🚖

الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد

السيّد علي الحسيني الميلاني

الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-269-5
الصفحات: ٣٧
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

دليل الكتاب :

مقدّمة المركز................................................................. ٥

تمهيد........................................................................ ٧

افتراء ابن تيمية على الشيخ نصير الدين الطوسي.................................. ٩

نص ما قاله ابن تيميّة........................................................ ١١

الرجوع في قضية سقوط بغداد إلى مَن شهد الواقعة.............................. ١٥

الرجوع إلى ابن الفوطي...................................................... ١٥

الرجوع إلى ابن الطقطقي..................................................... ١٧

الرجوع إلى أبي الفداء........................................................ ١٩

الرجوع إلى الذهبي.......................................................... ٢٢

الرجوع إلى ابن شاكر الكتبي................................................. ٢٢

الرجوع إلى الصفدي........................................................ ٢٤

الرجوع إلى ابن خلدون...................................................... ٢٥

الرجوع إلى السيوطي........................................................ ٢٦

الرجوع إلى أصحاب ابن تيمية................................................ ٢٦

الثناء على الشيخ نصير الدين الطوسي......................................... ٣١

خاتمة البحث................................................................ ٣٧

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز :

لا يخفى أنّنا لا زلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة ، ممّا يستدعي الإلتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة ، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك ، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور : عقد الندوات العقائديّة المختصّة ، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين ، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة ، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد

٥

والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها ، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً ، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسّون

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين.

سألتم عن دور الحكيم الالهي الشيخ المحقق العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي في سقوط بغداد على يد هولاكو.

لأنّه قد ينسب في بعض الكتب إلى الشيخ نصير الدين الطوسي أنّ له ضلعاً في سقوط بغداد على يد المشركين ، وما ترتّب على هذه الحادثة من آثار سيّئة بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين ، من قتل النفوس ، وتخريب البلاد ، والمدارس العلميّة ، وسائر ما ترتب على هذه الحادثة العظيمة من الآثار السيّئة.

٧
٨

افتراء ابن تيمية على

الشيخ نصير الدين الطوسي

لعلّ من أشدّ الناس على الشيخ نصير الدين الطوسي رحمه‌الله في هذه القضيّة هو ابن تيميّة ، ممّا يثير الشك ويدعو إلى البحث عمّا إذا كان السبب الأصلي لاتّهام هذا الشيخ بهذا الأمر هو الاختلاف العقائدي ، وما كان للشيخ نصير الدين الطوسي من دور نشر المذهب الشيعي ، ودعمه بالأدلّة والبراهين ، ولاسيّما بتأليفه كتاب تجريد الإعتقاد ، هذا الكتاب الذي أصبح من المتون الأصلية والأوليّة في الحوزات العلميّة كلّها ، وكان يدرّس وما زال هذا الكتاب يدرّس في بعض الحوزات العلميّة ، ولذا كثرت عليه الشروح والحواشي من علماء الشيعة والسنّة ، وحتّى أنّ كتاب المواقف للقاضي الإيجي ، وكتاب المقاصد للسعد التفتازاني ، هذان الكتابان أيضاً إنّما أُلّفا نظراً إلى ما ذكره الخواجه نصير الدين في كتاب التجريد ، ويحاولون أن يردّوا عليه آراءه وأفكاره ، ولربّما

٩

يذكرون اسمه بصراحة ، وقد عثرنا على مورد في إحدى تلك الكتب حيث جاء التصريح باسم الشيخ نصير الدين الطوسي مع التهجّم عليه والسب له ، وهو كتاب شرح المقاصد.

وأمّا ابن تيميّة ، فإنّما يتعرّض للخواجة نصير الدين الطوسي بمناسبة أنّ العلاّمة الحلّي ـ تلميذ الخواجة ـ ينقل عن أُستاذه استدلالاً لدعم المذهب الشيعي وإثبات عقيدة الإماميّة ، على أساس حديثين صحيحين واردين في كتب الفريقين.

ينقل العلاّمة رحمه‌الله عن أُستاذه أنّه سئل عن المذهب الحقّ بعد رسول الله ، فأجاب بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخبر في الحديث المتفق عليه بأنّ الاُمّة ستفترق من بعده على ثلاث وسبعين فرقة ، وهذا الحديث متّفق عليه.

قال : فمع كثرة هذه الفرق قال رسول الله : فرقة ناجية والباقي في النار.

ثمّ إنّ رسول الله عيّن تلك الفرقة الناجية بقوله : « إنّما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ».

وهذا الإستدلال لا يمكن لاحد أن يناقش فيه ، لا في الحديث الأول ، ولا في الحديث الثاني ، ولا في النتيجة المترتبة على هذين الحديثين.

١٠

وحينئذ نرى ابن تيميّة العاجز عن إظهار أيّ مناقشة وإبداء أيّ إيراد علمي في مقابل هذا الإستدلال ، نراه يتهجّم على الشيخ نصير الدين ، ويسبّه بما لا يتفوّه به مسلم بالنسبة الى فرد عادي من أفراد الناس.

ولا بأس بأن أقرأ لكم نصّ ما قاله ابن تيميّة في الشيخ نصير الدين الطوسي :

نص ما قاله ابن تيميّة :

يقول ابن تيمية : هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنّه كان وزيراً الملاحدة الباطنية الإسماعيليّة في الألموت ، ثمّ لمّا قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين ، وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة ، كان هذا منجّماً مشيراً لملك الترك المشركين هولاكو ، أشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين ، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا ، وأنّه استولى على الوقف الذي للمسلمين ، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم.

وأنّه لمّا بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين ، كان أبخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل

١١

أقرب ، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل ، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين.

ومن المشهور عنه وعن أتباعه الإستهتار بواجبات الإسلام ومحرّماته ، لا يحافظون على الفرائض كالصلوات ، ولا ينزعون عن محارم الله من الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ، حتّى أنّهم في شهر رمضان يذكر منهم من إضاعة الصلوات وارتكاب الفواحش وشرب الخمور ما يعرفه أهل الخبرة بهم.

ولم يكن لهم قوّة وظهور إلاّ مع المشركين الذين دينهم شرّ من دين اليهود والنصارى ، ولهذا كان كلّما قوي الإسلام في المغل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء ، لغرض معاداتهم للإسلام وأهله ...

وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرّف ويوصف.

ومع هذا فقد قيل : إنّه في آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ، ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه ونحو ذلك ، فإن كان قد تاب من الإلحاد ، فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ، والله تعالى يقول : ( يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا

١٢

مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) (١).

لكنّ ما ذكره هذا ، إن كان قبل التوبة لم يقبل قوله ، وإن كان بعد التوبة لم يكن قد تاب من الرفض ، بل من الإلحاد وحده ، وعلى التقديرين فلا يقبل قوله.

والأظهر أنّه إنّما كان يجتمع به وبأمثاله لمّا كان منجّماً للمغل المشركين ، والالحاد معروف من حاله إذ ذاك ، فمن يقدح في مثل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأتباعهم ويعيّرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة الشطرنج والغناء ، كيف يليق به أن يحتجّ لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، من الذين أُوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ويستحلّون المحرّمات المجمع على تحريمها ، كالفواحش والخمر في شهر رمضان ، الذين أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بمحرّمات الدين ، وسلكوا غير طريق المؤمنين ...

__________________

(١) سورة الزمر : ٥٣.

١٣

لكن هذا حال الرافضة دائماً يعادون أولياء الله المتقين ، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان ، ويوالون الكفّار والمنافقين ... إلى آخر كلامه (١).

هذا جوابه على استدلال العلاّمة بكلام أُستاذه ، الإستدلال الذي ذكرناه ، لأن الإستدلال قوائمه حديث متفق عليه : هو « ستفرق أمّتي » وحديث آخر أيضاً متّفق عليه ، الحديث الثاني يقول : لا نجاة إلاّ بركوب سفينة أهل البيت ، والنتيجة واضحة.

وهذا جواب ابن تيميّة على هذا الإستدلال !!

لكن علينا أن نبحث عن أصل المسألة التي طلبتم البحث عنها في هذه اللّيلة.

__________________

(١) منهاج السنة ٣ / ٤٤٥ ـ ٤٥١.

١٤

الرجوع في قضية سقوط بغداد

إلى مَن شهد الواقعة

في مثل هذه القضيّة ، وهي قضيّة واقعة في القرن السابع ، وفي أواسط هذا القرن ، لابدّ وأنْ نرجع إلى من شهد تلك الواقعة وكان حاضراً فيها ويخبر عنها ، وأيضاً إلى المؤرّخين قريبي العهد من تلك الحادثة ، لا أقول نرجع إلى المؤرّخين الشيعة حتّى يقال بأنّ الشيعة يحاولون أن يبرّئوا ساحة علمائهم وكبرائهم من أيّ شيء يطعن فيهم به ، وإنّما أقول نرجع إلى المؤرّخين من أهل السنّة أنفسهم.

الرجوع إلى ابن الفوطي :

لعلّ خير كتاب يمكننا الرجوع إليه بالدرجة الأولى كتاب الحوادث الجامعة ، وهو تأليف العلاّمة ابن الفوطي.

أذكر لكم باختصار عن بعض المصادر المعتبرة ترجمة ابن

١٥

الفوطي الحنبلي البغدادي المتوفى سنة ٧٢٣ ه‍ :

ترجم له الذهبي قائلاً : ابن الفوطي العالم البارع المتفنّن المحدّث المفيد ، مؤرخ الافاق ، مفخر أهل العراق ، كمال الدين أبو الفضائل عبد الرزاق بن أحمد بن محمّد بن أبي المعالي الشيباني ابن الفوطي ، مولده في المحرّم سنة ٦٤٢ ببغداد ، وأُسر في الوقعة وهو حَدَث ـ أُسر في الوقعة : وقعة بغداد ـ ثمّ صار إلى أُستاذه ومعلّمه خواجة نصير الدين الطوسي في سنة ٦٦٠ ، فأخذ منه علوم الأوائل ، ومهر على غيره في الأدب ، ومهر في التاريخ والشعر وأيام الناس ، وله النظم والنثر ، والباع الأطول في ترصيع تراجم الناس ، وله ذكاء مفرط ، وخط منسوب رشيق ، وفضائل كثيرة ، سمع الكثير ، وعني بهذا الشأن (١).

ويعبّر عنه صاحب فوات الوفيات ابن شاكر الكتبي ، عندما يعنونه يعبّر عنه ب‍ : الشيخ الإمام المحدّث المؤرّخ الأخباري الفيلسوف (٢).

وأمّا ابن كثير ، فيذكر ابن الفوطي في تاريخه قائلاً : الإمام المؤرّخ كمال الدين ابن الفوطي أبوالفضل عبد الرزاق ، ولد سنة

__________________

(١) تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٩٣.

(٢) فوات الوفيات ٢ / ٣١٩.

١٦

٦٤٢ ببغداد ، وأُسر في واقعة التتار ، ثمّ تخلّص من الأسر ، فكان مشرفاً على الكتب بالمستنصريّة ، وقد صنّف تأريخاً في خمس وخمسين مجلّداً ، وآخر ـ أي كتاباً آخر ـ في نحو عشرين ، وله مصنّفات كثيرة ، وشعر حسن ، وقد سمع الحديث من محي الدين ابن الجوزي ، وتوفي في ثالث المحرّم في السنة التي ذكرناها (١).

فهذا العالم المؤرّخ ، الذي شاهد القضيّة ، وحضرها ، وأُسر فيها ، وهو إمام مؤرّخ معتمد ، يذكره علماء أهل السنّة بالثناء الجميل ، ويذكرون كتبه في التاريخ ، هذا الرجل له كتاب الحوادث الجامعة ، في هذا الكتاب يتعرّض لقضيّة سقوط بغداد على يد هولاكو ، وليس لخواجة نصير الدين اسم في هذه القضيّة ولا ذكر أبداً ، يذكرون أنّه قد ألّف كتابه هذا بعد الواقعة بسنة واحدة ، أي أنّ سنة ٦٥٧ تاريخ تأليف كتاب الحوادث الجامعة.

الرجوع إلى ابن الطقطقي :

ثمّ بعد ابن الفوطي ، نرى ابن الطقطقي المولود سنة ٦٦٠ والمتوفّى سنة ٧٠٩ ، هذا صاحب كتاب الفخري في الآداب

__________________

(١) البداية والنهاية ١٤ / ١٠٦.

١٧

السلطانيّة والدول الإسلاميّة ، يروي الحوادث ، حوادث بغداد ، بواسطة واحدة فقط ، ولا ذكر في هذا الكتاب حيث يذكر الحوادث لخواجة نصير الدين في القضيّة أصلاً ، لا من قريب ولا من بعيد.

نعم يذكر اسم الخواجة مرّةً واحدةً ، حيث يبيّن دخول ابن العلقمي على هولاكو.

ابن العلقمي كان وزير المستعصم العباسي ، أصبح بعد المستعصم العباسي من الشخصيّات المرموقة في بغداد ، وينسب إليه أيضاً من قبل بعض كتّاب السنّة ـ السابقين واللاّحقين ـ أنّ له يداً في سقوط بغداد ، لكن بحثنا الآن في خواجة نصير الدين وليس في ابن العلقمي ، وبإمكانكم أن ترجعوا إلى كتاب أعيان الشيعة للسيّد الامين العاملي رحمه‌الله يذكر هناك ما يقال عن ابن العلقمي وبراءة ساحة هذا الرجل أيضاً.

ففي كتاب الفخري في الآداب السلطانيّة يذكر الشيخ نصير الدين الطوسي مرّةً واحدةً بمناسبة أنّ الشيخ نصير الدين كان واسطة في دخول هذا الوزير ، أي ابن العلقمي على هولاكو ، يقول : وكان الذي تولّى ترتيبه في الحضرة السلطانيّة الوزير السعيد

١٨

نصير الدين محمّد الطوسي قدّس الله روحه (١).

الرجوع إلى أبي الفداء :

ثمّ ننتقل إلى تاريخ أبي الفداء ، المولود سنة ٦٧٢ والمتوفى سنة ٧٣٢ ، وهذا قريب العهد بالواقعة ، لأن الواقعة كانت سنة ٦٥٦ ، وهذا مولود في سنة ٦٧٢ ، أي بعد سنوات قليلة ، ومتوفى في سنة ٧٣٢.

فنراه يذكر قضيّة فتح بغداد ، واستيلاء المشركين والتتر على بغداد ، وانقراض الحكومة العبّاسيّة ، يقول : في أوّل هذه السنة ـ سنة ٦٥٦ ـ قصد هولاكو ملك التتر بغداد ، وملكها في العشرين من المحرّم ، وقتل الخليفة المستعصم بالله ، وسبب ذلك أنّ وزير الخليفة مؤيّد الدين ابن العلقمي كان رافضيّاً ، وكان أهل الكرخ أيضاً روافض ، فجرت فتنة بين السنّيّة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم.

[ دائماً هذه الفتن كانت موجودة في بغداد بين الشيعة والسنّة ، منذ زمن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، وفي بعض هذه الفتن

__________________

(١) الفخري في الآداب السلطانية : ٣٣٨.

١٩

هاجر الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف الأشرف وأسّس الحوزة العلميّة ، لذلك يقول : على جاري عادتهم ، أي هذا شيء معتاد بينهم ، محلّة الكرخ والمحلّة التي تقابلها ، هؤلاء شيعة وأُولئك أهل سنّة ، جرت فتنة ].

فأمر أبوبكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار [ هذا رئيس العسكر ] العسكر ، فنهبوا الكرخ ، وهتكوا النساء ، وركبوا منهنّ الفواحش.

فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي ، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد ، وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس ، فقطّعهم المستعصم ليحمل إلى التتر متحصل اقطاعاتهم ، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس ، وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه يستدعيهم ، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم ، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم ومقدّمهم ركن الدين الدوادار ، والتقوا على مرحلتين من بغداد ، واقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم عسكر الخليفة ، ودخل بعضهم بغداد وسار بعضهم إلى جهة الشام.

ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي ، ونزل باجو ـ وهو مقدّم كبير ـ في الجانب الغربي ، على قرية قبالة دار الخلافة ، وخرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو ، فتوثّق منه

٢٠