🚘

الدّرر النجفيّة - ج ٢

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الدّرر النجفيّة - ج ٢

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

٥

٦

(١٩)

درّة نجفيّة

في الجواب عن بعض الإشكالات الواردة على الأخباريين

قال المحدث الأمين الأسترابادي قدس‌سره في كتاب (الفوائد (١) المدنية) في الفصل الثامن الذي وضعه للجواب عن الأسئلة الّتي ترد على مذهب الأخباريّين : (السؤال الثاني : أنه لا مفرّ للأخباريين عن العمل بالظن المتعلّق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها ؛ وذلك لأن الحديث ولو كان صحيحا باصطلاحهم وهو المقطوع بوروده عن أهل الذكر عليهم‌السلام ، [إلّا إنه] قد يحتمل التقية ، وقد تكون دلالته ظنيّة ، وعلى التقديرين لا يصلح للقطع.

وجوابه أن يقال : أكثر أحاديث أصحابنا المدوّنة في كتبنا صارت دلالتها قطعية بمعونة القرائن الحالية أو المقالية. وأنواع القرائن كثيرة ، من جملتها أن الحكيم في مقام البيان والتفهيم لا يتكلم بكلام يريد به خلاف ظاهره لا سيّما من اجتمعت فيه نهاية الحكمة مع العصمة.

ومن جملتها : تعاضد الأخبار بعضها ببعض.

ومن جملتها : خصوصيات أجزاء بعض الأحاديث.

ومن جملتها : قرينيّة السؤال والجواب ، والدلالة التي لم تصر قطعية بمعونة القرائن لا توجب الحكم عندهم ، وإنّما توجب التوقّف ، وأما احتمال التقيّة فغير قادح فيما حققناه ؛ لما سبق من أنه يكفي أحد القطعين ومن أن مناط العمل القطع

__________________

(١) في «ح» : فوائد.

٧

بأن الحكم ورد عنهم عليهم‌السلام لا الظن أنه حكم الله في الواقع) (١).

ثم أطال في الكلام بما يخرج عن هذا النظام إلى أن قال : (ثم أقول : إن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه ، فاستمع لما نتلوه عليك من الكلام ، فنقول : الاختلاف في الفتاوى قسمان :

أحدهما : أن يكون سببه اختلاف ما بلغهم من الروايات. ومن المعلوم أن هذا النوع من الاختلاف لا يؤدي إلى تناقض ؛ لابتناء أحد القولين على ما ورد من باب التقيّة ، كما حققه رئيس الطائفة قدس‌سره (٢). والاختلافات الواقعة بين قدمائنا الأخباريّين أصحاب الأئمَّة عليهم‌السلام من هذا القبيل.

وثانيهما : أن يكون سببه غير ذلك من الاستنباطات الظنيّة. ومن المعلوم أنه لم يرد إذن من الله تعالى في ذلك ، بل تواترت الأخبار عن الأئمَّة الأطهار : «بأن المفتي المخطئ ضامن ويلحقه وزر من عمل بفتياه» (٣).

وقال الله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (٤).

ومن المعلوم أن كل حكم تحتاج إليه الامّة قد أنزله (٥) الله في كتابه ، لكن لا تبلغه عقول الرجال ، وقد بينه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمّته وبيّنه أمير المؤمنين عليه‌السلام كذلك. ومن المعلوم أنه لا اختلاف فيما أنزل (٦) الله تعالى كما مر بيانه سابقا ، فكلّ من اختلف في الفتوى ، ولم يكن سببه ابتناء أحد قوليه على حديث وارد من باب التقيّة يكون حاكما بغير ما أنزل الله.

وأقول : يمكن أن تكون الجماعة التي وقع منها القسم الثاني من الاختلاف ـ

__________________

(١) الفوائد المدنية : ١٥٤ ـ ١٥٥.

(٢) العدة في اصول الفقه ١ : ١٤٦ ـ ١٤٧.

(٣) الكافي ٧ : ٤٠٩ / ٢ ، باب أن المفتي ضامن.

(٤) المائدة : ٤٤.

(٥) في «ح» : انزل.

(٦) في «ح» : انزله.

٨

وهم جماعة قليلة نشؤوا في زمن الغيبة الكبرى أولهم الأقدمان : ابن الجنيد ، وابن أبي عقيل في ما أظن ، ثم بعدهما نسج على منوالهما الشيخ المفيد ، ثم ابن إدريس الحلي ، ثمّ العلّامة الحلّي ، ثم من وافقه من المتأخرين ـ معذورين من جهة غفلتهم عن أن سلوك طريقة الاستنباطات الظنيّة مناقض لما هو من ضروريات مذهبنا ، من أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما جاء في كلّ واقعة تحتاج إليها الأمة [إلى يوم القيامة] بحكم وخطاب قطعيّ ، وأودع كل ما جاء به عند الأئمَّة عليهم‌السلام ، وأمر الناس بسؤالهم في كل ما لا يعلمون (١) والردّ إليهم والتمسك بكلامهم (٢) ، وهم عليهم‌السلام مهدوا اصولا لرجوع الشيعة إليها ، لا سيّما في زمن الغيبة الكبرى.

ومن القسم الثاني من الاختلاف ذهاب شيخنا المفيد قدس‌سره (٣) إلى جواز التمسّك بالاستصحاب في نفس أحكامه تعالى وفي نفيها. وقد مرّ توضيحه في مسألة من دخل في الصلاة بتيمّم لفقد الماء ، ثم وجد الماء في أثنائها ، وذهابه إلى أنه من دخل في الصلاة بوضوء (٤) وسبقه الحدث ، فإنه يتوضأ ويستأنف الصلاة ، مع أنه تواترت الأخبار بأن الحدث في أثناء الصلاة ينقضها. والباعث على ذلك أنه كان في بعض الأحاديث لفظ : «أحدث» فسبق ذهنه إلى حمله على وقوع الحدث من المصلّي وغفل عن احتمال أن يكون [المراد] : مطر السماء ، بل هذا الاحتمال أظهر معنى كما حققناه في بعض كتبنا) (٥).

إلى أن قال : (هذا كله بعد التنزل عن حمله على التقيّة ، والصواب حمله على

__________________

(١) الكافي ١ : ٢١٠ ـ ٢١٢ / ١ ـ ٩ ، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله .. الخلق بسؤالهم هم الأئمَّة عليهم‌السلام.

(٢) الكافي ١ : ٦٨ / ١٠ ، باب اختلاف الحديث ، عوالي اللآلي ٤ : ١٣٣ ـ ١٣٥ / ٢٣٠ ـ ٢٣١.

(٣) المقنعة (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) ١٤ : ٦١.

(٤) من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : بتيمّم.

(٥) الفوائد المدنيّة : ١٥٨ ـ ١٥٩.

٩

التقيّة ؛ لأن أبا حنيفة ذهب إلى ذلك لكن ما خصّص الحكم بالتيمّم ، وذهابه إلى أن ماء الأواني ولو كان كرا نجس بمجرّد ملاقاة النجاسة ، وذهاب ابن الجنيد إلى جواز العمل بالقياس ، وذهاب ابن أبي عقيل إلى عدم انفعال الماء القليل بورود النجاسة عليه) (١) انتهى كلامه ، زيد إكرامه (٢).

أقول : ولي فيما ذكره في هذا المقام نظر من وجوه :

الأول : أن ما ادّعاه من أن (أكثر أحاديثنا صارت دلالتها قطعية) ـ إلى آخره ـ فيه أن القرائن التي ذكرها لا يكاد يشم منها رائحة ما ادعاه ، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى.

نعم ، لا ريب أن الدلاله بالنسبة إلى من خوطب بتلك الأحكام في تلك الأيام كانت قطعية لظهور القرائن الحالية والمقالية لهم ، إلّا إنها قد خفيت علينا في هذه الأزمان بامور عديدة أوجبت لنا الإشكال والداء العضال.

وقصارى ما يحصل لنا بسبب تلك القرائن ـ إن وجدت ـ هو ظهور الدلالة ، ومراتبه متفاوتة شدة وضعفا بسبب تلك القرائن ظهورا وخفاء ، وقربا وبعدا ، وقلّة وكثرة. فمن تلك الامور التي أوجبت ما قلنا ما عليه الأخبار في أكثر الأحكام من التناقض والتدافع ، وتعسّر الجمع بينها غالبا إلّا على وجه ظنّي ، غايته الغلبة على بعض الأفهام والاعتماد على المرجّحات المرويّة في دفع ذلك ، كما لا يخفى ما فيه من الإشكال كما حققناه في الدرّة المتقدّمة في شرح مقبولة عمر ابن حنظلة لا سيما في الفائدة العاشرة (٣).

على أنه وإن حصل الترجيح بأحدهما ، فإنه لا يخرج عن غلبة الظنّ ، ولا

__________________

(١) الفوائد المدنيّة : ١٥٩.

(٢) في «ح» : مقامه.

(٣) انظر الدرر ١ : ٣٠٤ ـ ٣٠٩.

١٠

يوصل إلى حدّ الجزم والقطع ؛ ولذا فإن (١) شيخنا ثقة الإسلام قدس‌سره في ديباجة كتابه (٢) (الكافي) (٣) بعد ذكره جملة من المرجّحات تخطى عنها إلى القول بالتخيير في العمل كما أوضحناه في الدرّة المشار إليها. ولهذا أيضا كان شيخنا المجلسي صاحب (البحار) طاب ثراه ـ لشدّة ورعه وتديّنه يدور في جلّ فتاويه مدار الاحتياط. وقد وقفت له على رسالة بالفارسيّة تتضمّن الجواب عن جملة من الأسئلة ، فلم أر فيها ما جزم (٤) بالحكم فيه إلّا أقل قليل ، بل وإن رجّح شيئا عقبه بالأمر بالاحتياط ، حتى إنه نقل لي عن بعض المعاصرين (٥) من متأخّري المتأخّرين أنه كان لذلك يطعن في كونه في عداد المجتهدين.

ومن ذلك أن دلالة الألفاظ ظنيّة ، وقيام الاحتمالات وشيوع المجازات ، بل غلبتها على الحقائق مما لا ينكره الممارس الحاذق ، ومن ذلك ما ورد عنهم عليهم‌السلام أنهم كانوا يكلّمون الناس (٦) على قدر عقولهم (٧) ، وأنهم يجيبون عن الأسئلة على الزيادة والنقصان (٨) إلى غير ذلك مما سيظهر لك إن شاء الله تعالى في ضمن ما يأتي من الكلام.

الثاني : قوله : (والقرائن كثيرة ، من جملتها أن الحكيم) إلى آخره.

فيه أن من الجائز أنه ربّما اقتضت الحكمة والمصلحة خلاف ذلك ، كما ربما اقتضت ترك الجواب بالمرّة كما وردت به الأخبار الدالّة على أنه قد فرض عليكم السؤال (٩) ولم يفرض علينا الجواب ، بل ذلك إلينا إن شئنا أجبنا وإلّا

__________________

(١) في «ح» : أن.

(٢) في «ح» : كتاب.

(٣) الكافي ١ : ٨.

(٤) في «ح» : حكم.

(٥) من «ح» ، وفي «ق» : القاصرين.

(٦) سقط في «ح».

(٧) الكافي ١ : ٢٣ / ١٥.

(٨) بصائر الدرجات : ٣٣١ ـ ٣٣٢ / ب ١٠ ، ح ١ ـ ٩.

(٩) ترك الجواب بالمرّة .. السؤال ، سقط في «ح».

١١

فلا (١). والحمل على التقيّة في ترك الجواب بالمرّة يجري مثله في إجمال الأجوبة. على أنه قد وردت جملة من الأخبار دالة على أن كلامهم عليهم‌السلام ينصرف على وجوه عديدة لهم في كل منها المخرج. ولا بأس بإيراد ما عثرنا عليه منها ، فمن ذلك ما رواه شيخنا الصدوق ـ عطّر الله مرقده ـ في كتاب (معاني الأخبار) بسنده إلى داود بن فرقد قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إن الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرّف (٢) كلامه كيف شاء ولا يكذّب» (٣).

وروى فيه بسنده إلى زيد الزرّاد (٤) عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام :«يا بني ، اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ؛ فإن المعرفة هي الدراية للرّواية ، وبالدرايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان. إني نظرت في كتاب عليّ عليه‌السلام فوجدت في الكتاب أن قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته أن الله يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا» (٥).

وروى فيه بسنده عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه قال : «حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه. ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض (٦) كلامنا ؛ إن الكلمة من كلامنا لتنصرف إلى سبعين وجها لنا من الجميع المخرج» (٧).

وروى في كتاب (البصائر) بسنده عن عبد الأعلى قال : دخلت أنا وعلي بن

__________________

(١) انظر وسائل الشيعة ٢٧ : ٦٢ ـ ٧٧ ، أبواب صفات القاضي ، ب ٧.

(٢) في «ح» : تصرّف.

(٣) معاني الأخبار : ١ / ١.

(٤) في المصدر : بريد الرزاز.

(٥) معاني الأخبار : ١ / ٢.

(٦) في «ح» : معارض.

(٧) معاني الأخبار : ٢ / ٣.

١٢

حنظلة على أبي عبد الله فسأله عليّ بن حنظلة (١) مسألة فأجاب فيها ، فقال علي : فإن كان كذا وكذا؟ فأجابه فيها بوجه آخر ، قال : فإن كان كذا وكذا؟ فأجابه بوجه آخر ، حتى أجابه فيها بأربعة وجوه ، فالتفت [إليّ] علي بن حنظلة وقال : يا أبا محمّد ، قد أحكمناه. فسمع منه أبو عبد الله عليه‌السلام ، فقال : «لا تقل هكذا يا أبا الحسن ؛ فإنك رجل ورع ، إن من الأشياء أشياء ضيّقة وليس تجري إلّا على وجه واحد ، منها وقت الجمعة ليس إلّا واحد حين تزول الشمس. ومن الأشياء أشياء موسّعة تجري على وجوه كثيرة ، وهذا منها إن له عندي سبعين وجها» (٢).

وروى قريبا منه في (الكافي) (٣) أيضا.

وروى في كتاب (البصائر) بسنده عن الأحول عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا ، إن كلامنا لينصرف على سبعين وجها» (٤).

وروى في الكتاب المذكور بسنده إلى علي بن أبي حمزة قال : دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد الله عليه‌السلام ، فبينا نحن قعود إذ تكلّم أبو عبد الله عليه‌السلام بحرف ، فقلت في نفسي : هذا مما أحمله إلى الشيعة ، هذا والله حديث لم أسمع مثله قط. قال : فنظر في وجهي ثم قال : «إني أتكلّم بالحرف الواحد لي فيه سبعون وجها (٥) ، إن شئت أخذت كذا وإن شئت أخذت كذا» (٦).

إلى غير ذلك من الأخبار التي نقلها ثمّة (٧).

ألا ترى إلى حديث عليّ بن أبي حمزة حيث أسرّ في نفسه أنه يحمل ما فهمه من كلامه إلى الشيعة ، فنظر عليه‌السلام إليه وقال له : «ما عرفت».

__________________

(١) في «ح» بعدها : عن.

(٢) بصائر الدرجات : ٣٢٨ / ب ٩ ، ح ٢.

(٣) الكافي ١ : ٢٦ / ٢٧.

(٤) بصائر الدرجات : ٣٢٩ / ب ٩ ، ح ٦.

(٥) من «ح» والمصدر.

(٦) بصائر الدرجات : ٣٢٩ / ب ٩ ، ح ٣.

(٧) بصائر الدرجات : ٣٢٨ ـ ٣٣٠ / ب ٩ ، ح ١ ، ٤ ـ ٥ ، ٧ ـ ١٥.

١٣

وحديث عبد الأعلى وما تضمّنه من قول عليّ بن حنظلة : إنه قد أحكم المسألة باعتبار ما فهمه من قوله عليه‌السلام من الأجوبة وقوله عليه‌السلام بما قال.

وحينئذ ، فكيف يتمّ ما ذكره كلّيا في جميع الأحكام؟ على أنّا لا ننكر صحّة ما ذكره في بعض الأحكام ، إلّا إنه لا يتمّ له كليا في كل مقام.

الثالث : أن ما ذكره وكرّره في غير موضع (١) من كتابه المشار إليه ـ من أن الاختلافات الواقعة بين الأخباريين منحصر في العمل بالأخبار الواردة في مورد التقيّة ؛ بأن يكون أحد المخالفين عمل على خبر ، والآخر على خبر آخر ، ولكن أحد الخبرين قد خرج مخرج التقيّة ، وأن اختلاف مجتهدي أصحابنا إنّما نشأ من الاستنباطات الظنّية ـ فإن فيه أن حصر خلاف الأخباريين فيما ذكره أمر يكذبه العيان ودعوى عريّة من البرهان ، فإنه لا يخفى على من تتبع كلام الأخباريين من المتقدّمين ما وقع لهم من الاختلافات في فهم معاني الأخبار ، وتعيّن ما هو المراد منها في ذلك المضمار ، وجلّ الاختلافات الواقعة بين علمائنا الأبرار مجتهدهم وأخباريّهم إنما نشأت من اختلاف الأنظار في مبادئ الإدراك لتلك الأحكام ، وتفاوت الأفهام المفاضة من الملك العلّام ، فإن منها كالبرق الخاطف ، ومنها كالساكن الواقف ، وبينهما مراتب لا يخفى على الفطن العارف. ولا بأس بالإشارة إلى جملة من المواضع التي وقع الاختلاف فيها بين الأخباريين ، والذي يخطر بالبال في الحاضر مواضع : الأوّل (٢) أخبار التثنية الواردة في الوضوء ، فإن ثقة الإسلام في (الكافي) حملها على من لم تقنعه المرة لغسله (٣) ، والصدوق حمل بعضا منها على

__________________

(١) الفوائد المدنية : ١٣٦ ـ ١٣٧.

(٢) الأرقام من (الأوّل) إلى (الحادي عشر) وردت في «ح» بهيئة (أ .. يا).

(٣) الكافي ٣ : ٢٧ / ذيل الحديث : ٩.

١٤

التجديد (١) ، وبعضها على الغسلتين ، والشيخ (٢) حملها على استحباب التثنية كما هو المشهور بين الأصحاب ، والمحدّث الكاشاني في (الوافي) (٣) حمل أخبار الوحدة على الغسلة ، وأخبار التثنية على الغرفة ، ونقل كلام الصدوق واعترضه وردّه بما هو مذكور في الكتاب المشار إليه.

الثاني : ما وقع للصّدوق (٤) في مسألة اجتماع ولد الولد مع الأبوين في الميراث ، حيث ذهب إلى حجب الأبوين لولد الولد استنادا إلى ما ورد في صحيحة (٥) عبد الرحمن بن الحجاج ، وصحيحة سعد بن أبي خلف من قوله عليه‌السلام : «بنات الابنة وبنات الابن يقمن مقام الابنة ومقام الابن إذا لم يكن للميّت ولد ولا وارث غيرهنّ» (٦) ، بحمل قوله : «ولا وارث غيرهنّ» على الأبوين.

والفضل بن شاذان قد حكم بالمشاركة بينهم (٧) كما هو المشهور بين الأصحاب ؛ حملا لقوله : «ولا وارث غيرهنّ» على الوالد الذي تقرب ولد الولد به.

وبه صرّح الشيخ قدس‌سره وردّ على الصدوق فيما ذكره ، وغلّطه في (التهذيبين) (٨).

والصدوق في (الفقيه) قد بالغ فيما ذهب إليه ، وردّ على الفضل بن شاذان وغلطه ونسبه إلى القياس ، حيث قال بعد نقل ذلك عنه : (وهذا مما زلت به قدمه عن

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ ـ ٢٦ / ذيل الحديث : ٨٠.

(٢) تهذيب الأحكام ١ : ٨٠ / ذيل الحديث : ٢٠٩ ، الاستبصار ١ : ٧٠ / ذيل الحديث : ٢١٤.

(٣) الوافي ٦ : ٤١٧ ، ٣٢٠ ـ ٣٢١.

(٤) الفقيه ٤ : ٢٠٨ / ذيل الحديث : ٧٠٥ ، عنه في مختلف الشيعة ٩ : ٦٩ / المسألة : ١٧.

(٥) الكافي ٧ : ٨٨ / ٤ ، باب ميراث ولد الولد ، وسائل الشيعة ٢٦ : ١١١ ـ ١١٢ ، أبواب ميراث الأبوين والأولاد ، ب ٧ ، ح ٤.

(٦) الكافي ٧ : ٨٨ / ١ ، باب ميراث ولد الولد ، الفقيه ٤ : ١٩٦ / ٦٧٢ ، وسائل الشيعة ٢٦ : ١١٠ ، أبواب ميراث الأبوين والأولاد ، ب ٧ ، ح ٣ ، بتفاوت.

(٧) عنه في الفقيه ٤ : ١٩٧ ، مختلف الشيعة ٩ : ٦٩ / المسألة : ١٧.

(٨) تهذيب الأحكام ٩ : ٣١٧ / ذيل الحديث : ١١٤٠ ، الاستبصار ٤ : ١٦٧ / ذيل الحديث : ٣٢.

١٥

الطريقة المستقيمة ، وهذا سبيل من يقيس) (١).

مع أن جملة الأصحاب على ما ذهب إليه الفضل في هذه المسألة وهو ظاهر ثقة الإسلام الكليني (٢) ، حيث نقل صحيحة عبد الرحمن المذكورة ، ونقل كلام الفضل بن شاذان ولم ينكره ولم يرده.

الثالث : ما وقع للصدوق رحمه‌الله أيضا في مسألة الردّ على الزوجة لو مات الزوج ولم يخلف وارثا سواها ، فإنه ذهب إلى التفصيل في ذلك بحضور الإمام وغيبته ، فحمل الأخبار الدالة على كون ما زاد على (٣) فريضتها للإمام عليه‌السلام على حال حضوره ، والأخبار الدالة على كون الميراث كملا لها على حال الغيبة (٤).

واعترضه المحدّث الكاشاني في (الوافي) (٥) بأن حكم الإمام عليه‌السلام بكون الميراث لها كملا كان في حال حضوره ، ثم حمل الأخبار الدالة على ذلك على هبته عليه‌السلام حقّه للمرأة ، وحملها الشيخ رحمه‌الله (٦) على ما إذا كانت المرأة قريبة للميّت ولا وارث له أقرب منها ، فتأخذ الربع ميراثا بالفريضة ، والباقي بالقرابة. ولم نقف للقول بالتفصيل على قائل به سوى الصدوق رحمه‌الله.

الرابع : ما وقع له أيضا قدس‌سره في مسألة جواز القنوت بالفارسيّة حيث قال في (الفقيه) ـ بعد نقل صحيحة عليّ بن مهزيار ، قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الرجل يتكلّم في الصلاة الفريضة بكل شي‌ء يناجي ربّه ، قال : «نعم» ـ ما صورته : (ولو لم يرد هذا الخبر لكنت اجيزه بالخبر الذي روي عن الصادق عليه‌السلام أنه قال : «كل شي‌ء

__________________

(١) الفقيه ٤ : ١٩٧ ، باب ميراث ولد الولد.

(٢) الكافي ٧ : ٨٨ ـ ٩٠ / باب ميراث ولد الولد.

(٣) في «ح» : عن.

(٤) الفقيه ٤ : ١٩١ ـ ١٩٢ / ذيل الحديث : ٦٦٦.

(٥) الوافي ٢٥ : ٧٧٢.

(٦) تهذيب الأحكام ٩ : ٢٩٥ / ذيل الحديث : ١٠٥٦ ، الاستبصار ٤ : ١٥٠ ـ ١٥١ / ذيل الحديث : ٥٦٨.

١٦

مطلق حتى يرد فيه نهي» ، والنهي عن الدعاء بالفارسيّة في الصلاة غير موجود (١)) (٢) انتهى.

وظاهره العمل بهذا الخبر المذكور الدال على أن الأشياء كلها على الإطلاق حتى يرد فيها نهي ، وهو موافق لجمهور الاصوليين القائلين بالتثنية في الأحكام ، ومخالف لجملة (٣) من عداه من الأخباريين القائلين بالتثليث : حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك (٤). والذي فهمه جملة الأخباريّين المتأخّرين عنه خلاف ذلك من الحمل على بعض المعاني الّتي لا تنافي التثليث ؛ ولهذا تأوّلوا كلام الصدوق في المقام بما لا يخلو عن ذلك ، كما ذكره صاحب الكتاب المذكور في بعض مباحثه من الكتاب المشار إليه (٥) ، وبعده الشيخ محمّد الحرّ (٦) العاملي في كتاب (الفوائد الطوسيّة) (٧).

ويردّه ما صرّح به الصدوق في كتاب (الاعتقادات) حيث قال : (الباب الثالث والأربعون ، في الحظر والإباحة. قال الشيخ أبو جعفر : اعتقادنا في ذلك أن الأشياء كلها مطلقة حتى يرد فيها نهي) (٨) انتهى.

__________________

(١) غير موجود ، من «ح» والمصدر.

(٢) الفقيه ١ : ٢٠٨ / ٩٣٦ ـ ٩٣٧ ، ولم يصرّح باسم علي بن مهزيار قبل هذه الرواية ، غير أن هناك رواية في تهذيب الأحكام ٢ : ٣٢٦ / ١٣٣٧ عن عليّ بن مهزيار مفروض السؤال فيها هو عينه جواب الإمام عليه‌السلام في رواية (الفقيه). وقد نقلها صاحب (الوسائل) قبل رواية (الفقيه) مباشرة ، انظر وسائل الشيعة ٦ : ٢٨٩ ، أبواب القنوت ، ب ١٩ ، ح ١.

(٣) في «ح» : لمذهب جملة ، بدل : لجملة.

(٤) انظر الكافي ١ : ٦٧ ـ ٦٨ / ١٠ ، باب اختلاف الحديث ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٦ ـ ١٠٧ ، أبواب صفات القاضي ، ب ٩ ، ح ١.

(٥) الفوائد المدنيّة : ١٥٩ ـ ١٦٠.

(٦) في «ح» : الحسن.

(٧) الفوائد الطوسيّة : ٤٢٩ ـ ٤٣٠ / الفائدة : ٩٢ ، ٤٨٧ ـ ٤٨٨ / الفائدة : ٩٦.

(٨) الاعتقادات (المطبوع ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) ٥ : ١١٤.

١٧

وجملة المتأخّرين من الأخباريين كصاحب الكتاب ، بل هو أوّلهم ، وحذا حذوه المحدّث الكاشاني قد اطنبوا في الطعن على من قال من الاصوليّين بالتثنية ، حيث إن ذلك مخالف لما استفاضت به الأخبار من التثليث كما أوضحناه في درّة البراءة الأصليّة (١) ، مع أن الصدوق ـ وهو رئيسهم الذي يلتجئون إليه ويعوّلون في هذه المقالة عليه ـ قد خالف (٢) ذلك ، كما هو صريح كلامه في كتاب (الاعتقادات) وإن كان كلامه في كتاب (الفقيه) ربّما يقبل التأويلات التي ذكروها ، إلّا إنه في عبارة الاعتقادات لا يتمشى لهم ذلك.

هذا وعندي فيما اختاره في كتاب (الفقيه) من جواز القنوت بالفارسيّة استنادا إلى الصحيحة المتقدّمة نظر ؛ فإن الظاهر أن المراد منها هو التكلم والدعاء بكل شي‌ء من المطالب الدينيّة أو الدنيويّة لا باعتبار اللغات المختلفة. ويؤيده التعبير بالتكلّم ؛ فإنه لغة في الكلام العربي ، ولم أطّلع على موافق من الأخباريّين للصدوق في ذلك ، بل صرّح بعض مشايخنا المعاصرين من الأخباريّين بما ذكرناه من معنى الرواية ، وردّ على الصدوق فيما فهمه منها.

ولا يخفى أن هذا المعنى إن لم يكن أقرب مما ذكره ، فلا أقلّ أن يكون مساويا في الاحتمال ، وبه لا يتم الاستدلال. وأما أنه بمجرّد عدم ورود (٣) النهي عن الدعاء بالفارسيّة يكون ذلك مجوّزا للدّعاء بها في الصلاة ، ففيه أن العبادة توقيفيّة من الشارع يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشرع بقول أو فعل أو تقرير ، وأحد الثلاثة لم يرد عنهم عليهم‌السلام في جواز القنوت بالفارسية ، وإلّا للزم أيضا جواز الذكر في الركوع والسجود بالفارسيّة ؛ بناء على أن الواجب فيهما

__________________

(١) انظر الدرر ١ : ١٥٥ ـ ١٨٦ / الدرة : ٦.

(٢) في «ح» بعدها : في.

(٣) من «ح».

١٨

مطلق الذكر ، فإنه لم يرد من الشارع منعه (١) ولا أظنّه يلزمه.

الخامس : ما ذهب إليه المحدث (٢) الكاشاني في مسألة نجاسة الماء القليل بالملاقاة من القول بالعدم (٣) ، وفاقا لابن أبي عقيل (٤) الذي شنع عليه في آخر كلامه ، وتبعه عليه بعض محدّثي متأخّري المتأخّرين (٥) استنادا إلى جملة من الأخبار التي هي بالدلالة على خلافه أشبه ، حتى تأوّل الأخبار الدالة على النجاسة على تعددها وصحة أكثرها وصراحتها بتأويلات بعيدة ، وحملها على محامل غير سديدة ، كما أوضحناه في رسالتنا (قاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل).

السادس : ما ذهب إليه المحدّث المشار إليه (٦) ـ من بين العلماء كلهم مجتهدهم (٧) وأخباريّهم ، وشنع على من خالفه فيه ـ من القول بعدم تعدّي النجاسة إلّا من عين النجاسة دون ما لاقته بعد إزالتها عنه بالتمسيح ونحوه ، من غير تطهير ؛ استنادا إلى ما توهّمه من بعض الأخبار التي لا صراحة ، بل ولا ظهور لها في ذلك ، كما حققناه في الرسالة المشار إليها ، وفي كتابنا (الحدائق الناضرة) (٨).

السابع : ما وقع في حديث «لا رضاع بعد فطام» (٩) حيث إن الّذي فهمه منه

__________________

(١) في «ح» : منه.

(٢) في «ح» بعدها : المحسن.

(٣) مفاتيح الشرائع ١ : ٨١ ـ ٨٤ / المفتاح : ٩٣ ، الوافي ٦ : ١٩.

(٤) عنه في مختلف الشيعة ١ : ٣٢ ـ ٣٣ / المسألة : ١٣.

(٥) ذكر ذلك صاحب مفتاح الكرامة المعاصر للمصنّف ، وقد نقله عن الفتوني والسيد عبد الله الشوشتري. انظر مفتاح الكرامة ١ : ٣٠٧.

(٦) مفاتيح الشرائع ١ : ٧٥ ، الوافي ٦ : ١٥٠ ـ ١٥١.

(٧) في «ح» : مجتهديهم.

(٨) الحدائق الناضرة ٢ : ١٠ ـ ١٧.

(٩) الكافي ٥ : ٤٤٣ ـ ٤٤٤ / ١ ، ٣ ، ٥ ، باب أنه لا رضاع بعد فطام ، الفقيه ٣ : ٣٠٦ / ١٤٦٨ ، وسائل الشيعة ٢٠ : ٣٨٤ ـ ٣٨٥ ، أبواب ما يحرم من الرضاع ، ب ٥ ، ح ١ ـ ٢.

١٩

الصدوق (١) وصاحب (الكافي) (٢) ، هو أن المراد منه : أن المرتضع الأجنبي إذا شرب لبن المرضعة بعد أن يفطم ، فإن ذلك الرضاع لا يحرّم التناكح. والذي فهمه ابن بكير كما رواه عنه الشيخ في (التهذيب) تفسيره بابن المرضعة ، قال في (التهذيب) بعد حكاية كلام ابن بكير في تفسير الحديث المذكور : (أي أنه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حدّ اللبن ، فلا يفسد بينه وبين من شرب من لبنه) (٣) انتهى.

الثامن : ما ذكره الصدوق رحمه‌الله في (الفقيه) بعد أن روى عن محمّد بن الحسن الصفّار أنه كتب إلى أبي محمّد عليه‌السلام : رجل مات وأوصى إلى رجلين يجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقع عليه‌السلام : «لا ينبغي لهما أن يخالفا الميّت ، ويعملان على حسب ما أمرهما إن شاء الله» (٤).

قال : (وهذا التوقيع عندي بخطّه عليه‌السلام ، وعليه العمل دون ما رواه في (الكافي) (٥)) (٦).

وأشار بذلك إلى ما رواه ثقة الإسلام في (الكافي) بسنده (عن بريد بن معاوية قال : إن رجلا مات وأوصى إلى رجلين فقال أحدهما لصاحبه : خذ نصف ما ترك

__________________

(١) الفقيه ٤ : ٣٠٦ / ذيل الحديث : ١٤٦٨.

(٢) الكافي ٥ : ٤٤٤ / ذيل الحديث : ٥ ، باب أنه لا رضاع بعد فطام.

(٣) تهذيب الأحكام ٧ : ٣١٨ / ذيل الحديث : ١٣١١.

(٤) الفقيه ٤ : ١٥١ / ٥٢٣.

(٥) الكافي ٧ : ٤٧ / ٢ ، باب من أوصى إلى اثنين ..

(٦) انظر الفقيه ٤ : ١٥١ / ذيل الحديث : ٥٢٣. وقوله : وعليه العمل دون ما رواه في (الكافي) ، ليس في الفقيه ، بل ورد بعد قوله : بخطّه عليه‌السلام ، في ذيل الحديث : ٥٢٣ قوله : وفي كتاب محمد ابن يعقوب الكليني .. ، ثم ساق الحديث الذي أشار إليه المؤلّف بعده. وما في ذيل الحديث : ٥٢٤ ـ وهو قوله عليه‌السلام : ذلك له ـ ما نصّه : لست افتي بهذا الحديث ، بل افتي بما عندي بخط الحسن بن علي عليه‌السلام ..

٢٠