيقة ، فأذعنت للأخ الكريم وللدار العامرة ، وقلت هذه نعمة من نعم الله «لا يلقّاها إلّا ذو حظّ عظيم».

لقد مرّت على صدور المعجم سنوات لم أجد فيها جديدا يغيّر قديما ، وها أنا أعيد طبعه كما صدر في الطّبعة الأولى ، وكلّي أمل أن ألقى النّقد والتّوجيه بعد أن نلت التّقريظ والمديح.

٥

وكنت أطمح إلى النّقد ولكنّ ثقة الباحثين بي دفعتهم إلى الإطراء والثّناء دفعا ، فلهم منّي أجمل تحيّة وأعظم تقدير ، ولعلّهم يغضّون عن هفوات بدت ، وزلّات خطّت ، فما الكمال إلّا لله وحده ...

وبعد فهذه الطّبعة الثانية من «معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها» تقدّمها «مكتبة لبنان» بثوب قشيب ، فلها منّي الشّكر العميم على ما قدّمت من معاجم يعتزّ بها الناطقون بالضاد.

الخميس ١٤ ربيع الثاني ١٤١٤ ه‍ ٣٠ أيلول ١٩٩٣ م

الدّكتور أحمد مطلوب

عضو المجمع العلميّ العراقيّ

٦

مقدّمة الطّبعة الأولى

بسم الله الرّحمن الرّحيم

نشأت البلاغة كغيرها من علوم اللغة العربية لخدمة القرآن الكريم وإتقان اللغة وتعليمها والوقوف على أساليبها ، ومرّت بأطوار مختلفة ، وشهدت تجارب متعددة وكان المصطلح البلاغيّ يأخذ معناه العلميّ الدقيق كلّما ظهر عالم ألمعيّ له قدرة على وضع الحدود وصياغة التعريفات.

ولعلّ عبد القاهر الجرجاني (ـ ٤٧١ ه‍ او ٤٧٤ ه‍) كان من أكثر البلاغيين دقة في المصطلح وضبطا للقاعدة ورسما للأصول ، فقد استطاع بعبقريته الفذّة أن يؤلّف كتابيه «دلائل الاعجاز» و «أسرار البلاغة» اللذين كانا عمدة البلاغيين. وظلّت البلاغة تشهد نموا حتّى القرن الثاني عشر للهجرة ولكنها توقّفت عند رسوم المتأخرين ولم يضف اليها في هذا العصر إلا ما يهدف اليه المنهج الحديث في تصنيف الموضوعات ، وهو منهج اتضح في «فن القول» للمرحوم أمين الخولي ، ولم يسد الدرس البلاغيّ الجديد.

والمجدّد إن لم يصدر عن التراث يظلّ بعيدا عن الأصالة ؛ لأنّ التجديد قتل القديم درسا ، والبلاغة العربية ذات التأريخ العريق أحوج ما تكون الى الدراسة العميقة وسبر اتجاهاتها لتصل الى مرحلة تستشرف فيها مستقبلا زاهرا ينير معالم الطريق. وأول خطوة الى التراث البلاغي دراسة مصطلحاتها وتطورها وابرازها بثوبها العربي الأصيل ، ولن يتم ذلك إلا بوضع معجم يجمع جزئياتها وينسقها في عرض تأريخي يظهر تطورها ويحدد معالمها. وقد ظهرت هذه الفكرة منذ سنوات طويلة ، ولكنّ الوصول الى وضع معجم كان حلما بعيدا لأنّ تأريخ البلاغة العربية طويل ؛ ولأنّ القدماء لم يلمحوا التطور إلا بما يخدم أهداف الكتب التي ألفوها ؛ لأنّهم لم يقصدوا الى التأريخ قصدا ، ولم يسعوا إلى وضع معجم البلاغة التأريخي سعيا. ولكنّ الدعوة الى وضع معجم تأريخي للغة العربية ظلت تتردد ، وعقدت من أجل ذلك الندوات فما استطاعت أن تبدأ به ؛ لأنّ تأريخ

٧

الالفاظ العربية ممتد طويل ، ولأنّ الكثير من النصوص ضاع في غمرة الأحداث.

ولعل البلاغة أسهل موردا وأقرب منالا لتأخر ظهورها في كتب ترصد أصولها ، فكان لها أن يقصد الى وضع كتاب يؤرخ لمصطلحاتها الكبرى : الفصاحة ، والبلاغة ، والمعاني ، والبيان ، والبديع. وصدر ذلك الكتاب عام ١٩٧٢ للميلاد ليكون تجربة تأخذ أبعادها من دعوة المعجم التأريخي وتقتبس ملامحها من التراث الأصيل. وقام منهج ذلك الكتاب وهو «مصطلحات بلاغية» على رصد كل مصطلح في مظانّه واستقاء الرأي من منابعه ، والربط بين الآراء ربطا يظهر تطورها التأريخي ويحدد معنى المصطلح الذي استقرّ عليه المتأخرون.

ومرّت الأعوام وصورة ذلك الكتاب تتسع ، ولم يظهر في الأفق ما يسدّد الخطى ويعبّد الطريق ، فكان «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» هدية تقدّم على استحياء ؛ لأنها قد تكون فجّة ، أو أنّها لا تحقق الهدف الذي من أجله يبذل الدارسون جهودهم في هذه السبيل.

إنّ وضع المعجم البلاغي لم يكن هينا فهناك مئات المصادر التي تحمل بين سطورها بذورا أو ثمارا ، وكان على الباحث أن يقف عليها ويعيد النظر فيها ليأخذ منها ما ينفع ويضمه الى ما اقتبسه من كتب البلاغة والنقد ، حتى إذا ما استوت المادة على سوقها بدأ التصنيف ، وبدأت حروف الهجاء تأخذ سبيلها في الترتيب من غير التفات الى أصل مادة المصطلح او ارتباط بالمعجم القديم لأنّ في ذلك شيئا من العسر لا يخدم الهدف ولا يحقق الغاية عند المراجعة السريعة ، ولذلك وضع «الاستفهام» قبل «الإسجال» و «الارتقاء» قبل «الإرداف» و «الاعتراض» قبل «الإعجاز». فالأساس هو ترتيب الحروف في المصطلح كما يفعل المعاصرون حينما ينسقون الالفاظ والمصطلحات.

وبعد أن تمّ هذا التصنيف كانت العودة الى المعجمات للوقوف على معنى المصطلح في اللغة ليبدأ بعد ذلك ذكر أسماء المصطلح المختلفة إن كانت له عدة تسميات ، ثم تعريف البلاغيين والنقاد وغيرهم للفن البلاغي ، وهو تعريف أخذ من التطور التأريخي نسقه ، وقد يكون ذلك التأريخ بعيدا يمتد الى آخر ما وقفت عنده البلاغة في القرن الثاني عشر للهجرة على يد ابن معصوم المدني (ـ ١١١٧ ه‍) صاحب «أنوار الربيع في أنواع البديع». وتأتي أقسام الفن بعد ذلك موضّحة بالأمثلة المقتبسة من الكتاب العزيز وكلام العرب البليغ.

تلك خطة المعجم ، بدأت من الهمزة وانتهت بالواو ، ولم يكن العمل سهلا لأنّ تأريخ البلاغة عريق ، ولأنّ القدماء لم يضعوا معالم لمثل هذا العمل. وقد يجد الباحث عنتا وضيقا حينما يجد للنوع الواحد من فنون البلاغة اسمين أو أكثر ، فالغانمي ـ مثلا ـ سمّى بابا من أبواب البلاغة

٨

«التبليغ» وسمّى بابا آخر «الاشباع» وسمّاهما أبو العسكري وابن الأثير «الايغال». وأطلق بعضهم أسماء مختلفة على فن واحد كتسميتهم «التجنيس» جناسا ومجانسا ومماثلا وتماثلا ، و «التورية» إيهاما وتوجيها وتخييلا ، و «التشبيه المقلوب» غلبة الفروع على الاصول ، والطرد والعكس ، و «التوجيه» محتمل الضدين ، و «الارصاد» تسهيما وتوشيحا و «لزوم ما لا يلزم» إلزاما والتزاما وإعناتا وتشديدا وتضييقا ، و «التشريع» توشيحا وذا القافيتين ، و «التكميل» احتراسا ، و «رد العجز على الصدر» تصديرا ، و «المطابقة» طباقا وتضادا وتكافؤا وتطبيقا ، و «تجاهل العارف» سوق المعلوم مساق غيره ، و «مراعاة النظير» تناسبا وتوفيقا وائتلافا ، و «المذهب الكلامي» الاحتجاج النظري. وقد يريد بعضهم بالتوشيح فنّا غير الذي يريده آخر ، وقد يختلف التعريف والمثال. فالتوشيح عند معظم البلاغيين هو الارصاد والتسهيم ، وعند أسامة بن منقذ «هو أن تريد الشيء فتعبّر عنه عبارة حسنة وإن كانت أطول منه». وعند ضياء الدين بن الأثير «هو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين ، فاذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض ، وصار ما يضاف الى القافية الأولى للبيت كالوشاح وكذلك يجري في الفقرتين من الكلام المنثور». والى ذلك ذهب ابن قيّم الجوزيّة فقال : «التوشيح أن تكون ذيول الأبيات ذات قافيتين على بحرين أو ضربين من بحر واحد ، فعلى أيّ القافيتين وقفت كان شعرا مستقيما». وهذا هو «التشريع» عند الآخرين ، وقد يسمى «ذا القافيتين» و «التوأم» ، قال المدني عنه : «التشريع هو أن تبني القصيدة على وزنين من أوزان العروض وقافيتين ، فاذا أسقط من أجزاء البيت جزء أو جزءان صار ذلك البيت من وزن آخر ، كأنّ الشاعر شرع في بيته بابا الى وزن آخر. ولما خفي على ابن ابي الاصبع وجه مناسبة التشبيه بين اللغوي والاصطلاحي أو استبعده ، سمّى هذا النوع «التوأم» ليطابق بين الاسم والمسمى».

ولم يكن بدّ من الاشارة الى ذلك كله عند ما يتقدم المصطلح ، أما حينما يأتي باسم آخر فيذكر أنّه النوع السابق أو الانواع المتقدمة ، لئلا يطول الكلام ويعاد ما ثبت في موادّ أخرى. وبهذه الطريقة وبالاقتصار على الاسم المشهور لكل متقدم من البلاغيين خفّ المعجم ولم يتكرر فيه إلا ما كان تكراره مهما. فالسجع يسمى تسجيعا ، ولما كانت التاء قبل السين ، بحث هذا الفن وأقسامه في مصطلح «التسجيع» وكانت الاشارة في «السجع» اليه ، فقيل : «السجع : هو التسجيع وقد تقدم» ، و «السجع الحالي» هو «التسجيع الحالي وقد تقدم». وهكذا كان الأمر في كل مصطلح مع الاشارة الى المصادر التي ذكرته بالاسم الجديد لئلا يظن أنّ القدماء اتفقوا في التسمية ، أو أنّ بعضهم ذكر الفن بعدة مصطلحات.

إنّ «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» الذي ضمّ ألف مصطلح ومائة ، محاولة أريد بها

٩

وضع معجم تأريخي لهذا الفن الذي لم ينضج ولم يحترق ، وهو معجم يقوم على ترتيب الانواع ترتيبا هجائيا لتسهل مراجعة النوع وجمع أجزائه في مادة واحدة ، والاشارة اليها إذا جاءت منفردة ، وجمع الآراء المختلفة في الفن الواحد ، لتسهل معرفة أول من بحث فيه ، وينتفع مؤرخ البلاغة ومن تعنيه المقارنة بين الفنون عند العرب وغيرهم من الاقوام كالفرس واليونان والهنود الذين قيل إنّ لهم أثرا كبيرا في نشأة البلاغة العربية وتطورها ، وما هو بالأثر الكبير حينما يرجع الباحث الى هذا المعجم ويرى نشأة الفن وتطوره خلال القرون ، وارتباط مصطلحات البلاغة ، بالمتقدمين منذ عهد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ واللغويين والنحاة الأوائل كالخليل بن احمد وسيبويه والاصمعي وأبي عبيدة والفراء وغيرهم ممن لم يدرسوا بلاغة أرسطو ، أو يقرأوا صحف الفرس والهنود.

ويذهب «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» الى أبعد من ذلك ، فهو يقدّم للدارسين معرفة الجديد عند البلاغيين ويذكر مدى تأثر اللاحقين بالسابقين ، وتقريب فنون البلاغة وربطها بالنصوص لتكون نافعة لمن يريد أن يكتشف بنفسه هذا الفن قبل أن يرجع الى المظان ويسبر غورها ويقف على الأساليب. ولن يكون نفعه للمحققين بأقلّ من ذلك ، لأنّه يقدّم الفن البلاغي خلال العصور المختلفة ويرصد التطور التأريخي ، وبذلك تسهل المراجعة وتكثر الفائدة من المصادر التي استقى المعجم منها مادته ، وهي مصادر كثيرة يتصل بعضها بالبلاغة والنقد ، ويرتبط بعضها بكتب الأدب والنوادر. وليس ذلك بقليل لمن يريد أن يكسب من الوقت ساعات يقضيها في النظر والتأمل والتدقيق والحكم.

تلك خطة التنسيق وذلك منهج التأليف ، فان أصاب «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» هدفه الذي من أجله وضع فذلك خير من الله ، وإن لم يحقق من الهدف شيئا فعسى أن يحرك الهمم ويدفع الباحثين الى رصد فنون البلاغة وتقديمها في معجم تأريخي يكون واحدا مما يطمح اليه المخلصون لأمتهم ولغة كتابهم العزيز. وحسب «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» أنّه كان أول خطوة في هذا المضمار وأنّه اتسع لألف مصطلح ومائة استنفدت عشرة أعوام لجمعها من المظان ، وأنه أول نواة بلاغية تقدّم للدارسين ولمن سيضع معجم اللغة العربية ، ذلك المعجم الذي لن يتم تنفيذه قبل أن توضع معجمات الفنون والعلوم ، وتحدد المصطلحات والتعريفات. ولعلّ «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» بعد أن يوجّه ويضاف اليه ، يكون نواة لذلك المعجم الكبير. ومن الله العون والتوفيق.

الجمعة في الخامس عشر من أيار ١٩٨١ م

الحادي عشر من رجب ١٤٠١ ه

الدكتور أحمد مطلوب

كلية الآداب ـ جامعة بغداد

١٠

الهمزة

الائتلاف

الائتلاف : الاجتماع والاتّفاق ، يقال : ائتلف الشّيء : ألف بعضه بعضا. قال العلوي : «وهو افتعال من قولهم : ألّف الخرز بعضها الى بعض إذا جمعها» (١) وفي اللسان : «وقد ائتلف القوم ائتلافا وألّف الله بينهم تأليفا» (٢).

وكان قدامة بن جعفر قد بنى على الائتلاف منهج كتابه «نقد الشعر» حينما عرّف الشعر بقوله : «انه قول موزون مقفّى يدلّ على معنى» (٣) ، أي انه يتألف من أربعة أركان : الوزن والقافية واللفظ والمعنى. وقد تولد من ذلك ستة أضرب من التأليف ، غير ان قدامة ذكر ائتلاف اللفظ مع المعنى ، وائتلاف اللفظ مع الوزن ، وائتلاف المعنى مع الوزن ، وائتلاف المعنى مع القافية.

وذكر بدر الدين بن مالك والعلوي والسبكي ائتلاف اللفظ مع اللفظ ، وائتلاف المعنى مع المعنى (٤).

وسمّى ابن حجة الحموي مراعاة النظير ائتلافا وتناسبا وتوفيقا ومؤاخاة ، وعرفه بقوله : «وهو في الاصطلاح أن يجمع الناظم أو الناثر أمرا وما يناسبه مع الغاء ذكر التضاد لتخرج المطابقة سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى إذ القصد جمع شيء الى ما يناسبه من نوعه أو ما يلائمه من أحد الوجوه» (٥). وقال المدني عن مراعاة النظير : «هذا النوع أعني مراعاة النظير ، سمّاه قوم بالتوفيق وآخرون بالتناسب وجماعة بالائتلاف وبعضهم بالمؤاخاة. قالوا : هو عبارة عن أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى ، إذ القصد جمع شيء وما يناسبه من نوعه أو ملائمه من احد الوجوه» (٦). ثم قال : «ولا يخفى ان هذا التفسير يدخل فيه ائتلاف اللفظ مع المعنى وائتلاف اللفظ مع اللفظ ، وائتلاف المعنى مع المعنى. وكل من هذه الأقسام عدّه أرباب البديعيات نوعا برأسه ونظموا له شاهدا مستقلا وجعلوه مغايرا لهذا النوع ، مع انهم مثلوا لائتلاف اللفظ بما مثلوا به لمراعاة النظير بعينه ولا وجه لذلك ، بل كان الصواب تنويع هذا النوع الى هذه الأنواع الثلاثة كما فعل صاحب التبيان حيث قال : مراعاة النظير هو أن يجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد ، وهو أصناف :

الأول : ائتلاف اللفظ والمعنى.

والثاني : ائتلاف اللفظ مع اللفظ.

والثالث : ائتلاف المعنى مع المعنى.

وهذا كتنويعهم اللف والنشر الى أنواعه المذكورة والالتفات الى انواعه الستة ، وغير ذلك من أنواع البديع التي تتنوع الى أنواع. وإذ قد اصطلح أرباب البديعيات على جعل مراعاة النظير نوعا برأسه ، وكل

__________________

(١) الطراز ج ٣ ص ١٤٤.

(٢) اللسان (ألف).

(٣) نقد الشعر ص ١٥.

(٤) المصباح ص ١٤٤ ، والطراز ج ٣ ص ١٤٤ ، وعروس الأفراح ج ٤ ص ٤٧٢.

(٥) خزانة الأدب ص ١٣١.

(٦) أنوار الربيع ج ٣ ص ١١٩.

١١

من ائتلاف اللفظ والمعنى ، وائتلاف اللفظ مع اللفظ ، وائتلاف المعنى مع المعنى ، نوعا برأسه ، فينبغي أن يحدّ كل منها بحد لا يشمل الآخر». وعلى هذا الاساس بحث كل نوع في عنوان مستقل.

ائتلاف الفاصلة :

الفواصل هي مقاطع القرآن ، ولا تسمى سجعا ولا قوافي لان هذين المصطلحين مختصان بكلام العرب نثره وشعره. وقد أفرد المصري هذا البحث بباب وقال إنه من مخترعات قدامة وسماه من بعده التمكين ، ولكنه عرفه تعريفا أدخل فيه الأسجاع والقوافي فقال : «هو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته والشاعر لقافية بيته تمهيدا تأتي به القافية متمكنة في مكانها ، مستقرة في قرارها ، مطمئنة في موضوعها ، غير نافرة ولا قلقة ، متعلقا معناها بمعنى البيت كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت من البيت لاختل معناه واضطرب مفهومه. ولا يكون تمكنها بحيث يتقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت أو في أثناء الصدر أو معنى يدل عليها ، ولا أن تفيد معنى زائدا على معنى البيت ، فان الاول تصدير ، والثاني توشيح ، والثالث إيغال ، ولا يسمى شيء من ذلك تمكينا. وكل مقاطع آي الكتاب العزيز لا تخلو من أن تكون أحد هذه الأقسام الأربعة ، ولهذا تسمى مقاطعه فواصل لا سجعا ولا قوافي ، لاختصاص القوافي بالشعر ، والسجع بالمنافرة عن معنى الكلام مأخوذ من سجع الطائر» (١).

ومما جاء منه على هذا الباب وهو باب التمكين قوله تعالى : (قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)(٢) ، فإنه لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرّف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب ؛ لأن الحلم العقل الذي يصحّ به تكليف العبادات ويحضّ عليها ، والرشد حسن التصرف في الأموال.

وقوله : (قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)(٣) فان ذكر الرسالة مهّد لذكر البلاغ والبيان فيه.

وقوله : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، قالَ : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)(٤) ، لان ذكر دخول الجنة مهّد لفاصلتها.

ائتلاف القافية :

تحدث قدامة عن ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقال : هو «أن تكون القافية متعلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملاءمة لما مرّ فيه» (٥) وتحدث عن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وهي التوشيح والايغال. وذكر أنّ من عيوب ائتلاف المعنى والقافية التكلف في طلبها والاتيان بها لتكون نظيرة لاخواتها في السجع. ومثال أن تكون القافية مستدعاة قد تكلف في طلبها فاشتغل معنى سائر البيت بها قول أبي تمام :

كالظبية الأدماء صافت فارتعت

زهر العرار الغضّ والجثجاثا (٦)

فجميع البيت مبنيّ لطلب هذه القافية ، وإلّا فليس في وصف الظبية بأنها ترعى الجثجاث كبير فائدة ؛ لأنه إنما توصف الظبية ـ إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها ـ بان يقال : إنها تعطو الشجر ؛ لأنّها حينئذ رافعة رأسها ، وتوصف بأنّ ذعرا يسيرا قد لحقها كما قال الطرماح :

مثل ما عاينت مخروفة

نصّها ذاعر روع مؤام (٧)

__________________

(١) بديع القرآن ص ٨٩ ، وتحرير التحبير ص ٢٢٤.

(٢) هود ٨٧.

(٣) يس ١٦ ـ ١٧.

(٤) يس ٢٦ ـ ٢٧.

(٥) نقد الشعر ص ١٩٠.

(٦) العرار ؛ النرجس البري الواحدة عرارة. الجثجاث ؛ نوع من النبات.

(٧) المخروفة ؛ الظبية التي قد رعت العشب الذي نبت في الخريف. نصها ؛ رفعت رأسها. مؤام ؛ مقارب.

١٢

فأما أن ترعي الجثجاث فلا معنى له في زيادة الظبية من الحسن ، لأنّ هذا النبت ليس من المراعي التي توصف بالطيب.

ومثال الاتيان بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها في السجع قول علي بن محمد البصري :

وسابغة الأذيال زعف مفاضة

تكنّفها منّي نجاد مخطط (١)

في وصف الدرع وتجويد نعتها ، ولا يزيد في جودتها أن يكون نجادها مخططا أو غير ذلك (٢).

وتحدث المصري عن «ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت» فقال : «وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين ، وهو أن يمهّد الناثر لسجعة فقرته أو الناظم لقافية بيته تمهيدا تأتي القافية به متمكنة في مكانها مستقرة في قرارها مطمئنة في موضعها غير نافرة ولا قلقة ، متعلقا معناها بمعنى البيت كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت من البيت اختلّ معناه واضطرب مفهومه ، ولا يكون تمكنها بحيث يقدّم لفظها بعينه في أول صدر البيت أو معنى يدل عليها في أول الصدر أو في أثناء الصدر ولا أن يفيد معنى زائدا بعد تمام معنى البيت ، فان الأول يسمى تصديرا ، والثاني توشيحا ، والثالث إيغالا ، ولا يقال لشيء من ذلك تمكين البتة» (٣). وسماه في «بديع القرآن» ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام (٤) ، لأنّ نهايات الآيات لا تسمى أسجاعا بل فواصل لأنّ السّجع مأخوذ من سجع الطائر ، ولا يليق ذلك بكتاب الله العزيز. ولكن البلاغيين الآخرين كابن مالك وابن الأثير الحلبي والحموي والسيوطي والمدني (٥) سموه «تمكينا». ومعظم شعر الفحول من هذا اللون ، ومن ذلك قول أبي تمام :

ومن يأذن الى الواشين تسلق

مسامعه بألسنة حداد

وقوله :

مذاكي حلبة وشروب دجن

وسامر قينة وقدور صاد

وأعين ربرب كحلت بسحر

وأجساد تضمّخ بالجساد (٦)

وقول البحتري :

فلم أر ضرغامين أصدق منهما

عراكا إذا الهيّابة النكس أكذبا (٧)

حملت عليه السيف لا عزمك انثنى

ولا يدك ارتدّت ولا حدّه نبا

وقول المتنبي :

يا من يعزّ علينا أن نفارقهم

وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم

إن كان سرّكم ما قال حاسدنا

ما لجرح إذا أرضاكم ألم

ائتلاف اللّفظ مع اللّفظ :

وهو الصنف الثاني من الائتلاف عند ابن مالك ، وقد عرّفه بقوله : «هو أن يكون في الكلام معنى يصحّ معه واحد من عدة معان فيختار منها ما بينه وبين بعض الكلام ائتلاف الاشتراك في الحقيقة أو ملاءمة المزاج أو نحو ذلك» (٨). وعرّفه العلوي بقوله : «هو أن تريد معنى من المعاني تصحّ تأديته بألفاظ كثيرة ولكنك

__________________

(١) الزغف ؛ الدرع المحكمة.

(٢) نقد الشعر ص ٢٥٤ ـ ٢٥٦.

(٣) تحرير التحبير ص ٢٢٤.

(٤) بديع القرآن ص ٨٩.

(٥) المصباح ص ١١٧ ، جوهر الكنز ص ٢٠٠ ، خزانة الأدب ص ٤٣٩ ، معترك الأقران ج ١ ص ٣٩ ، شرح عقود الجمان ص ١٥٥ ، أنوار الربيع ج ٦ ص ١٥١.

(٦) المذاكي ؛ الخيل التي تم سنها وكملت قواها.

الدجن ؛ المطر الغزير. سامر قينة ؛ احتفال بالقيان. الصاد ؛ الصفر والنحاس. الربرب ؛ بقر الوحش. تضمخ ، تلطخ. الجساد ؛ الزعفران.

(٧) الهيابة ؛ الهيوب. النكس ؛ الجبان.

(٨) المصباح ص ١١٤.

١٣

تختار واحدا منها لما يحصل فيه من مناسبة ما بعده وملاءمته» (١).

وقال الحموي : «هو أن يكون في الكلام معنى يصح معه هذا النوع ، ويأخذ عدة معان فيختار منها لفظة بينها وبين الكلام ائتلاف» (٢).

وقال السيوطي : «أن تكون الألفاظ تلائم بعضها بعضا بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله رعاية لحسن الجوار والمناسبة» (٣).

وذكر المدني أنّ لهذا النوع تعريفين عند البديعيين :

الأول : ما ذكره صفيّ الدين الحلّيّ وعليه أصحاب البديعيات وهو : «أن يكون في الكلام معنى يصحّ معه واحد من عدة معان فيختار منها ما بين لفظه وبين بعض الكلام ائتلاف وملاءمة وإن كان غيره يسدّ مسدّه».

كقول البحتري :

كالقسيّ المعطّفات بل الأس

هم مبريّة بل الأوتار (٤)

فانّ تشبيه الابل بالقسيّ من حيث هو كناية عن هزالها يصحّ معه تشبيهها بالعراجين والأهلّة والأطناب ونحوها ، فاختار من ذلك تشبيهها بالاسهم والاوتار لما بينهما وبين القسيّ من الملاءمة والائتلاف.

الثاني : ما ذكره السيوطي ، وهو التعريف السابق كقوله تعالى : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً)(٥). أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي التاء ، فانها أقلّ استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة الى الباء والواو ، وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الاسماء وتنصب الأخبار وهو «تفتأ» فانّ «تزال» أقرب الى الافهام واكثر استعمالا من «تفتأ» ، وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو «الحرض» فاقتضى حسن الوضع أن تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف الألفاظ لتتعادل في الوضع ، وتتناسب في النظم. ولما أراد غير ذلك قال : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ)(٦) فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها.

وهذا التعريف والتمثيل له هو الذي ينبغي المصير اليه والتعويل عليه ليكون نوعا مستقلا مغايرا لمراعاة النظير ، أما التعريف الأول والتمثيل له فهما شاملان لمراعاة النظير (٧).

ومن أمثلة هذا الفن قول المتنبي :

على سابح موج المنايا بنحره

غداة كأنّ النّبل في صدره وبل

فالسابح : الحصان ، فلما وصفه بالسباحة عقّبه بذكر الموج ، وذكر النبل وعقّبه بذكر الوبل لما كان يشبه النبل في شدة وقعه وسرعة حركته ، ثم واصل بين الوبل والموج لما بينهما من الملاءمة.

ومن ذلك قول ابن رشيق القيرواني :

أصحّ وأقوى ما رويناه في النّدى

من الخبر المأثور منذ قديم

أحاديث ترويها السيول عن الحيا

عن البحر عن جود الأمير تميم

فلاءم بين الصحة والقوة ، وبين الرواية والخبر ؛ لأنها كلها متقاربة في ألفاظها ، ثم قوله أحاديث تقارب الأخبار ، ثم أردفها بقوله السيول ، ثم عقبه بالحيا ؛ لأن السيول منه ، ثم عن البحر ؛ لأنه يقرب من السيل ، ثم تابع بعد ذلك بقوله : «عن جود الأمير تميم» فهذه الأمور كلها متقاربة ، فلأجل هذا لاءم

__________________

(١) الطراز ج ٣ ص ١٤٦.

(٢) خزانة الادب ص ٤٣٨.

(٣) الاتقان ج ٢ ص ٨٨.

(٤) القسي ؛ جمع قوس. وهي آلة رمي السهام.

المعطفات ؛ المحنية الاسهم مبرية ؛ النبال منحوتة ؛ الأوتار ؛ جمع وتر ، وهو ما يشد بين طرفي القوس لينبض عند الرمي.

(٥) يوسف ٨٥.

(٦) النور ٥٣.

(٧) أنوار الربيع ج ٦ ص ٢٣٤ ـ ٢٣٥.

١٤

بينها في تأليف الألفاظ فصار الكلام بها مؤتلف النسج محكم السّدى (١).

ائتلاف اللّفظ مع المعنى :

أشار بشر بن المعتمر في صحيفته الى هذا الفن ، وقال : «ومن أراغ معنى شريفا فليلتمس له لفظا كريما ، فانّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف» (٢). وقال الجاحظ : «إلا اني أزعم ان سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني» (٣) ، وقال : «ومتى شاكل ـ أبقاك الله ـ ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه ، وكان لتلك الحال وفقا ولذلك القدر لفقا ، وخرج من سماجة الاستكراه ، وسلم من فساد التكلف ، كان قمينا بحسن الموقع وبانتفاع المستمع ، وأجدر بأن يمنع جانبه من تناول الطاعنين ، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين ، وألّا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهولة» (٤). وقال : «ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ ، ولكل نوع من المعاني نوع من الاسماء ، فالسخيف للسخيف ، والخفيف للخفيف ، والجزل للجزل» (٥). وهذا هو التناسب بين اللفظ والمعنى ، وقد سماه قدامة «ائتلاف اللفظ مع المعنى» (٦) وتحدث فيه عن المساواة والاشارة والإرداف والتمثيل. ولم يبين معناه غير أنّ الآمدي شرحه ولم «توف عبارته بايضاحه» (٧) ، وتحدث عنه القاضي الجرجاني فقال : «لا آمرك باجراء أنواع الشعر كله مجرى واحدا ، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه ، بل أرى لك أن تقسّم الألفاظ على رتب المعاني فلا يكون غزلك كافتخارك ، ولا مديحك كوعيدك ، ولا هجاؤك كاستبطائك ، ولا هزلك بمنزلة جدك ، ولا تعريضك مثل تصريحك ، بل ترتب كلّا مرتبته وتوفّيه حقه ، فتلطّف إذا تغزلت ، وتفخّم اذا افتخرت ، وتتصرف للمديح تصرّف مواقعه ، فانّ المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف ، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام ، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به ، وطريق لا يشاركه الآخر فيه» (٨).

وعدّ المرزوقي «مشاكلة اللفظ للمعنى» أحد أبواب عمود الشعر وقال :

«وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية طول الدربة ودوام المدارسة فاذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض لا جفاء في خلالها ولا نبوّ ولا زيادة فيها ولا قصور ، وكان اللفظ مقسوما على رتب المعاني قد جعل الأخصّ للأخص ، والأخسّ للأخس فهو البريء من العيب» (٩).

وقال المصري في تعريفه : «وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعنى المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى» (١٠).

وقال العلوي : «هو أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له ، فاذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا ، واذا كان المعنى رقيقا كان اللفظ رقيقا فيطابقه في كل أحواله ، وهما اذا خرجا على هذا المخرج وتلاءما هذه الملاءمة وقعا من البلاغة أحسن موقع ، وتألفا على أحسن شكل ، وانتظما في أوفق نظام. وهذا باب عظيم في علم البديع وجاء القرآن الكريم على هذا الاسلوب» (١١).

__________________

(١) الطراز ج ٣ ص ١٤٦ ـ ١٤٧ ، وينظر نفحات الأزهار ص ٣٣٥ ، شرح الكافية ص ٢٢٦.

(٢) البيان ج ١ ص ١٣٦.

(٣) البيان ج ١ ص ١٤٥.

(٤) البيان ج ٢ ص ٧ ـ ٨.

(٥) الحيوان ج ٣ ص ٣٩.

(٦) نقد الشعر ص ١٧١ وما بعدها.

(٧) تحرير التحبير ص ١٩٤ ، وخزانة الأدب ص ٤٣٧.

(٨) الوساطة ص ٢٤.

(٩) شرح ديوان الحماسة ج ١ ص ١١.

(١٠) تحرير التحبير ص ١٩٤ ، بديع القرآن ص ٧٧.

(١١) الطراز ج ٣ ص ١٤٤.

١٥

وقد أجمع البلاغيون الآخرون (١) على هذا المعنى ، وعلى أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له. فاذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا ، واذا كان المعنى رشيقا كان اللفظ رقيقا ، واذا كان غريبا كان اللفظ غريبا ، واذا كان متداولا كان اللفظ مألوفا.

ومثاله قوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ)(٢) فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه ، منها قوله : (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ)(٣) وقوله حكاية عن ابليس : (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)(٤) فعدل ـ عزوجل ـ عن ذكر الطين الذي هو مجموع التراب والماء الى ذكر مجرد التراب ؛ لأنّه أدنى العنصرين وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الالهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك ، فلهذا كان الاتيان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر ، ولو كان موضعه غيره لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود. ولما أراد ـ سبحانه ـ الامتنان على بني اسرائيل بعيسى ـ عليه‌السلام ـ أخبرهم عنه أنه يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيما لأمر ما يخلقه باذنه ، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به. ومن طريف ما يتصل بهذا الفن ما جاء عن بشار فقد قيل له : إنّك لتجيء بالشيء المتفاوت ، قال : وما ذاك؟ قيل : بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك :

إذا ما غضبنا غضبة مضريّة

هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما

إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة

ذرى منبر صلّى علينا وسلّما

تقول :

ربابة ربّة البيت

تصبّ الخلّ في الزيت

لها عشر دجاجات

وديك حسن الصّوت

فقال : لكل شيء وجه وموضع ، فالقول الأول جد ، وهذا قلته في جاريتي ربابة (٥). ومن ذلك قول زهير :

أثافيّ سفعا في معرّس مرجل

ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم (٦)

فلما عرفت الدار قلت لربعها

ألا انعم صباحا أيّها الرّبع واسلم

فانه لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن المعنى غريب ، ركبّه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال ، ولما قصد في البيت الثاني الى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريبا ركّبه من ألفاظ مستعملة معروفة.

ومن هذا الباب ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى لا من مجرد جملة اللفظ ، فان الائتلاف من جهة ما تقدم من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل لا من جهة المعنى ، بل ذلك من جهة اللفظ. وأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى : (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(٧) ، فانه ـ سبحانه ـ لما نهى عن الركون

__________________

(١) ينظر المصباح ص ١١٣ ، وخزانة الأدب ص ٤٣٧ ، الاتقان ج ٢ ص ٨٨ ، أنوار الربيع ج ٦ ص ٢١٧ ، نفحات ص ٣٣٢ ، شرح الكافية ص ١٨٣.

(٢) آل عمران ٥٩.

(٣) ص ٧١.

(٤) ص ٧٦.

(٥) الأغاني ج ٣ ص ١٦٢ ، أنوار الربيع ج ٦ ص ٢١٨.

(٦) الأثافي ؛ ما توضع عليه القدر وهي أحجار.

السفع ؛ السود. المرجل ؛ القدر. النؤي ؛ ما يحفر حول الخيمة ليمنع السيل. جذم الحوض ؛ أصله. يتثلم ؛ يتكسر.

(٧) هود ١١٣.

١٦

للظالمين ، وهو الميل اليهم والاعتماد عليهم كان ذلك دون مشاركتهم في الظلم ، أخبر أنّ العقاب على ذلك دون العقاب على الظلم وهو مسّ النار دون الاحراق والاصطلاء ، وإن كان المسّ قد يطلق ويراد به الاستئصال بالعذاب وشمول الثواب أكبر مجازا ، ولما كان المسّ أول ألم أو لذة يباشرها الممسوس جاز أن يطلق على ما يدلّ عليه استصحاب تلك الحال مجازا ، والحقيقة ما ذكر ، وهو في هذه الآية الكريمة على حقيقته (١).

فائتلاف اللفظ مع المعنى أساس الكلام البليغ ، ويتضح ذلك في شعر الفحول من شعراء العرب ، أما صغارهم فانهم يقعون بعيدا عن هذا الفن البديع.

ائتلاف اللّفظ مع الوزن :

هو أحد أقسام الائتلاف عند قدامة الذي عرّفه بقوله : «هو أن تكون الاسماء والافعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت ، لم يضطر الأمر في الوزن الى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها ، وأن تكون أوضاع الاسماء والأفعال والمؤلفة منها وهي الأقوال على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن الى تأخير ما يجب تقديمه ولا الى تقديم ما يجب تأخيره منها ولا اضطر أيضا الى اضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها بل يكون الموصوف مقدما والصفة مقولة عليها» (٢). ومن هذا الباب أيضا : «ألا يكون الوزن قد اضطر الى ادخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجا اليه حتى انه اذا حذف لم تنتقص الدلالة لحذفه او اسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلّا به ، حتى أنّ فقده قد أثر في الشعر تأثيرا بان موقعه» (٣). وعيوب هذا الفن : الحشو والتثليم والتذنيب والتغيير والتفصيل. ومثال الحشو قول أبي عديّ القرشي :

نحن الرؤوس وما الرؤوس إذا سمت

في المجد للأقوام كالأذناب

فقوله : «للاقوام» حشو.

ومثال التثليم قول علقمة بن عبدة :

كأنّ ابريقهم ظبي على شرف

مفدّم بسيا الكتّان ملثوم (٤)

أراد : بسبائب ، فحذف للوزن.

ومثال التذنيب قول الكميت :

لا كعبد المليك أو كيزيد

أو سليمان بعد أو كهشام

وأراد : عبد الملك.

ومثال التغيير قول الأسود بن يعفر :

ودعا بمحكمة أمين سكّها

من نسج داود أبي سلّام

أي : أبي سليمان

ومثال التفصيل قول دريد بن الصّمّة :

وبلّغ نميرا إن عرضت ابن عامر

فأيّ أخ في النائبات وطالب

ففرّق بين نمير بن عامر بقوله : «إن عرضت» (٥).

ولم يخرج البلاغيون الآخرون كالمصري وابن مالك والحموي والسيوطي والمدني (٦) عمّا قاله قدامة بن جعفر ، ولم يخرجوا على أمثلته التي هي من باب الضرائر ، ولعل حجتهم في ذلك أنّ كل شعر سليم

__________________

(١) تحرير التحبير ص ١٩٦ ، بديع القرآن ص ٧٨.

(٢) نقد الشعر ص ١٨٩.

(٣) نقد الشعر ص ١٩٠.

(٤) يروى ؛ مفدوم ، وفدم الابريق وعلى الابريق ؛ وضع الفدام عليه ، والفدام مصفاة صغيرة أو خرقة توضع على فم الابريق ليصفى بها ما فيه.

(٥) نقد الشعر ص ٢٤٨ ، الموشح ص ١٢٧.

(٦) تحرير التحبير ص ٢٢١ ، المصباح ص ١١٦ ، خزانة الأدب ص ٢٣٧ ، شرح عقود الجمان ص ١٥٦ ، أنوار الربيع ج ٦ ص ٢٢٣ ، نفحات الازهار ص ٣٣٣ ، شرح الكافية ص ٢٣٣.

١٧

ليس فيه خروج على اللغة والوزن يدخل في هذا الباب.

الائتلاف مع الاختلاف :

هو الصنف السابع من الائتلاف عند ابن مالك ، والصنف الرابع عند العلوي (١) وهو ضربان :

الأول : ما كانت المؤتلفة فيه بمعزل عن المختلفة وأحدهما منتهى عن الآخر ، ومثاله قول الشاعر :

أبى القلب أن يأتي السدير وأهله

وإن قيل عيش بالسدير غرير

بك البقّ والحمّى وأسد تحفّه

وعمرو بن هند يعتدي ويجوز

الثاني : ما كانت المؤتلفة فيه مداخلة للمختلفة كقول العباس بن الأحنف يهجو قوما :

وصالكم هجر وحبّكم قلى

وعطفكم صدّ وسلمكم حرب

فكل واحد من هذه مقرون مع ضدّه ، مؤلف معه.

ولم يذكر الحموي هذا النوع وإنّما تحدث عن ائتلاف اللفظ مع المعنى ، وائتلاف اللفظ مع الوزن ، وائتلاف المعنى مع الوزن ، وائتلاف اللفظ مع اللفظ ، وتحدث المدني عن هذه الأربعة الى جانب ائتلاف المعنى مع المعنى ، وبذلك يكون ابن مالك والعلوي قد انفردا بهذا الفن كما تذكر المصادر التي بين أيدي الباحثين.

ائتلاف المعنى مع المعنى :

وهذا الفن قسم من المناسبة المعنوية ، وهو قسمان :

الأول : أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران ، أحدهما ملائم والآخر بخلافه فيقرن بالملائم ، كما قال المتنبي :

فالعرب منه مع الكدريّ طائرة

والروم طائرة منه مع الحجل

فان «الكدريّ» ـ وهو ضرب من القطا ـ من طير السهل ، والعرب بلادها المفاوز ، فقارن بينهما لمكان هذه الملاءمة الدقيقة. والحجل من طير الجبل ، والروم بلادها الجبال ، فقارن بينهما لهذا التناسب الدقيق.

الثاني : أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له فيقرن به منهما ما لاقترانه به مزيّة كما في قول المتنبي :

وقفت وما في الموت شكّ لواقف

كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم

تمرّ بك الابطال كلمى هزيمة

ووجهك وضّاح وثغرك باسم

فان عجز كل من البيتين يلائم كلا الصدرين وصالح لان يؤلف معه ، ولكن الشاعر اختار ما أورده لأمرين :

أحدهما : ان قوله «كأنك في جفن الردى وهو نائم» مسوق لتمثيل السلامة في مقام العطب فجعله مقررا للوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه بالهلاك ، أنسب من جعله مقررا لثباته في حال مرور الابطال به مهزومة.

وثانيهما : انّ في تأخير قوله : «ووجهك وضّاح وثغرك باسم» تتميما للوصف وتفريعا على الأصل اللذين يفوتان بالتقديم. فالوصف هو ثباته في الحرب ، والتتميم هو أنّ ثباته في الحرب لاحتقاره كل خطب عظيم كما يفيده وضاحة الوجه وتبسم الثغر في ذلك الموقف ، لا لضرورة فقدان المهرب. والتفريع على الاصل هو أنّ وضاحة وجهه وابتسام ثغره عند مرور الابطال مكلومين مهزومين فرع ثباته في الحرب حين لا شكّ لواقف في الموت ، والردى محيط به من جميع الجوانب ثم انه يسلم منه.

واستنشد سيف الدولة المتنبي يوما قصيدته التي أولها :

__________________

(١) المصباح ١١٨ ، الطراز ج ٣ ص ١٥٠.

١٨

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

فلما بلغ قوله : «وقفت وما في الموت شك لواقف» قال له سيف الدولة : قد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه وهما :

كأنّي لم أركب جوادا للذّة

ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال

ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل

لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال

وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين ، كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول :

كأني لم أركب جوادا ولم أقل

لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال

ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذّة

ولم اتبطّن كاعبا ذات خلخال

ولك أن تقول :

وقفت وما في الموت شكّ لواقف

ووجهك وضّاح وثغرك باسم

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة

كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم

فقال : أيّد الله مولانا ، إن صحّ أنّ الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا. ومولانا يعلم أنّ الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك ؛ لأنّ البزاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه ؛ لانّه هو الذي أخرجه من الغزلية الى الثوبية ، وإنّما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، وقرن السماحة في شراء الخمر للاضياف بالشجاعة في منازلة الاعداء. وأنا لمّا ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه ، ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو من أن يكون عبوسا ، وعينه من أن تكون باكية قلت : «ووجهك وضّاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها (١).

وكان ابن طباطبا قد ذكر بيتي امرئ القيس حينما تكلم على تأليف الشعر وقال : «هكذا الرواية وهما بيتان حسنان ولو وضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر كان أشكل وأدخل في استواء النسج» (٢). وذكر قول ابن هرمة :

وإنّي وتركي ندى الاكرمي

ن وقد حي بكفي زنادا شحاحا

كتاركة بيضها في العرا

ء وملبسة بيض أخرى جناحا

وقول الفرزدق :

وإنك إذ تهجو تميما وترتشي

سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه

سراب أذاعته رياح السّمائم

وقال : «وكان يجب أن يكون بيت لابن هرمة مع بيت للفرزدق ، وبيت للفرزدق مع بيت لابن هرمة فيقال :

وإني وتركي ندى الأكرمي

ن وقدحي بكفي زنادا شحاحا

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه

سراب أذاعته رياح السّمائم

ويقال :

وإنّك إذ تهجو تميما وترتشي

سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كتاركة بيضها في العرا

ء وملبسة بيض أخرى جناحا

__________________

(١) يتيمة الدهر ج ١ ص ٣٣ ، المصباح ص ١١٥ ، الطراز ج ٣ ص ١٤٧ ، خزانة الأدب ص ٢٣١ ، شرح الكافية ص ١٧٢ أنوار الربيع ج ٤ ص ١٩٨ ، نفحات ص ٢٧٤.

(٢) عيار الشعر ص ١٢٤.

١٩

حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا وإلا كان تشبيها بعيدا غير واقع موقعه الذي أريد له. وإذا تأملت أشعار القدماء لم تعدم فيها أبياتا مختلفة المصاريع ، كقول طرفة :

ولست بحلّال التلاع مخافة

ولكن متى يسترفد الناس أرفد

فالمصراع الثاني غير مشاكل للأول. وكقول الأعشى :

وإنّ امرء أهواه بيني وبينه

فياف تنوفاة وبهماء خيفق

لمحقوقة أن تستجيبي لصوته

وأن تعلمي أنّ المعان موفّق (١)

فقوله : «وأن تعلمي أنّ المعان موفق» غير مشاكل لما قبله. وكقوله :

أعزّ أبيض يستسقى الغمام به

لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا

فالمصراع الثاني غير مشاكل للاول وإن كان كل واحد منهما قائما بنفسه».

ومن هذا الفن قوله تعالى : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى. وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى)(٢) ، فانه لم يراع فيه مناسبة الريّ للشبع ، والاستظلال للبس ، بل روعيت المناسبة بين اللبس والشبع في عدم الاستغناء عنهما وانهما من أصول النعمة ، وبين الاستظلال والريّ في كونهما تابعين لهما ومكملين لمنافعهما ، وهذا أدخل في الامتنان لما في تقديم أصول النعم وإرداف التوابع من الاستيعاب.

ائتلاف المعنى مع الوزن :

قال قدامة : «هو أن تكون المعاني تامة مستوفاة لم يضطر الوزن الى نقصها عن الواجب ولا الى الزيادة فيها عليه ، وأن تكون المعاني أيضا مواجهة للغرض لم تمتنع من ذلك ، ولم تعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته» (٣). وذكر أنّ عيوب ائتلاف المعنى والوزن المقلوب والمبتور ، مثال المقلوب قول عروة بن الورد :

فلو اني شهدت أبا سعاد

غداة غدا بمهجته يفوق (٤)

فديت بنفسه نفسي ومالي

وما آلوك إلّا ما أطيق

أراد أن يقول : «فديت نفسه بنفسي» فقلب المعنى.

ومثال المبتور قول عروة بن الورد :

فلو كاليوم كان عليّ أمري

ومن لك بالتدبّر في الأمور

فهذا البيت ليس قائما بنفسه في المعنى ، ولكنه أتى بالبيت الثاني بتمامه فقال :

إذن لملكت عصمة أمّ وهب

على ما كان من حسك الصّدور (٥)

وتبعه البلاغيون الآخرون في هذا الفن ومنهم :المصري ، وابن مالك ، والحموي ، والسيوطي ، والمدني (٦).

ائتلاف الوزن مع المعنى :

وهو «ائتلاف المعنى مع الوزن» ، وقد سماه كذلك المدني ، وقال في تعريفه : «هذا النوع عبارة عن أن

__________________

(١) التنوفة ؛ القفر. الخيفق ؛ الصحراء الواسعة يخفق فيها السراب.

(٢) طه ١١٨ و ١١٩.

(٣) نقد الشعر ص ١٩٠ ، ٢٥٢ ، الموشح ص ١٢٨.

(٤) فاق الرجل ؛ أشرفت نفسه على الخروج أو مات ..

(٥) الحسكة ؛ العداوة والحقد.

(٦) تحرير التحبير ص ٢٢٣ ، المصباح ص ١١٦ ، خزانة الأدب ص ٤٣٨ ، شرح عقود الجمان ص ١٥٥ ، أنوار الربيع ج ٦ ص ٢٢٧ ، نفحات ص ٣٣٤ ، شرح الكافية ص ٢٥٤.

٢٠