🚘

وضوء النبي - ج ٢

السيد علي الشهرستاني

وضوء النبي - ج ٢

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

منهجنا في هذه الدراسة

(وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) مفردة هامة ضمن المنهج الذي يجب دراسته من خلال التشريع وملابسات الأحكام عند المسلمين ، وقد تناولنا بحثه من جوانب أربعة ، لكثرة المفارقات فيه ، ولكونه النموذج التطبيقي الأول من أطروحتنا ، ومن أوائل أبواب الفقه الإسلامي :

١ ـ الجانب التاريخي :

فقد درسنا فيه تأريخ الوضوء من عهد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى آخر العهد العباسي الأول ، محدّدين زمن الاختلاف ، مشيرين إلى خلفيّات المسألة وما رافقه من مستجدات من قبل الخلفاء.

فكان هذا بمثابة المدخل للدراسة ، وقد طبع عدة مرات ـ كاملا ومختصرا ـ بعنوان (وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله / المدخل ، تأريخ اختلاف المسلمين في الوضوء)

٢ ـ الجانب الروائي :

وقد تناولنا فيه ما اختلف فيه من نقولات بعض الصحابة من جهة وأهل البيت وبعض آخر من الصحابة في صفة وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من جهة أخرى ، وفق المعايير الرجالية والدرائية عند الطرفين ، مشيرين إلى بعض أصول الاختلاف والأسباب التي اتّبعت في تصحيح هذا الأثر أو ذاك ، غير مذعنين للمنقول عن الصحابي وأهل البيت إلّا إذا وافق سيرته العامة ومبانيه الفقهية وأقواله الأخرى ، وهذا هو الماثل بين يديك واسمه (وضوء النبي (ص) / الوضوء والسنة النبوية).

٣ ـ الجانب القرآني واللغوي :

وسنبحث فيه الملابسات التي أحيطت بالوضوء ، مع الإشارة إلى سبب جمع الخليفة عثمان بن عفّان الناس على قراءة مصحفه ، مع وجود تأكيد من رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله في الأخذ بقراءة ابن أم عبد أو غيره ، ووجود مصاحف لأبي بكر وعمر وعلي ، فإن حرق عثمان للمصاحف ، وإبعاده لابن أم عبد ، لا بد من تناوله بالبحث والدراسة ، وإنّا في هذا الجانب سنشير كذلك إلى الأدلة التعضيدية التي

٥

استفيد منها لاحقا لترسيخ وضوء الخليفة عثمان بن عفّان ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله (ويل للأعقاب من النار) أو (للعراقيب) أو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله (أسبغوا الوضوء) أو (أتموا الوضوء) وغيرها من البحوث المرتبطة بالقرآن ولغة العرب ، وسيطبع هذا باسم (وضوء النبي (ص) / الوضوء في الكتاب واللغة) إن شاء اللّٰه تعالى.

٤ ـ الجانب التأسيسي ـ الفقهي والأصولي :وهو دراسة أمهات مسائل الوضوء من وجهة نظر فقهاء المذاهب الإسلامية ومناهجهم الأصولية ، وما استدلوا به في أسباب وموجبات ونواقض الوضوء ، مشيرين فيه إلى أدلّتهم الفقهية والأصولية ، متخذين جانب الحياد حين نقل الأقوال ، داعمين ما نختاره بالأدلّة والشواهد.

وفي ختام الكتاب سنقدم خلاصة ما طرحناه في الوضوء من جوانبه الأربعة مع التأكيد على أصول الاتجاهين الفكرية ، ومدى حجية الأدلة المختلف فيها ، كفعل الصحابي وسنّة أهل البيت ، وبيان الأصول المسببة لاختلاف فقهاء الإسلام ، وسيطبع هذا بإذن اللّٰه تعالى باسم (وضوء النبي (ص) / الوضوء في الميزان). (١)

والآن وبعد الفراغ من تدوين ونشر الجانب التاريخي (وضوء النبي (ص) / تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء) نلتقي مع القراء من خلال بيان الجانب الروائي في الوضوء وهو (وضوء النبي (ص) / الوضوء والسنة النبوية) وهو يقع في مقدمة وثلاثة أقسام. أمّا المقدمة :

البريد الألكتروني للمؤلف E-mail: Alish@rafed.net

٦

المقدمة

٧
٨

قبل الخوض في دراسة الجانب الروائي لمسألة الوضوء ، ومناقشة الروايات الحاكية لصفة وضوء رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله عند المسلمين ، لا بدّ لنا من إعطاء صورة عن المجتمع الإسلامي أبّان ظهوره ، والخلفيات التي هيّأت الظروف للاختلاف في الأحكام الشرعية ، ومنها الوضوء النبوي ، فنقول :

نحن قد وضحنا سابقا (١) بعض العلل والأسباب والملابسات التي أدت إلى انقسام المسلمين إلى نهجين فكريين بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكلّ منهما نهجه ومبناه.

فالبعض من الصحابة كان يدعو إلى لزوم استقاء الأحكام من القرآن والسنة المطهرة ولا يرتضي الرأي والاجتهاد قباله ، والبعض الآخر كان يذهب إلى شرعية قول الرجال ، وصحة الاجتهاد قبال النص ، لأنّهم قد عرفوا ملاكات الأحكام وروح التشريع!.

وقد انتهجت الطائفة الأولى منهاج الطاعة والامتثال لمطلق الأحكام الصادرة عن اللّٰه ورسوله ، وهؤلاء كانوا لا يسمحون لأنفسهم ـ ولا لغيرهم ـ العمل في الأحكام الشرعية بآراء شخصية واجتهادات غير مأخوذة من النص.

أما الطائفة الثانية ـ فهي طائفة المجتهدين ـ الذين كانوا يفتون بالرأي في محضره صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويبتغون المصلحة مع وجود النص ، وهؤلاء وإن كانوا معتقدين برسالة الرسول لكنهم لم يعطوه تلك القدسية والمكانة التي منحها اللّٰه إياه ، فكانوا ـ في كثير من الأحيان ـ يتعاملون معه كأنه بشر غير كامل يخطئ ويصيب ، ويسبّ ويلعن ثم يطلب المغفرة للملعونين (٢).

__________________

(١) في كتابنا (منع تدوين الحديث ، أسبابه ونتائجه)

(٢) صحيح مسلم ٤ : ٢٠٠٨ / ٩٠ ، مسند أحمد ٢ : ٣١٦ ـ ٣١٧ ، ٤٤٩ ، ٣ : ٤٠٠.

٩

وهذا الانقسام الفكري بين الصحابة كان من جملة الأسباب التي أدت لاختلاف المسلمين في الأحكام الشرعية بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد كان هذا الانقسام منطويا على علل أخرى سنتعرض لها في مطاوي البحث إن شاء اللّٰه تعالى.

بلى ، إنّ دعاة الاجتهاد استدلوا على شرعية هذا الاختلاف بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :(اختلاف أمتي رحمة) ، لكن أحقا أن (اختلاف أمتي رحمة) بالمعنى الذي أريد أن يفسّر به؟ أم أنّ له معنى آخر؟ ولو صح ذلك فكيف نفسر قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا تختلفوا فتهلكوا) ، وقوله : (ستفترق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقي في النار)؟

ولما ذا يكون الاختلاف بين المسلمين إلى هذا الحد ، وكتابهم واحد ، ونبيّهم واحد؟

فترى هذا يسدل يديه في الصلاة والآخر يقبضهما ، والثاني يفرّج بين رجليه في الصلاة والآخر يجمع بينهما ، وثالث يغسل رجليه في الوضوء والآخر يمسحهما ، ورابع يجهر بالبسملة والآخر لا ينطق بها مجهورة ، وهذا يقول بالتأمين وذلك لا يقول به ، والعجيب أنّهم جميعا ينسبون أقوالهم وأفعالهم ـ على ما فيها من تضارب ظاهر ـ إلى رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله! أفيكون رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قالها جميعا ، وفعلها جميعا ، وصحّ عنه النقلان ـ أو النقول كلّها ـ كما يقولون؟! أم أنّ فعله كان واحدا في كلّ هذه الحالات؟! وإذا كان ذلك كذلك ، فمن أين جاء الاختلاف الذي يعسر دفعه وإنكاره؟! أترانا مكلّفين في شريعة اللّٰه أن نقف على الرأي الواحد ، أم أنّا قد أمرنا بالاختلاف؟ بل بم يمكن تفسير ظاهرة اختلاف النقل عن الصحابي الواحد؟! ولم ظهرت رؤيتان في الشريعة ، إحداهما تدعو إلى التعددية ، والأخرى تنادي بالوحدوية؟! فلو كانت التعدديّة هي مطلوب الشارع ، فلم حصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الفرقة الناجية من أمته بواحدة من الثلاث والسبعين وقال في الباقي أنّها في النار؟!! ألم يلزمه صلى‌الله‌عليه‌وآله على التفسير السابق القول : الجميع ناجية وواحدة في النار؟!! ـ

١٠

بل لا يبقى مجال لافتراض حتى فرقة واحدة في النار ـ!!!

وإذا كانت الوحدوية هي مطلوب الشارع ، فلم تصحّح التعددية وتلتزم؟! وهل يصح ما قيل في اختلاف الأمة باعتباره رحمة؟ وما معنى تأكيده سبحانه على وحدة الكلمة إذن؟

ولو كانت الفرقة هي مطلوب الشارع ، فما ذا يعني قوله تعالى (وَلَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً) (١) ، وكذا قوله (أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلٰا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٢).

إن القول بالتعددية أو الإيمان بالوحدوية يرجع ـ في نظرنا ـ إلى ما عزوناه من أسباب في انقسام المسلمين بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهمها انقسامهم إلى نهجين رئيسيّين :

١ ـ نهج التعبّد المحض الوحدويّة.

٢ ـ نهج الاجتهاد والرأي التعدّديّة.

وقد فصّلنا الحديث عن هذين النهجين في دراستنا لأسباب منع تدوين الحديث ، موضحين فيه جذور الرأي والاجتهاد عند العرب قبل الإسلام ، وتصوّراتهم عن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله وكيفية تعاملهم معه كأنّه شخص عادي يخطئ ويصيب ، ويقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا ، بل وحسب فهم بعضهم ، ما هو إلّا سلطان جاهد فانتصر ، وإنّ تعاليمه ما هي إلّا مقرّرات أصدرها من عند نفسه ولم ينزل اللّٰه سبحانه فيها شيئا.

والإسلام ـ ولكي يوحّد الأمة ـ جاء بشهادة (أن لا إله إلّا اللّٰه ، وأنّ محمّدا رسول اللّٰه) إذ أنّ الشهادة الأولى كانت تعني جمع العرب ـ ومن ثم العالم ـ على اعتقاد واحد ، بوحدانية المعبود وترك الآلهة والأصنام الموجودة عندهم ،

__________________

(١) النساء : ٨٢.

(٢) الأنعام : ١٥٣.

١١

والشهادة الثانية تعني إنهاء حالة التعددية القيادية والمناحرات القبلية ، والاجتماع على قائد واحد ، وهو رسول الإنسانية ، أي إنّ الإسلام أراد توحيدهم بالله سبحانه وتعالى اعتقاديا ، وبمحمد بن عبد اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قائدا روحيا وسياسيّا واجتماعيّا ، لأنّ وحدة الفكر والقيادة من الأمور التي تقوّي الأمة وترفع شأنها ، بخلاف التعددية المؤدّية إلى الفرقة والاختلاف.

وإليك الآن بعض الشي‌ء عن التعبّد والمتعبّدين والاجتهاد والمجتهدين ، ودور كل واحد منهما في الوضوء النبوي على سبيل الإجمال.

التعبد والمتعبدون

قلنا لك بأنّ القرآن المجيد والسنة النبوية لم يعتقدا بالتعددية بل جاءا ليحطّما الاعتقاد الجاهلي ـ المبتني على حبّ الذات والطمع في الرئاسة ـ إذ أكّد سبحانه في القرآن المجيد مرارا وبشتى الألفاظ على وجوب اتّباع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الأمّي ، بمثل قوله :

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ) (١) ، وقوله (وَمَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّٰهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰائِزُونَ) (٢) ، وقوله (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ ..) (٣) ، وقوله (إِنَّمٰا كٰانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذٰا دُعُوا إِلَى اللّٰهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنٰا وَأَطَعْنٰا وَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٤) ، وقوله (وَمٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَلٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالاً مُبِيناً) (٥) .. إلى غيرها من الآيات الكريمة الآمرة باتباع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وطاعته ، مقرونة

__________________

(١) النساء : ٨٠.

(٢) النور : ٥٢.

(٣) محمّد : ٣٣.

(٤) النور : ٥١.

(٥) الأحزاب : ٣٦.

١٢

في أكثرها بطاعة اللّٰه سبحانه وتعالى ، ممّا يعني أنّ أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هو أمر اللّٰه سبحانه وتعالى.

ناهيك عن الآيات المصرّحة بعظمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه لا يتكلّم إلّا عن اللّٰه ، كقوله تعالى (وَمٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ. إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ) (١) ، والآيات الكثيرة المادحة للمتعبّدين بما يقول الرسول تعبّدا محضا ، كقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَرَسُولِهِ وَإِذٰا كٰانُوا مَعَهُ عَلىٰ أَمْرٍ جٰامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّٰى يَسْتَأْذِنُوهُ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ) (٢).

وجاءت السنة النبوية الكريمة بالأوامر المتكررة ، بوجوب اتّباع أقوال وأفعال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على وجه التعبّد والالتزام المطلق أيضا ، ففي حديث الأريكة قول رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدّث بحديث من حديثي فيقول :

«بيننا وبينكم كتاب اللّٰه فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه» ، ألا وإنّ ما حرّم رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ما حرّم اللّٰه (٣) ، إلى غير ذلك.

هذا ، مضافا إلى الأحاديث النبوية الشريفة المادحة للمتعبدين بأقوال وأفعال وتقارير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد امتحن اللّٰه قلبه للإيمان ، قالوا : من هو يا رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

وقال أبو بكر : من هو يا رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

وقال عمر : من هو يا رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : هو خاصف النعل ، وكان قد أعطى عليّا نعله يخصفها (٤).

__________________

(١) النجم ٣ و ٤.

(٢) النور : ٦٢.

(٣) مسند أحمد ٤ : ١٣٢ : سنن ابن ماجة ١ : ٦ / ١٢ : سنن أبي داود ٤ : ٢٠٠ / ٢٦٠٤ ، السنن الكبرى للبيهقي ٩ : ٣٣١ ، الاحكام لابن حزم ٢ : ١٦١ ، الكفاية للخطيب : ٩ ، المستدرك ١ : ١٠٨ ، الفقيه والمتفقة ١ : ٨٨.

(٤) كنز العمال ١٣ : ١٧٣ و ١٠٧ و ١١٥.

١٣

وكقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عمار بن ياسر : إنّ عمارا ملي‌ء إيمانا إلى مشاشه ، وقوله فيه أيضا ، من عادي عمّارا عاداه اللّٰه ومن أبغض عمّارا أبغضه اللّٰه (١) ، وقوله في حنظلة حين خرج في أحد ملبّيا نداء رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله للحرب ، وكان قد أعرس بزوجته ، فخرج جنبا واستشهد في أحد ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ صاحبكم تغسله الملائكة ، فاسألوا صاحبته ، فقالت : خرج وهو جنب لمّا سمع الهيعة ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : لذلك تغسّله الملائكة (٢).

الاجتهاد والمجتهدون

كان مسار التعبّد هو المسار الصحيح الذي أراده اللّٰه لعباده المؤمنين ، أن يؤمنوا بالله ورسوله ، ويتّبعوا خطوات الرسول وأوامره ، وينتهوا عن زواجره ونواهيه ، وأن ينقادوا له انقياد طاعة وامتثال دون إعمال للآراء الشخصية أو تأثّر بالآراء الموروثة ، لكنّ الواقع المحسوس آن ذاك ظلّ ينبئ عن وجود صحابة كانوا يسمحون لأنفسهم بتخطئة الرسول والوقوف أمام أقواله وأفعاله ، ولم يكن ذلك بدعا في الديانات ، لأنّ القرآن الكريم والسنة المباركة أخبرانا أنّ ذلك سنة التاريخ في الديانات السالفة ، فقد آمن الناس بأنبيائهم ، وكان منهم الخصيصون والمقربون والحواريون ، كما كان هناك المكذّبون بهم ، وكانت هناك طائفة أخرى من الّذين آمنوا بالأنبياء لكنّهم اختلفوا ولم يفهموا ما يأتيهم به أنبياؤهم على وجهه الصحيح أو فهموه لكن ..

وكيف ما كان ، فإنّ القرآن المجيد كشف لنا بلا ريب عن وجود صحابة أسلموا وآمنوا بالله والرسول ، لكنّهم ظلّوا على قسط وافر من عدم التعبّد ، وعدم إدراكهم لقداسة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومدى دائرة وجوب إطاعته ، إذ كانوا يعاملونه في بعض الأحيان كأدون الناس شأنا ، وكانوا يعارضونه ويعترضون عليه ، ويرفعون أصواتهم فوق

__________________

(١) الإصابة ٢ : ٥١٢.

(٢) الإصابة ١ : ٣٦١.

١٤

صوته ، وو و ..

وقد وضّح القرآن وعالج الكثير من تلك الحالات غير المسئولة ، فقال سبحانه : (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلٰا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَأَنْتُمْ لٰا تَشْعُرُونَ) (١) ، وفي هذه الآية تصريح بأنّ المخاطبين مؤمنون ينطقون الشهادتين ، وأنهم لم يأتوا بالزنا أو القتل أو غيرهما ، بل رفعوا أصواتهم على صوت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وكانوا ينادونه بما يكشف عن أنهم كانوا لا يلتزمون بما يقتضيه شأن النبوّة ، ولا يعتبرون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا شخصا عادّيا مثلهم ، فلا حاجة إذن ولا ضرورة للتعبد بما يقوله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كنبي ، وهذا هو الذي أوجب التهديد لهم بالإحباط لأعمالهم.

ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ اثّٰاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) (٢) وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ) (٣) ، وقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا نُهُوا عَنْهُ ، وَيَتَنٰاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوٰانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) (٤).

بل نقل الطبرسي في قوله تعالى (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَرَسُولِهِ) أنّ ابن جنّي صرّح بأنّ معناه ، لا تفعلوا ما تؤثرونه وتتركوا ما أمركم اللّٰه ورسوله به ، وهذا معنى القراءة المشهورة ، أي لا تقدّموا أمرا على ما أمركم اللّٰه به (٥).

هذا ، إلى غيرها من الآيات الكريمة التي لوّحت أو صرحت بما لا يقبل الشك بوجود هذه الفئة في المجتمع الإسلامي في صدر الرسالة الإسلامية ، وإذا لوحظت تلك الآيات وأسباب النزول علم أنّ تلك الفئة غير قليلة وذلك الاتجاه كان كبيرا كما

__________________

(١) الحجرات : ٢.

(٢) التوبة : ٣٨.

(٣) الأحزاب : ٥٧.

(٤) المجادلة : ٨.

(٥) مجمع البيان ٥ : ١٢٩.

١٥

وكيفا ، بحيث شغل حيزا كبيرا من تفكير المسلمين.

ولم تقتصر الدلالات على القرآن الكريم فقط ، بل صرحت السنة النبوية المباركة قولا وعملا بوجود هذا الاتجاه وانتقدته وفنّدته ـ أيّما انتقاد وتفنيد ـ لأنّ تلك الفئة لم تحدّد عملها واجتهادها في كلام النبي وإنّما راحت تتعداه إلى القرآن الكريم.

فلذلك قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لبعض أصحابه ، ما لكم تضربون كتاب اللّٰه بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم (١). وفي نص آخر أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أيتلعّب بكتاب اللّٰه وأنا بين أظهركم (٢)؟! وفي نص ثالث قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أبهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ أن تضربوا كتاب اللّٰه بعضا ببعض ، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه ، وما نهيتم عنه فانتهوا (٣).

وكان رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد حذّر أصحابه من هذا التهافت المقيت في تعاملهم مع النصوص القرآنية والنبوية ، إذا الإيمان بالله ورسوله يقتضي التسليم والانقياد لما يقوله اللّٰه ويأمر به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعدم التسليم بقدسية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأقواله وأفعاله يتقاطع مع الإيمان المطلق بالله والرسول.

لقد حذّر اللّٰه من عواقب هذا النوع من التفكير ، وأنبأ أنّه سينجرّ إلى (الفتنة) ، فعن الزبير بن العوام ـ في تفسير قوله تعالى (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَلِلرَّسُولِ) .. إلى قوله ـ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٤) ـ قال : لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها ، فإذا نحن المعنيّون بها (٥).

وقال السدي : نزلت في أهل بدر خاصة ، فأصابتهم يوم الجمل (٦).

وبما أنّ ولادة مثل هذا الفكر في مجتمع حديث عهد بالإسلام أمر يوافق سيرة

__________________

(١) كنز العمال ١ : ١٩٣.

(٢) صحيح مسلم / كتاب الايمان.

(٣) كنز العمال ١ : ٣٨٣ ، ١٦٦١ ، وسنن ابن ماجة.

(٤) الأنفال : ٢٤ ـ ٢٥.

(٥) تفسير ابن كثير ٢ : ٤٨٨ ـ ٤٨٩.

(٦) تفسير ابن كثير ٢ : ٤٨٨ ـ ٤٨٩.

١٦

التاريخ وإخبارات القرآن عن سنن الأمم الماضية ، راح الشارع المقدس يوازن بين الفئتين ، ويبيّن الفرقة الحقّة ، والمسار الصحيح ، وأنّ التعبّد المحض هو سبيل النجاة ، وهو مراد اللّٰه سبحانه وتعالى لا الاجتهاد وتفسير الأمور وفق الأذواق والعقائد الموروثة ، فقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَرَسُولِهِ وَإِذٰا كٰانُوا مَعَهُ عَلىٰ أَمْرٍ جٰامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّٰى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ) (١) ، فقد قرّر القرآن في هذه الآية الكريمة أنّ استئذان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يساوق الإيمان بالله ، وذلك لما لهؤلاء المستأذنين من عقيدة راسخة وفهم صحيح لوجوب إطاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والالتزام بما يقوله ويفعله ، بخلاف الآخرين الذين لا يرون هذه الرؤية ويذهبون إلى خلافها ، أو أنّهم يفسّرونها طبق آرائهم واجتهاداتهم.

ومثل ذلك قوله تعالى (وَمٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَلٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَمَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالاً مُبِيناً) (٢) ، وغيرها من الآيات المباركة التي تتحدث بهذا الصدد.

المجتهدون في زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

وقد كان للمجتهدين في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أثر كبير ، بحيث سوّغوا لأنفسهم العمل بأعمال نهى عنها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أو لم يأمر بها ، وتعدّوا حدودهم فراحوا يعترضون على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله اعتراض ندّ قرين ، ويجتهدون أمام النص الصريح.

فمن ذلك ما فعله خالد بن الوليد من الوقيعة ببني جذيمة في السنة الثامنة للهجرة ، حيث بعثه رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله داعيا للإسلام ولم يبعثه مقاتلا ، فأمر خالد بني جذيمة بوضع السلاح ، فلمّا وضعوه غدر بهم وعرضهم على السيف لثأر كان بينه وبينهم في الجاهلية ، فلمّا انتهى الخبر إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفع يديه إلى السماء ثمّ قال :

اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد ، ثمّ أرسل عليا ومعه مال فودى لهم الدماء

__________________

(١) النور : ٦٢.

(٢) الأحزاب : ٣٦.

١٧

والأموال (١) ..

ومن ذلك قتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك ـ مع بداهة حرمة دم المسلم ـ بعد أن كبّر ونطق بالشهادتين ، فقتله أسامة وساق غنمه بدعوى أنه أسلم خوفا من السيف ، فلمّا علم رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله بفعله قال : قتلتموه إرادة ما معه؟! ثمّ قرأ قوله تعالى (وَلٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا) (٢).

ومن ذلك قول رجل من الأنصار في قسمة كان قسمها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واللّٰه إنها لقسمة ما أريد بها وجه اللّٰه .. فشق ذلك على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتغيّر وجهه وغضب .. ثمّ قال : قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر (٣).

ومن العجيب أنّ هذا الاتجاه كان يمارس فكرته المغلوطة حتّى فيما رخّص به رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس ، فبلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فغضب ، ثمّ قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشي‌ء أصنعه ، فو اللّٰه إني لأعلمهم وأشدهم خشية (٤).

والأنكى من ذلك أنّ بعض روّاد هذا الاتجاه راحوا يؤذون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في عرضه وأزواجه ، حتّى قال طلحة وعثمان : أينكح محمّد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات؟! لو مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام ، وكان طلحة يريد عائشة ، وعثمان يريد أم سلمة ، فأنزل سبحانه قوله (مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَلٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) (٥).

__________________

(١) الكامل في التاريخ المجلّد : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ ، سيرة ابن هشام ٤ : ٧٠ ـ ٧٨.

(٢) أنظر تفسير الفخر الرازي ١١ : ٣ ، والكشاف ١ : ٥٥٢ ، وتفسير ابن كثير ١ : ٨٥١ ـ ٨٥٢. والآية : ٩٤ من سورة النساء.

(٣) صحيح البخاري / كتاب الآداب ـ باب الصبر على الأذى ٨ : ٣١.

(٤) صحيح البخاري / كتاب الآداب ـ باب من لم يواجه الناس بالعتاب ٨ : ٣١.

(٥) الأحزاب : ٥٣ ، عن السدي في تفسير الآية الدر المنثور ٥ : ٢١٤ ، الطرائف ٢ : ٤٩٣.

١٨

واللافت للنظر أن الخليفتين أبا بكر وعمر لم يكونا بمنأىً عن هذه الظاهرة ، بل نرى لهما نصيبا من الاعتراض على رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعدم امتثال أوامره صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، وخصوصا الخليفة عمر بن الخطّاب الذين خالفه في مفردات كثيرة.

كإنكاره أخذ الفداء من أسارى بدر (٢) ، واعتراضه على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاته على المنافق (٣) ، واستيائه من قسمة قسمها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) ، ومواجهته للنبي بلسان حادّ في صلح الحديبية (٥) ، ومطالبته النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يستفيد من مكتوبات اليهود في الشريعة (٦) وقوله في أخريات ساعات حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّه ليهجر (٧) أو غلبه الوجع ، وهكذا وهلمّ جرّا في الاجتهادات التي خولف بها رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته ، غير ناسين أنّ المسلمين انقسموا بين يدي رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله حين دعا بالقلم والدواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا ، فمن قائل : أنفذوا ما قال رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقائل : القول ما قال عمر ، وهذا إن كشف عن شي‌ء فإنما يكشف النقاب عن وجود الاتجاهين حتّى آخر لحظة من حياة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ اتجاه الاجتهاد بالرأي كان قويّا ومؤثرا في مسير تاريخ المسلمين وفقههم وحياتهم ، وذلك هو الذي شرّع التعدديّة وحجيّة الرأي بعد رسول اللّٰه.

ولا يخفى عليك أنّ ما يهمّنا بحثه هنا هو معرفة (وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) من خلال بيان ملابسات التشريع الإسلامي على وجه العموم ، وما يتعلق بوضوء رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله بوجه خاص.

__________________

(١) الإصابة ١ : ٤٨٤ ، حلية الأولياء ٣ : ٢٢٧ ، البداية والنهاية ٧ : ٢٩٨ ، مسند أحمد ٣ : ١٥.

(٢) الفصول المهمة : ١١٣ عن مصادر متعددة.

(٣) اجتهاد الرسول : ٢٠٩ ـ ٢١١.

(٤) مسند أحمد ١ : ٢٠ عن الأعمش عن شقيق عن سلمان بن ربيعة ، ومسلم في الزكاة.

(٥) تاريخ عمر لابن الجوزي : ٥٨.

(٦) المصنف لعبد الرزاق ١٠ : ٣١٣ ، مجمع الزوائد ١ : ١٧٤.

(٧) صحيح البخاري ١ : ٣٩ كتاب العلم ، وكتاب المرضى ٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٧ ، ١٢٥٩.

١٩

المجتهدون بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

لقد علمنا بوجود تيارين في زمن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، متعبّد ومجتهد ، وبقاءهما إلى آخر لحظة من حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولظروف شتّى صار زمام الخلافة بيد رؤساء الاجتهاد والرأي بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان من جملة ما اتخذوه من قرارات هو معارضتهم للتحديث عن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمور رأوها.

فجاء في تذكرة الحفاظ : أنّ الصّديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ، فقال : إنكم تحدّثون عن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافا ، فلا تحدّثوا عن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب اللّٰه ، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه (١).

وعن عروة بن الزبير : إنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير اللّٰه فيها شهرا ، ثمّ أصبح يوما ، وقد عزم اللّٰه له فقال : إنّي كنت أردت أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا ، فأكبّوا عليها فتركوا كتاب اللّٰه تعالى ، وإني واللّٰه لا ألبس كتاب اللّٰه بشي‌ء أبدا (٢).

وروي عن يحيى بن جعدة : أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثمّ بدا له أن لا يكتبها ، ثمّ كتب في الأمصار : من كان عنده منها شي‌ء فليمحه (٣).

وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر : أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب ، فاستنكرها وكرهها ، وقال : أيّها الناس! إنّه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب ، فأحبّها إلى اللّٰه أعدلها وأقومها ، فلا يبقين أحد عنده كتابا إلّا أتاني به ، فأرى فيه رأيي.

__________________

(١) تذكرة الحفاظ ١ : ٢ ـ ٣ ، حجية السنة : ٣٩٤.

(٢) تقييد العلم : ٤٩ ، حجية السنة : ٣٩٥ عن البيهقي في المدخل ، وابن عبد البر.

(٣) تقييد العلم : ٥٣ ، حجية السنة : ٣٩٥.

٢٠