🚘

الرسائل الأحمديّة - ج ٢

الشيخ أحمد آل طعّان

الرسائل الأحمديّة - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد آل طعّان


المحقق: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الموضوع : الفقه
الناشر: دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
المطبعة: أمين
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

الرسالة الثامنة

نقض رسالة الشيخ علي الستري

٧
٨

مقدّمة المؤلِّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين ، والصلاةُ والسلامُ على محمّد وآلهِ الطاهرين.

أمّا بعد : فيقول المفتاق (١) للطف ربّه ، والمعتاق بجرمه وذنبه ، المتعطّش لرشيح فيض ربّه البحراني : أحمد بن صالح بن طعّان البحراني ، ملّكه الله نواصي عواصي الأماني ، وذلّل له شوامس المباني وشواكس المعاني : إنّي لمّا عملت رسالة كافية شافية في تأييد القول المشهور باستحباب الجهر بالبسملة في الأخيرتين ، وضعف قول ابن إدريس (٢) بتخصيص ذلك بالأُوليين ، مشفوعاً بذكر الدليل من الطرفين ، عثرت على رسالة لبعض الفضلاء المعاصرين (٣) اختار فيها قول الحلّي بغير دليل جليّ ، ولا

__________________

(*) ورد في هامش المخطوط هذه التعليقة :

بسم الله تعالى : هذه الرسالة الشريفة للعلّامة الأمجد والركن المعتمد الصالح الشيخ أحمد نجل العالم التقي الشيخ صالح البحراني الستري قدّس الله سرّه ونوّر قبره ؛ نقضاً لرسالة الفاضل العليّ الأوّاه الشيخ عليّ بن المرحوم الشيخ عبد الله الستري في تعيين الإخفات بالبسملة في الأخيرتين وفاقاً لابن إدريس عليه الرحمة ، ولقد أجاد شيخنا الصالح قدس‌سره بما أفاد. حرّرهُ الأقلّ الجاني علي البلادي البحراني ، لطف الله به ، آمين.

(١) المفتاق : المحتاج. لسان العرب ١٠ : ٣٥٣ فوق.

(٢) السرائر ١ : ٢١٨.

(٣) الشيخ علي بن الشيخ عبد الله ساكن ( لنجة ) الآن. ( هامش المخطوط ).

الشيخ علي بن عبد الله بن الشيخ علي الستري البحراني من العلماء الأعلام ، انتقل من البحرين وسكن

٩

مستند بالقبول مليّ ، فأجلت جواد الفكر في فيافيها ، وسرّحت بريد النظر في باديها وخافيها ، فعنَّ لي أن اذيّلها بما يميّز الغثّ من السمين ، والبائر من الثمين ، فلم أزل أقدّم رجلاً وأُؤَخّر اخرى ، ولم أدرِ أيّ الحالين أحرى حتى صمّمت العزم ناهضاً ، وغدوت في تلك الحلبة راكضاً ، سائلاً منه سبحانه الهداية إلى نهج الصواب ، والفوز بجزيل الثواب في المآل والمآب ، إنّه حسبي وإليه متاب.

__________________

( مطرح ) ثم بارحها الى بلدة ( لنجة ) من توابع إيران ، فأقام بها حتى وفاته في سنة ١٣١٩ ه‍. له من المصنّفات : لسان الصدق ، ومنار الهدى ، وقامعة أهل الباطل ، ومجلد يشتمل على جملة رسائل ، وديوان شعره. أنوار البدرين : ٢٣٦ / ١٠٩ ، منتظم الدرّين ٣ : ٩٤.

١٠

المقدّمة

قال بعد البسملة ، بلّغه الله ما أمّله ـ : ( الحمد لله الهادي إلى الصواب ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الأطياب.

أمّا بعد : فإنّ الجهر بالبسملة في الركعتين الأُوليين من الصلاة الإخفاتيّة ، والثالثة والرابعة من الثلاثيّة والرباعيّة ، ممّا اضطربت فيه أقوال العلماء الأعلام بحيث لا يرجى فيها ائتلاف ولا التئام ، فذهب الأكثر من أصحابنا لاستحباب الجهر بها في الأُوليين والأخيرتين للإمام والمنفرد ).

أقول والله الموفّق لارتقاء سلّم الوصول لتحقيق الفروع والأُصول ـ : لا يخفى ما في هذا الكلام من المسامحة في التعبير ، والخلل التام على ثاقبي الأذهان والأفهام.

أمّا المسامحة ، فهو أنّ التعبير بـ ( ذهب ) أنّما حقّه أن يقال على البعض المخالف في المذهب كما لا يخفى على من له أدنى اتّصال بالسنَة أُولئك الأبدال ، وهؤلاء المختلفون نفس مجموع الفرقة المحقّة والثلّة الحقّة ، إلّا إنّ جمّا غفيراً قد سلكوا هذا التسامح بناءً على المجاز لا الحقيقة ، وإلّا فهو غير مستقيم على الطريقة.

المناقشة في نسبة القول بالتخصيص للأكثر

وأمّا الخلل ، فهو نسبة القول بتخصيص الجهر بالإمام والمنفرد دون المأموم إلى الأكثر ، ولا يخفى فساده على ذي نظر ، لأنّهم رضوان الله عليهم قد حكموا باستحباب الجهر بها في المواضع الإخفاتيّة من غير تقييد بحالة الانفراديّة والإماميّة ،

١١

وملزومُ هذا الحكم هو الشمول لحالة المأموميّة ؛ لدخولها في المواضع السرّيّة.

ويؤيّده أُمور :

الأوّل : تصريح جملة من المحقّقين كالمحقّق البهائي (١) ، والسيّد عليّ الطباطبائي في شرحه على ( النافع ) ناسباً له إلى الأكثر ، بل المشهور ، ناقلاً عليه الإجماع عن ( الخلاف ) كالجهر بالبسملة ، فإنّه قال عند قول الماتن في عداد المستحبّات : والجهر بالبسملة ما لفظه : ( حيث تُقرأ للإمام والمأموم وفاقاً للأكثر على الظاهر المصرّح به في كلام جمع ، بل المشهور في كلام آخرين ، وفي ( الخلاف ) الإجماع عليه ) (٢) .. إلى آخر كلامه ، زيد في إكرامه.

ولا يخفى ما فيه من الصراحة على ذي رجاحة ، ألا ترى كيف ساوى بين الأمرين في الحكم ، والقائل بلا مَيْنٍ (٣)؟!

الثاني : تأكيده بـ ( أجمع ) في جملة من العبارات منها : ( المفاتيح ) و ( حاشية القواعد ).

ففي الأوّل في عدّ المستحبّ : ( وأنْ يجهر بالبسملة في مواضع الإخفات أجمع ) (٤).

وفي الثاني للمحقّق الثاني : ( وإطلاق الروايات يتناول مواضع الإخفات أجمع ) (٥). ومثلهما غيرهما في الصراحة على المراد.

الثالث : كلام محقّق ( المعتبر ) ، فإنّه قال : ( إذا تقرّر أنّها آية من الحمد ، فحيث يجب الجهر بالحمد يجب الجهر بها ، وحيث يجب الإخفات أو يستحبّ يستحبّ الجهر بها خاصّة ) (٦). انتهى. وهو صريح في ذلك ومؤيّد لما هنالك.

والتقريب فيه : أنّ مراده بما يجب الإخفات فيه قراءة الإمام والمنفرد في الإخفاتيّة ، وبما يستحبّ الإخفات فيه قراءة المأموم ؛ بناءً على قوله باستحباب قراءة

__________________

(١) الحبل المتين : ٢٢٨ ٢٢٩.

(٢) رياض المسائل ٢ : ٣٠٦ ٣٠٧ ، الخلاف ١ : ٣٣٢ / مسألة ٨٣.

(٣) المَيْنُ : الكذب. لسان العرب ١٣ : ٢٣٦ مين.

(٤) مفاتيح الشرائع ١ : ١٣٥.

(٥) جامع المقاصد ٢ : ٢٦٧ ، بتفاوتٍ يسيرٍ.

(٦) المعتبر ٢ : ١٨٠.

١٢

المأموم في الجهريّة إذا لم يسمع ولو همهمة ، إذ لا يستحبّ شي‌ء وتجب صفته ، بل تكون مستحبّة مثله.

الرابع : كلام شيخنا المبرور الشيخ حسين آل عصفور الذي هو أوّل مَنْ قال باستثناء الإخفات للمأموم من ذلك العموم ، فإنّه قال : ( وينبغي أنْ يستثنى من هذا الحكم المأموم خلف الإمام ، حيث تكون القراءة واجبة عليه كالمسبوق ، أو مستحبّة كالذي لا يسمع قراءة خلف الإمام ولا همهمة ، فيترجّح له الإخفات بالبسملة ) .. إلى آخره.

فإنّ تعبيره بانبغاء الاستثناء يقتضي أنّ مَنْ قبله لم يستثنوا المأموم مع أنّه ينبغي استثناؤه ، إذ لم يستثنِ المأموم إلّا هو ، وبعده ابنه الشيخ حسن والشيخ سليمان آل عبد الجبّار.

وبالجملة ، فإنكار نسبة هذا القول إلى المشهور إنكار الشمس في رابعة النهار ، وإنّ قول البهائي (١) ليس قولاً برأسه كما توهّمه ، وإنّما هو تصريح بالعموم كالمشهور ، وإلى الله تصير الأُمور.

نسبة القول بتحريم الجهر لما عدا الامام لابن الجنيد

قال سدّده الله في المقال ـ : ( وذهب ابن الجنيد إلى تخصيص الاستحباب بالإمام والتحريم لما سواه ).

أقول : لا يخفى أنّ نسبة القول بتحريم الجهر لما عدا الإمام إلى ابن الجنيد خلاف ما نقله غير واحد عنه ، وصرّح به في كتاب ( الأحمدي ) من قوله بعدم وجوب الجهر والإخفات في مواضعهما واختياره جواز الأمرين فيهما.

قال في كتابه ( الأحمدي ) : ( لو جهر بالقراءة في ما يخافت أو خافت في ما يجهر جاز ، والاستحباب أن لا يفعل ذلك ) (٢). انتهى.

وهو صريح في المخالفة لما نقله عنه ، بل مقتضى هذا المختار أنّ استحباب الجهر مخصوص بالإمام ، وأمّا غيره فحكمه الإخفات في الإخفاتيّة على جهة الاستحباب ، فلو جهر جاز كما هو مقتضى عبارة ( الأحمدي ) والنقل المشتهر عنه

__________________

(١) الحبل المتين : ٢٢٨ ٢٢٩.

(٢) عنه في مدارك الأحكام ٣ : ٣٥٦.

١٣

غاية الاشتهار ، فاعتبروا يا أُولي الأبصار.

رأي البهائي وأبي الصلاح

ثمّ قال : ( وذهب الشيخ البهائي في ( الاثني عشريّة ) إلى استحباب الجهر بها للإمام والمأموم والمنفرد ، وذهب أبو الصلاح (١) إلى وجوب الجهر في أوليي الظهر والعصر بين الحمد والسورة ، والظاهر أنّه للإمام والمنفرد والمنع من الجهر في الأخيرتين ).

أقول : قد مرّ ما في جعل قول البهائي قولاً قسيماً للمشهور ، وأنّ الحقّ أنّه تصريح بالعموم كالمشهور ، ومنه يظهر ضعف ما قاله عن أبي الصلاح من أنّ ظاهره اختصاص الاستحباب بالإمام والمنفرد ، فإنّه خلاف ظاهره ، بل هو صريح في التعميم كغيره ، فالتقدير يحتاج إلى دليل ، وليس له عليه من سبيل.

وأمّا ما نسبه إليه من المنع من الجهر في الأخيرتين فهو خارج عن نهج الصواب مخالف لظاهر الأصحاب ، فإنّ ظاهرهم موافقة أبي الصلاح للمشهور في الأخيرتين وإنّما خالفه في الأُوليين ، ولهذا تراهم عند ذكر الخلاف يبدؤون بالقول المشهور ثمّ يخصّون ما خالفه بالذكر ويتركون ما يوافقه ، ألا تراهم عند ذكر قول ابن إدريس إنّما يذكرون الشقّ المخالف للمشهور وهو تخصيص الاستحباب بالأُوليين ، وعند ذكر قول ابن البرّاج يطلقون مخالفة المشهور بإيجاب الجهر مطلقاً ، وعند ذكر قول ابن الجنيد إنّما يذكرون الشقّ المخالف أيضاً وهو تخصيص الاستحباب ، وهذا بحمد الله ظاهر لذوي الأفهام.

الإطلاق في قول ابن البرّاج

ثمّ قال : ( وذهب ابن البرّاج إلى وجوب الجهر ، والظاهر أنّ مراده في الأُوليين دون الأخيرتين ، لأنّ عبارته في ( المهذّب ) لا يستفاد منها الإطلاق ؛ لأنّه رحمه‌الله ذكر ما يفعل في الأولتين من الصلاة من القراءة ، ثمّ قال : ( ويخافت بقراءة السورتين في الظهر والعصر ، إلّا ببسم الله الرحمن الرحيم فإنّه يجهر بها في كلّ الصلوات ويجهر [ بالقراءة في صلاة (٢) ] العشاءين

__________________

(١) الكافي ( أبو الصلاح ) ضمن سلسلة الينابيع الفقهية ٣ : ٢٦٣.

(٢) في المخطوط : ( بقراءة ) ، وما أثبتناه من المصدر.

١٤

والغداة ) (١). انتهى.

فالعبارة لا يستفاد منها إلّا وجوب الجهر في الأُوليين من كلّ صلاة جهريّة كانت أم إخفاتيّة ، ولا جهر ولا إخفات إلّا في الأُوليين ، والأخيرتان إنّما هما إخفات قطعاً ، ويزيده [ إيضاحاً (٢) ذِكْرُهُ رحمه‌الله بَعْدُ حكمَ الأخيرتين وتخييره بعد ذلك بين الحمد والتسبيح وإهمال ذكر البسملة بالكلّيّة ، مع أنّ بعض الفضلاء (٣) نقل عنه القول بوجوب الجهر من غير أنْ يذكر الأُوليين والأخيرتين ، بل اقتصر على حكاية الوجوب.

نعم ، يستفاد من العبارة الجهر للإمام والمأموم ؛ بناءً على تجويز القراءة له خلف الإمام المرضيّ والمنفرد لإطلاقهما ، فادّعاء وجوب الجهر في الأُوليين والأخيرتين على هذا الشيخ لا وجه له ).

أقول : لا يخفى على مَنْ له من المعرفة أوفر خلاق ما أفاده كلامه من الإطلاق ، ولا ينافيه ذكر ما يفعل في الأُوليين وقوله : ( ويخافت بقراءة السورتين ) ثمّ ذكر الجهر بالبسملة ؛ لأنّ قصارى ما فيه تعليل استثناء البسملة من السورتين بأنّه يجهر بها في كلّ الصلوات ، فقصارى ما يدلّ عليه الاستدلال على فرد خاصّ بدليل عام ، وهو شائع بينهم بلا نكير ولا ملام.

ويؤيّد استفادة الإطلاق أُمور :

الأوّل : التعبير بـ ( كلّ ) التي هي من أدوات العموم والاستغراق لما تحقّق في فنّه ، فإخراج البعض يحتاج إلى دليل ، وليس فليس.

فإنْ قيل : إنّ ( كلّاً ) كما تأتي لتعريف الأجزاء تأتي لتعريف الأفراد.

قلنا : إنّا نحملها هنا على إرادة الأفراد.

قلتُ : لا يخفى على مَنْ جاس خلال الديار واقتبس من أنوار تلك الآثار ، أنّ إتيانها لتعريف الأفراد إنّما هو مخصوص بحالة إضافتها إلى النكرات ، أمّا إذا أُضيفت إلى المعارف كما هنا فهي لتعريف الأجزاء قطعاً بلا هن وهنات.

__________________

(١) المهذب ١ : ٩٢.

(٢) ] في المخطوط : ( أيضاً ما ) ، وما أثبتناه من المصدر.

(٣) الجواهر ٩ : ٣٨٩.

١٥

الثاني : أنّ الجمّ الغفير والجمع الكثير من جهابذة النقّاد وذوي الفكر الوقّاد كالشهيدين (١) والشيخ سليمان الماحوزي والسيد نعمة الله الجزائري والشيخ سليمان بن الشيخ أحمد الخطّي وغيرهم من الفضلاء ، صرّحوا باختياره الوجوب على جهة الإطلاق ، وهم أعرف منّا بمصطلحاتهم ومعرفة أقوالهم وأنقالهم.

الثالث : أنّ أُولئك الفضلاء قد نقلوا عنه التصريح بالوجوب ، وكلامه في ( المهذّب ) غير نصّ فيه ، لأنّ قوله : ( فإنّه يجهر بها في كلّ الصلوات ) أعمّ من الوجوب ، مع ما في دلالة الجملة الخبريّة عليه من المناقشات والمناقضات ، وما ذاك إلّا لاطّلاعهم على الوجوب والإطلاق من سائر المصنّفات كما يشهد به كلام الشيخ المقداد في ( التنقيح ) ، حيث قال في شرح قول المحقّق : ( ومن السنن الجهر بالبسملة ) .. إلى آخره ما لفظه :

( قال ابن البرّاج : يجب الجهر بها في ما يخافت ؛ لمواظبة الرضا عليه‌السلام على ذلك ) (٢) ، فإنّه ظاهر في حكاية لفظ ابن البرّاج ، وهو صريح في العموم والإطلاق بلا ارتتاج ، كما لا يخفى على مَنْ له إلى المعرفة أدنى معراج.

فظهر أنّ قوله سلّمه الله تعالى ـ : ( فالعبارة لا يستفاد منها إلّا وجوب الجهر في الأُوليين من كلّ صلاة جهريّة كانت أم إخفاتيّة ) في غير محلّه ، مع أنّ حكم أُوليي الجهريّة غنيٌّ عن البيان بديهي العرفان.

وأمّا قوله : ( والأخيرتان إنّما هي إخفات قطعاً ) ففيه ما فيه ، إذ قصارى ما دلّ عليه الدليل هو الإخفات بالقراءة ، إلّا إنّ البسملة خرجت بالدليل الخارجي المقتضي للجهر بها في أُوليي الإخفاتيّة العامّ للأخيرتين ؛ لعدم المدخليّة للفرق بين ذينك الموضعين ، كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى الإشارة إليه والاستدلال عليه.

وأمّا ذكره رحمه‌الله بَعْدَ حُكمِ الأخيرتين وإهمال ذكر البسملة بالكلّيّة ونقل بعض الفضلاء عنه الوجوب من غير أنْ يذكر الأُوليين والأخيرتين ، فلا يخفى على ذي قلب

__________________

(١) البيان ( الشهيد الأوّل ) : ١٦١ ، روض الجنان ( الشهيد الثاني ) : ٢٦٨.

(٢) التنقيح الرائع ١ : ١٩٩ ، وفيه : ( لمواظبة الصادق عليه‌السلام على ذلك ).

١٦

بري‌ء من الريب والرين أنّ ذينك الأمرين أنّما هو حجّه عليه بلا مَيْنٍ (١).

أمّا الأوّل ؛ فلا اعتماد على ما ذكره من إطلاقه الجهر بها ، فلا حاجة إلى التنبيه عليه ثانياً.

وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الاقتصار على حكاية الوجوب دليل العموم ؛ لما تقرّر في مقرّه من أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم ، وسائر غاياته المذكورة في محلّها لا مدخل لها هنا ، فليس إلّا ما ذكرنا.

وأمّا استفادة الجهر للإمام والمأموم من العبارة فهو غني عن التصريح ، بل الإشارة ، وهو يؤيّد ما قلناه من أنّه اختيار الأكثر.

فظهر أنّ تخصيص هذا الشيخ الوجوب بالأُوليين دعوى عادمة الدليل ، ومظلمة طخياء فاقدة السبيل.

كلام الصدوق

ثمّ قال أصلح الله له البال ـ : ( وقريب منه كلام الصدوق ؛ لأنه رحمه‌الله ذكر أوّلاً ما يقرأ في الأُوليين ، ثمّ قال : ( واجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات ، واجهر بجميع القراءة في المغرب والعشاء الآخرة والغداة ثمّ قال ـ : ولا تجهر بالقراءة في صلاة الظهر والعصر ) (٢). والمتيقّن إنّما هو الجهر في الأُوليين في جميع الصلوات في الجهريّة والإخفاتيّة لا في جميع الركعات ، وذكره الأخيرتين من غير ذكر الجهر بالبسملة في الفاتحة دليل على ما قلناه ، فتأمّل ).

أقول : لا يخفى على نبيل نبيه خاض عُباب ( مَنْ لا يحضره الفقيه ) كونه على الدلالة على مدّعى هذا الفاضل بوادٍ سحيق ، وبعده عن مساحة التحقيق ، ووقوعه في شرك المضيق.

أمّا أوّلاً ؛ فلذكره أوّلاً ما يقرأ في الأُوليين ، ثمّ ذكر الجهر بالبسملة بعده أنّما هو أمر اصطلاحي ، إذ لا مشاحّة في الاصطلاح ، وقد جرت عادة القوم بذلك والسلوك في هذه المسالك ، كما لا يخفى على مَنْ أحاط خبراً بما هنالك.

وأمّا ثانياً ؛ فلأنّ العطف أنّما وقع بـ ( الواو ) التي هي لمطلق الجمع عند المحقّقين ،

__________________

(١) المَيْنُ : الكذب. لسان العرب ١٣ : ٢٣٦ مين.

(٢) الفقيه ١ : ٢٠٢ / ذيل الحديث ٩٢٣.

١٧

فلا تفيد ترتّب أحد الحكمين على الآخر ، والإتيان بحكم البسملة هنا أنّما هو لمناسبة المقام إيّاه ، حيث إنّه لا يرى القراءة في الأخيرتين حتى يذكره بعد الموضعين.

وأمّا ثالثاً ؛ فلأنّه رحمه‌الله حكم بالجهر في ( جميع الصلاة ) كما هو في كثير من النسخ الصحيحة المصحّحة ، أو في ( جميع الصلوات ) كما في بعضها (١) ، ولا يخفى على ذوي الحلوم ما في كلا النسختين من العموم.

أمّا على النسخة الأُولى ؛ فللإتيان بـ ( جميع ) التي هي من أدوات العموم والاستغراق مضافة إلى المفرد المحلّى باللّام الجنسيّة إنْ [ لم (٢) ] نقل الاستغراقيّة كما اختاره بعض محقّقي الإماميّة (٣).

وأمّا على النسخة الثانية ؛ فلإضافة ( جميع ) إلى ( الصلوات ) الذي هو جمع محلّى باللّام ، فيفيد العموم إجماعاً منّا ، ولم يخالف فيه منهم إلّا مَنْ لا يُعبأ به ، فلو لم يكن الإتيان بـ ( جميع ) تأكيداً للعموم لكان تأكيداً للإلباس ، واللازم باطل ، فالملزوم مثله.

بيان الملازمة : أنّ كلّاً من ( جميع ) و ( اللّام ) يفيدان العموم ، واللفظ الدالّ على شي‌ء يتأكّد بتكرّره ، فلو لم يرد منهما العموم لزم الاشتباه وتكرّر بالتأكيد كما لا يخفى على ذي رأي سديد ، مع أنّ المتبادر ضرورةً من قصد أهل اللغة هذا التركيب إزالةُ اللبس بهذا التكرير ، ولا ينبّئك مثل خبير.

وأمّا رابعاً ؛ فلأنّه قدس‌سره حكم أوّلاً بالجهر بها في جميع الصلاة أو الصلوات ، ثمّ عقّبه بالجهر في قراءة الصلوات الثلاث الجهريّات ، ثمّ نهى عن الجهر في قراءة الظهرين ، فلم يحتج إلى التنبيه إلّا لبسملة الصلوات الإخفاتيّة ؛ لحصول التنبيه على حكمها في المواضع الجهريّة ، فلو أراد قدس‌سره من قوله : ( جميع الصلاة ) أو ( الصلوات ) الأُوليين دون الاخريات لكان من قبيل الألغاز والمعمّيات اللذين يصان عنهما كلام أُولئك السراة ، مع أنّه لو أراد الحصر في الأُوليات لم يعجز عن التعبير بقوله بعد ذكره ما يقرأ في الأُوليين ـ : واجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيهما أو في أُوليي الظهرين ؛ صوناً

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠٢ / ذيل الحديث ٩٢٣.

(٢) زيادة اقتضاها السياق.

(٣) معالم الأُصول : ١٤٦ ١٤٧.

١٨

لكلامه عن الريب والرين.

وقوله سلّمه الله ـ : ( والمتيقّن إنّما هو الجهر في الأُوليين ).

إنْ أراد عنده فقط فنعم ، وإنْ أراد عند الكلّ نفاه شاهدُ عدلٍ من السبر والوجدان ، وَوهمه ذوو العرفان وثاقبوا الأذهان.

وأمّا قوله : ( وذكره الأخيرتين ) .. إلى آخره ، لا يخفى ما فيه من عدم الدلالة على مَنْ أشرقت عليه شمس الجلالة :

أمّا أولاً ؛ فلأنّ مختاره رحمه‌الله إنّما هو الجهر بالتسبيح (١) ، ولم يختر القراءة حتى يذكر الجهر بالبسملة كما يحكم به الذهن الصحيح.

وأمّا ثانياً ؛ فلأنّه لمّا حكم بعموم الجهر بالبسملة أوّلاً لم يحتج إلى ذكره ثانياً ؛ حذراً من الإطناب والإسهاب كما جرت به عادة الأصحاب ، وحيث قلنا : إنّ مختاره قدس‌سره الجهر بالتسبيح فلا بدّ من نقل كلامه متّصلاً ؛ ليكون شاهداً على هذا الحكم الصريح.

قال رحمه‌الله : ( وأفضل ما يقرأ في الصلاة في اليوم والليلة في الركعة الأُولى ( الحمد ) و ( إنّا أنزلناه ) وفي الثانية ( الحمد ) و ( قل هو الله أحد ) إلى أنْ قال ـ : واجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلاة ، واجهر بجميع القراءة في المغرب والعشاء الآخرة والغداة من غير أنْ تجهد نفسك أو ترفع صوتك شديداً ، وليكن ذلك وسطاً ؛ لأنّ الله عزوجل يقول ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) (٢) ولا تجهر بالقراءة في صلاة الظهر والعصر ، فإنّ مَنْ جهر بالقراءة فيهما أو أخفى بالقراءة في المغرب والعشاء والغداة متعمّداً فعليه إعادة الصلاة (٣) ، فإنْ فعل ذلك ناسياً فلا إعادة عليه (٤) إلّا يوم الجمعة في صلاة الظهر فإنّه يجهر فيها وفي الركعتين الأُخراوين بالتسبيح ) (٥). ثمّ ذكر الأخبار الدالّة على أفضليّة التسبيح (٦).

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠٢ / ذيل الحديث ٩٢٣.

(٢) الإسراء : ١١٠.

(٣) في المصدر : ( صلاته ) ، بدل : ( الصلاة ).

(٤) في المصدر : ( فلا شي‌ء عليه ) ، بدل : ( فلا إعادة عليه ).

(٥) الفقيه ١ : ٢٠١ ٢٠٢ / ذيل الحديثين ٩٢٢ ، ٩٢٣.

(٦) الفقيه ١ : ٢٠٢ ٢٠٣ / ٩٢٤ ٩٢٥.

١٩

ولا يخفى على ذي فكر صحيح ورأي رجيح أنّ نصّ هذا الكلام الصريح مرجوحيّة القراءة وأفضليّة التسبيح ، فإنْ اختار المصلّي القراءة جهر بالبسملة ، وإنْ اختار التسبيح جهر به أيضاً ، إلّا إنْ الظاهر من عبارته في هذا الكتاب أنّ ذلك على سبيل الاستحباب لا الإيجاب وإن كان كلامه في ( المجالس ) (١) صريحاً في الأخير كما لا يخفى على الناقد البصير. ولا منافاة بين أفضليّة التسبيح وبين ذكر الجهر بالبسملة حتى يمتنع أحدهما بوجود الآخر ، وترى القائلين بأفضليّة التسبيح بل بتعيّنه لا بدّ أنْ يصرّحوا بالجهر بها أيضاً.

لا يقال : هذا الكلام لا يدلّ على الجهر بالتسبيح ؛ لجواز أنْ يكون قوله : ( وفي الركعتين الأُخراوين ) عطفاً على الركعة الاولى في قوله : ( وأفضل ما يقرأ .. إلى قوله ـ : في الركعة الأُولى الحمد وإنّا أنزلناه ) .. إلى آخره.

لأنّا نقول : هذا لا يجوز :

أمّا أوّلاً ؛ فلمخالفة السوْق كما يحكم به مَنْ له إلى الإنصاف تَوْق ويشهد به الذوق ، فإنّ الجهر في الكلام الأوّل مرفوع على الخبريّة ، والتسبيح في الثاني مجرور بالباء ، مع أنّ مراعاة الأُسلوب عند الفصحاء مطلوب.

وأمّا ثانياً ؛ فلما بينه وبين المعطوف عليه من البعد غاية ، والاعتراض بالجمل أكثريّة نهاية ، بحيث يخرج به الكلام من أدنى مراتب الفصاحة وينسلك في سلك السماحة والقباحة ، بل لا يصدر مثله من المتناهي في الفهاهة (٢) فضلاً عمّن رقى أعلى مدارج الفقاهة كما لا يخفى على ذي سماحة ورجاحة ، هذا مع وجود المصحّح بل المرجّح لعطفه على القريب اللصيق كما لا يخفى على مَنْ شرب من رحيق التحقيق.

وأمّا ثالثاً ؛ فلأنّه رضى الله عنه لو أراد العطف على الركعة الأُولى كما قيل لأتى بقوله : ( وفي الركعتين الأُخراوين بالتسبيح ) عقيب انقضاء الكلام على ما يستحبّ قراءته في الأُوليين في سائر الأيام ، ولم يفصل بما يوجب اللبس على الأنام.

وأمّا رابعاً ؛ فلأنّ مبنى وجوب الإخفات به على بدليّته عن الحمد أوّلاً ، ولزوم

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٥١١.

(٢) فَهَّ عن الشي‌ءِ : نَسِيَهُ. لسان العرب ١٠ : ٣٤٣ فهه.

٢٠