🚘

الممتع في التّصريف

أبي الحسن علي بن مؤمن بن محمّد بن علي ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي « ابن عصفور »

الممتع في التّصريف

المؤلف:

أبي الحسن علي بن مؤمن بن محمّد بن علي ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي « ابن عصفور »


المحقق: الشيخ أحمد عزّو عناية
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٨٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدمة المحقق

الحمد لله الذي علم القرآن ، وخلق الإنسان ، وعلمه البيان.

وأصلي وأسلم على أفصح الخلق لسانا ، وأبلغهم بيانا ، وعلى آله وصحبه الطيبين ، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

وبعد :

فإن من خصائص اللغة العربية التي عدها العلماء لها ما تمتاز به من اتساع الأبنية ، وكثرة الصيغ التي تستوعب المعاني التي يمكن أن تجيش بها نفس إنسان في وقت من الأوقات ، ولما كان التصريف هو سبيل الوصول إلى تلك الصيغ فقد قالوا : «أما التصريف فإن من فاته علمه فاته المعظم» (١).

ويعلل ابن فارس لتلك المقولة بأمثلة كثيرة تكشف عن فائدة التصريف في التمييز بين المعاني التي تتحول بتصريف صيغها من الضد إلى الضد : «يقال : القاسط للجائر ، والمقسط للعادل ، فتحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل ...» (٢).

وثمة قصة وقعت لعمرو بن عبيد المعتزلي مع أبي عمرو بن العلاء تكشف عن التفات علماء اللغة القدامى لخطورة أمر الصّيغ ، والخلط بين بعضها ، وعدم التفريق الدقيق بين دلالاتها ، فقد أشارت المصادر إلى وفود أبن عثمان عمرو بن عبيد المعتزلي على أبي عمرو بن العلاء يسأله قائلا : يا أبا عمرو ؛ أيخلف الله وعده؟ قال أبو عمرو : لا ، قال عمرو : أفرأيت من وعده الله على عمل عقابا ، أيخلف الله وعده؟ فقال أبو عمرو : من

__________________

(١) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي ١ / ٢٩٧ ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٤ / ٤٧٧.

(٢) انظر المزهر في علوم اللغة والأدب للسيوطي ١ / ٢٦٠.

٥

العجمة أتيت أبا عثمان ، إن الوعد غير الوعيد ... (١).

فعمرو بن عبيد هنا ـ إن صحت الرواية ـ قد أخطأ في التفريق بين الصيغتين ، فالوعد مصدر (وعد) ، أما الوعيد فهو مصدر (أوعد) ، فالصيغة الأولى صيغة مصدر ثلاثي ، والثانية صيغة مصدر رباعي ، والخلط بين الصيغتين ومصدريهما قد أدى إلى الانتقال من الضد إلى الضد ، وهذا المعنى الضدي هو ما يستفاد من المعنى الصيغى للكلمة.

وفي اللغة نظائر كثيرة تنقل الصيغة فيها الكلمة من الضد إلى الضد ، كما في «قسط» و «أقسط» ، و «حنث» و «تحنث» ، و «أثم» و «تأثم» ... إلخ ، مع اختلاف أنواع الصيغ الممثل بها.

ويذكر السيوطي كذلك كلاما عن أبى حيان يدلنا على مدى الدور الذى تلعبه تلك الصيغ في التعبير عن المعاني التي لا تكاد تتناهى ، والتي لو لا الصيغ لضاقت اللغة عنها.

يقول أبو حيان : «وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى ، فخصوا كل تركيب بنوع منها ؛ ليفيدوا بالتراكيب والهيآت أنواعا كثيرة ، ولو اقتصروا على تغاير المواد ، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضرب ، لمنافاتها لهما ، لضاق الأمر جدا ، ولا حتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها ، بل فرقوا بين «معتق» و «معتق» بحركة واحدة حصل بها تمييز بين ضدين» (٢).

وهذا كله يدلنا على خطورة أمر الصياغة والتصريف ؛ إذ إن الخطأ فيها يحول المعنى من الضد إلى الضد.

إن التصريف يثرى اللغة بما يتيحه لموادها من المعاني الوظيفية الكثيرة ، التي تعبر عن المعنى محمولا على هيئة اللفظ دون إرهاق المنشئ بالبحث عن مواد جديدة لأداء تلك المعاني ، ومن ثم فهي تحقق في الوقت نفسه غاية عزيزة من أهم غايات البلاغة ، وهى الإيجاز.

فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) [الملك : ١٩] نجد أن لفظتي : (صافَّاتٍ) ـ و (يَقْبِضْنَ) يمكن أن يعبر عن الحدث فيهما ، وهو أصل

__________________

(١) انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٢ / ١٧٤ ، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٦٧ / ١١٢ ، والمنتظم لابن الجوزي ٨ / ٦١ ، والمصباح المنير للفيومي ، مادة (وعد).

(٢) انظر المزهر في علوم اللغة والأدب للسيوطي ١ / ٢٧٥ ـ ٢٧٦.

٦

المعنى بأكثر من طريقة ، ولذا اختير التعبير باسم الفاعل في اللفظة الثانية ، وكان يمكن التعبير عنها بغير اسم الفاعل كالفعل المضارع (يصفقن) ، وفى اللفظة الثانية كان يمكن التعبير عنها بغير الفعل المضارع ، كأن يعبر عنها باسم الفاعل كسابقتها مثلا.

ولكن الآية قد اختارت اسم الفاعل للتعبير عن الحدث في اللفظة الأولى ، واختارت الفعل المضارع للتعبير عن الحدث في اللفظة الثانية ، وما ذلك إلا رعاية للمعنى الفني الدقيق الذي أرادت الآية أن ترمز إليه وتدل عليه.

قال الزمخشرى : «فإن قلت : لم قيل : (ويقبضن) ، ولم يقل : (قابضات)؟.

قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجئ بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكن منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح» (١).

فكأن الآية قد رمزت بذلك ـ فضلا عن إثبات حدثي الصف والقبض ـ إلى أن الصف هو غالب فعل الطير في جو السماء ، وأن القبض يكون عارضا ، وهذا المعنى وإن لم يكن مقصودا بالأصالة من الكلام ، فإن اختيار الآية لهاتين الصيغتين قد شمل هاتين الدلالتين دون أن يزيد في لفظ الكلام ، بل عبر عن المعنى بهيئة اللفظ نفسه وليس بلفظ آخر ، ولو خولفت تلك الصياغة وأريد التعبير عن تلك المعاني ، لقيل : (يصففن غالبا وأحيانا قابضات) ، وفيه من الركاكة والتطويل ما فيه ، فضلا عن أن المعنى المراد إضافته ليس مقصودا من الكلام بالأصالة ، وإنما هو متمم لبيان القدرة وتمام الحكمة ، فكان تضمينه في هيئة الكلمة وبنيتها أولى من الإتيان بلفظ جديد يخصه.

والمقصد هنا بيان قيمة الصياغة والتصريف في التعبير عن المعاني الفنية الدقيقة في أوجز عبارة ، عن طريق الإفادة من المعاني الوظيفية التي يمكن الحصول عليها من تصاريف المادة الواحدة.

لذا كانت عناية اللغويين بهذا العلم الشريف الذى لا تقف قيمته عند صون اللسان عن الخطأ في المفردات ، ومراعاة قانون اللغة في الكتابة كما ذكروا ، وإنما تتخطى ذلك

__________________

(١) انظر الكشاف للزمخشري ٤ / ٥٨٥.

٧

إلى تحقيق أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة ، والإعانة على فهم الخطاب المعجز الذي لا يتأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.

ولهذا كله كان العمل في هذا المجال من خلال التأليف أو التحقيق أمرا لا بد منه ولا محيد عنه ، ومن الكتب المعول عليها في الصرف كتاب «الممتع في التصريف» لابن عصفور الذي أكرمني الله عز وجل بخدمته ، وتجديد إظهاره للمكتبة العربية بعد نفاذ نسخه منها.

ولا يسعني في نهاية العمل إلا أن أتضرع إلى الباري جلّ وعلا أن يجعل عملي هذا وسائر أعمالي خالصة لوجهه الكريم ، وأن يجعلها في ميزان حسناتي وحسنات والديّ ، وكل من كان له فضل عليّ كبر أم صغر.

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسّلام على خير خلقه في البدء والختام.

وكتبه :

الشيخ أحمد عزو عناية وعلي محمد مصطفى

دمشق / كفر بطنا

٢٤ / شعبان / ١٤٣١ ه‍

٥ / آب / ٢٠١٠ م

٨

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ترجمة ابن عصفور

هو علي بن مؤمن بن محمد بن علي العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي ، حامل لواء العربية بالأندلس في عصره (١).

ولد سنة (٥٩٧ ه‍ ١٢٠٠ م).

أخذ عن الأستاذ أبي الحسن الدباج ، ثم عن الأستاذ أبي علي الشلوبين ، وتصدى للاشتغال مدة ، ولازم الشلوبين عشر سنين إلى أن ختم عليه كتاب سيبويه ، وكان أصبر الناس على المطالعة لا يمل ذلك ، وأقرأ بإشبيلية ، وشريش ، ومالقة ، ولورقة ، ومرسية.

قال ابن الزبير : لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية ، ولا تأهل لغير ذلك.

قال : وكان يخدم الأمير أبا عبد الله محمد بن أبي بكر الهنتاتي.

توفي سنة (٦٦٩ ه‍ ١٢٧١ م).

من تصانيفه :

١ ـ الممتع في التصريف.

٢ ـ المفتاح.

٣ ـ الهلال.

٤ ـ الأزهار.

٥ ـ إنارة الدياجي.

__________________

(١) انظر ترجمته في فوات الوفيات للكتبي ٢ / ١٥٨ (٣٦٥) ، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزآبادي ص ١٦٠ (٢٥١) ، وبغية الوعاة للسيوطي ٢ / ٢١٠ (١٨١٠) ، وكشف الظنون لحاجي خليفة في عدّة مواضع من كتابه ، وأسماء الكتب لعبد اللطيف زادة ص ٢٨٩ ، وشذرات الذهب لابن العماد ٥ / ٣٣٠ ، وديوان الإسلام للغزي ص ٦٧ ، وأبجد العلوم للقنوجي ٣ / ٣٥.

٩

٦ ـ مختصر الغرة.

٧ ـ مختصر المحتسب لابن باشاذ النحوي.

٨ ـ السالف والعذار.

٩ ـ شرح الجمل للزجاجي.

١٠ ـ المقرب في النحو.

١١ ـ البديع في شرح المقدمة الجزولية.

١٢ ـ شرح ديوان المتنبي.

١٣ ـ سرقات الشعراء.

١٤ ـ شرح الأشعار الستة ، وهو شرح دوواين الشعراء الستة.

١٥ ـ شرح المقرب.

١٧ ـ شرح الحماسة.

١٨ ـ إيضاح المشكل.

١٩ ـ السلك والعنوان ومرام اللؤلؤ والعقبان.

٢٠ ـ شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي.

٢١ ـ شرح كتاب سيبويه.

٢٢ ـ الضرائر.

٢٣ ـ المقنع.

٢٤ ـ منظومة في النحو.

من شعره :

لما تدنست بالتخليط في كبري

وصرت مغرى برشف الراح واللعس

رأيت أن خضاب الشيب أستر لي

إن البياض قليل الحمل للدنس

رثاه القاضي ناصر الدين بن المنير بقوله :

أسند النحو إلينا الدؤلي

عن أمير المؤمنين البطل

بدأ النحو علي وكذا

قل بحق ختم النحو علي

١٠

بسم الله الرّحمن الرّحيم

صلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم

الحمد لله الذي لم يستفتح بأفضل من اسمه كلام ، ولم يستنجح بأجمل من صنعه مرام ، جاعل الحمد مفتح قرآنه ، وآخر دعوى أهل جنانه. أحمده سبحانه ، على أن جعلنا خير أمّة ، وأنطقنا بلسان أهل الجنّة ؛ حمدا يؤنس وحشيّ النّعم من الزّوال ، ويحرسها من التغيّر والانتقال. والصلاة على خير من افتتحت بذكره الدعوات ، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات ، محمد نبيّ الله وخيرته من خلقه ، وحجّته في أرضه ، الصّادع بالرّسالة ، والمبالغ في الدّلالة ، وعلى آله الطّيّبين الأخيار ، الطاهرين الأبرار ، الذين أذهب عنهم الأرجاس ، وطهّرهم من الأدناس ، وجعل مودّتهم أجرا له على الناس.

وبعد :

فإنّي لمّا رأيت النحويّين قد هابوا لغموضه ، علم التّصريف. فتركوا التّأليف فيه والتّصنيف ، إلّا القليل منهم فإنّهم قد وضعوا فيه ما لا يبرد غليلا ، ولا يحصّل لطالبه مأمولا ، لاختلال ترتيبه ، وتداخل تبويبه ، وضعت في ذلك كتابا رفعت فيه من علم التصريف شرائعه ، وملّكته عاصيه وطائعه ، وذلّلته للفهم بحسن التّرتيب ، وكثرة التّهذيب لألفاظه والتّقريب ، حتّى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السّمع. فلمّا أتيت به عليّ القدح ، ممتنعا عن القدح ، مشبها للرّوض في وشي ألوانه ، وتعمّم أفنانه ، وإشراق أنواره ، وابتهاج أنجاده وأغواره ، والعقد في التئام وصوله ، وانتظام فصوله ، سمّيته بـ : «الممتع» ، ليكون اسمه وفق معناه ، ومترجما عن فحواه ، ووسمته باسم من إن ذكرت العلوم فهو مالك عنانها ، وفارس ميدانها ، أو ذكرت السّماحة فهو تاريخها وعنوانها ، وحدقتها وإنسانها ، أو عدّ المجد الموروث والمكتسب فناهيك به شرفا سابقا ، وبأوائله فخرا في فلك المجد سامقا ، الذي بذل جدّه في نصر هذه الدعوة النبويّة ، ولم يأل جهده في عضد هذه الدولة المتوكليّة ، أدام الله للمسلمين بركتها ، فريد دهره ، ووحيد عصره ، أبو بكر بن الشيخ الأكرم ، العالم العلم ، بي الأصبغ بن صاحب الرّدّ ، أدام الله علاءهم ، وأنار بنجوم السعد سماءهم.

١١
١٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المقدمة

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم تسليما

ذكر شرف علم التصريف وبيان مرتبته في علم العربية

التصريف أشرف شطري العربية ، وأغمضهما :

فالذي يبيّن شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية ، من نحويّ ولغويّ ، إليه أيّما حاجة ؛ لأنه ميزان العربيّة ؛ ألا ترى أنه قد يؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس ، ولا يوصل إلى ذلك إلّا من طريق التصريف ، نحو قولهم «كلّ اسم في أوّله ميم زائدة مما يعمل به وينقل فهو مكسور الأوّل ، نحو : مطرقة ومروحة ، إلّا ما استثني من ذلك» ، فهذا لا يعرفه إلّا من يعلم أنّ الميم زائدة ، ولا يعلم ذلك إلّا من جهة التصريف ، ونحو قولهم «إنّ المصدر من الماضي ، إذا كان على وزن «أفعل» ، يكون «مفعلا» بضمّ الميم وفتح العين ، نحو : «أدخلته مدخلا» ، ألا ترى أنك لو أردت المصدر من «أكرمته» ، على هذا الحدّ ، لقلت «مكرما» قياسا ، ولم تحتج فيه إلى السّماع ، إذا علمت أنّ «أكرم» : «أفعل» ، ألا ترى أنّ ذلك كلّه لا يعرف إلّا بالتصريف ، وأشباه ذلك كثير.

وممّا يبيّن شرفه أيضا أنّه لا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلّا به ؛ ألا ترى أنّ جماعة من المتكلّمين امتنعوا من وصف الله سبحانه بـ «حنّان» ؛ لأنه من الحنين ، و «الحنّة» (١) من صفات البشر الخاصّة بهم ، تعالى الله عن ذلك ، وكذلك امتنعوا أيضا من وصفه بـ «سخيّ» ؛ لأنّ أصله من الأرض «السّخاويّة» وهي الرّخوة ، بل وصفوه بـ «جواد» ؛ لأنه أوسع في معنى العطاء ، وأدخل في صفة العلاء ، وامتنعوا أيضا من وصفه بـ «الدّاري» ـ وإن كان من العلم ـ لأنّ أصله من «الدّريّة» ، وهي شيء يضعه الصائد لضرب من الحيلة والخديعة ، فكأنّ ما

__________________

(١) الحنة : رقة القلب. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (حنن).

١٣

يقدّمه الذي يريد أن يتوصّل إلى علم شيء ، من الأدلّة ، بمنزلة الدّريّة التي يتوصّل بها إلى ختل الصيد وخدعه ، فأمّا قول بعضهم :

*لا همّ ، لا أدري ، وأنت الدّاري* (١)

فغير معرّج عليه ، ولا مأخوذ به ، ووجهه أنه أجراه مجرى «عالم» ، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات في حقّ الله تعالى.

والذي يدلّ على غموضه كثرة ما يوجد من السّقطات فيه لجلّة العلماء ؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد ، من أنه قال في «مندوحة» من قولك : «مالي عنه مندوحة» أي متّسع : إنها مشتقّة من «انداح» ، وذلك فاسد لأنّ «انداح» : «انفعل» ونونه زائدة ، و «مندوحة» : «مفعولة» ونونه أصليّة ؛ إذ لو كانت زائدة لكانت «منفعلة» ، وهو بناء لم يثبت في كلامهم ، فهو على هذا ، مشتق من «النّدح» ، وهو جانب الجبل وطرفه ، وهو إلى السّعة.

ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب ، من أنه جعل «أسكفّة الباب» (٢) من «استكفّ» أي : اجتمع ، وذلك فاسد ؛ لأنّ «استكفّ» : «استفعل» وسينه زائدة ، و «أسكفّة» : «أفعلّة» وسينه أصلية ؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه «أسفعلة» ، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.

وكذلك أيضا حكي عنه أنه قال في «تنّور» : إنّ وزنه «تفعول» من النّار. وذلك باطل ؛ إذ لو كان كذلك لكان تنوورا ، والصواب أنه «فعّول» من تركيب تاء ونون وراء ، نحو تنر ، وإن لم ينطق به.

وقد حكي عن غيرهما ، من رؤساء النحويّين واللغويّين ، من السّقطات نحو ممّا ذكرنا ، إلّا أني قصدت إلى الاختصار ، وفي هذا القدر الذي أوردناه كفاية.

وقد كان ينبغي أن يقدّم علم التصريف على غيره ، من علوم العربيّة ، إذ هو معرفة ذوات الكلم ، في أنفسها ، من غير تركيب ، ومعرفة الشيء في نفسه ، قبل أن يتركّب ، ينبغي أن تكون مقدّمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب ، إلّا أنه أخّر ، للطفه ودقّته ، فجعل ما قدّم عليه من ذكر العوامل توطئة له ، حتى لا يصل إليه الطالب ، إلّا وهو قد تدرّب ، وارتاض للقياس.

__________________

(١) الرجز للعجاج في لسان العرب ، لابن منظور مادة (لهم) ، والفرق للعسكري ص ٩٩.

(٢) أسكفة الباب : هي خشبته التي يوطأ عليها. انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة (سكف).

١٤

[تقسيم التصريف]

والتصريف ينقسم قسمين : أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة ، لضروب من المعاني ، نحو : ضرب ، وضرّب ، وتضرّب ، وتضارب ، واضطرب ، فالكلمة التي هي مركّبة من ضاد وراء وباء ، نحو «ضرب» ، قد بنيت منها هذه الأبنية المختلفة ، لمعان مختلفة ، ومن هذا النحو اختلاف صيغة الاسم ، للمعاني التي تعتوره ، من التصغير ، والتكسير ، نحو «زييد» ، و «زيود» ، وهذا النحو من التصريف جرت عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف ، فلذلك لم نضمّنه هذا الكتاب ، إلّا أنّ أكثره مبنيّ على معرفة الزائد من الأصليّ ، فينبغي أن تبيّن حروف الزيادة ، والأشياء التي يتوصّل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها.

والآخر من قسمي التصريف : تغيير الكلمة عن أصلها ، من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى ، طارئ على الكلمة ، نحو تغييرهم «قول» إلى «قال» ألا ترى أنهم لم يفعلوا ذلك ، ليجعلوه دليلا على معنى خلاف المعنى الذي كان يعطيه «قول» ، الذي هو الأصل ، لو استعمل ، وهذا التغيير منحصر في : النقص كـ «عدة» ونحوه ، والقلب كـ «قال» و «باع» ونحوهما ، والإبدال كـ : «اتّعد» و «اتّزن» ونحوهما ، والنقل كنقل عين «شاك» و «لاث» إلى محلّ اللّام ، وكنقل حركة العين إلى الفاء في نحو : «قلت» و «بعت» ، على ما يبيّن بعد.

والفرق بين الإبدال والقلب أنّ القلب تصيير الشيء على نقيض ما كان عليه ، من غير إزالة ولا تنحية ، والبدل وضع الشيء مكان غيره ، على تقدير إزالة الأوّل وتنحيته ، فلذلك جعلنا مثل «قال» و «باع» قلبا ؛ لأنّ حروف العلّة يقارب بعضها بعضا ؛ لأنها من جنس واحد ، فسهل تقدير انقلاب بعضها إلى بعض ؛ وجعلنا مثل «اتّعد» ونحوه إبدالا ، لتباين حروف الصحّة من حروف العلّة ، وكذلك جعلنا قولهم «أمواء» في «أمواه» من قبيل البدل ، لتباين حروف الصّحّة بعضها من بعض. فنقول على هذا في «اتّعد» وأمثاله : إنه كان في الأصل «اوتعد» فحذفت الواو وأبدل منها التاء ، لا إنّ الواو انقلبت تاء ، وأمّا «قام» وأمثاله فيقدّر أنه كان في الأصل «قوم» ، ثم استحالت الواو ألفا ، لا أنها حذفت وجعل مكانها الألف.

وينبغي أن نبيّن في هذا القسم الآخر حروف البدل والقلب ، والأماكن التي تبدل فيها وتقلب ، والحروف التي تحذف ، وأين يجوز نقل الحركة إلى الحرف ، وأين لا يجوز ذلك. فإذا بيّنّا جميع ما ذكرناه ، في هذين القسمين ، فقد أتينا على جملة التصريف.

١٥

باب

تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله

اعلم أنّ التصريف لا يدخل في أربعة أشياء ، وهي : الأسماء الأعجميّة التي عجمتها شخصيّة ، كـ «إسماعيل» ونحوه ؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة ، والأصوات كـ «غاق» ونحوه ؛ لأنها حكاية ما يصوّت به ، وليس لها أصل معلوم ، والحروف ، وما شبّه بها من الأسماء المتوغّلة في البناء ، نحو «من» و «ما» ؛ لأنها ـ لافتقارها ـ بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها ، فكما أنّ جزء الكلمة ، الذي هو حرف الهجاء ، لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته.

وقد جاء بعض الكلمات المبنيّة مشتقّا ، نحو «قطّ» ؛ لأنها من «قططت» أي : قطعت ، لأنّ قولك «ما فعلته قطّ» معناه : فيما انقطع من عمري ، وكذلك «ذا» و «ذي» و «الذي» ونحو ذلك ، مما يدخله التحقير ، ويستعمل استعمال المتصرّف ، وليس ذلك بالكثير ، وكلما كان الاسم من شبه الحرف أقرب كان من التصريف أبعد.

وممّا يدلّك على أنّ الحرف لا يدخله تصريف ، وجود «ما» و «لا» ونحوهما من الحروف ؛ ألا ترى أنّ الألف لا تكون فيهما منقلبة ، كالألف التي في «عصا» و «رحى» ؛ لأنها لو كان أصلها واوا أو ياء لظهرتا لسكونهما ، كما ظهرتا في نحو «كي» و «أي» و «لو» ، فلو كان أصل ألف «ما» واوا لقلت «مو» كـ «لو» ، ولو كان ياء لقلت «مي» كـ «كي» ؛ لأنّ حرف العلّة إنما كان يقلب لو كان متحرّكا ، وقبله مفتوح.

فإن قيل : فهلّا قدّرت الألف في «ما» وأشباهها ، منقلبة من حرف علّة متحرّك؟

فالجواب : أنّ ذلك لا يمكن تقديره ؛ لأنّ «ما» حرف مبنيّ ، والحروف لا تبنى إلّا على السكون ، ولا يحرّك آخرها إلّا عند التقاء الساكنين نحو «ثمّ» ، أو إذا كان على حرف واحد نحو واو العطف وفائه ، وليس شيء من ذلك في «ما» ، ولا يمكن أن تكون الألف في «ما» وأمثالها زائدة ؛ لأنه إنما تعرف الزيادة من غيرها ، بالاشتقاق والتصريف وسائر الأدلّة التي تذكر بعد ، إن شاء الله ، ولا يوجد شيء من ذلك في الحرف.

وما عدا ما ذكر ، من الأسماء العربيّة ، والأفعال ، يدخله التصريف.

١٦

ذكر

القسم الأول من التصريف

١٧
١٨

باب

تبيين الحروف الزوائد

والأدلّة التي يتوصّل بها

إلى معرفة زيادتها من أصالتها

وإنّما بدأنا بهذا القسم ؛ لأنه يبنى عليه معرفة التصغير والتكسير اللذين جرت عادة النحويّين بذكرهما ، قبل الخوض في علم التصريف ـ ومعرفة كثير من الأسماء ، التي لا تنصرف أيضا ، نحو الأسماء التي امتنع صرفها ؛ لكونها على وزن الفعل الغالب أو المختصّ ، أو لزيادة الألف والنون في آخرها ؛ إذ لا يوصل إلى معرفة الزيادة والوزن إلّا من علم التصريف.

أمّا الأدلّة ، التي يعرف بها الزائد من الأصليّ ، فهي الاشتقاق ، والتصريف ، والكثرة واللّزوم ، ولزوم حرف الزيادة البناء ، وكون الزيادة لمعنى ، والنظير ، والخروج عن النظير ، والدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير.

أمّا الاشتقاق منها فينقسم إلى قسمين : اشتقاق أصغر ، واشتقاق أكبر.

فالاشتقاق الأكبر هو عقد تقاليب الكلمة كلّها على معنى واحد ، نحو ما ذهب إليه أبو الفتح بن جنّي من عقد تقاليب «القول» السّتّة على معنى الخفّة ، ولم يقل به أحد من النحويّين إلّا أبا الفتح ، وحكى هو عن أبي عليّ ، أنه كان يأنس به في بعض الأماكن ، والصحيح أنّ هذا النحو ، من الاشتقاق ، غير مأخوذ به ، لعدم اطّراده ، ولما يلحق فيه من التكلّف لمن رامه ، وقد صرّح صاحب هذا المذهب ـ وهو أبو الفتح بن جنّي ـ بعدم اطّراد هذا القسم ، من الاشتقاق ، فقال «على أنّ هذا ، وإن لم يطرّد ، وينقد في كل أصل ، فالعذر فيه على كلّ حال ، أبين منه في الأصل الواحد ، من غير تقليب لشيء من حروفه ، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد ، من أنّ تنظمه قضيّة الاشتقاق ، كان فيما تقلبّت أصوله ـ عينه وفاؤه ولامه ـ أسهل ، والمعذرة فيه أوضح». انتهى.

١٩

بل قد كان أبو بكر وغيره ، ممن هو في طبقته ، قد استسرفوا أبا إسحاق ، رحمه الله ، فيما تجشّمه من قوة حشده ، وضمّه ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله ، وإن كان جميع ذلك راجعا إلى تركيب واحد ، ورأوا أنه لا ينبغي أن يضمّ ، من ذلك ، إلّا ما كان الجمع بينه وبين أصله واضحا جدّا ، فإن لم يكن وجه رجوع اللفظ إلى غيره بيّنا ـ بل التكلّف فيه باد ـ وجب أن يدّعى أنهما أصلان ، وليس أحدهما مأخوذا من الآخر ، نحو الجمع بين «حمار» و «حمرة» ، بأن يدّعى أن أصل هذا الاسم أن يقع على الوحشية منها ، وأكثرها حمر ، ثم شبّهت الأهليّة بها ، فوقع عليها الاسم ، فإذا كان الأمر عندهم على ما ذكرت لك ، مع اتّفاق اللّفظين في تركيب واحد ، فما ظنّك بهما ، إذا تغايرا في التركيب؟

والاشتقاق الأصغر حدّه أكثر النحويّين بأنه «إنشاء فرع من أصل يدلّ عليه» ، نحو «أحمر» فإنه منشأ من «الحمرة» ، وهي أصل له وفيه دلالة عليها ، وهذا الحدّ ليس بعام للاشتقاق الأصغر ؛ لأنه قد يقال «هذا اللّفظ مشتقّ من هذا» من غير أن يكون أحدهما منشأ من الآخر ، وذلك إذا كان تركيب الكلمتين واحدا ، ومعنياهما متقاربين ، وذلك نحو ما ذهب إليه أبو عليّ في «أولق» ، في أحد الوجهين ، من أنه مأخوذ من : ولق يلق ، إذا أسرع ، وذلك لأنّ «الأولق» : الجنون ، وهي مما يوصف بالسرعة ، فلمّا كانت حروف «أولق» ، إذا جعلته «أفعل» ، و «ولق» واحدة ، ومعنياهما متقاربين ؛ لأنّ الجنون ليست السرعة في الحقيقة ، بل يقرب معناها من معنى السرعة ، جعل «الأولق» مشتقا من «ولق» ، لا بمعنى أنّ «الأولق» مأخوذ من «ولق» ، بل يريد أنّ «الأولق» حروفه الأصول الواو واللّام والقاف ، كما أنّ «ولق» كذلك ، ويستدلّ على ذلك بأنّ العرب جعلت هذه الأحرف دالّة على السرعة ، و «الأولق» قريب في المعنى من السرعة ، فحروفه الأصول الواو واللّام والقاف ، وهمزته زائدة ، فيجعل سبب اتفاق «الأولق» و «ولق» في اللفظ تقاربهما في المعنى ؛ لأنّ هذا الاتفاق بين اللفظين وقع بالعرض ، كاتّفاق «الأسود» و «الأبيض» في لفظ «الجون» ، إذ لا جامع ، من طريق المعنى ، بين «الجون» الذي يراد به الأبيض و «الجون» الذي يراد به الأسود.

فإن قيل : فكيف يجوز أن تقول «هذا اللفظ مشتقّ من هذا اللفظ» ، وأحدهما ليس بمأخوذ من الآخر ، وقولك «مشتق» يعطي أخذ أحدهما من صاحبه؟

فالجواب : أنّ هذا على طريق المجاز ، كأنهما ـ لاتّحاد لفظيهما وتقارب معنيهما ـ قد أخذ أحدهما من الآخر ، كما تقول في الشّخصين المتشابهين : هذا أخو هذا ، تشبيها لهما بالأخوين.

٢٠