🚘

مقتل الحسين عليه السلام

السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم

مقتل الحسين عليه السلام

المؤلف:

السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مؤسسة البعثة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٠٧
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب «مقتل الحسين» للعلامة الحجة السيد عبدالرزاق المقرّم رحمه الله أول كتاب نقدمه الى القارئ الكريم من سلسلة كتب سننشرها باذن الله تعالى عن تاريخ الشهادة الشهداء.

ولابدّ أن نقف ـ ولو قليلا ـ في مقدمة هذه السلسلة عدة أمور:

١ ـ الشهادة في التاريخ الاسلامي

٢ ـ دور الحسين بن علي عليه السلام في تصحيح مسار التاريخ

٣ ـ قضية الحسين في تاريخنا المعاصر

٤ ـ الكتاب الحاضر ومؤلفه

الحركة الجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات تتكيف وفق طبيعة ذلك المجتمع. وكل المجتمعات لها حركة ومسار، غير أن الحركة في بعضها بطيئة لا تكاد تكون محسوسة ، ولذلك لا تستحق الدراسة والتحقيق، مثل المجتمعات الدائية والمتوحشة. وبعضها تتميز بحركة سريعة متدفقة يصعب على الباحث أن يتابع مسيرتها.

ولامجتمعات المتحركة بشكل عام تنقسم على قسمين: المجتمعات المتحركة على طريق إشباع نزعات الانسان العادية لاغير ... والمجتمعات المتحكة على طريق تحقيق المُثُل والغايات والاهداف الانسانية النبيلة السامية.

المجتمعات المتحركة على طريق مادّي تتحكم فيها القوة المادية لاغير ... فالمجموعة المتمتعة بقوّة المحرومة من هذه القوّة تستسلم بشكل طبيعي للاقويأ. واذا

٣

أوتي هؤلاء الضعفاء نصيبا من القوة ، فانهم يقفون بوجه الاقوياء للمطالبة بحقوقهم المادية، فاما أن يبادوا بيد القوياء أو يعودوا الى السكوت والرضوخ بعد أن يغدق الاقوياء عليهم بعض العطايا ويمنحونهم بعض الامتيازات، أو تسنح الفرضة لان ينقضّ الضعفاء على الاقوياء ويستلموا منهم السلطة، وسصبحوا هم المتحكون، وتعود معادلة القوة المادية تفرض نفسها بشكل جديد على المجتمع.

وهذا مانشاهده بوضوح في حركة البلدان الاوربية المعاصرة اليوم.

أما المجتمعات المتحركة على طريق المثل الانسانية الالهية فلهاشأن آخر. قدينشب في مثل هذه المجتمعات أيضا صراع مادّي، لكنه صراع جانبي يدور على هامش الصراع الاساسي في هذا المجتمع. المحور الاساس للصراع في هذا المجتمع يتمثل في صراع الحق مع الباطل؛ أي صراع بين نوعين من القيم، ونوعين من التفكير ونوعين من الاتجاهات.

على مسرح هذا الصراع تقف فئتان: اِحداهما راسفة ي أغلال البهيمية ومزّودة بكل ألوان الحيل والمكر والخديعة ومعتمدة على قوة المال والسلاح. والاخرى متحررة من أغلال الطين والحمأ المسنون ومتسامية في أهدافها وتطعاتها وغاياتها، وملتزمة بالسير على طريق التكامل الانساني وتحرير الانسان من قيود العبودية لغيرالله ومن الرضوخ الى الظلم والاستبداد.

هذه الفئه الاخيرة تواجه مشكلين: الاولى ـ مشكلة الظالمين المستبدين المسيطرين على مقدرات الامة. والمشكلة الثانية : الجماهير الخاضعة المستكينة أمام الطغاة. والمشكلة الثانية أصعب وأمرو أشق؛ لان الاولى يحلّها حدّ السيف. والثانية تتطلب بعث الحياة في الارواح الميتة الهامدة الجامدة وبث الهمم في النفوس المرتخية الشلوة. وهذا مالايتم بالوعظ والارشاد وحده، بل لابدّ أن تقدّم الفئة «الانساينية» دمها على طريق مقارعة الباطل لتكون قدوة للآخرين ولتبعث هزّة في مجتمع، ولتزرق في شرايين الامة دماً جديداً ساخنا متدفقا.

٤

من هنا کانت الشهادة جزء لايتجزأ من خصائص حركة الامة المسلمة المتجهة نحو الله ... ومن هنا أيضا كان مفهوم الشهادة غامضا مدهشا للمجتمعات الاوربية الغارقة في صراع مادي مصلحي محموم.

دماء دماء الشهداء هي قوام حركة المجتمع الاسلامي وهي الطاقة المحركة لمسيرة التاريخ الاسلامي.

قُدّر لاهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكونوا في طليعة قوافل الشهداء التي صانت بدمها حركة المجتمع الاسلامي والمفاهيم الاسلامية الصحيحة.

وثورة الحسين تحتل مكانة الذرورة بين قوافل الشهداء، لانها رأس الحرية، ولانها حفلت بألوان التضحيات الجسيمة والمواقف البطولية مما جعلها تدخل في ضمير الامة، وتمدّ الجبال التالية بالعزم والقوّة وإبا الصيم. فهي أولا:

كسرت الاطار الديني المزّيف الذي أحاط الامويون به أنفسهم باعتبارهم خلفاء لرسول الله وفتحت الطريق أمام الثورة على كل ظالم ومنحرف مهما تشدّق كذبا بتمسكه بالاسلام.

وثانيا: أمدت الامة بالمعنوية اللازمة، ونبهتها على الحضيض الذي هوت اليه برضوخها واتكانتها وذلها.

وثالثا: خلقت مناقبية الثورة على الظلم في المجتمع الاسلامي مما ادّي الى نشوب ثورات عديدة على الظالمين مثل ثورة التوابين وثورة المدينة وثورة المختار الثقفي وثورة مطرف بن المغيرة وثورة ابن الاشعث وثورة زيد بن علي بن الحسين وثورة أبي السرايا ...

لولم تكن ثورة الحسين لتحوّل المجتمع الاسلامي الى مجتمع خاضع «بقناعة» الى منئق القوّة. ولمعدمت الساحة السلامية تلك المثل والقيم اللازمة لحركة التاريخ الاسلامي.

ثورة الحسين ظلمها معظم المؤرخين كما ظلموا كل الحركات الثورية ؛ لان كتاب التاريخ الاسلامي حرصوا غالبا على كسب

٥

رضا السلطان. من هنا فهم أكثروا من وصف غزو السلطان ولهوه ومرحه وقصوره وخدمه وحشمه، غاضين انظارهم عما تعانيه الشعوب من آلام ، ومايبرز فيها من ثورات ومواقف بطولية.

الطغاة والمتسلطون وهكذا الاذلاء الخانعون يمقتون الحديث عن الثورة والثوار؛ لانه ينبّه النفوس ويز يل الغفلة ويبعث الهمّة ، ولذلك بقي ذكر الحسين في التاريخ محدوداً في الفئة الموالية لمدرسة أهل بيت رسول الله.

واليقظة المعاصرة في عالمنا الاسلامي بحاجة الى عودة الى تاريخنا الثوري، والا تزيغ وتنحرف وتتحوّل الى سبات عميق. والتاريخ الثوري بحاجة الى تحقيق ودراسة ونشر، كي ننفض عنه غبار السنين المتطاولة، ونكسر الاطار الذي فرضه الظالمون عليه.

في تاريخ ايران المعاصر، نهضت ثورة الحسين بدورهام على ساحة الاحداث. كان ذكر الحسين عاملا هاما على صيانة الروح الاسلامية الملتهبة المتوهجة في النفوس. ولذلك عمد الطغاة الحاكمون الى محاولة تحويل هذا «الذكر» الى تقليد خالّ من الروح والحركة؛ بل إنهم لم يتحملوا أحيانا حتى هذه التقاليد فحاربوها كما فعل رضا خان (والد الشاه الا خير المقبور). لكن القيادة الواعية المتمثلّة في علماء الدين في إيران حاربت كل هذه المحاولات ، وسعت الى عرض ثورة الحسين على الجماهير بكل مافيها من بطولات وتضحيات، وبكل ما تفرضه من مسؤوليات على جيلنا المعاصر.

ولا عجب _ إذن _ أن تسمى الثورة الاسلامية في إيران بأنها ثورة حسينية، لانها نمت في مجالس ذكر الحسين ، وتغذت بالطاقات والمعنويات التي بثتهادماء الحسين ، وقادها علوي ثائر من أولاد الحسين.

هذه الثورة اعتبارها مرحلة حاسمة هامة من تاريخ الاسلام الثوري قادرة على أن تصورن مسيرة كل الثائرين المسلمين، وتغذيهم بالعزم والارادة واليقين والاستمرار.

فما أجدر بأمّنا الناهضة أن تحيي يوم عاشوراء (يوم العاشر من محرم) وتسمّيه «يوم الشهيد» اكراما لدور الشهيد في التاريخ

٦

الاسلامي واستشعاراً الضرورة مواصلة طريق الشهداء الثائرين.

كثيرة هي الكتب التي تناولت قصة «مقتل الحسين» ، وقليل من هذه الكتب جمع بين الجانب القصصي والتحليل لواقعة كربلاء. هذا الكتاب الذي بين يدي القارى الكريم جمع بين الجانبين، في أسلوب يمزج الفكر والعاطفة.

مؤلفه العلامة السيد عبدالرزاق المقرم، ولد سنة ١٣١٦ هجرية في مدينة النجف الاشرف بالعراق وتوفي فيها سنة ١٣٩١ هجرية، قضى حياته العلمية في هذه المدينة المقدسة وألف أغلب كتبه في تاريخ الشهداء العلويين وأئمة آل البيت عليهم السلام، وبلغ ما كتبه اثنين وأربعين كتاباً ورسالة.

ويرى القاري في هذا الكتاب جمعا واسعاً لما روي ي ذكر الحسين من أمهات المصادر، كما تناول بالنقد بعض الروايات غير الصحيحة في هذا المجال، وضمّن الكتاب بعض الآراء والمعتقدات التي لا يمكن أن تكون جميعا بالضرورة من المعتقدات الشيعية الثابتة. وضمّن كذبك نثر كتابه أبيات من الشعر قيلت في المناسبة ، كي يمزج بين النثر الذي يحاكي العقل والشعر الذي يناغي المعاطفة.

نأمل أن نقدم للقارئ بعد هذا الكتاب سائر ما كتب المرحوم المقرّم ي ذكر شهداء الرسالة الاسلامية، آملين أن نقطع بذلك خطوة على طريق إحياء تاريخنا الثوري الاسلامي المحرّك. ومن الله التوفيق.

قسم الدراسات السلامية

٧
٨

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلّف

بقلم السيّد محمّد حسين المقرَّم

مدرّس في ثانوية الكندي

١ ـ تمهيد

أ ـ نافح أئمّة الهدى عن شريعة سيّد المرسلين ، فأقاموا معالم الدِّين وأوضحوا السنن ونشروا ألوية الحق ، وهم يلقون التعاليم كلّما وأتتهم الفرصة وسنحت لهم السانحة. وقد كابدوا في سبيل ذلك شتّى البلايا والمحن ، وصابروا كلّما اعتكر الجو في وجوههم ، ونفّس عليهم أعداؤهم وحقد عليهم الشانئون والمبغضون ؛ فقسمٌ قُطِّعت أمعاؤهم وفُتِّت أكبادهم ، وآخرون سيوفٌ وزَّعت أوصالهم ، وسجون دامسة اُلقوا في غياهبها ، ولكن أنوار الحقِّ كانت كاشفةً لظلماء الضلال ، وصدق الحقيقة مزهق للباطل الزائف ، وقد أنمحت قرون وأتت أجيالٌ ، وعلماءُ شريعةِ بيت العصمة يحوطونها ، ويتكفلون مدارستها واستجلاء غوامضها واستكناه لبابها. وقد حظيت علوم آل البيت (عليهم السّلام) بكثير من العناية ، وحفلت بكثير من الإهتمام ، فزخرت اُمهات المدن الإسلامية بجهابذة أفذاذ ، وعلماء أساطين ؛ قعَّدوا القواعد وفرّعوا الفروع ، وجالت أقلامهم في كلِّ ميدان ، وصالت مزابرهم في كل رحب من رحاب العلم ، وركضت أفراسهم في كل مضمار من مضامير المعارف والعلوم.

ب ـ وأجدني لست بصدد الحديث عن هذه العلوم التي ألّفوا فيها ، والفنون التي صنّفوا في مسائلها او أوقفوا أنفسهم وحياتهم في صيانة نفائسها ؛ فإنّ مكتبات العالم الغربي ـ في كبريات مُدنه ـ تزخر باعداد هائلة من تلك المؤلفات الجليلة ، وتزدحمت صالات معاهدها باُلوف المؤلفات ممّا حررته أقلام اولئك الاساطين ؛ ناهيك بما تضمّه المدن الإسلامية في الشرق من هذه المؤلفات الجليلة ، والمصنّفات العتيدة. وجاءت دُور النّشر والمعاهد العلميّة

٩

في الجامعات والمجامع العلميّة ، فشمّرت عن ساعد الجدِّ ، وأخذت في تحقيق المؤلّفات واستخرجتها من كنوزها ؛ فأخذت بالشرح والتحقيق والإبانة والمقارنة والفحص ، وغاصت أقلام المحققين في الأغوار فاستخرجت الدُّرر النّفائس. وقد اهتبلت الفرصة كلُّ مؤسسة ناشرة محبّة في العلم أو راغبة في الثراء ؛ حيث النّفوس فيها طموح للعلم وعشق للارتشاف من معين المعارف ونميرها الصافي. والنّجف الأشرف ـ سيّدة المدن الإسلاميّة في البحث والنظر والتدريس والتأليف منذ أنْ أسّسها الشيخ الطوسي (رض) في القرن الخامس الهجري ـ تعجُّ منتدياتها بعلماء أماثل سطعوا كواكباً في دياجير الظلم ، وشموساً باهرة في الأزمنة التي أعقبت عصور أئمّتنا (عليهم السّلام) ، ولمْ ينكصوا عن مواصلة المسيرة ، ولمْ يلقوا الأقلام التي جردوها لأزاحة الشبهات ، ولا تخلّوا عن المنابر ؛ فالمساجد الشريفة تعجُّ بوجوه نيِّرة من المشايخ ، وتحفل بعقول لمّاحةِ الخواطر ، وأذهانٍ وقّادة الإشعاع ، وقرائحٍ عذبة الموارد ؛ ولذا نجد النجف لمْ تبرحها الزعامة والرئاسة ، فهي مَوئل أهل العلم والشادّين به ومباءة أهل الفضل. أتظنّ أنّ رئاسة التدريس ومكانتها في الفُتيا تفارقها وتبارحها ، واشعاعاتُ سيّد العارفين وإمام المتّقين أميرِ المؤمنين (عليه السّلام) تغمر الكون الإسلامي؟ والقبسات من حِكَمه وأحكامه تعمر القلوب وتغمرها ، وتملأ الأفئدة وتفعمها ، كلّ ذلك من أنفاس سيّد الحكماء (عليه السّلام)؟.

ج ـ وفي بحر هذه الأمواج من الفيوضات العلمية الزاخرة نشأ وعاش سيّدنا (المترجَم له) ، فحزَّ في نفسه أن يجد أخبار أهل البيت (عليهم السّلام) مطموسةَ المعالم في كثير من الجوانب ، وآلمه ان لا تعنى الأقلام باستجلاء حياتهم واستبطان مكنونات مآثرهم وفواضلهم. ألا تكفي المكتبة الإسلامية هذه الاُلوف المؤلفة والمجاميع المصنَّفة في الفقه والاُصول ، ويبقى نضال سادات الورى مطموساً ، يغلب عليه التضليل والتمويه والتحريف من الأقلام المعادية التي انصرفت في العهود التي ما هادنتهم ولا ركنت إلى موادعتهم ؛ فشنّت عليهم حروباً شنيعة فظيعة من البهتان والإفك في تزوير الحقائق!؟ وكيف لا تكون كذلك والسلطة غاشمة ، وولاة الاُمور في أزمانهم ينفسون عليهم ويكيدون لهم ؛ فجاءت الأراجيف والأباطيل ، وانتشر المتملقون للحكّام القائمين آنذاك بالاُمور.

١٠

وسيّدنا (المترجَم له) بخبرته الواسعة بهؤلاء الرواة الكاذبين ، وأسماء الشخصيّات المفتعلة ، وجد من حق الأئمّة (عليهم السّلام) عليه أن يصرف جهده ، ويبذل نشاطه في أن يحقق ويدرس تعاليمهم التي انهيت إلينا ، وأن يجيل النظر في كثير من الاخبار المرتبكة المروية عنهم ، وبيان سبب ذلك الارتباك في الاخبار ومؤدّى مضامينها ، كلُ ذلك بالمقارنة والاستنباط والنفاذ إلى دقائق الاحكام.

لكنه وجد التأليف أحقّ بأن يقصر في بيان احوالهم وتراجمهم. أليس ظلماً لهم منا ونحن نملك القلم ولدينا المعرفة وتتوفر بين ايدينا كلّ أسباب البحث والدراسة ؛ أن نتقاعس عن ذلك ولا نكشف ما ران على أخبارهم من شبهات؟ واذا كان الاُمويون والزبيريون والعباسيون شنّوا عليهم حروباً شعواء في إخفات اشعاعاتهم ، وطمس معالمهم ، واستخدموا مَن يواليهم ويناصرهم ، أفلا يتوجب علينا أن نوجّه الهمم ، والنشاط لمواصلة الأشواط التي ساروا عليها؟ وبالأحرى أن نؤلف في حقّهم ، فنناصرهم ونعضدهم في نضالهم وكفاحهم ، وبيان حقائقهم الناصعة التي رانت عليها ترهات الاباطيل. ألمْ يكتفِ علماؤنا من الخوض في مسائل فقهيّة واُصولية ، وكلاميّة وفلسفيّة أمضينا عليها قروناً وقروناً ، فلمْ يبقَ مجال لقائل أو بيان لمجادل ومناظر؟ إنّ حقَّهم علينا أنْ نكتب فيهم ، وندرس نهضاتهم ، ونستجلي غوامض أقوالهم ، وندفع ما اُلصق بهم وبطرائقهم من الريب. وكان ـ رحمه الله ـ يجد من العبث أن يبذل المؤلّف جهده ، ويفني نفسه في فروع من اُمور العلم الحديث أو القديم ، ولا يخصّص شيئاً من هذا الجهد وذلك الإضناء في دراسة شخصيّاتهم ، وشخصيّات ذراريهم والمشايعين لهم الذين ركبوا أعواد المشانق ، واُلقي بهم في السجون وشُرّدوا في الآفاق ، فلاقوا الحتوف ثابتين على المبدء السامي ودينهم الحنيف. هذا ماحرّره في مقدّمة شرحه لقصيدة الشيخ حسن ابن الشيخ كاظم سبتي رحمه الله ، المسمّاة (الكلم الطيّب) (١) ، وهو أول ما بدأ في كتابته ، قال : لذلك كان الواجب بعد الاُصول الاعتقاديّة ، النظر في فضائلهم ومناقبهم وأحوالهم ؛ قياماً بواجب حقّهم من جهة ، ولنقتدي ونتبع أقوالهم من جهة اُخرى ... الخ.

__________________

(١) مخطوط : ديباجة الشرح.

١١

٢ ـ نسبه

عبد الرزاق بن محمّد بن عبّاس ابن العالم حسن ابن العالم قاسم بن حسون بن سعيد بن حسن بن كمال الدين بن حسن بن سعيد بن ثابت بن يحيى بن دويس بن عاصم بن حسن بن محمّد بن علي بن سالم بن علي بن صبرة بن موسى بن علي بن جعفر ابن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (عليه السّلام). وأمّا لقبه (المقرَّم) ، وهو لقب العائلة ، فكان سببه أن أحد أجداده كان عليلاً في رجليه من مرض أجهده وانحله ؛ فأقعده في البيت. على أن اللقب الذي كان يغلب على العائلة قبل هذا هو (السعيدي) ؛ نسبة إلى جده سعيد بن ثابت.

٣ ـ ولادته ونشأته (١٣١٦ ـ ١٣٩١ هـ : ١٨٩٤ ـ ١٩٧١ م)

ولد ـ رحمه الله ـ في النجف الأشرف من والدين شريفين عام (١٣١٦) للهجرة النبوية ، الموافق لعام (١٨٩٤) الميلادي كما استعلم منه العلامة الشيخ علي أصغر أحمدي ، وكما ذكرته مقالة الصحفي الايراني مدير مجلة خود (عماد زادة) المنشورة في جريدة (نداي حق) في طهران بتاريخ ٢٩ / رمضان ١٣٧٠ هـ.

كان أبوه السيّد محمّد ابن السيّد عبّاس ، كثير الاعتكاف بالجامع الاعظم في الكوفة ، وكثير الاقامة فيها. ولكن جده لأمه السيّد حسين العالم ، أخذه بمزيد من الرعاية والتنشئة الدينية ، على غرار ما ينشأ عليه أبناء أهل العلم والفضل من دراسة العربية بادواتها ، والفقه بفروعه ، والعقائد بمسائله. وكانت وفاة جده هذا في سنة (١٣٣٤) هـ قد آلمته كثيراً وحملته جهداً ونصباً في العيش والحياة ، فتحمل الشظف وكابد قساوة الاحوال ، ولكن هذه لم تصرفه عن طلب العلم وحضور البحث لدى اساتذته. وكان يذكر والده السيّد محمّد المتوفى عام (١٣٥١) بكثير من الخير. ووالدته العلوية كانت صالحة وقارئة للقرآن ، وكان باراً بها ، وقد وافاها الاجل عام (١٣٧٠) هـ.

كان عمّه السيّد مهدي ابن السيّد عبّاس كثير التجوال بين المدن ، وكثير الإختلاف إلى الأرحام المنبثين في النعمانية والديوانية والهندية وأماكن اُخرى. وكان هذا العمُّ ـ رحمه الله ـ مناوئاً وشديداً على العثمانين ، وكثير التقريع لهم ؛ لما ينزلون بالناس من الأذى والجور ، حتّى ظفروا به في الكوت وأعدموه شنقاً بدخوله إليها عام (١٣٣٤) هـ.

١٢

وأمّا جدّ عائلة آل المقرّم ، فهو السيّد قاسم ، وقد نزح من أراضي (الحسكة) ، حيث كانت له أراضٍ يباشرها ، وجاء إلى النجف الأشرف لجوار سيّد الوصيين (عليه السّلام) ؛ ولأن بعض أفراد العائلة كان يقيم في النجف. كذا سجل (المُترجَم له) في بعض أوراقه.

كان نزوحه في القرن الثاني الهجري ، ومنذ حلَّ في دارهم الحالية جدَّ في طلب العلم حتّى صار علماً من الأعلام ، وكان مرموقاً لدى علمائها وأفاضلها ، وكانت داره مرتاداً لذوي الفضل ، وكثيراً ما كان يقيم الحفلات لأهل البيت (عليهم السّلام) ويعقد المجالس لذكراهم. كان نسابة ومن أئمة الجماعة وله مؤلفات ، منها : حاشية على كتاب (الانساب) لأبي الحسن الفتوني العاملي المتوفى سنة (١١٣٨) هـ ، وحاشيته هذه غير متصلة في ذكر الآباء والأجداد او ذكر الفروع بالاحرى ، وحاشية اُخرى على كتاب (عمدة الطالب) لابن عنبه الداوري الحسيني المتوفى سنة (٨٢٨) هـ. ومترجمنا رحمه الله لم يشتغل في قضايا الأنساب المتأخرة ، وقد كان يتحرج من الخوض في شؤونها ، على أنه ملم واسع المعرفة بأخبار الرجال والرواة وبمن يتفرع من الاصائل ، ولذلك لا يعسر عليه فهم قيمة الحديث والخبر ، او الرواية من معرفة الاسم المكذوب ، او بالأحرى المفتعل ، او الاخلاق التي كان يتسم بها الرجل او يشتهر بها.

ولا يعزب عن البال أنّ جدّه لأمه السيّد حسين المتوفى في أواخر عام (١٣٣٤) هـ ، كان هو الآخر إمام الجماعة ومن المشتغلين بالتدريس ، وكان خاله السيّد أحمد ابن السيّد حسين المتوفى أيضاً سنة (١٣٣٤) هـ من أهل الفضل والعلم ، وقد أنجب أولاداً أربعة ، عرف منهم : السيّد ابراهيم ابن السيّد أحمد المتوفى سنة (١٣٥٨) هـ عالم فاضل ، وكان ذا نظر وفقه واسع ، وحضر عنده كثير ممّن صاروا في منازل علمية جليلة ، وقد درس ردحاً من الزمن في مدرسة الإمام الشيح محمّد حسين آل شيخ علي كاشف الغطاء رحمه الله.

٤ ـ مشايخه

١ ـ جدّه العالم الورع التقي السيّد حسين ، المتوفى عام (١٣٣٤) هـ ، وقد عني بتنشئته وتربيته وتعلمه.

١٣

٢ ـ العلامة الحجة الشيخ محمّد رضا آل شيخ هادي آل كاشف الغطاء ، المتوفى عام (١٣٦٦) هـ ، وقد قرأ عليه الأصول.

٣ ـ العلامة الحجة الفقيه الشيخ حسين الحلي النجفي مُدّ ظله ، وقد قرأ عليه السطوح فقهاً واُصولاً.

٤ ـ المرجع الأعلى المغفور له السيّد محسن الحكيم ، المتوفى عام (١٣٩٠) هـ ، وقد حضر عليه خارج الفقه.

٥ ـ الحجة المجتهد الشيخ آغا ضياء العراقي ، المتوفى عام (١٣٦١) هـ ، وقد حضر عليه خارج الأصول.

٦ ـ الزعيم الديني المرجع في الفتوى السيّد أبو الحسن الأصفهاني النجفي المتوفى عام (١٣٦٥) هـ ، وقد حضر عليه خارج الفقه وكتب تقريراته.

٧ ـ الحجة المرجع في الفتوى الميرز محمّد حسين النائيني النجفي المتوفى (١٣٥٥) هـ ، وقد حضر عليه خارج الفقه والأصول ، وكتب تقريراته.

٨ ـ آية الله المدرّس الأكبر المرجع السيّد أبو القاسم الخوئي النجفي مُدّ ظله ، وقد حضر عليه الفقه والأصول.

٩ ـ (أ) أمّا المجاهد الكبير الشيخ محمّد جواد البلاغي ، المتوفى سنة (١٣٥٢) هـ ، فكانت في نفسه له مكانة أثيرة ، وكان كثير التحدث عن منزلته ؛ ولتشابه الرجلين في اُسلوب العمل والنضال عن شريعة المصطفى (ص) مما قوّى العلاقة بينهما. وقد ساهم المغفور له مع الحجّة البلاغي في نشر (الرحلة المدرسية) ، وكذلك كتابه (الهدى إلى دين المصطفى) ، وكانت شخصية المرحوم البلاغي تملأ نفسه إعجاباً وإكباراً في كثير من المواقف التي يبدو فيها الولاء لآل البيت (عليهم السّلام) خالصاً صريحاً. كما تلاحظ ذلك فيما سجَّله على قصيدة البلاغي المثبتة في باب المراثي ، وعلى كثير من الكتب التي اشتراها منه ، مثل : تصحيح المترجَم له نسخةَ له من كتاب الرحلة المدرسية ، وشراؤه مسند أحمد ، حيث فهرسه وعليه عبارة تنم عن تقديره لشخصيته.

(ب) أمّا المرحوم الحُجّة ، المرجع في الفتوى الشيخ محمّد حسين الأصفهاني النجفي ، المتوفى سنة (١٣٦١) هـ ، فقد كانت له صحبة جليلة ، وقد استفاد من دروسه

١٤

في الفلسفة والكلام. وبرغبة من السيّد المقرَّم كتب المرحوم الشيخ الأصفهاني اُرجوزته الكبرى في المعصومين (عليهم السّلام) ، المسمّاة (الأنوار القدسية). ومع أن الناظم اُستاذ في الفلسفة ، وملأ جوانب هذه الاُرجوزة بالمصطلحات العقلية الفلسفية ؛ فقد جاءت سلسة في تراكيبها ، واضحة في أفكارها ومعانيها ، عذبة في جرسها ، ونحن ندري أن الفلسفة بمصطلحاتها ترهق النظم ، وتثقل كاهل الشعر فلا تدعه شعراً. ولم يفتأ المغفور له يكثر من قراءة المناسب من هذه الاُرجوزة في عديد من المجالس التي يقيمها في ذكرى المعصومين (عليهم السّلام) ، وكتاب (مقتل الحسين) هذا لم يغفل الاُرجوزة من الإلماع إلى بعضها ، وفي باب المراثي تجد فصلاً من هذه الاُرجوزة مثبتاً في الحسين (عليه السّلام).

(ج) وأمّا الحُجّة الشيخ عبد الرسول بن الشيخ شريف الجواهري ، المتوفى سنة (١٣٨٩) هـ نوّر الله ضريحه ، فقد كان مثال الورع والعفة وفي أعلى درجات طهارة النفس والتّقى ، وقد لازمه المترجَم له. والشيخ ممّن يُعرف بالاجتهاد والمنزلة العالية في العلم ، وسيدنا المقرَّم ذو صلة وثيقة به ، خصوصاً عند المذاكرة في اُمهات المسائل ودقائق المباحث ، وقد سألت صديقي الفاضل الاستاذ الحاج يحيى الجواهري ، وكان يحضر مجلسهما ، عن طبيعة المباحث التي تدور بين الشيخ والسيّد ، أجاب : إنّ المرحوم المقرَّم كان يورد إيرادات فيما يسمّى (اشتباهات) على الشيخ الكبير صاحب الجواهر في كتابه (الجواهر) ، وكان الفقية الشيخ عبد الرسول يقرّه على تلك ، ويوقفه على الملاحظات التي يبديها في بعض مسائل (الجواهر).

٥ ـ مكانته العلمية

هذا الموضوع لا أجده يسمح لي في الحديث عن مكانة السيّد العلمية وهو والدي ، ولكن هذه المكانة اذا أراد أن يستشفها القارئ الكريم ، فيكفيه ما اُدرج في قائمة المؤلفات التي حررها قلمه ؛ فالخطّية منها والمطبوعة ما فيه غُنية للباحث ونجعةٌ للمرتاد ، ناهيك عن تلك (الأجازات) العلمية التي منحها له أكابر العلماء وهي محفوظة إلى جنب مخطوطاته ، لكن السيّد لم يكن يتبجح بها ، ولا ادري ما اثرُها في نفسه!. أمّا المقدّمات التي كتبها لكثير من

١٥

المؤلفات التي أخرجتها المطابع ، ثمّ تلك البحوث والتعليقات في كتاب (الدراسات) للسيّد علي الشاهرودي رحمه الله ، وهي تقريرات سيدنا الخوئي ، وكذلك كتابه الآخر (المحاضرات في الفقه الجعفري) ، فهي تنم عن العقلية التي يتمتع بها (المترجَم له) والذهنية التي توفرت له ، ثمّ الصبر الطويل في تقليب الصفحات للمَراجع والمصادر العديدة. ويغلب على ظنّي أنه أعان كثيراً من الباحثين المحدَثين في النجف ، المعاصرين الذين أخرجوا شهيرات الكتب ، وربما قدّم لهم فصولاً تامة للكتب التي نشروها ، كل ذلك خدمة للعلم وأهل العلم. واليك ما كتبه الشيخ محمّد هادي الأميني نجل المرحوم الحُجّة الأميني (١) : لقد كان الحُجّة السيّد المقرّم بحراً متدفقاً لا في الفقه واصوله ، وإنما تجده يخوض في الحديث والأدب والفلسفة والدراية والحكمة الالهية ، كعبة القاصد وملاذ المحتاج ، واسعَ الثقافة وافر العلوم ، صريحاً في جميع أقواله وأعماله. إنّ كتاباً واحداً من كتبه يكفي أن يعطيك فكرة واضحة عن ثقافته الحيّة التي تتجلى فيها نفحات العبقرية ، وهو مع هذا العلم الغزير ، والبحث الجمِّ لا يزدهيه الفخر ولا يداخله الغرور ؛ لذلك كنت تجده دائماً موطِّئَ الجانب ، يلقي إليك بما عنده وكأنه يأخذ منك ....

٦ ـ اسلوبه

إنّ أساليب الباحثين تعتمد على الوضوح والإبانة ، وإقامة الدليل وسطوع الحجة ، وإذا استقرأنا مؤلفات المغفور له ، فبماذا يظهر اُسلوبه الكتابي؟

في أكبر الظن أنك إذا تفحصت كتبه في مواضيعها المختلفة ، والتعليقات التي حررها للآخرين ، أو التي كتبها مقدماتٍ لكتب علماء أجلاء ، فلا شك أنك ستجد سِمة الوضوح وطابع الإشراق هي الأساس في التراكيب. ولا يبعد عن البال أن البحث الذي تتميز به كتبه ، هي دراسة وفحص ومقارنة ، وهذا يستدعي منه قراءة النصوص بوجوهها المختلفة ، مع نقد للقائلين والرواة وعرض لشخصياتهم. وبعد هذا كلِّه ، إمّا أن يستقيم النص أو يتهاوى ؛ وعلى هذا صدر كتابه (تنزيه المختار الثقفي) ، وكتابه الجليل (السيّدة سكينة) ،

__________________

(١) مجلّة العدل النجفيّة ـ العدد ١٧ في ١٤ شعبان ١٣٩١ هـ الموافق ٥ ص ١٠ ص ١٩٧١.

١٦

وكتابه المخطوط (نقد التاريخ في مسائل ست). واُسلوب الكتابة في عصره كان يعتمد السجع ، والاحتفال بالزخرفة اللفظية ، وشحن التراكيب بما يثقل كاهل العبارة من رموز وإشارات وأَشياء اُخرى يجفوها البيان العربي الحديث. هذه أشياء خلا منها اُسلوبه ، واعتمد على (الإستنباط) والفهم الجيد ؛ لذلك قامت مؤلفاته على الأصالة في الفكرة ، والاسترسال في سرد الحقائق وعرض المعاني ، وتراه يستدرجك إلى الرضا بالمسألة الخطيرة التي يثيرها ، وقد حفل هذا الكتاب (مقتل الحسين) بمثل هذه الامور. (والسيّد) حين يستمر في البحث والدراسة والفحص والمقارنة ، يقول : وعلى هذا نستفيد فقهاً أن ... الخ.

٧ ـ أول مؤلّفاته

إنّ شدّة حبّه لآل البيت (عليهم السّلام) تدفعه حين يقرأ الكتاب ، أنْ يلتقط منه تلك الأخبار والأحاديث التي تشير إلى شيء من اُمورهم ، أو شيء من اُمور مَن يناوئهم ، ثمّ هو يجمع هذه الشذرات في (رسالة) نقدر أن نقول عنها غير متكاملة ، وهي في عرف الباحثين (مادّة البحث الأولى). وكثيراً ما كان يهب هذه التي يجمعها إلى كلِّ مَن يُعنى ببحث ينفعه ، هذا الذي هيّأه لنفسه. وصل إلى علمه أن الخطيب الشاعر ، المرحوم الشيخ حسن سبتي قد نظم قصيدة مطولة بائية في أحوال المعصومين (عليهم السّلام) ، سمّاها (الكلم الطيب) ، أو (أنفع الزاد ليوم المعاد) فشرحها ، وجاء في صدر الشرح : (وهذا أول ما كتبته ، وبعدها كتبت أحوال زيد الشهيد) ، وفي آخر الشرح جاءت العبارة التالية : (قد كنت أرغب في اختصاره ، وعاقني عنه الشغل الكثير). وقد نذر نفسه إلى شرحها والتعليق عليها وبيان ما يحتاج إلى بيان ، لكنّه ـ رحمه الله ـ لم يحسبه في عداد مؤلفاته ؛ لأن الشرح لا يقوم على جهد أساسٍ منه ، فلذلك لم يحفل به.

لقد صدر له أول كتاب هو (زيد الشهيد) وألحق به رسالة في (تنزيه المختار الثقفي). والكتاب هو ترجمة لأحوال زيد ابن الإمام السجّاد (عليه السّلام). ولم يذكر في المقدمة دواعي التأليف. وفي أكبر ظني أنّ حبّه الأصيل لثورة الحسين (عليه السّلام) ؛ دفعه لأن يكتب عنه ، ويعرض الإطاحة بحكم الاُمويين الجائر ، ولتشابه كثير من المواقف بين ثورته وثورة أبي الشهداء (عليه السّلام). والكتاب يحفل بكثير

١٧

من القضايا ، التي زوّرتها الأقلام المسخرة ؛ لتركيز دعائم الاُمويين. هذا أمر لا يهمنا بقدر ما يهمنا الإلماع إلى شيء ، وهو : أن الكتاب صدر في الثلاثينات ، وكان يومذاك من المعيب على العالِم أن يجرد نفسه في الإشتغال باُمور ليست من صلب الفقه والاُصول ، ويُعتبر عمله مزرياً به ، وبمنزلته وفضله. والمترجَم له كسر أقفال الحديد التي تمنع الرجل العالِم أن يبحث وينشط للطبع والتعليق ، أو التحقيق في كتاب لجهبذ من أعلامنا في القرون المتقدمة ؛ ولذلك لم تتطامن نفوس الحوزة العلمية إلى أن ينصرف عَلم من أعلامها إلى البحث في اُمور لا تتصل بالفقه او الاصول!. واشتد الاستغراب لدى الحوزة لمّا برز كتاب للمرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني (شهداء الفضيلة) ، وجاء الباحث المنقّب المرحوم آغا بزرك الطهراني فباشر بإخراج موسوعته الجليلة (الذريعة) ، وتُخرج أجزاءه الاولى مطابع النجف ، ويسبقهم في العمل المرحوم الحُجّة الثقة الشيخ عبّاس القمي ، فيخرج كتابه النفيس (الكنى والألقاب) ، ثمّ يأتي منتدى النشر فيحقق كتاب السيّد الرضي (حقائق التأويل) ويكتب له مقدّمة نفيسة الحُجّة العالم ، والشاعر الشيخ عبد الحسين الحلي. وهكذا ألّف أهل الفضل والعلم هذا اللون من طرائق الكتابة والدراسة ، فتتابعت المؤلفات وبالأحرى الدراسات ، وحينئذ لا يمكن أن يبقى (مؤلَّف) يتراكم عليه غبار النسيان والإهمال ، فالمطابع ودور النشر والقرّاء ، يقبلون عليها في كثير من الرضا ، وحينئذ عمّت المكتبات الخاصة والعامة ، وكثر المنتفعون بتحقيقات أهل العلم.

٨ ـ كتاب مقتل الحسين

قال الشاعر :

أنستْ رزيتُكم رزايانا التي

سلفت وهوَّنت الرَّزايا الآتية

إنّه يشير إلى رزية كربلاء ، حيث هي الفاجعة العظمى والكارثة الكبرى ، التي نزلت بساحة آل المصطفى (عليهم السّلام) ، حيث الدواهي التي صاحبتها في سلسلة مسيرة آل بيت الوحي من المدينة إلى العراق والشام ، كانت تقرح القلب وتدمي الفؤاد. وقد كان الائمة الامجاد (عليهم السّلام) يستحثون شيعتهم بأن لا يتناسوها ، ويعملوا كل شيء في سبيل إحياء ذكراها «أحيوا أمرنا ، رحم الله مَن أحيا أمرنا» ، لذلك رافقتها فصول أدخلت رواية الحادثة فيها ، والطابع الحزين المثير للعواطف ، والمستفز

١٨

لكوامن النفوس ودفائن الخواطر. وقلوب الشيعة تلتاع بالأسى ، وتعتلج فيها الخواطر الكئيبة المشحونة بالصور المفزعة ، والقلوب تحتدم غيظاً على كلِّ مَن أتى بتلك الفعلة النكراء. وجاء أرباب التاريخ فسجّلوا كلَّ ما سمعوا ، ودوّنوا كلَّ ما وصل إلى سمعهم ، فدخلت في الفاجعة أشياء وأشياء يأباها الذوق ، ولا تنسجم مع ما رواه الائمة (عليهم السّلام) ، ولا يأتلف مع الحقيقة. هذا من جانبنا ؛ حيث أضفنا الكثير الكثير إلى أحداث كربلاء وما تبعها من أحداث. وأمّا من جانب أعداء آل البيت (عليهم السّلام) ، فقد عمدت أقلامهم إلى التحريف والتمويه ، وإزواء الحقائق ، وعلى هذه مرّت الفاجعة ، وقطعت العصور والأزمان وهي إلى القيامة باقية ، ولكن لا بدّ من إزاحة الستار عمّا خفي واستتر ، ولا بد من رواية الصحيح من الأخبار ، ونسف كلّ ما لا يتّفق مع أساس نهضة سيّد الشهداء (عليه السّلام) في صراعه الدّامي ؛ للاطاحة بمَن أمات السنة وأحيا البدعة. ألا يدفعك الاستغراب إلى أن نأخذ الرواية عن حميد بن مسلم ، الذي يبدو رقيق القلب في ميدان المعركة ، وهو ممن رافق حمل رأس أبي عبد الله (عليه السّلام) ، حيث يُهدى إلى الكوفة والشام ، وندع أخبار كربلاء ولا نأحذها من أهلها ، وممّن صبت عليهم بلاياها؟!.

ثم مَن هو أبو الفرج الاصفهاني؟ إنه اُموي في النزعة والنسب ، والمعتمد في أخباره على زبيريين واُموييّن مناوئين لآل البيت (عليهم السّلام). وكذلك الطبري في كتابه المشهور بـ (تاريخ الاُمم والملوك) ، فكل روايته عن (السدّي ومجاهد) وغيرهما ، وأهل العلم يعرفون السدّي مَن هو؟ ولكن أخبار كربلاء جاءت عنه ؛ لهذا كلّه انبرى المرحوم (المترجَم له) في تحرير كتابه (مقتل الحسين).

حفل كتاب المقتل بالإشارة إلى كثير من المنقولات التي لا تنهض على أساس ، وبالمقارنة والفحص أبطلها بعد أن راحت تنقلها الأفواه أزماناً وازمانا.

واحتوى المقتل أيضاً في هوامشه على بحوث فقهية ولغوية وأدبية ، وتحقيقات عديدة لكثير من ألفاظ روايات تتضارب على ألسنة رواتها ، ويجد القارئ فيضاً من المصادر التي يستند اليها (المترجَم له) في تحقيقاته ودراساته لرواية كربلاء.

شخصيات عديدة في رواية كربلاء ؛ رجال ونساء وصبية فيها التباس

١٩

بالاسماء والمسمّيات ، فازاح المؤلف كلَّ ما ران عليها. ألا تدري بأن المراد بأم كلثوم هي العقيلة زينب؟ وهل تذهب بك الظنون إلى أن اُم البنين لم تكن على قيد الحياة زمن (المأساة) ، وهذا الشعر الذي يرويه الذاكرون لا نصيب له من الصحة :

لا تدعونّي ويك اُمَّ البنين

تذكريني بليوث العرين

ونحن نروي الخبر ، ونكون إلى جانب مروان (الوزغ) فنظهره رقيق الحاشية ، دامع العين من حيث لا ندري؟!. وماذا تعرف عن ذابح الحسين (عليه السّلام) الشِمر نسباً ومزاجاً ، وعبيد الله الأمير؟. وقد استنبط السيّد أحكاماً شرعية من تصرفات الإمام أبي عبد الله (عليه السّلام) وأقواله في خطبه ، كل هذا تجده في (مقتل الحسين) ، وتجد اُموراً اُخرى أجد نفسي لا أعرضها لك ، ولكن نفسك أيها القارئ تدفعك للوقوف عليها واستشراف مضامين الكتاب ، كما نستشرف مواضيعه الحبيبة إليك.

٩ ـ آثاره

أ ـ المطبوعة :

١ ـ زيد الشهيد (ترجمة).

٢ ـ المختار بن عبيد الثقفي (نقد ودراسة).

٣ ـ السيّد سكينة (دراسة).

٤ ـ مقتل الحسين (ع) (تاريخ وتحقيق).

٥ ـ الصدّيقة الزهراء (ع) (ترجمة).

٦ ـ الإمام زين العابدين (ع) (ترجمة).

٧ ـ الإمام الرضا (ع) (ترجمة).

٨ ـ الإمام الجواد (ع) (ترجمة).

٩ ـ قمر بني هاشم ـ العبّاس (ع) (ترجمة).

١٠ ـ علي الاكبر (ع) (ترجمة).

١١ ـ الشهيد مسلم بن عقيل (ترجمة).

١٢ ـ سر الإيمان في الشهادة الثالثة (أخبار ودراسة).

١٣ ـ يوم الاربعين عند الحسين (رسالة) (مآثر وطاعات).

٢٠