🚘

أحكام القرآن - ج ٢

أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص

أحكام القرآن - ج ٢

المؤلف:

أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص


المحقق: محمّد الصادق قمحاوي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
المطبعة: دار إحياء التراث العربي
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

باب تحريم الخمر

قال الله تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) والإثم كله محرم بقوله تعالى (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ) فأخبر أن الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى وصفه بأنه كبير تأكيدا لحظرها* وقوله (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) لا دلالة فيه على إباحتها لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) يعنى أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما* ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها لأنه إذا كانت الصلاة فرضا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها فكل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها مؤديا إلى ترك الصلاة كان محظورا لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور* ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) ـ إلى قوله ـ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه أحدها قوله (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورا محرما ثم أكده بقوله (فَاجْتَنِبُوهُ) وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه ثم قال تعالى (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ومعناه فانتهوا* فإن قيل ليس في قوله تعالى (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) دلالة على تحريم القليل منها لأن مراد الآية ما يلحق من المأثم بالسكر وترك الصلاة والمواثبة

٣

والقتال فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من التحريم ولا دلالة فيه على تحريم القليل منها* قيل له معلوم أن في مضمون قوله (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) ضمير شربها لأن جسم الخمر هو فعل الله تعالى ولا مأثم فيها وإنما المأثم مستحق بأفعالنا فيها فإذا كان الشرب مضمرا كان تقديره في شربها وفعل الميسر إثم كبير فيتناول ذلك شرب القليل منها والكثير كما لو حرمت الخمر لكان معقولا أن المراد به شربها والانتفاع بها فيقتضى ذلك تحريم قليلها وكثيرها* وقد روى في ذلك حديث حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال الميسر هو القمار كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وقال وقوله تعالى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) قال كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها ثم أن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا وتكلموا بما لا يرضى الله عز وجل فأنزل الله (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) قال فالميسر القمار والأنصاب الأوثان والأزلام القداح كانوا يستقسمون بها* قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن ابن مهدى عن سفيان عن أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال قال عمر اللهم بين لنا في الخمر فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) فقال اللهم بين لنا في الخمر فنزلت (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) فقال اللهم بين لنا في الخمر فنزلت (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) ـ إلى قوله ـ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فقال عمر انتهينا إنها تذهب المال وتذهب العقل* قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا المغيرة عن أبى رزين قال شربت الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد الآية التي في النساء فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ثم حرمت في المائدة في قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها* فمن الناس من يظن أن قوله (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) لم يدل على التحريم لأنه لو كان دالا لما شربوه ولما أقرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ولما سئل عمر البيان بعده وليس هذا كذلك عندنا وذلك لأنه جائز أن يكونوا تأولوا في قوله

٤

(وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) جواز استباحة منافعها فإن الإثم مقصور على بعض الأحوال دون بعض فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل وأما قوله إنها لو كانت حراما لما أقرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على شربها فإنه ليس في شيء من الأخبار علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه وأما سؤال عمر رضى الله عنه بيانا بعد نزول هذه الآية فلأنه كان للتأويل فيه مساغ وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم ولكنه سأل بيانا يزول معه احتمال التأويل فأنزل الله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) الآية* ولم يختلف أهل النقل في أن الخمر قد كانت مباحة في أول الإسلام وأن المسلمين قد كانوا يشربونها بالمدينة ويتبايعون بها مع علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك وإقرارهم عليه إلى أن حرمها الله تعالى فمن الناس من يقول إن تحريمها على الإطلاق إنما ورد في قوله (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ـ إلى قوله ـ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض الأحوال وهي أوقات الصلاة بقوله (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) وأن بعض منافعها قد كان مباحا وبعضها محظورا بقوله (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) إلى أن أتم تحريمها بقوله (فَاجْتَنِبُوهُ) وقوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وقد بينا ما يقتضيه ظاهر كل واحد من حكم الآيات من حكم التحريم* وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء اسم الخمر في الحقيقة يتناول التي المشتد من ماء العنب وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعى أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر والدليل على أن اسم الخمر مخصوص بالتي المشتد من ماء العنب دون غيره وأن غيره إن سمى بهذا الإسم فإنما هو محمول عليه ومشبه به على وجه المجاز حديث أبى سعيد الخدري قال أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بنشوان فقال له أشربت خمرا فقال ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فماذا شربت قال الخليطين قال فحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخليطين فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم ينكره عليه ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره عليه إذ كان في نفى التسمية التي علق بها حكم نفى الحكم ومعلوم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يقر أحدا على حظر مباح ولا على استباحة محظور وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر منتف عن سائر الأشربة إلا من النى المشتد من ماء العنب لأنه إذا كان الخليطان لا يسميان خمرا مع وجود قوة الإسكار منهما علمنا أن الاسم مقصور على ما وصفنا ويدل عليه

٥

ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن زكريا العلائى قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبى إسحاق عن الحارث عن على رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأشربة عام حجة الوداع فقال حرام الخمر بعينها والسكر من كل شراب قال عبد الباقي وحدثنا محمد بن زكريا العلائى قال حدثنا شعيب بن واقد قال حدثنا قيس عن قطن عن منذر عن محمد بن الحنفية عن على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوه وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا عياش بن الوليد قال حدثنا على بن عباس قال حدثنا سعيد بن عمارة قال حدثنا الحارث بن النعمان قال سمعت أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الخمر بعينها حرام والسكر من كل شراب وقد روى عبد الله بن شداد عن ابن عباس من قوله مثل ذلك وروى عنه أيضا مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد حوى هذا الخبر معاني منها أن اسم الخمر مخصوص بشراب بعينه دون غيره وهو الذي لم يختلف في تسميته بها دون غيرها من ماء العنب وأن غيرها من الأشربة غير مسمى بهذا الاسم لقوله والسكر من كل شراب وقد دل أيضا على أن المحرم من سائر الأشربة هو ما يحدث عنده السكر لولا ذلك لما اقتصر منها على السكر دون غيره ولما فصل بينها وبين الخمر في جهة التحريم ودل أيضا على أن تحريم الخمر حكم مقصور عليها غير متعد إلى غيرها قياسا ولا استدلالا إذ علق حكم التحريم بعين الخمر دون معنى فيها سواها وذلك ينفى جواز القياس عليها لأن كل أصل ساغ القياس عليه فليس الحكم المنصوص عليه مقصورا عليه ولا متعلقا به بعينه بل يكون الحكم منصوبا على بعض أوصافه مما هو موجود في فروعه فيكون الحكم تابعا للوصف جاريا معه في معلولاته* ومما يدل على أن سائر الأشربة المسكرة لا يتناولها اسم الخمر قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبى هريرة عنه الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة فقوله الخمر اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه فاستوعب به جميع ما يسمى بهذا الاسم فلم يبق شيء من الأشربة يسمى به إلا وقد استغرقه ذلك فانتفى بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين الشجرتين يسمى خمرا ثم نظرنا فيما يخرج منهما هل جميع الخارج منهما مسمى باسم الخمر أم لا فلما اتفق الجميع على أن كل ما يخرج منهما من الأشربة غير مسمى باسم الخمر لأن العصير والدبس والخل ونحوه من هاتين الشجرتين ولا يسمى شيء منه خمرا علمنا أن مراده بعض الخارج من هاتين الشجرتين

٦

وذلك البعض غير مذكور في الخبر فاحتجنا إلى الاستدلال على مراده من غيره في إثبات اسم الخمر للخارج منهما فسقط الاحتجاج به في تحريم جميع الخارج منهما وتسميته باسم الخمر ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن الخمر أحدهما كقوله تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ـ و ـ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) والمراد أحدهما فكذلك جائز أن يكون المراد في قوله الخمر من هاتين الشجرتين أحدهما فإن كان المراد هما جميعا فإن ظاهر اللفظ يدل على أن المسمى بهذا الاسم هو أول شراب يصنع منهما لأنه لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله من هاتين الشجرتين بعض كل واحدة منهما لاستحالة كون بعضها خمرا دل على أن المراد أول خارج منهما من الأشربة لأن من يعتورها معان في اللغة منها التبعيض ومنها الابتداء كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من فلان وما جرى مجرى ذلك فيكون معنى من في هذا الموضع على ابتداء ما يخرج منهما وذلك إنما يتناول العصير المشتد والدبس السائل من النخل إذا اشتد ولذلك قال أصحابنا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا أنه على رطبها وتمرها ودبسها لأنهم حملوا من ما ذكرنا من الابتداء* قال أبو بكر ويدل على ما ذكرنا من انتفاء اسم الخمر عن سائر الأشربة إلا ما وصفنا ما روى عن ابن عمر أنه قال لقد حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة يومئذ منها شيء وابن عمر رجل من أهل اللغة ومعلوم أنه قد كان بالمدينة السكر وسائر الأنبذة المتخذة من التمر لأن تلك كانت أشربتهم ولذلك قال جابر بن عبد الله نزل تحريم الخمر وما يشرب الناس يومئذ إلا البسر والتمر وقال أنس بن مالك كنت ساقى عمومتي من الأنصار حين نزل تحريم الخمر فكان شرابهم يومئذ الفضيح فلما سمعوا أراقوها فلما نفى ابن عمر اسم الخمر عن سائر الأشربة التي كانت بالمدينة دل ذلك على أن الخمر عنده كانت شراب العنب التي المشتد وأن ما سواها غير مسمى بهذا الاسم ويدل عليه أن العرب كانت تسمى الخمر سبيئة ولم تكن تسمى بذلك سائر الأشربة المتخذة من تمر النخل لأنها كانت تجلب إليها من غير بلادها ولذلك قال الأعشى :

وسبيئة مما يعتق بابل

كدم الذبيح سلبتها جريا لها

وتقول سبأت الخمر إذا شريتها فنقلوا الاسم إلى المشترى بعد أن كان الأصل إنما هو بجلبها من موضع إلى موضع على عادتها في الاتساع في الكلام ويدل عليه أيضا قول

٧

أبى الأسود الدؤلي وهو رجل من أهل اللغة حجة فيما قال منها فقال :

دع الخمر تشربها الغواة فإننى

رأيت أخاها مغنيا لمكانها

فإن لا تكنه أو يكنها فإنه

أخوها غذته أمه بلبانها

فجعل غيرها من الأشربة أخا لها بقوله رأيت أخاها مغنيا لمكانها ومعلوم أنه لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها ثم أكده بقوله فإن لا تكنه أو يكنها فإنه أخوها فأخبر أنها ليست هو فثبت بما ذكرنا من الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعن الصحابة وأهل اللغة أن اسم الخمر مخصوص بما وصفنا ومقصور عليه دون غيره ويدل على ذلك أنا وجدنا بلوى أهل المدينة بشرب الأشربة المتخذة من التمر والبسر كانت أعم منها بالخمر وإنما كانت بلواهم بالخمر خاصة قليلة لقلتها عندهم فلما عرف الكل من الصحابة تحريم النى المشتد واختلفوا فيما سواها وروى عن عظماء الصحابة مثل عمر وعبد الله وأبى ذر وغيرهم شرب النبيذ الشديد وكذلك سائر التابعين ومن بعدهم من أخلافهم من الفقهاء من أهل العراق لا يعرفون تحريم هذه الأشربة ولا يسمونها باسم الخمر بل ينفونه عنها دل ذلك على معنيين أحدهما أن اسم الخمر لا يقع عليها ولا يتناولها لأن الجميع متفقون على ذم شارب الخمر وأن جميعها محرم محظور والثاني أن النبيذ غير محرم لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمهم كمعرفتهم بتحريم الخمر إذا كانت الحاجة إلى معرفة تحريمها أمس منها إلى معرفة تحريم الخمر لعموم بلواهم بها دونها وما عمت البلوى من الأحكام فسبيل وروده نقل التواتر الموجب للعلم والعمل وفي ذلك دليل على أن تحريم الخمر لم يعقل به تحريم هذه الأشربة ولا عقل الخمر اسما لها واحتج من زعم أن سائر الأشربة التي يسكر كثيرها خمر بما روى عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال (كل مسكر خمر) وبما روى عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال الخمر من خمسة أشياء (التمر والعنب والحنطة والشعير والعسل) وروى عن عمر من قوله نحوه وبما روى عن عمر الخمر ما خامر العقل وبما روى عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (كل خمر وكل مسكر حرام) وبما روى عن أنس قال كنت ساقى القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبى طلحة وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيح فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الأوانى وكسروها وقالوا فقد سمى النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الأشربة خمرا وكذلك عمر وأنس وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم الفضيح وهو نقيع البسر ولذلك

٨

أراقوها وكسروا الأوانى ولا تخلو هذه التسمية من أن تكون واقعة على هذه الأشربة من جهة اللغة أو الشرع وأيهما كان فحجته ثابتة والتسمية صحيحة فثبت بذلك أن ما أسكر من الأشربة كثيره فهو خمر وهو محرم بتحريم الله إياها من طريق اللفظ* والجواب عن ذلك وبالله التوفيق أن الأسماء على ضربين ضرب سمى به الشيء حقيقة لنفسه وعبارة عن معناه والضرب الآخر ما سمى به الشيء مجازا فأما الضرب الأول فواجب استعماله حيث ما وجد وأما الضرب الآخر فإنما يجب استعماله عند قيام الدلالة عليه نظير الضرب الأول قوله تعالى (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) فأطلق لفظ الإرادة في هذه المواضع حقيقة ونظير الضرب الثاني قوله (فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ) فأطلق لفظ الإرادة في هذا الموضع مجاز لا حقيقة ونحو قوله (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) فاسم الخمر في هذا الموضع حقيقة فيما أطلق فيه وقال في موضع آخر (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً) فأطلق اسم الخمر في هذا الموضع مجازا لأنه إنما يعصر العنب لا الخمر ونحو قوله (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) فاسم القرية فيها حقيقة وإنما أراد البنيان ثم قوله (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) مجاز لأنه لم يرد بها ما وضع اللفظ له حقيقة وإنما أراد أهلها وتنفصل الحقيقة من المجاز بأن ما لزم مسمياته فلم ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه وما جاز انتفاؤه عن مسمياته فهو مجاز ألا ترى أنك إذا قلت أنه ليس للحائط إرادة كنت صادقا ولو قال قائل إن الله لا يريد شيئا أو الإنسان العاقل ليست له إرادة كان مبطلا في قوله وكذلك جائز أن تقول إن العصير ليس بخمر وغير جائز أن يقال أن النى المشتد من ماء العنب ليس بخمر ونظائر ذلك كثيرة في اللغة والشرع والأسماء الشرعية في معنى أسماء المجاز لا تتعدى بها مواضعها التي سميت بها فلما وجدنا اسم الخمر قد ينتفى عن سائر الأشربة سوى النى المشتد من ماء العنب علمنا أنها ليست بخمر في الحقيقة* والدليل على جواز انتفاء اسم الخمر عما وصفنا حديث أبى سعيد الخدري قال أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنشوان فقال أشربت خمرا فقال والله ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فما ذا شربت قال شربت الخليطين فحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخليطين يومئذ فنفى اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فأقره عليه ولم ينكره فدل ذلك على أنه ليس بخمر وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة يومئذ منها شيء فنفى اسم الخمر عن أشربة تمر

٩

النخل مع وجودها عندهم يومئذ ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم الخمر من هاتين الشجرتين وهو أصح إسنادا من الأخبار التي ذكر فيها أن الخمر من خمسة أشياء فنفى بذلك أن يكون ما خرج من غيرهما خمرا إذا كان قوله الخمر من هاتين الشجرتين اسما للجنس مستوعبا لجميع ما يسمى بهذا الاسم فهذا الخبر معارض ما روى من أن الخمر من خمسة أشياء وهو أصح إسنادا منه ويدل عليه أنه لا خلاف أن مستحل الخمر كافر وأن مستحل هذه الأشربة لا تلحقه سمة الفسق فكيف بأن يكون كافرا فدل ذلك على أنها ليست بخمر في الحقيقة ويدل عليه أن خل هذه الأشربة لا يسمى خل خمر وأن خل الخمر هو الخل المستحيل من ماء العنب النى المشتد فإذا ثبت بما ذكرنا انتفاء اسم الخمر عن هذه الأشربة ثبت أنه ليس باسم لها في الحقيقة وأنه إن ثبت تسميتها باسم الخمر في حال فهو على جهة التشبيه بها عند وجود السكر منها فلم يجز أن يتناولها إطلاق تحريم الخمر لما وصفنا من أن أسماء المجاز لا يجوز دخولها تحت إطلاق أسماء الحقائق فينبغي أن يكون قوله الخمر من خمسة أشياء محمولا على الحال التي يتولد منها السكر فسماها باسم الخمر في تلك الحال لأنها قد عملت عمل الخمر في توليد السكر واستحقاق الحد ويدل عليه أن هذه التسمية إنما تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر الخمر ما خامر العقل وقليل النبيذ لا يخامر العقل لأن ما خامر العقل هو ما غطاه وليس ذلك بموجود في قليل ما أسكر كثيره من هذه الأشربة وإذا ثبت بما وصفنا أن اسم الخمر مجاز في هذه الأشربة فلا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه فلا يجوز أن ينطوى تحت إطلاق تحريم الخمر ألا ترى نه صلّى الله عليه وسلّم قد سمى فرسا لأبى طلحة ركبه لفزع كان بالمدينة فقال وجدناه بحرا فسمى الفرس بحرا إذ كان جوادا واسع الخطو ولا يعقل بإطلاق اسم البحر الفرس الجواد وقال النابغة للنعمان بن المنذر :

فإنّك شمس والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك فصح بما وصفنا أن اسم الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا وأنه مخصوص بماء العنب النى المشتد حقيقة وإنما يسمى به غيرها مجازا والله أعلم.

باب تحريم الميسر

قال الله تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال أبو بكر دلالته

١٠

على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه ويقال أن اسم الميسر في أصل اللغة إنما هو للتجزئة وكل ما جزأته فقد يسرته يقال لجاز الياسر لأنه يجزئ الجزور والميسر الجزور نفسه إذا تجزى وكانوا ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم على ذلك فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء القداح فسمى على هذا سائر ضروب القمار ميسرا وقال ابن عباس وقتادة ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد الميسر القمار وقال عطاء وطاوس ومجاهد حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز وروى عن على بن زيد عن القاسم عن أبى أمامة عن أبى موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر) وروى سعيد بن أبى هند عن أبى موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى على فقال هذا قمار ولم يجزه ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار قال ابن عباس إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) وقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم زد في الخطر وابعد في الأجل ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار ولا خلاف في حظره إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق ولا يستحق الآخر إن سبق وإن شرط أن من سبق منهما أخذ ومن سبق أعطى فهذا باطل فإن أدخلا بينهما رجلا إن سبق استحق وإن سبق لم يعط فهذا جائز وهذا الدخيل الذي سماه النبي صلّى الله عليه وسلّم محللا وقد روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل وروى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه سابق بين الخيل وإنما خص ذلك لأن فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على الركض وفيه استظهار وقوة على العدو قال الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) روى أنها الرمي (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) فظاهر قوله (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) يقتضى جواز السبق بها لما فيه من القوة على العدو وذلك الرمي وما ذكره الله تعالى من تحريم الميسر وهو القمار يوجب تحريم القرعة في العبيد يعتقهم المريض ثم يموت لما فيه من القمار وإحقاق بعض وإنجاح بعض وهذا هو معنى

١١

القمار بعينه وليست القرعة في القسمة كذلك لأن كل واحد يستوفى في نصيبه لا يحقق واحد منهم والله أعلم.

باب التصرف في مال اليتيم

قال الله تعالى (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) قال أبو بكر اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من الأم مع بقاء الأب وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم إلا أن الأظهر عند الإطلاق هو اليتيم من الأب وإن كانت الأم باقية ولا يكاد يوجد الإطلاق في اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا وكذلك سائر ما ذكر الله من أحكام الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار ولا يطلق ذلك عليهم بعد البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتيم والدليل على أن اليتيم اسم للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة قال الشاعر :

إن القبور تنكح الأيامى

النسوة الأرامل اليتامى

وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها قال الشاعر يصف ناقته :

قو داء تملك رحلها

مثل اليتيم من الأرانب

يعنى الرابية ويقال درة يتيمة لأنها مفردة لا نظير لها وكتاب لابن المقفع في مدح أبى العباس السفاح واختلاف مذاهب الخوارج وغيرهم يسمى اليتيمة قال أبو تمام :

وكثير عزة يوم بين ينسب

وابن المقفع في اليتيمة يسهب

وإذا كان اليتيم اسما للانفراد كان شاملا لمن فقد أحد أبويه صغيرا أو كبيرا إلا أن الإطلاق إنما يتناول ما ذكرنا من فقد الأب في حال الصغر حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) قال الله تعالى لما أنزل (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم وتحرجوا أن يخالطوهم وسألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه فأنزل الله (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ـ إلى قوله ـ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) قال لو شاء الله لأخرجكم وضيق عليكم ولكنه وسع ويسر فقال (وَمَنْ

١٢

كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ويروى ذلك موقوفا على عمر وعن عمر وعائشة وابن عمر وشريح وجماعة من التابعين دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به وقد حوت هذه الآية ضروبا من الأحكام أحدها قوله (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) فيه الدلالة على جواز خلط ماله بماله وجواز التصرف فيه بالبيع والشرى إذا كان ذلك صلاحا وجواز دفعه مضاربة إلى غيره وجواز أن يعمل ولى اليتيم مضاربة أيضا وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن ويدل على أن لولى اليتيم أن يشترى من ماله لنفسه إذا كان خير لليتيم وذلك بأن ما يأخذه اليتيم أكثر قيمة مما يخرج عن ملكه وهو قول أبى حنيفة ويبيع أيضا من مال نفسه لليتيم لأن ذلك من الإصلاح له* ويدل أيضا على أن له تزويج اليتيم إذا كان ذلك من الإصلاح وذلك عندنا فيمن كان ذا نسب منه دون الوصي الذي لا نسب بينه وبينه لأن الوصية نفسها لا يستحق بها الولاية في التزويج ولكنه قد اقتضى ظاهره أن للقاضي أن يزوجه ويتصرف في ماله على وجه الإصلاح* ويدل على أن له أن يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين والأدب ويستأجر له على ذلك وأن يؤاجره ممن يعلمه الصناعات والتجارات ونحوها لأن جميع ذلك قد يقع على وجه الإصلاح ولذلك قال أصحابنا إن كل من كان اليتيم في حجره من ذوى الرحم المحرم فله أن يؤاجره ليعلم الصناعات وقال محمد له أن ينفق عليه من ماله وقالوا أنه إذا وهب لليتيم مال فلمن هو في حجره أن يقبضه له لما له فيه من الإصلاح فظاهر الآية قد اقتضى جميع ذلك كله* وقوله (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) إنما عنى بالمضمرين في قوله ويسئلونك القوام على الأيتام الكافلين لهم وذلك ينتظم كل ذي رحم محرم لأن له إمساك اليتيم وحفظه وحياضته وحضانته وقد انتظم قوله (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) سائر الوجوه التي ذكرنا من التصرف في ماله على وجه الإصلاح والتزويج والتقويم والتأديب وقوله (خَيْرٌ) قد دل على معان منها إباحة التصرف على اليتامى من الوجوه التي ذكرنا ومنها أن ذلك مما يستحق به الثواب لأنه سماه خيرا وما كان خيرا فإنه يستحق به الثواب ومنها أنه لم يوجبه وإنما وعد به الثواب فدل على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة ولا هو مجبر على تزويجه

١٣

لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد وقوله (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) فيه إباحة خلط ماله بماله والتجارة والتصرف فيه ويدل على أنه له أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة وأن يزوجه بنته أو يزوج اليتيمة بعض ولده فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله واختلط هو بهم فقد انتظم قوله (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ) إباحة خلط ماله بماله والتصرف فيه وجواز تزويجه بعض ولده ومن يلي عليه فيكون قد خلطه بنفسه والدليل على أن اسم المخالطة يتناول جميع ذلك قولهم فلان خليط فلان إذا كان شريكا وإذا كان يعامله ويبايعه ويشاريه ويداينه وإن لم يكن شريكا وكذلك يقال قد اختلط فلان بفلان إذا صاهره وذلك كله مأخوذ من الخلطة التي هي الاشتراك في الحقوق من غير تمييز بعضهم من بعض فيها وهذه المخالطة معقودة بشريطة الإصلاح من وجهين أحدهما تقديمه ذكر الإصلاح فيما أجاب به من أمر اليتامى والثاني قوله عقيب ذكر المخالطة (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وإذا كانت الآية قد انتظمت جواز خلطه مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله على ما روى عن ابن عباس فقد دل على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه وقد يختلف أكل الناس فإذا كان الله قد أباح في أموال الأيتام فهو في مال العقلاء البالغين بطيبة أنفسهم أجوز ونظيره في تجويزه المناهدة قوله تعالى في قصة أهل الكهف (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) فكان الورق لهم جميعا لقوله (بِوَرِقِكُمْ) فأضافه إلى الجماعة وأمره بالشراء ليأكلوا جميعا منه* وقوله (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) قد دل على ما ذكرنا من جواز المشاركة والخلطة على أنه يستحق الثواب بما يتحرى فيه الإصلاح من ذلك لأن قوله (فَإِخْوانُكُمْ) قد دل على ذلك إذ هو مندوب إلى معونة أخيه وتحرى مصالحه لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) فقد انتظم قوله (فَإِخْوانُكُمْ) الدلالة على الندب والإرشاد واستحقاق الثواب بما يليه منه* وقوله (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) يعنى به لضيق عليكم في التكليف فيمنعكم من مخالطة الأيتام والتصرف لهم في أموالهم ولأمركم بإفراد أموالكم عن أموالهم أو لأمركم على جهة الإيجاب بالتصرف لهم وطلب الأرباح بالتجارات لهم ولكنه وسع ويسر وأباح لكم التصرف لهم على وجه الإصلاح ووعدكم

١٤

الثواب عليه ولم يلزمكم ذلك على جهة الإيجاب فيضيق عليكم تذكيرا بنعمه وإعلاما منه اليسر والصلاح لعباده* وقوله (فَإِخْوانُكُمْ) يدل على أن أطفال المؤمنون هم مؤمنون في الأحكام لأن الله تعالى سماهم إخوانا لنا والله تعالى قد قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والله تعالى أعلم.

باب نكاح المشركات

قال الله تعالى (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) قال ثم استثنى أهل الكتاب فقال (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) قال عفائف غير زوان فأخبر ابن عباس أن قوله (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) مرتب على قوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وأن الكتابيات مستثنيات منهن وروى عن ابن عمر أنها عامة في الكتابيات وغيرهن* حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب وكره نكاح نسائهم قال أبو عبيد وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله حرم المشركات على المسلمين قال فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو قال أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله فكرهه في الحديث الأول ولم يذكر التحريم وتلافى الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء وأخبر أن مذهب النصارى شرك قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا على بن سعد عن أبى المليح عن ميمون ابن مهران قال قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ على آية التحليل وآية التحريم قال قلت إنى اقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فأعاد على آية التحليل وآية التحريم* قال أبو بكر عدو له بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية دليل على أنه كان واقفا في الحكم غير قاطع فيه بشيء وما ذكر عنه من الكراهة يدل على أنه ليس على وجه التحريم كما يكره تزوج نساء أهل

١٥

الحرب من الكتابيات لا على وجه التحريم وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين إباحة نكاح الكتابيات حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثني سعيد بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن عمر مولى عفرة قال سمعت عبد الله بن على بن السائب يقول إن عثمان تزوج نائلة بنت الفراصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه وبهذا الإسناد من غير ذكر نافع أن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام وروى عن حذيفة أيضا أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه حذيفة أحرام هي فكتب إليه عمر لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن وروى عن جماعة من التابعين إباحة تزويج الكتابيات منهم الحسن وإبراهيم والشعبي ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن وما روى عن ابن عمر فيه فلا دلالة فيه فلا دلالة فيه على أنه رآه محرما وإنما فيه عنه الكراهة كما روى كراهة عمر لحذيفة تزويج الكتابية من غير تحريم وقد تزوج عثمان وطلحة وحذيفة الكتابيات ولو كان ذلك محرما عند الصحابة لظهر منهم نكير أو خلاف وفي ذلك دليل على اتفاقهم على جوازه وقوله (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) غير موجب لتحريم الكتابيات من وجهين أحدهما أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عبدة الأوثان منهم عند الإطلاق ولا يدخل فيه الكتابيات إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) ففرق بينهم في اللفظ وظاهره يقتضى أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على شمول الاسم للجميع وأنه أفرد بالذكر لضرب من التعظيم أو التأكيد كقوله تعالى (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) فأفردهما بالذكر تعظيما لشأنهما مع كونهما من جملة الملائكة إلا أن الأظهر أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على أنه من جنسه فاقتضى عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم وأن يكون التحريم مقصورا على عبدة الأوثان من المشركين والوجه الآخر أنه لو كان عموما في الجميع لوجب أن يكون مرتبا على قوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وأن لا تنسخ إحداهما بالأخرى ما أمكن استعمالهما فإن قيل قوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ

١٦

قَبْلِكُمْ) إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب كقوله تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) وقوله (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) قيل له هذا خلف من القول دال على غباوة قائله والمحتج به وذلك من وجهين أحدهما أن هذا الاسم إذا أطلق فإنما يتناول الكفار منهم كقوله (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) وقوله (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ المطلقة فإنما يتناول اليهود والنصارى ولا يعقل به من كان من أهل الكتاب فأسلم إلا بتقييد ذكر الإيمان ألا ترى أن الله تعالى لما أراد به من أسلم منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) والوجه الآخر أنه ذكر في الآية المؤمنات وقد انتظم ذكر المؤمنات اللاتي كن من أهل الكتاب فأسلمن ومن كن مؤمنات في الأصل لأنه قال (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فكيف يجوز أن يكون مراده بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن* وربما احتج بعض القائلين بهذه المقالة بما روى عن على بن أبى طلحة قال أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنهاه وقال إنها لا تحصنك قال فظاهر النهى يقتضى الفساد فيقال إن هذا حديث مقطوع من هذا الطريق ولا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن في إيجاب نسخه ولا تخصيصه وإن ثبت فجائز أن يكون على وجه الكراهية كما روى عن عمر من كراهته لحذيفة تزويج اليهودية لا على وجه التحريم ويدل عليه قوله إنها لا تحصنك ونفى التحصين غير موجب لفساد النكاح لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك الأمة ويجوز نكاحهما وقد اختلف في تزويج الكتابية الحربية فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا قال وتلا هذه الآية (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ـ إلى قوله ـ وَهُمْ صاغِرُونَ) قال الحكم فحدثت به إبراهيم فأعجبه قال أبو بكر يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على وجه الكراهية وأصحابنا يكرهونه من غير تحريم وقد روى عن على أنه كره نساء أهل

«٢ ـ أحكام في»

١٧

الحرب من أهل الكتاب وقوله تعالى (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير دلالة وقوله تعالى (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي لقوله تعالى (فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) فبان بما وصفنا أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح وإن ما كرهه أصحابنا لقوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) فلما أخبر أن النكاح سبب المودة والرحمة ونهانا عن موادة أهل الحرب كرهوا ذلك وقوله (يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) إنما هو في أهل الحرب دون أهل الذمة لأنه لفظ مشتق من كونهم في حد ونحن في حد وكذلك المشاقة وهو أن يكونوا في شق ونحن في شق وهذه صفة أهل الحرب دون أهل الذمة فلذلك كرهوه ومن جهة أخرى وهو أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها وذلك منهى عنه قال صلّى الله عليه وسلّم أنا برىء من كل مسلم بين ظهراني المشركين وقال صلّى الله عليه وسلّم أنا برىء من كل مسلم مع مشرك * فإن قيل ما أنكرت أن يكون قوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) مخصصا لقوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) قاصرا لحكمه على الذميات منهن دون الحربيات قيل له الآية إنما اقتضت النهى عن الوداد والتحاب فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية وإن كان قد يصير سببا للموادة والتحاب فنفس العقد ليس هو الموادة والتحاب إلا أنه يؤدى إلى ذلك فاستحسنوا له غيرهن فإن قيل لما قال عقيب تحريم نكاح المشركات (أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) دل على أنه لهذه العلة حرم نكاحهن وذلك موجود في نكاح الكتابيات الذميات والحربيات منهن فوجب تحريم نكاحهن لهذه العلة كتحريم نكاح المشركات قيل له معلوم أن هذه ليست علة موجبة لتحريم النكاح لأنها لو كانت كذلك لكان غير جائز إباحتهن بحال فلما وجدنا نكاح المشركات قد كان مباحا في أول الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى النار دل على أن هذا المعنى ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من أنبياء الله تعالى

١٨

قال الله تعالى (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهما فثبت بذلك أن الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وإن كان الله تعالى قد قال في سياق تحريم المشركات (أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) فجعله علما لبطلان نكاحهن وما كان كذلك من المعاني التي تجرى مجرى العلل الشرعية فليس فيه تأكيد فيما يتعلق به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصه كتخصيص الاسم وإذا كان قوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يجوز به تخصيص التحريم الذي علق بالاسم جاز أيضا تخصيص الحكم المنصوب على المعنى الذي أجرى مجرى العلل الشرعية ونظير ذلك قوله (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) فذكر ما يحدث عن شرب الخمر من هذه الأمور المحظورة وأجراها مجرى العلة وليس بواجب إجراؤها في معلولاتها لأنه لو كان كذلك لوجب أن يحرم سائر البياعات والمناكحات وعقود المداينات لإرادة الشيطان إيقاع العداوة والبغضاء بيننا في سائرها وأن يصدنا بها عن ذكر الله فلما لم يجب اعتبار المعنى في سائر ما وجد فيه بل كان مقصور الحكم على المذكور دون غيره كان كذلك حكم سائر العلل الشرعية المنصوص عليها منها والمقتضية والمستدل عليها وهذا مما يستدل به على تخصيص العلل الشرعية فوجب بما وصفنا أن يكون حكم التحريم مقصورا فيما وصفنا على المشركات منهن دون غيرهن ويكون ذكر دعائهم إيانا إلى النار تأكيدا للحظر في المشركات غير متعد به إلى سواهن لأن الشرك والدعاء إلى النار هما علما تحريم النكاح وذلك غير موجود في الكتابيات وقد قيل إن ذلك في مشركي العرب المحاربين كانوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن لئلا يمكن بهم إلى مودة أهاليهن من المشركين فيؤدى ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة الموادين الذين أمرنا بترك قتالهم إلا أنه إن كان كذلك فهو يوجب تحريم نكاح الكتابيات الحربيات لوجود هذا المعنى ولا نجد بدا من الرجوع إلى حكم معلول هذه العلة بما قدمنا وقوله تعالى (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها وواجد الطول إلى الحرة

١٩

المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة إذ لا فرق بينهما في العادة في المهور فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهى عن نكاح المشركات عام في واجد الطول او غير واجده للغنى والفقير منهم ثم عقب ذلك بقوله (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة فكان عموما في الغنى والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين.

باب الحيض

قوله تعالى (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقيل والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة ولكن في فحوى اللفظ ما يدل على أن المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض لأن الجواب ورد بقوله هو أذى وذلك صفة لنفس الحيض لا الموضع الذي فيه وكانت مسألة القوم عن حكمه وما يجب عليهم فيه وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا يجتنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالسهن في حال الحيض فأرادوا أن يعلموا حكمه في الإسلام فأجابهم الله بقوله هذا هو أذى يعنى أنه نجس وقذر ووصفه له بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه لأنهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب النجاسات فأطلق فيه لفظا علقوا منه الأمر بتجنبه ويدل على أن الأذى اسم يقع على النجاسات قول النبي صلّى الله عليه وسلّم (إذا أصاب نعل أحدكم أذى فليمسحها بالأرض وليصل فيها فإنه لها طهور) فسمى النجاسة أذى وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله (قُلْ هُوَ أَذىً) الأخبار عن حاله في تأذى الإنسان به لأن ذلك لا فائدة فيه علمنا أنه أراد الأخبار بنجاسته ولزوم اجتنابه وليس كل أذى نجاسة قال الله تعالى (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ) والمطر ليس بنجس وقال (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) وإنما كان الأذى المذكور في الآية عبارة عن النجاسة ومفيدا لكونه قذرا يجب اجتنابه لدلالة الخطاب عليه ومقتضى سؤال السائلين عنه وقد اختلف الفقهاء فيما يلزم اجتنابه من الحائض بعد اتفاقهم على أن له أن يستمتع منها بما

٢٠