الدّرر النجفيّة - ج ٣

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الدّرر النجفيّة - ج ٣

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٨

١
٢

٣
٤

٥
٦

(٤٢)

درّة نجفيّة

في رسالة الهادي عليه‌السلام إلى أهل الأهواز حول الجبر والتفويض

رسالة مولانا علي بن محمد الهادي عليهما‌السلام إلى أهل الأهواز في الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين ، رواها الحسن بن علي بن شعبة من أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ في كتاب (تحف العقول) أحببت إيرادها في هذا الكتاب ، حيث إنها قليلة الدوران في كتب الأصحاب ، مع ما فيها من الفوائد التي لا تخفى على ذوي الألباب. إلّا إن النسخة المنتسخ منها لا تخلو من الغلط ، وهي هذه : «من علي بن محمد ، سلام على من اتّبع الهدى ورحمة الله وبركاته ، فإنّه ورد عليّ كتابكم ، وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر ، ومقالة من يقول منكم بالجبر ومن يقول بالتفويض ، وتفرّقكم في ذلك وتقاطعكم ، وما ظهر من العداوة بينكم ، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم ، وفهمت ذلك كله. أعلموا ـ رحمكم الله ـ أنا نظرنا في الأثار وكثرة ما جاءت به الأخبار ، فوجدناها (١) عند جميع من ينتحل الإسلام ممن يعقل عن الله عزوجل ، لا تخلوا عن معنيين : إمّا حق فيتبع ، وإمّا باطل فيجتنب.

وقد اجتمعت الامّة قاطبة أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق ، وفي حال اجتماعهم مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه ، مصيبون مهتدون ، وذلك بقول رسول الله : لا تجتمع أمّتي على ضلالة ، فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الامة كلّها حق. هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا.

__________________

(١) في «ح» : فوجدنا.

٧

والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه ، فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه وأنكر الخبر طائفة من الامة ، لزمهم الإقرار به ضرورة ، حيث اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب ، فإن هي جحدت وأنكر لزمها الخروج عن الملة.

فأول خبر يعرف تحقيقه من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه ، خبر ورد عن رسول الله وجد بموافقة الكتاب وتصديقه ، بحيث لا تخالفه أقاويلهم حيث قال : إني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسّكتم بهما وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (١). فلمّا وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصا ، مثل قوله عزوجل (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (٢). وروت العامة في ذلك أخبارا لأمير المؤمنين عليه‌السلام أنه تصدّق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه (٣). فوجدنا رسول الله قد أتى بقوله : من كنت مولاه فعلي مولاه (٤) ، وبقوله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا إنه لا نبي بعدي (٥) ، ووجدناه يقول : عليّ يقضي ديني وينجز موعدي ، وهو خليفتي عليكم من بعدي (٦).

فالخبر الأول استنبط منه هذه الأخبار ، وهو خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم ، وهو أيضا موافق للكتاب. فلمّا شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الاخر ، لزم الامة الإقرار بها ضرورة ؛ إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة

__________________

(١) كشف اليقين : ٢٤١ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ / ٣٧٨٨ ، مناقب علي بن أبي طالب : ٢٣٤ / ٢٨١.

(٢) المائدة : ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) الدر المنثور ٢ : ٥١٩ ـ ٥٢٠.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٩ / ٤٥٧٨ ، الدر المنثور ٢ : ٥١٩.

(٥) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٧ / ٤٥٧٥ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٥٣.

(٦) تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٤٨ ـ ٥٠.

٨

ووافقها القرآن ووافقت القرآن.

ثم وردت حقائق الأخبار عن رسول الله عن الصادقين عليهم‌السلام نقلها قوم ثقات معروفون ، فصار الاقتداء بهم بهذه الأخبار فرضا واجبا على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعدّاه إلى أهل العناد ؛ وذلك أن أقاويل آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله متّصلة بقول الله و (١) ذلك مثل قوله في محكم كتابه (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٢).

ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من آذى عليا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله (٣) يوشك أن ينتقم منه (٤) وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من أحبّ عليا فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحب الله (٥). ومثل قوله لبني وليعة : لأبعثن غدا عليهم رجلا كنفسي يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، قم يا علي ، فسر إليهم (٦). وقوله : يوم خيبر : لأبعثن إليهم غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله عليه. فقضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالفتح (٧) قبل التوجيه ، فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما كان من الغد دعا عليا عليه‌السلام فبعثه إليهم (٨) ، فاصطفاه بهذه المنقبة ، وسمّاه كرارا غير فرار ، وسماه محبا لله ولرسوله ، وأخبر أن الله ورسوله يحبانه.

وإنّما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردناه وقوّة لما نحن مبينوه من أمر

__________________

(١) في «ح» بعدها : في.

(٢) الأحزاب : ٥٧.

(٣) ومن آذى الله ، سقط في «ح».

(٤) مناقب آل أبي طالب ٣ : ٢٤٥ ، الاستيعاب ٣ : ٢٠٤ ، المناقب (الخوارزمي) : ٣٢٨٠ / ٣٤٤.

(٥) المعجم الكبير ٢٣ : ٣٨٠ / ٩٠١ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٧١.

(٦) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) ٩ : ١٦٧.

(٧) من «ح» والمصدر.

(٨) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٩٩ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ١١٥.

٩

الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين ، وبالله العون والقوّة ، وعليه نتوكّل في جميع امورنا ، فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليه‌السلام : لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين ، وهي : صحة الخلقة ، وتخلية السرب ، والمهلة في الوقت ، ومثل الزاد والراحلة ، والسبب المهيج للفاعل على فعله. فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق عليه‌السلام جوامع الفضل ، فإذا نقص العبد منها خلّة كان العمل عنه مطروحا بحسبه ، فأخبر الصادق عليه‌السلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه ، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله ؛ لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله [وآله عليهم‌السلام لا يعدون] (١) شي‌ء من قوله وأقاويلهم حدود القرآن ، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل ، فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلّا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب.

ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه‌السلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره (٢) الجبر والتفويض ، وجدنا الكتاب قد شهد له وصدّق مقالته في هذا. وخبر عنه أيضا موافق لهذا أن الصادق عليه‌السلام سئل : هل أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال الصادق عليه‌السلام : هو أعدل من ذلك. فقيل له : فهل (٣) فوّض إليهم؟ فقال : هو أعزّ وأقهر لهم من ذلك.

وروي عنه أنه قال : الناس في القدر على ثلاث أوجه : رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه ، فقد وهّن الله في سلطانه ؛ فهو هالك.

ورجل يزعم أن الله جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون ، فقد ظلم الله في حكمه ؛ فهو هالك.

ورجل يزعم أن الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ.

__________________

(١) من المصدر ، وفي النسختين : لم يعد.

(٢) في «ح» : إنكار.

(٣) في «ح» : فهو.

١٠

فأخبر عليه‌السلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحقّ. فقد شرحت الجبر الذي من دان به لزمه الخطأ ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل ، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما».

ثم قال عليه‌السلام : «وأضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا يقرّب المعنى للطالب ، ويسهل له البحث عن شرحه ، يشهد به محكمات آيات الكتاب وتحقّق تصديقه عند ذوي الألباب وبالله التوفيق والعصمة : فأما الجبر الذي يلزم من دان به (١) الخطأ ، فهو قول من زعم أن الله جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها. ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه وردّ عليه قوله (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (٢) ، وقوله (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ) (٣) ، وقوله (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٤) مع آي كثير في ذكر هذا.

ومن زعم أن الله مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وقد ظلمه في عقوبته ، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه ، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر بإجماع الامة.

ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عرض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته ، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أن سيمنعه ، وعلمه أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملّكه

__________________

(١) في «ح» : الذي من دام فيه يلزمه ، بدل : الذي يلزم من دان به.

(٢) الكهف : ٤٩.

(٣) الحج : ١٠.

(٤) يونس : ٤٤.

١١

ذلك. فلما صار العبد إلى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى إليها وجد عليها مانعا يمنع منها (١) إلّا بشراء ، وليس يملك العبد ثمنها ، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير (٢) قضاء حاجته ، فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه. أليس يجب في عدله وحكمته ألّا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ، ولم يملّكه ثمن حاجته؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذّب نفسه (٣) في وعيده إياه حين أوعده [ب] الكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة ، تعالى الله (٤) عما يقولون علوا كبيرا.

فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان ؛ إذ أوجب على من أجبر العقوبة ، ومن زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله أن الله يدفع عنهم العقوبة ، ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٥) ، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (٦) ، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً) (٧) ، مع آي كثير في هذا الفن فيمن كذب وعيد الله ، ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر ، وهو ممن قال الله (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ) (٨).

__________________

(١) من «ح» والمصدر.

(٢) في «ح» : يوم.

(٣) من «ح» والمصدر.

(٤) ليست في «ح».

(٥) البقرة : ٨١.

(٦) النساء : ١٠.

(٧) النساء : ٥٦.

(٨) البقرة : ٨٥.

١٢

بل نقول : إن الله جلّ وعزّ يجازي العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إياها ، فأمرهم ونهاهم ، بذلك نطق كتابه (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١) ، وقال جل ذكره (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) (٢) ، وقال (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) (٣). فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به. ومثلها في القرآن كثيرا اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب وبالله التوفيق.

وأمّا التفويض الذي أبطله الصادق عليه‌السلام وأخطأ (٤) من دان به وتقلّده فهو قول القائل : إن الله جل ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم. وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب (٥) إلى تحريره ودقته. وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنهم قالوا : لو فوض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب ، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا.

وتنصرف هذه المقالة على معنيين : إما أن يكون العباد (٦) تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة ؛ كره ذلك أم أحبّ ، فقد لزم الوهن ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن (٧) تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته ؛ كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره إليهم وأجراهما على محبّتهم ؛ إذ عجز عن تعبدهم بإرادته ، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان.

__________________

(١) الأنعام : ١٦٠.

(٢) آل عمران : ٣٠.

(٣) المؤمن : ١٧.

(٤) في هامش المصدر إشارة إلى أن في بعض نسخه : خطّأ ، وهو الأقرب. تحف العقول : ٤٦٣ / ه : ٣.

(٥) من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : ذهب.

(٦) من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : العقاب.

(٧) في «ح» : من ، بدل : عجز عن.

١٣

ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل روايته ، ويقف عند أمره ونهيه ، وادّعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم ، فأمر عبده ونهاه ، ووعده على اتّباع أمره عظيم الثواب ، وأوعده على معصيته أليم العقاب ، فخالف العبد إرادة مالكه ، ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأي أمر أمره وأي نهي نهاه لم يأته على إرادة المولى ، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه واتّباع هواه ، ولا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته ففوّض اختيار أمره ونهيه إليه ، ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك ، وبعثه في بعض حوائجه وسمّى له الحاجة ، فخالف على مولاه ، وقصد لإرادة نفسه ، واتّبع هواه ، [فلمّا] رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به ، فقال له : لم أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد : اتّكلت على تفويضك الأمر إلي فاتّبعت هواي وإرادتي ، لأنّ المفوض إليه غير محظور عليه (١) ؛ فاستحال التفويض. أو ليس يجب على هذا السبب : إما أن يكون المالك للعبد قادرا [يأمر] (٢) عبده اتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد ، ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه ، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما. وحذّره ورغّبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاعة لأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه ، فيكون عدله وإنصافه شاملا له وحجته واضحة عليه للإعذار والإنذار ، فإذا اتّبع العبد أمر مولاه جازاه ، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه.

أو يكون عاجزا غير قادر ، ففوّض إليه أمره ؛ أحسن أم أساء ، أطاع أم عصى ، عاجزا عن عقوبته وردّه إلى اتّباع أمره ، [و] في [إثبات] (٣) العجز نفي القدرة والتألّه ، وإبطال

__________________

(١) في «ح» : إليه.

(٢) من المصدر ، وفي «ح» : بأمره ، وفي «ق» : يأمره.

(٣) من المصدر ، وفي النسختين : ثبات.

١٤

الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، ومخالفة الكتاب ؛ إذ يقول (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (١) ، وقوله عزوجل (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٢) ، وقوله (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) (٣) ، (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (٤) ، وقوله (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (٥) ، وقوله (أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) (٦)؟

فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز ، وأوجب عليه (٧) قبول كل ما عملوا من خير وشر ، وأبطل أمر الله ونهيه ، ووعده ووعيده ؛ لعلة ما زعم أن الله فوضها (٨) إليه لأن المفوض إليه يعمل بمشيئته ، فإن شاء (٩) الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه ولا محظور. فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه وهو من أهل هذه الآية (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ) (١٠) تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوّا كبيرا.

لكن نقول : إن الله جلّ وعزّ خلق الخلق بقدرته ، وملّكهم استطاعة تعبدهم بها ، فأمرهم ونهاهم بما أراد ، فقبل منهم اتّباع أمره ، ورضي بذلك لهم ، ونهاهم عن معصيته ، وذمّ من عصاه وعاقبه عليها ، ولله الخيرة في الأمر والنهي ، يختار ما يريد ويأمر به وينهى ، عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره واجتناب

__________________

(١) الزمر : ٧.

(٢) آل عمران : ١٠٢.

(٣) الذاريات : ٥٦.

(٤) الذاريات : ٥٧.

(٥) النساء : ٣٦.

(٦) الأنفال : ٢٠.

(٧) العجز وأوجب عليه ، سقط في «ح».

(٨) في «ح» : فوّضهما.

(٩) شطب عنها في «ح».

(١٠) البقرة : ٨٥.

١٥

معاصيه ؛ لأنّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة. بالغ الحجة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده ، اصطفى محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعثه برسالاته إلى خلقه ، فقال من قال من كفّار قومه حسدا واستكبارا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (١) يعني بذلك اميّة بن أبي الصلت ، وأبا مسعود الثقفي ، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ) (٢).

ولذلك اختار من الامور ما أحبّ ، ونهى عمّا كره ، فمن أطاعه أثابه ، ومن عصاه عاقبه ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار اميّة بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي ؛ إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فلهذا أدّب الله المؤمنين بقوله (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (٣) ، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ، ولم يقبل منهم إلّا اتّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه ، فمن أطاعه رشد ومن عصاه ضلّ وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه ؛ فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه.

وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض ، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه‌السلام عباية ابن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل ، فقال له أمير المؤمنين : سألت عن الاستطاعة ، تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية فقال له

__________________

(١) الزخرف : ٣١.

(٢) الزخرف : ٣٢.

(٣) الأحزاب : ٣٦.

١٦

أمير المؤمنين عليه‌السلام : قل يا عباية. قال : وما أقول؟ قال : إن قلت : إنك تملّكها مع الله قتلتك ، وإن قلت : تملّكها من دون الله قتلتك. قال عباية : فما أقول يا أمير المؤمنين؟

قال : تقول إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن يملّكها إياك كان ذلك من عطائه ، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه ، هو المالك لما ملك والقادر على ما (١) عليه أقدرك ، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون : لا حول ولا قوة إلّا بالله؟

قال عباية : وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال : لا حول عن معاصي الله إلّا بعصمة الله ، ولا قوّة لنا على طاعة الله إلّا بعون الله». قال : «فوثب عباية فقبّل يديه ورجليه.

وروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة الله قال : يا أمير المؤمنين بما ذا عرفت ربك (٢)؟ قال : بالتمييز الذي خوّلني ، والعقل الذي دلّني. قال : أفمجبول أنت عليه؟ قال : لو كنت مجبولا ما كنت محمودا على إحسان ولا مذموما على إساءة ، وكان المحسن أولى باللائمة من المسي‌ء ، [فعلمت] (٣) أن الله قديم باق ، وما دونه حدث حائل [زائل] ، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل. قال نجدة : أجدك أصبحت حكيما يا أمير المؤمنين ، قال : أصبحت مخيّرا ؛ فإن أتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها.

وروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه (٤) قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء وقدر (٥)؟ قال عليه‌السلام (٦) : نعم يا شيخ ؛ ما علوتم تلعة ولا (٧) هبطتم واديا (٨) إلّا بقضاء وقدر من الله (٩). فقال الشيخ : عند الله

__________________

(١) قوله عليه‌السلام : على ما ، من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : لما.

(٢) من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : ربي.

(٣) من المصدر ، وفي النسختين : فقلت.

(٤) من «ح» والمصدر.

(٥) في «ح» بعدها : من الله.

(٦) في «ح» : فقال له أمير المؤمنين ، بدل : قال.

(٧) من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : ما.

(٨) في «ح» : بطن واد.

(٩) في «ح» : من الله وقدر ، بدل : وقدر من الله.

١٧

أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقال : مه يا شيخ ، فإن الله قد عظم اجوركم في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شي‌ء من اموركم مكرهين ولا إليه مضطرّين ، لعلّك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد ، ولما ألزمت الأشياء أهلها على الحقائق ، ذلك مقالة عبدة الأوثان وأولياء الشيطان. إن الله عزوجل أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، ولم يطع مكرها ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) (١). فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين عليه‌السلام وأنشأ يقول :

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته

يوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا

جزاك ربّك عنا فيه رضوانا

فليس معذرة في فعل فاحشة

عندي لراكبها ظلما وعصيانا

فقد دلّ قول أمير المؤمنين عليه‌السلام على موافقة الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلّدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب ، ونعوذ بالله من الضلالة والكفر.

ولسنا ندين بجبر ولا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين ، وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملّكنا الله وتعبّدنا بهما على ما شهد به الكتاب ودان به الأئمّة الأبرار من آل الرسول ، صلوات الله عليهم.

ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا وملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه ، فملّكه من ماله بعض ما أحب ، وأوقفه على امور عرّفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها ، ونهاه عن أشياء لم يحبّها ، وتقدم إليه أن يجتنبها

__________________

(١) ص : ٢٧.

١٨

ولا ينفق من ماله فيها ، والمال ينصرف في أي الوجهين ، فصرف العبد أحدهما في اتّباع أمر المولى ورضاه ، والآخر صرفه في اتّباع نهيه وسخطه ، وأسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار ، وأن له دارا غيرها ، وهو مخرجه إليها فيها ثواب وعقاب دائمان ، فإن أنفذ العبد المال الذي ملّكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها ، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود. وقد حد المولى في ذلك حدّا معروفا وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الاولى ، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد ، على أنه لم يزل مالكا للمال والعبد في الأوقات كلّها إلّا إنه وعد ألّا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها ، فوفى له لأن من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة.

أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب ، وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة ، وإن صرف العبد المال الذي ملّكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهيّ عنه ، وخالف أمر مولاه كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذّره إياها غير ظالم له ؛ لما تقدم إليه ، وأعلمه وعرّفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده؟ بذلك يوصف القادر القاهر.

أما المولى ، فهو الله جلّ وعزّ ، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق ، والمال قدرة الله الواسعة ، ومحنته إظهار الحكمة والقدوة ، والدار الفانية هي الدنيا ، وبعض الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم ، والامور التي أمر الله بصرف المال إليها هي الاستطاعة لاتّباع الأنبياء والإقرار بما أوردوه عن الله جلّ وعزّ ، واجتناب الأشياء التي نهى عنها [هي] طريق إبليس.

وأما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة ، وأما الدار الاخرى فهي الدار الباقية وهي

١٩

الدار (١) الآخرة. والقول بالجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد وشرحها في خمسة الأمثال التي ذكرها الصادق عليه‌السلام أنها جمعت جوامع الفضل ، وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء الله تعالى.

تفسير صحة الخلقة

أما قول (٢) الصادق عليه‌السلام فإنّ [معناه] (٣) كمال الخلق للإنسان [و] كمال الحواس وثبات العقل والتمييز وإطلاق اللسان بالنطق ، وذلك قول الله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (٤) ، فقد أخبر عزوجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواسّ بني آدم بتمييز العقل والنطق ، وذلك قوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٥) ، وقوله (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) (٦) ، [و] في آيات كثيرة.

فأول نعمة الله على الإنسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان ، وذلك أن كل ذي حركة على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته ، ففضّل ابن آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس ، فمن أجل النطق ملّك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا وغيره مسخّرا له ، كما قال الله (كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ) (٧) ، وقال (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) (٨) ، وقال :

__________________

(١) من «ح».

(٢) أي قوله عليه‌السلام : «وهي صحة الخلقة ، وتخلية السرب ..» الذي مر في الصفحة : ١٠.

(٣) من المصدر ، وفي النسختين : معنى.

(٤) الإسراء : ٧٠.

(٥) التين : ٤.

(٦) الانفطار : ٦ ـ ٨.

(٧) الحجّ : ٣٧.

(٨) النحل : ١٤.

٢٠