مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - ج ٢

الشيخ محمّد بن عمر نووي الجاوي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمّد بن عمر نووي الجاوي


المحقق: محمّد أمين الضنّاوي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٩٥
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

سورة مريم

مكية ، ثمان وتسعون آية ، تسعمائة واثنتان وستون ثلاثة آلاف وثلاثمائة وحرفان

بسم الله الرحمن الرحيم

(كهيعص) (١) وهو من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، وقيل : هو ثناء من الله على نفسه ، وهو وصفه تعالى بأنه كاف لخلقه ، هاد لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالم بأمرهم ، صادق في وعده. (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) ، فإن جعلت (كهيعص) اسما للسورة على ما عليه اتفاق أكثر العلماء ، فهي مبتدأ وخبره (ذِكْرُ) أي المسمى (كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (٢) ، أي إصابة الله رحمته عبده زكريا. (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) (٣) ، فإنه أدخل في الإخلاص ، وأبعد من الرياء ، وأقرب إلى الخلاص ، عن لوم الناس على طلب الولد في زمان الشيخوخة. (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي ضعف بدني ، وإنما أسند الضعف إلى العظم لأنه دعامة الجسد ، فإذا ضعف كان غيره أضعف. (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) ، أي أخذ رأسي شمطا ، وقد صار مثل شواظ النار. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (٤) أي ولم أكن بدعائي إياك يا رب خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كلما دعوتك استجبت لي وقد توسّل سيدنا زكريا عليه‌السلام ، بما سلف منه من الاستجابة عند كل دعوة بعد ذكر ما يتسبب للرأفة من كبر السن ، وضعف الحال. (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ) ، أي الذين يخلفونني في السياسة ، وفي القيام بأمر الدين. (مِنْ وَرائِي) ، أي بعد موتي ، وهم بنو عمه عليه‌السلام ، وكانوا أشرار بني إسرائيل ، فخاف عليه‌السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته ، ويبدّلوا عليهم دينهم ، وقوله : (مِنْ وَرائِي) متعلق بمحذوف أي فعل الموالي ، أو جور الموالي لا بـ «خفت» لفساد المعنى. (وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) أي لا تلد من حين شبابها. (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) ، أي أعطني من محض فضلك الواسع ، وقدرتك الباهرة. (وَلِيًّا) (٥) أي ولدا من صلبي. (يَرِثُنِي) ، من حيث العلم والدين والنبوة. (وَيَرِثُ) الملك. (مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ، بن إسحاق ، بن إبراهيم عليه‌السلام ، لأن زوجة زكريا هي أخت مريم ، وكانت من ولد سليمان بن داود ، من ولد يهوذ بن يعقوب. أما زكريا فهو من ولد هارون أخي موسى ، وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق.

٣

وقرأ أبو عمرو والكسائي «يرث» في الكلمتين بالجزم على جواب الأمر ، والباقون بالرفع على أنه صفة. (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٦) أي مرضيا عندك قولا وفعلا. قال تعالى بواسطة الملك جبريل : (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) ، أي ولد يرث العلم والنبوة في حياتك فإنه قتل قبل موت أبيه (اسْمُهُ يَحْيى) لإحيائه رحم أمه بعد موته بالعقم. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) (٧) ، أي شريكا له في الاسم حيث لم يكن قبل يحيى أحد يسمّى بيحيى ، وقيل : أي شبيها في الفضل والكمال ، فإنه لم يعص ولم يهم بمعصية من حال الصغر ، وأنه صار سيّد الشهداء على الإطلاق. (قالَ) زكريا : (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) أي من أين يكون لي ولد ، (وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً) أي والحال أنه قد صارت امرأتي لم تلد قط ، (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) (٨) ، أي يبوسا.

وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس «عسيا» بالسين غير المعجمة (قالَ) أي الله تعالى : (كَذلِكَ) أي الأمر ، ذلك الوعد ، من خلق غلام منكما وأنتما على حالكما ، (قالَ رَبُّكَ هُوَ) ، أي خلق يحيى منكما على حالتكما ، (عَلَيَ) خاصة (هَيِّنٌ) ، وإن كان في العادة مستحيلا. (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) (٩) أي وقد أوجدتك يا زكريا من قبل يحيى ، والحال أنك إذ ذاك عدم بحت.

وقرأ حمزة والكسائي «خلقناك». (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) ، أي علامة تدلني على حصول حبل امرأتي (قالَ) أي الله تعالى : (آيَتُكَ) على تحقق المسؤول (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) ، أي أن لا تقدر على أن تكلم الناس (ثَلاثَ لَيالٍ) مع أيامهن ، (سَوِيًّا) (١٠) ، أي حال كونك سليم الجوارح ، لم يحدث بك مرض ولا خرس. (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ) ، أي من المصلى ، وهم اجتمعوا ينتظرون فتح الباب ليصلّوا فيه بإذنه على العادة ، فخرج إليهم للإذن وهو لا يتكلم ، متغيرا لونه فأنكروه ، فقالوا : ما لك يا نبي الله (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ) أي أشار إليهم ، (أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (١١) ، أي صلوا صلاة الفجر ، وصلاة العصر.

قال الله تعالى ليحيى بعد ما بلغ : (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) ، أي اعمل بما في التوراة بجدّ ، (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ) أي الفهم في التوراة والفقه في الدين. (صَبِيًّا) (١٢) ، أي في صغره. وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ ، فهو ممن «أوتي الحكم صبيا». روي أنه عليه‌السلام دعاه الصبيان إلى اللعب فقال : ما للعب خلقنا. (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً) ، أي وأعطينا تعظيما من عندنا على يحيى ، حيث جعلناه نبيا وهو صغير ، وتشريفا له.

ويقال : وأعطينا يحيى رحمة من لدنّا على زكريا وتزكية له ، عن أن يصير مردود الدعاء. ويقال : وأعطينا يحيى تعطفا منا على أمته لعظم انتفاعهم بإرشاده ، وتوفيقا للتصدق عليهم ، وتطهيرا منا عن الالتفات لغيرنا ، (وَكانَ تَقِيًّا) (١٣). بطبعه ، ومن جملة تقواه ، أنه كان يتقوّت

٤

بالعشب وكان كثير البكاء ، فكان لدمعه مجار على خدّه. (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) ، أي لطيفا بهما ، محسنا إليهما. (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً) أي متكبرا في دينه. (عَصِيًّا) (١٤) ، أي عاصيا لربه ، عاقا بوالديه. (وَسَلامٌ عَلَيْهِ) ، أي أمان من الله تعالى على يحيى. (يَوْمَ وُلِدَ) ، من أن يناله الشيطان. (وَيَوْمَ يَمُوتُ) ، من فتنة القبر ، (وَيَوْمَ يُبْعَثُ) ، من القبر (حَيًّا) (١٥) ، من هول القيامة ، وهذا تنبيه على كونه عليه‌السلام من الشهداء. (وَاذْكُرْ) ، يا أكرم الرسل للناس ، (فِي الْكِتابِ) أي هذه السورة (مَرْيَمَ) أي قصتها ، (إِذِ انْتَبَذَتْ) أي اعتزلت ، (مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) (١٦) أي شرقي بيت المقدس ، وشرقي دارها ، لتتخلى هناك للعبادة. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً) أي فأرخت لأجل منع رؤية أهلها سترا لتغتسل من حيضها ، (فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا) رسولنا جبريل ، (فَتَمَثَّلَ لَها) بعد فراغها من الاغتسال ، وبعد لبسها ثيابها ، (بَشَراً سَوِيًّا) (١٧) أي لم ينقص من الصورة البشرية شيئا.

وكان موضعها المسجد ، فإذا حاضت تحّولت إلى بيت خالتها ، وإذا طهرت عادت إلى المسجد ، فلما طهرت وهي في مغتسلها ، أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها في صورة آدمي شاب أمرد ، وضيء الوجه ، جعد الشعر ، كامل البدن لم ينقص من حسان نعوت الآدمية شيئا. وقيل : تمثّل في صورة ترب لها اسمه يوسف ، من خدم بيت المقدس ، لتستأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى ، (قالَتْ) أي مريم : (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (١٨) أي مطيعا لله ، يرجى منك أن تتقي الله ، ويحصل ذلك بالاستعاذة به ، فإني عائذة به منك.

وقيل : كان في ذلك الزمان ، رجل فاجر اسمه تقي ، يتبع النساء ، فظنت مريم أن ذلك المشاهد هو ذلك التقي ، فمن ذلك تعوّذت منه ، وخصّت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. (قالَ) لها جبريل : (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) الذي استعذت به ، (لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) (١٩) ، أي لأكون سببا في هبة ولد طاهر من الذنوب ، بالنفخ في الدرع.

قرأ نافع وأبو عمرو «ليهب» بياء مفتوحة بعد اللام ، أي ليهب الرب لك ولدا ذكرا ، مترقيا من سن إلى سن ، على الخير. (قالَتْ) مريم لجبريل : (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أي من أين يكون لي ولد كما وصفت ، والحال أنه لم يباشرني رجل بنكاح ، (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) (٢٠) أي فاجرة تبغي الرجال. (قالَ) لها جبريل : (كَذلِكِ) أي الأمر كما قلت لك ، (قالَ رَبُّكِ) الذي أرسلني إليك (هُوَ) أي هبة الولد من غير أن يمسك بشر أصلا. (عَلَيَ) خاصة (هَيِّنٌ) وإن كان مستحيلا عادة ، لأني لا أحتاج إلى الوسائط ، (وَلِنَجْعَلَهُ) أي وهب الولد من غير أب ، (آيَةً لِلنَّاسِ) أي برهانا لهم يستدلون به على كمال قدرتنا نفعل ذلك.

وبهذا إتمام الأنواع الأربعة في خلق البشر ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى معا.

٥

(وَرَحْمَةً) ، عظيمة كائنة (مِنَّا) عليهم يهتدون بهدايته ، (وَكانَ) ، أي خلق الولد بلا أب ، (أَمْراً مَقْضِيًّا) (٢١) أي لا يتغيّر. فلو لم يقع لا نقلب علم الله جهلا وهو محال. وجميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء إلى واجب الوجود ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا فائدة في الحزن ، وهذا هو سرقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب». (فَحَمَلَتْهُ) أي فنفخ جبريل في طوق قميصها نفخة وصلت إلى فرجها ، ودخلت منه جوفها فحملته في الحال ، (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) أي فاعتزلت وهو في بطنها ، (مَكاناً قَصِيًّا) (٢٢) ، أي بعيدا من الناس.

قال وهب : إن مريم لما حملت بعيسى ، كان معها ابن عم لها يقال له : يوسف النجار ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ، ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد عبادة منهما. وأول من علم حمل مريم هو يوسف ، فتحيّر في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط. وإذا أراد أن يبرّئها رأى الذي ظهر بها من الحمل.

فأول ما تكلم به أن قال : قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه ، فغلبني ذلك ، فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري ، فقالت : قل قولا جميلا. قال : أخبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل تنبت شجرة من غير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث؟ وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر ، بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول أن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولو لا ذلك لم يقدر على إنباتها.

فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول : إن الله قادر على ما يشاء ، فيقول له : كن فيكون. فقالت له مريم : ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه.

وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل ، وضيق القلب ، فلما دنت ولادتها ، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك ، فخرجت أقصى الدار. (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ) أي فألجأها وجع الولادة (إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) أي إلى أصل نخلة يابسة لا رأس لها ، وكان الوقت شتاء شديد البرد ، فلما اعتمدت عليه بصدرها اخضر ، وأطلع الجريد ، والخوص ، والثمر رطبا في وقت واحد ، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد.

وكأن الله أرشدها إلى النخلة ليريها من آياته ما يسكن روعتها ، وليطعمها الرطب ، الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء فهو خرسة لها ، ولأن النخلة من أقل الأشجار صبرا على البرد ،

٦

ولأنها لا تثمر إلا عند اللقاح من ذكر النخل ، وإذا قطعت رأسها ماتت. فكأنه تعالى قال : كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر ، فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح. ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ، ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد ، (قالَتْ) لما خافت أن يظن بها السوء في دينها ، فيقع في المعصية من يتكلم فيها وهي راضية بما بشّرها به جبريل : (يا) أي أنبهك يا مخاطب ، (لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا) ، الوقت الذي فيه الأمر العظيم.

وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي «مت» بكسر الميم. والباقون بالضم. (وَكُنْتُ نَسْياً) ، أي شيئا تافها لا يعتدّ به أصلا كخرقة الطمث ، ونحوها.

وقرأ حفص وحمزة وابن وثاب والأعمش بفتح النون ، والباقون بالكسر. وقرأ محمد بن كعب القرظي «نسأ» بالهمز وبهما ، وهو الحليب المخلوط بالماء الكثير ينساه أهله لقلته واستهلاكه في الماء ، (مَنْسِيًّا) (٢٣) أي متروكا لم يذكر بالبال ، وهو نعت للمبالغة. وهذا جرى على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم ، فإنهم يقولون مثل ذلك.

كما روي عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة ، وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر. وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئا. وعن علي أنه قال يوم الجمل : يا ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال أنه قال : ليت بلالا لم تلده أمه. وقرأ الأعمش : «منسيا» بكسر الميم اتباعا للسين. (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (٢٤).

وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي : بـ «من» الجارة ، أي فناداها جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة ، أي لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى ، قد جعل ربك بمكان أسفل منك ، أو قريب منك نهرا صغيرا ، أو إنسانا شريفا جليلا.

ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى ، فناداها ملك من تحتها ، ويقال : فناداها المولود كائنا من تحت ذيلها ، أي لا تحزني يا أمي ، قد جعل ربك تحتك جدولا يجري ، ويمسك بأمرك ، أو نبيا مرتفع القدر. وقرأ الباقون بـ «من» الموصولة.

وقرأ زر وعلقمة «فخاطبها» من تحتها بفتح الميم ، أي فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها أي لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسا عزيزا لا يكاد يوجد له نظير أو جدولا بضرب جبريل الأرض برجله.

ويقال : فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة ، أو من تحت النخلة بأن لا تحزني ، قد جعل ربك قربك عين ماء عذب ، تعظيما لشأنك فإن الله تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات. كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها ما تقدم من أصناف البشارات ، أو

٧

يقال : إن الله تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته تطييبا لقلبها ، وإزالة للوحشة عنها ، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشّرها به جبريل من علوّ شأن ذلك الولد.

كما قال الحسن بن علي رضي‌الله‌عنهما : إن عيسى عليه‌السلام لو لم يكن كلّمها لما علمت أنه ينطق ، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام. وحمل فاعل «نادى» على عيسى أقرب (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي حرّكي أصل النخلة تحريكا عنيفا إلى جهتك ، (تُساقِطْ عَلَيْكِ) أي تسقط النخلة عليك إسقاطا متواترا بحسب تواتر الهز ، (رُطَباً جَنِيًّا) (٢٥) أي طريا استحق أن يجنى.

وقرأ حمزة بفتح التاء والسين مخففة ، وفتح القاف. وقرأ حفص بضم التاء ، وكسر القاف. والباقون بفتح التاء ، وتشديد السين ، وفتح القاف ، (فَكُلِي وَاشْرَبِي) أي فكلي من الرطب ، واشربي من النهر ، أو كلي من الرطب ، واشربي من عصيره. (وَقَرِّي عَيْناً) أي طيبي نفسا بولدك عيسى ، فالعين إذا رأت ما يسّر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره ، وأن دمعة السرور باردة ، ودمعة الحزن حارة ، ولذلك يقال : للمحبوب قرة العين ، وللمكروه سخنة العين. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (٢٦) ، أن فإن تري يا مريم أحدا من الآدميين فيسألك عن ولدك ، فقولي له إن استنطقك : إني نذرت للرحمن صمتا فلن أكلم اليوم آدميا ، بعد أن أخبرتك بنذري وإنما أكلم الملائكة ، وأناجي ربي. وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها ، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها ، ولكراهة مجادلة السفهاء. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ) أي فجاءتهم مع ولدها عيسى حاملة له وهو ابن أربعين يوما.

روي عن ابن عباس أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من النفاس ، ثم حملته إلى قومها ، فكلّمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين. (قالُوا) مؤنبين لها : (يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) (٢٧) ، أي لقد فعلت شيئا منكرا عظيما ، (يا أُخْتَ هارُونَ) ، أي يا شبيهة هارون في العبادة ؛ وكان هارون هذا رجلا صالحا من أفضل الناس من بني إسرائيل ، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح وهذا لمّا مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمّون هارون تبركا به وباسمه. والمراد أنك يا مريم كنت في الزهد كهارون ، فكيف صرت هكذا! (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ) ، أي ما كان أبوك عمران رجلا زانيا ، (وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (٢٨) ، أي وما كانت أمك حنة امرأة فاجرة (فَأَشارَتْ) ، مريم (إِلَيْهِ) ، أي إلى عيسى أن كلموه ، (قالُوا) منكرين لجوابها : (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ) ، أي في الحجر أو في السرير (صَبِيًّا) (٢٩) أي صغيرا ابن أربعين يوما.

روي أن عيسى كان يرضع ، فلما سمع ذلك ترك الرضاع ، وأقبل عليهم بوجهه ، واتكأ على يساره ، وأشار بسبابة يمينه ، فتكلم عيسى (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) ، وإنما نص عيسى على إثبات عبودية نفسه ، لأن إزالة التهمة عن الله تعالى ، تفيد إزالة التهمة عن الأم ، لأن الله تعالى لا يخص

٨

الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية. أما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى ، فكان الاشتغال بذلك أولى. وقد وصف عيسى عليه‌السلام نفسه بصفات ثمانية : أولها : العبودية ، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها. وآخرها : تأمين الله له في أخوف المقامات ، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. (آتانِيَ الْكِتابَ) ، أي علمني التوراة والإنجيل في بطن أمي ، (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (٣٠) بعد الخروج من بطن أمي ، (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً) أي نفاعا معلما للخير ، (أَيْنَ ما كُنْتُ) ، أي في أي مكان كنت.

روى الحسن عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سلمت مريم عيسى إلى الكتاب ، فقالت للمعلم : أدفعه إليك على أن لا تضربه ، فقال له المعلم : اكتب. فقال : أيّ شيء أكتب؟ فقال : اكتب أبجد. فرفع عيسى عليه‌السلام رأسه فقال : هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه ، فقال : يا مؤدب لا تضربني ، إن كنت لا تدري فاسألني فإني أعلمك الألف من آلاء الله ، والباء من بهاء الله ، والجيم من جمال الله ، والدال من أداء الحق إلى الله». (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) أي أمرني بإقامة العبودية وتطهير النفس عن الصفات الذميمة. (ما دُمْتُ حَيًّا) (٣١) ، في الدنيا ليكون ذلك حجة على من ادعى أنه عليه‌السلام إله ، لأنه لا شك في أن من يعبد إلها ليس بإله ، والله تعالى صيّره حين انفصل عن أمه عاقلا. (وَبَرًّا بِوالِدَتِي) أي وكلفني برا بأمي ، وهذا إشارة إلى غير تنزيه أمه عن الزنا ، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها. (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً) ، أي متعاظما. (شَقِيًّا) (٣٢) أي عاصيا لله ، عنيدا له لفرط التكبر ، بل جعلني متواضعا. وكان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ، ويجلس على التراب ، ولم يتخذ له مسكنا. وروي أن عيسى عليه‌السلام ، قال : قلبي لين وأنا صغير في نفسي. (وَالسَّلامُ عَلَيَ) أي الأمان من الله علي ، (يَوْمَ وُلِدْتُ) ، أي حين ولدت من لمزة الشيطان ، (وَيَوْمَ أَمُوتُ) ، أي حين أموت من ضغطة القبر ، (وَيَوْمَ أُبْعَثُ) من القبر ، (حَيًّا) (٣٣). وإنما خصّ هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها. (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ) ، أي عيسى بن مريم كلمة الله ، فالحق اسم الله ، أو المعنى خبر عيسى ابن مريم خبر الحق ، فعيسى عطف بيان.

وقرأ عاصم وابن عامر قول الحق بالنصب على المدح إن فسّر بكلمة الله فحينئذ الوقف في مريم وقف كاف وإن فسّر بالقول الصدق ، كان مصدرا مؤكدا لقال : إني عبد الله ، فـ «عيسى» خبر المبتدأ وعلى قراءة النصب كان اسم الإشارة راجعا لمن بينت نعوته الجليلة. (الَّذِي فِيهِ) ، أي في عيسى (يَمْتَرُونَ) (٣٤) ، أي يتنازعون.

فيقول اليهود : هو ساحر. ويقول بعض النصارى : هو ابن الله. ويقول بعضهم : هو الله. ويقول : بعضهم هو شريكه. (ما كانَ لِلَّهِ) ، أي ما صحّ له تعالى ، (أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) ، لأنه يلتزم من اتخاذه ولدا الحاجة ، وهو نقص ، (سُبْحانَهُ) ، أي تنزه الله عن ذلك ، (إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٣٥). أي إذا أراد الله أن يحدث أمرا من الأمور ، فإنما يريده ويعلق قدرته به ، فيكون

٩

حينئذ بلا تأخير. وقرأ ابن عامر بنصب «يكون» على الجواب. (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ).

قرأ ابن عامر والكوفيون بكسر «إن» عطف على قوله : «إني عبد الله» أو على الاستئناف ، ويؤيده ما قرأه أبي «إن الله» بالكسر بغير واو. وقرأ أبو عمرو والمدنيون بالفتح على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده ، أي ولأن الله أو بسبب أنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه. (هذا) التوحيد ونفي الولد والزوجة الذي أمرتكم به ، (صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٣٦) ، يوصل إلى الجنة ورضا الله تعالى. (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) ، أي اختلف النصارى في شأن عيسى عليه‌السلام بعد رفعه إلى السماء. فأخرج كل قوم عالمهم ، فأخرج منهم أربعة نفر ، فقال أحدهم : هو الله تعالى هبط إلى الأرض ، فأحيا من أحيا وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء ، وهم : اليعقوبية. فقالت الثلاثة كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث : قل فيه ، قال : هو ابن الله وهم النسطورية. فقال الاثنان : كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه. فقال : هو ثالث ثلاثة الله إله ، وهو إله ، وأمه إله ، وهم الإسرائيلية ، ملوك النصارى ، ولذلك سموا ملكانية. فقال الرابع : كذبت ، بل هو عبد الله ، وروحه ، ورسوله ، وكلمته ، فخصمهم ، وقال : أما تعلمون أن عيسى كان يطعم ، وينام ، وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك ، وهم المسلمون. وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال ، فاقتتلوا وغلبوا على المسلمين.

فذلك قول الله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) [آل عمران : ٢١] فصاروا أحزابا. وذلك قوله تعالى : (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) فاختلفوا فيه ، وهذا معنى قوله تعالى : (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فَوَيْلٌ) أي فشدّة عذاب ، (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي اختلفوا في شأن عيسى ، (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (٣٧) ، أي من حضور هول الحساب ، والجزاء يوم القيامة ، أو من مكان الحضور في الحساب وهو الموقف ، أو من وقت حضوره ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم ، وهو شهادة الملائكة والأنبياء ، وشهادة ألسنتهم وأيديهم ، وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، أو من وقت شهادة يوم عظيم الهول أو من مكانها. (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا) ، أي أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء ، جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميانا في الدنيا. (لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٣٨) ، أي لكن الكافرون في الدنيا في ضلال مبين ، حيث تركوا النظر بالكلية ، وهم في الآخرة يعرفون الحق. (وَأَنْذِرْهُمْ) ، أي خوف يا أشرف الخلق ، كفار مكة (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) ، أي يوم الندامة ، (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) أي فرغ من الحساب ببيان أمر الثواب والعقاب ، فيندم في ذلك اليوم الناس ، المسيء على إساءته في الدنيا ، والمحسن على قلة إحسانه فيها.

روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سئل عن قوله تعالى : (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) ، فقال : «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح ، والفريقان ينظران فينادي المنادي : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار ، خلود فلا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح ، وأهل النار غما إلى

١٠

غم». (١) و «إذ» بدل من «يوم الحسرة» أو ظرف لـ «الحسرة» ، و «يوم الحسرة» مفعول به ، أي خوفهم نفس ذلك اليوم. (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٣٩) ، أي أنذرهم في حال كونهم في جهلة عن ذلك اليوم ، وفي حال كونهم لا يصدقون به. (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها) ، أي إنا لا ندع في الأرض شيئا من عاقل وغيره ونسلب جميع ما في أيديهم (وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) (٤٠) أي وإلى حكمنا يردّون للجزاء ، وهذا تخويف عظيم للعصاة. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ) ، أي واتل على كفار مكة قصة إبراهيم في هذه السورة ، فإنهم ينتسبون إليه عليه‌السلام ، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح. (إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً) أي يبلغ الصدق في أقواله ، وأفعاله وأحواله. (نَبِيًّا) (٤١) ، رفيع القدر عند الله ، وعند الناس ، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه ، وبين عباده. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ) ، آزر ، متلطفا في الدعوة : (يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ) ، ثناءك عليه ، (وَلا يُبْصِرُ) ، خشوعك بين يديه ، (وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) (٤٢) ، أي ولا يقدر على أن يكفيك شيئا من جلب نفع ، أو دفع ضرّ. (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي) ، من الله ، (مِنَ الْعِلْمِ) ، أي علم الوحي ، (ما لَمْ يَأْتِكَ) ، منه ، (فَاتَّبِعْنِي) ، بالتوجه إلى الله ، (أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا) (٤٣) ، أي طريقا موصلا إلى أسنى المطلب ، منجيا عن المعاطب. (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) ، فإن عبادتك للأصنام عبادة له ، إذ هو الذي يزيّنها بوسوسته. (إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا) (٤٤) ، فطاعة العاصي عصيان ، والعصيان يوجب العذاب. (يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ). إن لم تؤمن به ، (فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا) (٤٥) أي قرينا في العذاب.

روي عن أبي هريرة أنه قال : قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أوحى الله إلى إبراهيم عليه‌السلام ، أنك خليلي ، فحسّن خلقك ، ولو مع الكفار ، تدخل مداخل الأبرار ، فإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه ، أن أظلّه تحت عرشي. وأن أسكنه حظيرة قدسي ، وأن أدنيه من جواري» (٢). (قالَ) آزر : (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) ، أي أمعرض أنت عن آلهتي! (يا إِبْراهِيمُ) ، أنكر آزر نفس الانصراف عن الأصنام مع نوع من التعجب ، كان الانصراف عنها مما لا يصدر من العاقل. (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) ، عن مقالتك هذه ، (لَأَرْجُمَنَّكَ) ، أي لأقتلنك ، أي لأظهرن ، أمرك للناس ليقتلوك ، وهذا تهديد عما كان إبراهيم عليه من العظة. (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (٤٦) أي تباعد عني لكيلا أراك زمانا طويلا. (قالَ)

__________________

(١) رواه البخاري في كتاب التفسير ، باب : قوله : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) ، ومسلم في كتاب الجنّة ، باب : ٤ ، والترمذي في كتاب التفسير ، تفسير سورة ١٩ ، باب : ٢ ، والدارمي في كتاب الرقاق ، باب : في ذبح الموت ، وأحمد في (م ٢ / ص ٣٧٧).

(٢) رواه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٢ : ١٥٥) ، والعجلوني في كشف الخفاء (١ : ٣٠٨) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦ : ٢٤٣٢).

١١

إبراهيم : (سَلامٌ عَلَيْكَ) ، وهذا توادع ومتاركة ، أي لا أشافهك بما يؤذيك بعد. (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) ، أي أدعو لك ربي أن يهديك إلى الإيمان ، فإن حقيقة الاستغفار للكافر طلب التوفيق للإيمان المؤدي للمغفرة. (إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) (٤٧) ، أي بليغا في البرّ والألطاف. (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ، أي وأترككم وما تعبدون من الأصنام ، بالارتحال من بلادكم. (وَأَدْعُوا رَبِّي) ، أي أعبده وحده. (عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي) ، أي بعبادته ، (شَقِيًّا) (٤٨) ، أي ضائع العمل كما ضاع عملكم بعبادة الأوثان. فارتحل سيدنا إبراهيم من كوثي إلى الأرض المقدسة. (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ، أي فلما فارقهم إبراهيم في المكان في طريقتهم من عبادة الأوثان وأبعد عنهم إلى الأرض المقدسة ، والتشاغل بالعبادة ، (وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) ، يأنس بهما لأنه عاش حتى رأى يعقوب. (وَكُلًّا) أي كل واحد منهم (جَعَلْنا نَبِيًّا) (٤٩) ، ينبئهم الله تعالى بعلوم المعارف ، وهم ينبّئون الخلق بالله وبالإسلام. (وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا) ، المال ، والجاه والأتباع ، والذرية الطيبة. (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (٥٠) ، أي جعلنا لهم ثناء صادقا يفتخر بهم الناس ، ويثنون عليهم ، ويذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة ، بما لهم من الخصال المرضية.

وتقول هذه الأمة في الصلوات الخمس : كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى قيام الساعة. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً). قرأه عاصم وحمزة والكسائي ، بفتح اللام أي معصوما من الأدناس اختاره الله تعالى. والباقون بالكسر أي مخلصا لعبادته عن الرياء ، ولنفسه عما سوى الله. (وَكانَ رَسُولاً) إلى بني إسرائيل والقبط ، (نَبِيًّا) (٥١) يخبرهم عن الله تعالى. (وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) أي الذي يلي يمين موسى ، والطور : جبل بين مصر ومدين ، وذلك حين توجه من مدين إلى مصر ، أي تمثل له الكلام من تلك الجهة. يقول يا موسى : (إِنَّنِي أَنَا اللهُ) [طه : ١٤] (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) (٥٢) ، أي مناجيا أي رفعنا قدره ، وشرّفناه بالمناجاة ، بأن أسمعه الله تعالى كلامه بلا واسطة. وقيل : رفعناه مكانا عاليا فوق السموات ، حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح. (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا) (٥٣) ، أي وجعلنا أخاه هارون نبيا من أجل رأفتنا به ، ليكون وزيرا له ، ومعينا له في تبليغ الرسالة.

وهذا إشارة إلى أن النبوة ليست كسبية ، بل هي من مواهب الله تعالى ، يهب لمن يشاء النبوة والرسالة ، وإشارة إلى أن لموسى اختصاصا بالقربة ، والقبول عند الله تعالى ، حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته ، كما يهب الأنبياء والرسل بشفاعة سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه‌السلام». (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ) ، فكان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده.

روي عن ابن عباس رضي‌الله‌عنهما إنه عليه‌السلام وعد صاحبا له أن ينتظر في مكان ، فانتظره

١٢

سنة. وقد وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ، (وَكانَ رَسُولاً) إلى جرهم ـ وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا في وادي مكة ـ بشريعة أبيه ، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته. (نَبِيًّا) (٥٤) ، يخبر عن الله ، (وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ) ، أي قومه ، (بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) ، أي الصدقات الواجبة ، (وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) (٥٥) ، أي فائزا في كل طاعاته بأعلى الدرجات. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ) ، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح (إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً) ، أي ملازما للصدق في جميع أحواله ، (نَبِيًّا) (٥٦) ، وهذا مخصص للخبر الأول ، إذ ليس كل صديق نبيا. (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) (٥٧) ، وهو السماء الرابعة.

وكان سبب رفعه إليها ، أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال : يا ربّ إني قد مشيت فيها يوما فأصابني منها ما أصابني ، فكيف من يحملها مسيّرة خمسمائة في يوم واحد؟ اللهم خفف عنه من ثقلها ، وحرّها ، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ، ما لا يعرف ، فقال : يا ربّ خففت عني حرّ الشمس ، فما الذي قضيت فيه؟ قال : إن عبدي إدريس ، سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته ، قال : يا ربّ اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن الله تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء. (أُولئِكَ) العشرة المذكورون في هذه السورة ، (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ) ، بفنون النعم الدينية والدنيوية ، (مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) ، وهو إدريس ، (وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) أي ومن ذرية من مع نوح في السفينة وهو إبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح ، (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ) ، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، (وَإِسْرائِيلَ) ، أي ومن ذرية يعقوب ، وهم يوسف ، وإخوته ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، (وَمِمَّنْ هَدَيْنا) ، أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق. (وَاجْتَبَيْنا) أي اصطفيناهم للإسلام ، كعبد الله بن سلام ، وأصحابه واسم الموصول خبر اسم الإشارة ، ومن النبيين بيان للموصول ، ومن ذرية بدل بإعادة الجار ، ومن للتبعيض. (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ) وهي ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم ، (خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (٥٨) ، من مخافة الله تعالى.

قال العلماء : ينبغي أن يدعو الساجد للتلاوة في سجدته بما يليق بآياتها ، فههنا يقول : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين ، الساجدين لك ، الباكين عند تلاوة آياتك ، اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) ، أي حدث من بعد النبيين جماعة سوء ويقال لعقب الخير : «خلف» بفتح اللام ولعقب الشر : «خلف» بالسكون. (أَضاعُوا الصَّلاةَ) ، أي تركوها ، (وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ).

قال ابن عباس رضي‌الله‌عنهما : هم اليهود ، تركوا الصلاة المفروضة ، وشربوا الخمر ، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن علي رضي‌الله‌عنه : هم من بني المشيد ، وركب المنظور ، ولبس المشهور. (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (٥٩) أي واديا في جهنم ، بعيدا قعره ، تستعيذ منه

١٣

أوديتها ، أعد للزناة ، وشربة الخمر ، وشهّاد الزور ، وأكلة الربا ، والعاقّين لوالديهم. (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ) أي من اتصف بهذه الأمور الثلاثة : (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ) ، أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم ، (شَيْئاً) (٦٠).

وتوقّف الأجر على العمل الصالح هو الغالب ، لأنه لا تناط الأحكام إلا بالأعم الأغلب ، ولا تناط بالنادر ، كمن تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة ، أو وجد الحيض ، فإنه لا يجب عليه العمل قبل وجود سببه وشرطه ، فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة ، مع أنه لم يصدر عنه عمل صالح ، من صلاة وزكاة وصوم ، وعلى هذا لا يتوقف الأجر على وجود العمل الصالح. (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ) ، حال من المفعول أي وهم غائبون عنها لا يرونها ، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه تعالى ، أي وعدهم بها وهم في الدنيا ، ومن في الدنيا لا يشاهدها. (إِنَّهُ) تعالى أو إن الشأن ، (كانَ وَعْدُهُ) تعالى ، (مَأْتِيًّا) (٦١) ، أي مفعولا منجزا أي الوعد منه تعالى لا بد من وقوعه فهو وإن كان بأمر غائب ، فكأنه حاصل مشاهد. (لا يَسْمَعُونَ فِيها) أي الجنة (لَغْواً) أي فضول كلام لا فائدة فيه (إِلَّا سَلاماً) من بعضهم على بعض ، أو من الملائكة عليهم. فإن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. فأهل الجنة لا يحتاجون إلى هذا الدعاء لأنهم في دار السلام ، فهذا من فضول الحديث لو لا ما فيه من فائدة الإكرام. (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها) أي طعامهم في الجنة ، (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (٦٢) أي لهم رزق واسع ودائم ، فلهم ما يشتهون متى شاءوا ، إذ لا ليل فيها ، ولا بكرة ، ولا عشيّ. وإنما ذكرهما ليرغب كل قوم بما أحبوه ، لأنه لا شيء أحب إلى العرب من الغداء والعشاء ، فوعدهم بذلك. ولذلك ذكر أساور الذهب ، والفضة ، ولباس الحرير ، التي كانت عادة العجم ، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وهي كانت من عادة أشراف العرب في اليمن. (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) (٦٣) من الكفر أي هذه الجنة التي عظم شأنها ، نعطيها من أطاعنا عطاء لا يردّ كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث. (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).

قيل : احتبس جبريل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين سألوه في أمر الروح وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ، فقال : «أخبركم غدا» ، ولم يقل : إن شاء الله ، حتى شق على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم نزل بعد أيام ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أبطأت علي حتى ساءني ، واشتقت إليك» (١). فقال له جبريل : إني كنت أشوق ، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست ، فأنزل الله تعالى : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، حكاية قول جبريل أمره الله تعالى أن يقوله لمحمد جوابا لسؤاله بقوله : يا جبريل : «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» (٢) والمعنى وما نتنزل من السماء وقتا غبّ وقت إلّا

__________________

(١) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٧ : ٢٥٤٧) ، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٩١٨).

(٢) رواه أحمد في (م ١ / ص ٣٥٧) ، والحاكم في المستدرك (٢ : ٦١١) ، والطبري في التفسير

١٤

بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته. (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ) ، أي لربك ما قدّامنا وما خلفنا من الجهات ، وما نحن فيه ، فلا ننتقل من جهة إلى جهة ، ومن مكان إلى مكان ، إلّا بأمره ومشيئته ، فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (٦٤) أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك ، فعدم النزول لعدم الأمر به لحكمة بالغة فيه.

وقال أبو مسلم : ويجوز أن يكون قوله تعالى : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، حكاية قول أهل الجنة يدخلونها ، والمعنى : وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله تعالى ولطفه ، له ما بين أيدينا في الجنة مما يكون مستقبلا ، وما خلفنا مما كان في الدنيا ، وما بين ذلك فيما نحن فيه مما بين الوقتين. وقول تعالى : (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ابتداء كلام من الله تعالى ، تقرير لقولهم أي وما كان الله ناسيا لأعمال العاملين وللثواب عليها بما وعدهم ، لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة. (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) ، فلا يجوز عليه النسيان ، وهو بدل من ربك أو خبر مبتدأ مضمر أي هو (فَاعْبُدْهُ) ، يا أكرم الرسل ، (وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ) ، وعدي الاصطبار باللام لأن العبادة جعلت بمعنى القرب ، ففيه معنى الثبات لأن العبادة ذات شدائد ومشاق ، فكأنه قيل : اثبت لعبادة الرب ، ولا يضق صدرك ، من قول الكافرين لك. (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ) ، أي للرب (سَمِيًّا) (٦٥) أي نظيرا فيما يقتضي العبادة ، من كونه منعما بأصول النعم وفروعها ، وشريكا في الاسم الخاص كرّب السموات والأرض وما بينهما وكالله. وعن ابن عباس رضي‌الله‌عنهما : لا يسمّى بالرحمن غير تعالى. (وَيَقُولُ الْإِنْسانُ) أبي بن خلف الجمحي بطريق الإنكار والاستبعاد فإنه أخذ عظاما بالية ففتّها ، وقال : يزعم محمد أنا نبعث ما نموت ، ونصير إلى هذه الحال أو الوليد بن المغيرة ، أو أمية بن خلف. (أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) (٦٦) ، أي أبعث من الأرض. (أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ) وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وقالون ، عن يعقوب بسكون الذال ، وضم الكاف ، أي أيقول المجترئ بهذا الإنكار على ربه ولا يتفكر ، (أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ) ، أي من قبل الحالة التي هو فيها من نطفة منتنة ، (وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) (٦٧) أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا ، أي أولا يعلم ذلك من حال نفسه؟ لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا ، ثم صار حيا فيها. (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) أي لنجمعنّ القائلين بعدم البعث بالسوق إلى المحشر ، بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء. (وَالشَّياطِينَ).

روي أن كل كافر يحشر مع شيطانه الذي يضلّه في سلسلة. (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ) بعد طول الوقوف في المحشر (حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) (٦٨) ، أي باركين على الركب ، لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم. (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) أي من كل أمة تبعث دينا من الأديان ، (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) (٦٩) أي جراءة. أي فمن كان أشدهم تمردا في كفره ، خصّ

__________________

(١٦ : ٧٨) ، والقرطبي في التفسير (١١ : ١٢٨).

١٥

بعذاب أعظم ، لأن عذاب الضّال المضل ، يجب أن يكون فوق من يضلّ تبعا لغيره ، وليس عذاب من يتجبّر كعذاب المقلّد ، وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل ، كعذاب من يقتدي به مع الغفلة. (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها) أي أحقّ بجهنم (صِلِيًّا) (٧٠) أي دخولا فنبدأ بهم. (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) أي ما منكم أيها الإنسان أحد إلّا حاضر قرب جهنم ، ويمرّ بها المؤمنون ، وهي خامدة ، وتنهار بعيرهم.

وعن جابر أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل فقال : «إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة»(١). وروي أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية» (٢) ، فقالت حفصة أليس الله يقول : وإن منكم إلّا واردها؟فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ثم ننجي الذين اتقوا»أي نبعدهم عن عذاب جهنم.

وقيل : ورود جهنم هو الجواز على الصراط الممدود عليها ، وقيل : الورود : الدخول ، فالمؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر ألبتة ، بل مع الغبطة والسرور. (كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) (٧١) أي كان ورودهم إياها أمرا محتوما أوجبه الله تعالى على ذاته. (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) من الكفر والمعاصي ، أي نخرجهم منها ، فلا يخلدون بعد أن أدخلوا فيها ، وإنما دخلوا لهم فيها ليشاهدوا العذاب ، ليصير ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ) ، بالكفر والمعاصي (فِيها) أي جهنم (جِثِيًّا) (٧٢) أي منهارا بهم. (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ) أي المشركين ، (آياتُنا) الناطقة بحسن حال المؤمنين ، وسوء حال الكفرة ، (بَيِّناتٍ) أي مرتلات الألفاظ ، مبينات المعاني ، (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي مردوا منهم على الكفر ، ومرنوا على العناد ، وهم : النضر بن الحرث ، وأتباعه الفجرة. (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش ، ورثاثة ثياب وضيق منزل ، واللام للتبليغ لأنهم شافهوا المؤمنين وخاطبوهم بقولهم : (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) أي المؤمنين والكافرين (خَيْرٌ مَقاماً) أي منزلا. وقرأ ابن كثير بضم الميم (وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (٧٣) أي مجلسا أي أنحن أو أنتم.

روي أنهم كانوا يرجلون شعورهم ، ويدهنونها ، ويتطيبون ، ويتزينون بالزينة الفاخرة ، ثم يدعون فقراء المؤمنين ، ويقولون مفتخرين عليهم : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم ، وانظروا إلى مجالسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس في صدر المجلس ، وأنتم في طرفه الحقير. فإذا كنا بهذه المثابة ، وأنتم بتلك ، فنحن عند الله خير منكم ، ولو كنتم على خير لأكرمكم بهذه الأمور ، كما أكرمنا بها.

__________________

(١) رواه ابن عبد البر في التمهيد (٧ : ١٥٦) ، بما معناه.

(٢) رواه أحمد (م ٦ / ص ٣٦٢).

١٦

والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات ، بينات الإعجاز ، وعجزوا عن معارضتها ، شرعوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا ، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) ، أي كثيرا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش ، من أمم عاتية كعاد ، وثمود وأمثالهم ، (هُمْ أَحْسَنُ) من هؤلاء (أَثاثاً) أي أمتعة (وَرِءْياً) (٧٤) ، أي منظرا ، أي فهم أفضل من هؤلاء فيما يفتخرون به ، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا ، أي فإن ما أنتم أيها الكفار فيه من النعم ، محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئا عند نزول البلاء بكم ، كما وقع للأمم الماضية ، حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم ، ومع ذلك أهلكهم الله بكفرهم ، ولم ينفعهم الترفه شيئا (قُلْ) يا أشرف الرسل لهؤلاء المفتخرين بما لهم من حظوظ : (مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) ، وهذا الأمر بمعنى الخبر ، أي من كان مستقرا في الضلالة ، مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور ، فيمهله الله بطول العمر ، وبسط المال ، وإنفاقه فيما يستلذّ به من الأوزار ، ولا يزال يمدّ له استدراجا وقطعا للمعاذير يوم القيامة. (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) ، من الله تعالى (إِمَّا الْعَذابَ) الدنيوي بغلبة المسلمين عليهم ، وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا ، (وَإِمَّا السَّاعَةَ) ، أي ما نالهم يوم القيامة من الخزي والنكال. (فَسَيَعْلَمُونَ) حينئذ ، (مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً) أي منزلا من الفريقين (وَأَضْعَفُ جُنْداً) (٧٥) ، أي أقلّ ناصرا ، أهم أم المؤمنون. وهذا ردّ لما كانوا يزعمون أن لهم أنصارا من الأخيار ، ويفتخرون بذلك في المحافل ، (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا) بالإيمان ، (هُدىً) أي بالإخلاص ، وبالعبادات المتفرعة على الإيمان ، وبالثواب على ذلك الإيمان. (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ) ، أي الطاعات التي تبقى فوائدها (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً) أي فائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) (٧٦) أي عاقبة. (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا) ، الناطقة بالبعث ، وهو العاص بن وائل السهمي ، (وَقالَ) لخباب بن الأرت : (لَأُوتَيَنَ) في الآخرة (مالاً وَوَلَداً) (٧٧).

نزلت هذه الآية في شأن العاص بن وائل ، عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أقتضيه ، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لن أكفر به ، حتى تموت ثم تبعث. قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ، قلت : نعم ، قال : إني إذا بعثت وجئتني فسيكون لي ثمّ مال وولد ، فأعطيك.

وقرأ حمزة والكسائي «وولدا» بضم الواو وسكون اللام. وقيل : صاغ خباب للعاص حليا فطلب الأجرة ، فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون ، وأن في الجنة ذهبا ، وفضة ، وحرير ، أفأنا أقضيك ، ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ فأجاب الله تعالى عن كلامه بقوله تعالى : (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) أي أعلم الغيب ، وأن يعطى ما قاله ، أو أقد بلغ من عظمة الشأن ، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب ، الذي انفرد الله به ، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا ، وأقسم عليه. (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ

١٧

عَهْداً) (٧٨) ، بأن يؤتى ما قاله ، وقيل : المعنى انظر في اللوح المحفوظ أن له ما يقول ، أم اعتقد وحدة الله بكلمة الشهادة فيكون له ما يقول.

وعن قتادة : هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بدلك ما يقول : (كَلَّا) ردع له عن التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة ، وتنبيه على خطئه ، أي لا يكون له ما يقول ، (سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ) ، أي سنظهر له أنا كتبنا قوله ونؤاخذه به ، (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا) (٧٩) أي نطوّل به من العذاب ما يستحقه ، ونضاعفه له لكفره وافترائه على الله تعالى ، واستهزائه بآياته ، (وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ) ، أي ننزع ما آتيناه بموته ، ونحرمه ما تمناه في الآخرة من مال ، وولد ، ونجعله لغيره من المسلمين ، (وَيَأْتِينا) يوم القيامة (فَرْداً) (٨٠) لا يصحبه مال ، ولا ولد ، ولا عشيرة ، ولا خير. (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً) ، أي اتخذ كفار قريش الأصنام آلهة متجاوزين الله تعالى ، (لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) (٨١) أي ليكون الأصنام مانعين لهم من عذاب الله ، (كَلَّا) أي لا مانع من عذابهم ، فلا يعتقدوا أن الأصنام شفعاء لهم عنده تعالى ، (سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ) أي سيجحد الأصنام بعبادتهم لها ، بأن ينطقها الله تعالى ، وتقول ما عبدتمونا ، (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ) أي تكون الأوثان التي كانوا يرجون أن تكون لهم منعة من العذاب ، (ضِدًّا) (٨٢) ، أي أعداء وأعوانا بالعذاب ، فإنهم وقود النار ، ولأنهم عذّبوا بسبب عبادتهم. (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (٨٣) أي ألم تنظر يا أشرف الرسل ، أنا سلطنا الشياطين على الكافرين ، تهيّجهم على المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس ، (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) ، بطلب إهلاكهم حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم. (إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) (٨٤) ، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة ، وأنفاس معدودة ، فنضبط عليهم ما يقع منهم ، حتى نؤاخذهم به ولا نهمله. (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) بإيمانهم ، (إِلَى الرَّحْمنِ) أي إلى محل كرامة ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة ، (وَفْداً) (٨٥) ، أي وافدين على ربهم ، منتظرين لكرامتهم وأنعامهم ، فبعضهم كانوا ركبانا على نجائب سرجها من ياقوت ، وعلى نوق رحالها من ذهب ، وأزمتها من زبرجد ، من أول خروجهم من القبور ، أو من منصرفهم من الموقف حتى يقرعوا باب الجنة. (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ) بكفرهم ومعاصيهم (إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً) (٨٦) أي عطاشا بإهانة كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) (٨٧) ، أي لا يستحق هؤلاء المجرمون أن يشفع لهم غيرهم ، إلا من اتخذ كلمة الشهادة بالتوحيد والنبوة ، ولو كانوا أهل الكبائر.

وروى ابن مسعود أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأصحابه ذات يوم : «أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا» قالوا : وكيف ذلك؟ قال : «يقول كل صباح ومساء : اللهم فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر ، وتبعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ، ووضع تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم

١٨

عند الرحمن؟ عهد ، فيدخلون الجنة» (١). (وَقالُوا) أي الكافرون (اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً) (٨٨) عزيرا ، والمسيح ، والملائكة ، (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا) (٨٩) أي لقد قلتم قولا منكرا عظيما (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) ، أي يتشققن (مِنْهُ) أي من قولهم ، (وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ) أي تنخسف بهم ، (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا) (٩٠) أي تسقط الجبال منطبقة عليهم. (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) (٩١) أي من نسبهم ولدا للرحمن ، وهذا بدل من الهاء في منه.

قال ابن عباس : فزعت السموات والأرض والجبال ، وجميع الخلائق إلا الثقلين ، وغضبت الملائكة حين قالوا : الله ولد ، أي استعظاما للكلمة ، وتهويلا من فظاعتها ، وتصويرا لأثرها في الدين. (وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) (٩٢) ، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد ، ولا مشبه لله تعالى. ولأن اتخاذ الوالد إنما يكون لأجل سرور الوالد به ، واستعانته به ، وذكر جميل به ، وكل ذلك لا يليق به تعالى ، محال عليه. وهذه الجملة حال من فاعل قالوا أو دعوا ، (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) (٩٣) ، أي ما من أحد فيهما إلا مملوك له ، مقرّ له بالعبودية ، مطيع له ، غير الكافر. (لَقَدْ أَحْصاهُمْ) فلا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه ، وقبضة قدرته وملكوته ، (لَكَ صَدْرَكَ) (١) أي عدّ أشخاصهم ، وأنفاسهم ، وأفعالهم ، وكل شيء عنده بمقدار ، (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) (٩٥) أي كل واحد منهم يجيء إلى الله وحيدا ، بلا مال ، ولا أتباع. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) (٩٦) أي سيحدث لهم في القلوب محبة ، من غير تعرض للأسباب من قرابة ، أو صداقة ، أو اصطناع معروف ، أو غير ذلك تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة. كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب إعظاما لهم. أي إن الله تعالى وعدهم أن يؤلف بين قلوبهم في الدنيا إذا ظهر الإسلام ، وأن يحبّبهم إلى خلقه يوم القيامة ، بما يظهر من حسناتهم ، وينشر من ديوان أعمالهم ، على رؤوس الأشهاد. (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ) أي القرآن (بِلِسانِكَ) أي أنزلناه ميسرا بلغتك (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) ، بامتثال ما فيه من الأمر والنهي ، (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) (٩٧) ، أي الذين يجادلون فيه بالباطل وهم كفار مكة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) أي قرونا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين ، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) (٩٨) أي هلكوا جميعا فلم يبق منهم عين ، ولا أثر فلا يرى منهم أحد ، ولا يسمع منهم صوت حفي ، أي فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. وختم الله تعالى هذه السور بموعظة بليغة ، لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا ومن الانتهاء إلى الموت ، خافوا ذلك وخافوا سواء العاقبة في الآخرة ، فكانوا أقرب إلى الحذر من المعاصي.

__________________

(١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٠٨).

١٩

سورة طه

مكية ، مائة وخمس وثلاثون ، ألف وثلاثمائة وإحدى

وأربعون ، خمسة آلاف ومائتان اثنان وأربعون

بسم الله الرحمن الرحيم

(طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢). أي لتتعب بالمبالغة في محاورة الطغاة ، وفرط التأسف على كفرهم ، أو لتهلك نفسك بالعبادة وبكثرة الرياضة ، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة ، (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) (٣) ، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في تبليغه ، ولكن تذكرة لمن يسلم. (تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) (٤) ، منصوب على المدح والاختصاص ، أو منصوب بـ «يخشى» مفعولا به أي أمدح تكليما من الله ، أو أنزل الله القرآن تذكرة لمن يخشى ، تكليم الله تعالى. (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (٥) أي الرحمن أوجد الكائنات ، ودبر أمرها فالاستواء على العرش ، مجاز عن الملك والسلطان ، متفرع على الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير ، يقال : استوى فلان على سرير الملك ، ويراد بهذا القول صار فلان ملكا ، وإن لم يقعد على السرير أصلا. والمراد هنا بيان تعلّق إرادته تعالى بإيجاد الكائنات ، وتدبير أمرها. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ، سواء كان فيهما جزءا منهما ، أو حالا فيهما. (وَما بَيْنَهُما) ، من الموجودات الكائنة في الجوّ دائما كالهواء ، والسحاب ، أو أكثريا كالطير (وَما تَحْتَ الثَّرى) (٦) ، أي والذي تحت الأرض السابعة السفلى ، لأن الأرضين على ظهر الحوت ، والحوت على الماء والماء على صخرة خضراء ، فخضرة السماء منها والصخرة ، على قرني ثور ، والثور على الثرى ، وهو التراب الندي ، ولا يعلم ما تحته إلا الله أي أنه تعالى مالك لهده الأقسام الأربعة ، تصرفا وإيجادا وإعداما ، وإحياء ، وإماتة. (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ) ، أي وإن تجهر بذكره تعالى ودعائه ، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك. (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) (٧) أي لأنه يعلم ما أسررته إلى غيرك في خفاء ، وما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلا. وهذا إما نهي عن الجهر وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى ، بل لغرض آخر كحضور القلب ودفع الشواغل ، والوسوسة : (اللهُ) ، أي ذلك الموصوف بصفات الكمال ، هو الله لا إله إلا هو ، (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ).

٢٠