🚘

أصول الفقه - ج ١٢

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ١٢

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مكتبة الفقه والأصول المختصّة
المطبعة: ستاره
ISBN: 978-600-5213-85-0
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

[ التعادل والتراجيح ]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وحده وعليه نتوكّل وبه نستعين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين. الكلام في مباحث التعادل والتراجيح (١).

قوله : وإن كانت النتيجة مقيّدة بحال العلم وكان الحكم الواقعي مخصوصاً بصورة العلم به فاجتماع النقيضين وإن لم يلزم لتغاير الموضوعين ، إلاّ أنّه يلزم التصويب المجمع على بطلانه ... الخ (٢).

كون ذلك من قبيل التصويب محلّ تأمّل ، فإنّ التصويب إنّما هو عبارة عن كون الأحكام دائرة مدار الظنّ أو مدار العلم ، بحيث يكون العلم أو الظنّ تمام الموضوع بالنسبة إلى الحكم ولو في موارد الخطأ ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، فإنّ أقصى ما في البين هو أخذ العلم بالنسبة إلى الحكم الواقعي ولو بنحو نتيجة التقييد جزءاً للموضوع ، نظير باب الجهر والاخفات والقصر والاتمام بالنسبة إلى الجاهل بوجوبها ، فالحكم الواقعي في أمثال [ ذلك ] يكون محفوظاً في درجته ، غايته دلّ الدليل ولو بنحو نتيجة التقييد [ على ] أنّ ذلك الحكم

__________________

(١) [ ذكر المصنّف قدس‌سره عبارات وتواريخ تدلّ على أنّه قدس‌سره شرع في هذه المباحث في الدورة الأُولى بتاريخ السبت ٣٠ ربيع الأوّل سنة ١٣٦٦ ه‍ ق ، وأنّه شرع فيها في الدورة الثانية بتاريخ الاثنين ١٧ محرّم سنة ١٣٧٥ ولاحظ تواريخ المصنّف قدس‌سره في الصفحة : ٣١٣ ].

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٢.

٣

مختصّ بمن علم به ، وأنّه غير متحقّق في حقّ الجاهل ، وأين هذا من التصويب المجمع على بطلانه.

وتوضيح ذلك هو أن يقال : إنّ الشارع عندما جعل الحكم على ذات المكلّف لم ينظر إلى حالتي علمه بذلك الحكم وجهله به ، لاستحالة ذلك في مقام جعل الحكم ، لكنّه يجعله على نفس الذات المفروض كونها في ذلك الحال معرّاة عن النظر بها إلى كلا الحالتين أو إحداهما ، ولكن مقتضى جعله لنفس الذات المذكورة هو تحقّق الحكم ذاتاً في مورد الجهل ، ثمّ يأتي دليل آخر يرفع ذلك الحكم عن الجاهل به ، وبعد تحقّق ذلك الدليل المتكفّل للجعل الثاني يكون الحكم الواقعي بالنسبة إلى الذات التي علمت به متحقّقاً ، ويكون العلم به كاشفاً عن تحقّقه في حقّها ، لا أنّه يكون شرطاً وعلّة في تحقّق الحكم لها كي يلزم منه أنّه قبل العلم لا حكم وبعده يكون الحكم معلولاً للعلم ، وأنّه عبارة أُخرى عن التصويب ، وأنّ العلم يكون تمام الموضوع لا جزأه.

والأولى أن يقال : إنّ العلم بالحكم لا يعقل أن يكون جزءاً من موضوع ذلك الحكم ولا تمام الموضوع ، وإنّما غاية ما يمكن هو أن يكون موضوع الحكم هو نفس الذات التي وجدت توأماً مع العلم ، ويكون العلم بالحكم من قبيل الكاشف عن أنّ تلك الذات هي موضوع ذلك الحكم.

نعم ، إنّ الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية بهذه الطريقة ، أعني طريقة ادّعاء تقيّد الأحكام الواقعية واختصاصها بخصوص العالمين بها ليكون مورد الأحكام الظاهرية هو الجاهل بتلك الأحكام الواقعية فلا يجتمع الحكمان ، يتوجّه عليه أنّ ذلك خلاف الواقع الثابت بالأدلّة القطعية من أنّ الأحكام الواقعية يشترك فيها العالم بها والجاهل بها على حدّ سواء ، ومع قطع النظر عن هذه الأدلّة نقول :

٤

إنّ لازم الجمع بهذه الطريقة الاجتزاء بامتثال الأحكام الظاهرية ولو بعد انكشاف الخلاف ، فإنّ ذلك حينئذ يكون من قبيل تبدّل الموضوع ، ولعلّ مراد شيخنا قدس‌سره من التصويب هو هذا المعنى ، أعني أنّ لازم القول باختصاص الأحكام الواقعية بخصوص العالمين بها وعدم تحقّقها في حقّ الجاهل بها ، وكون الجاهل بها محكوماً بحكم آخر على طبق ظنّه ، هو القول بالتصويب في حقّ ذلك الجاهل ، وليس مراده بذلك هو التصويب في ناحية العالم بالحكم.

لكن الذي يظهر من التقارير المطبوعة في هذا المقام (١) وفي مقام الجمع بين الأحكام [ الواقعية و ] الظاهرية (٢) هو جعل مركز التصويب في ناحية العالم بالحكم ، فراجع وتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّا لو سلّمنا أنّ المراد هو كون التصويب اللازم إنّما هو في ناحية الجاهل ، ففي كونه تصويباً مجمعاً على بطلانه محل تأمّل وإشكال ، وإلاّ فما الذي نصنعه نحن في مسألتي الجاهل بالجهر والاخفات والقصر والاتمام ، فإنّ عمدة ما نصلح به هذه المسألة هو دعوى كون الحكم الواقعي فيها مختصّاً ولو بنحو نتيجة التقييد بخصوص العالم به ، وأنّ الجاهل بذلك يكون حكمه الواقعي هو عدم الوجوب على تأمّل.

نعم ، إنّ ذلك ـ أعني تقيّد الأحكام الواقعية كلّها بالعلم وكون الجاهل بها مورداً لأحكام آخر ـ لا يمكننا الالتزام به من ناحية أُخرى ، وهي ما أشرنا إليه أوّلاً من أنّ ذلك خلاف المقطوع به من الأدلّة ، وثانياً أنّ لازمه الاجزاء في جميع موارد الأحكام الظاهرية بعد انكشاف الخلاف.

__________________

(١) أجود التقريرات ٤ : ٢٧٤.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ١٠٠. أجود التقريرات ٣ : ١٢٤.

٥

قوله : ويتلوه في الضعف الجمع بينهما بحمل الأحكام الواقعية على الانشائية والأحكام الظاهرية على الفعلية ... الخ (١).

قال قدس‌سره فيما حرّرته عنه : فإنّ ما نتعقّله من الانشائية والفعلية هو أنّ الحكم الواقعي المجعول بنحو القضية الحقيقية التي يكون مرجعها إلى جعل الحكم على أفراد موضوعه المقدّرة الوجود ، بمعنى أنّه مثلاً يجعل وجوب الحجّ على كلّ من فرض وجوده مستطيعاً ، فهذا الحكم قبل تحقّق موضوعه في الخارج يكون إنشائياً ، وبعد تحقّق موضوعه في الخارج يكون فعلياً ، أمّا أنّه بعد تحقّق موضوعه في الخارج يكون إنشائياً بحيث إنّ حرمة هذا الخمر الموجود في الخارج تكون إنشائية فقط فممّا لا نتعقّله.

وقال في أوائل الظنّ فيما حرّرته عنه قدس‌سره في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بعد أن حرّرنا عنه بنحو ما تقدّم ما هذا نصّه : نعم لو كان المراد من الحكم الانشائي هو الحكم الشأني بمعنى الحكم اللولائي نظير الأحكام اللاحقة للأشياء بعناوينها الأوّلية ، والمراد من الحكم الفعلي نظير الأحكام اللاحقة لها بعناوينها الثانوية ، لصحّ التغاير بين الحكمين ، لكون الحكم الفعلي حينئذ مغايراً للحكم الشأني ، إلاّ أنّ ذلك لا ربط له بما نحن فيه من الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري ، بكون أحدهما إنشائياً أو شأنياً والآخر فعلياً ، انتهى.

قلت : لا يقال لِمَ لا نجمع بينهما بهذا الطريق بأن نقول : إنّ الحكم الواقعي يكون شأنياً لولائياً في مورد الشكّ ويكون الحكم الفعلي في المورد المذكور هو الحكم الظاهري.

لأنّا نقول : إنّ هذا الوجه لا يمكن الالتزام به حتّى فيما يكون موضوعه

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٢.

٦

مقيّداً بالشكّ أعني الأُصول العملية ، لأنّ لازمه التصويب وعدم الاعادة والقضاء فيما لو انكشف الخلاف. مضافاً إلى أنّ حمل الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعية على الأحكام الشأنية اللولائية لا يخفى فساده.

وعلى كلّ حال ، أنّ التنافي بين الأحكام الواقعية والأحكام الظاهرية ليس من قبيل التعارض ، إذ ليس الكلام في الخبر الدالّ على الحكم الواقعي والخبر الدالّ على الحكم الظاهري الذي هو منافٍ للحكم الواقعي ، إذ ليس لنا مثل هذين الخبرين ، بل الكلام إنّما هو في تنافي الحكمين وفي كيفية الجمع بينهما ، وذلك لا دخل له بتعارض الأدلّة ، فلاحظ وتدبّر.

قوله : وعلى كلّ حال ، فقد عرفت أنّ التعارض إنّما يلحق الدليلين ثانياً وبالعرض ، والذي يتّصف به أوّلاً وبالذات هو مدلول الدليلين وما يحكيان ويكشفان عنه ، ويؤدّيان إليه مطابقة أو التزاماً ... الخ (١).

لا يخفى أنّ مقام المحكي والمدلول إنّما هو نفس الواقع ، ولا ريب أنّه لا يتصوّر التعارض في ذلك الصقع ، بل لا يتصوّر فيه التنافي والتعاند ، حيث إنّ الواقع واحد لا تعدّد فيه كي يكون أحد الأمرين الواقعيين منافياً ومعانداً للآخر وإنّما يتصوّر جميع ذلك في مقام الحكاية والاثبات ، فلا يتمّ ما أُفيد من أنّ التعارض عارض ابتداءً لنفس المدلولين والمحكيين ثمّ يعرض الدليلين والحاكيين ثانياً وبالعرض.

نعم ، إنّ عدم إمكان اجتماع المحكيين والمدلولين يكون موجباً لعروض التعارض للحاكيين ، والأمر في ذلك سهل ، لأنّا إذا أخذنا التعارض بمعنى عدم إمكان الاجتماع فهو لا يكون إلاّفي نفس المدلولين لوقوع التناقض أو التضادّ

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٢.

٧

بينهما ، وعن هذا التنافي يطرأ التنافي بين الحاكيين.

والخلاصة : هي أنّا لو أخذنا التعارض بمعنى التنافي لكان منسوباً إلى المدلولين ابتداءً وإلى الدالّين بالعرض ، لكن لو أخذناه بمعنى التنافي في النتيجة والدلالة لكان منسوباً ابتداءً إلى الدليلين ، والظاهر من المعارضة هو الثاني كما يقولون في المنطق إنّ الجواب تارةً يكون عن نفس الدليل ، وأُخرى بالنقض ، وثالثة بالمعارضة ، ومرادهم بالثالث ما يكون من قبيل قولهم : العالم مستغن عن المؤثّر وكلّ مستغن عن المؤثّر قديم ، في قبال قولهم : العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث ، في كون الأوّل منتجاً ضدّ ما ينتجه الثاني.

قوله : فلو علم بكذب أحد الدليلين لمكان العلم بكون أحدهما غير واجد لشرائط الحجّية واشتبه بما يكون واجداً لشرائطها ، كان ذلك خارجاً عن باب التعارض ، بل يكون من باب اشتباه الحجّية باللاّحجّية ، ولا يأتي فيه أحكام التعارض ، وإنّما يعمل فيه ما تقتضيه قواعد العلم الاجمالي (١).

كما لو اشتمل سند كلّ من الروايتين على أبي بصير ، وعلمنا بكونه هو الثقة في إحداهما دون الأُخرى ، فيكون الحكمان اللذان تضمّنتاه من قبيل ما علم قيام الحجّة على أحدهما ، فيدخلان في العلم الاجمالي ، من دون فرق في ذلك بين كون الحكمين متنافيين في حدّ أنفسهما أو غير متنافيين ، إن كان كلّ منهما متضمّناً للتكليف ، وإلاّ فلا أثر له كما لو كانت إحداهما قائمة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال والأُخرى قائمة على عدم وجوبه.

وينبغي أن يعلم أنّ هذه الصورة لا يلزمها العلم بكذب إحدى الروايتين ، فينبغي إسقاطه وجعل الصورة المذكورة مقصورة على العلم بكون إحداهما غير

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٣.

٨

واجدة لشرائط الحجّية ، وهذه الصورة هي القدر المتيقّن من موارد اشتباه الحجّة باللاّحجّة.

والفرق بينها وبين الصورة الأُولى ـ أعني ما تقدّم من مسألة الظهر والجمعة ـ (١) واضح ، فإنّ تلك المسألة يكون كلّ من الروايتين فيها في حدّ نفسه مشمولاً لدليل الحجّية ، ولكن لمّا كان أحدهما متضمّناً لوجوب الظهر يوم الجمعة والآخر متضمّناً لوجوب الجمعة يومها ، وقد قام الإجماع على عدم الجمع بين الفريضتين يومها ، كان هذا الإجماع موجباً لتحقّق التضادّ بين المدلولين ، فيكون المحكي بإحدى الروايتين منافياً للمحكي بالأُخرى وإن لم يكن منافياً له ذاتاً ، فيدخلان في باب التعارض ، من دون فرق في ذلك بين أن يكون مفاد المتن في كلّ من الروايتين هو أنّ الصلاة الواجبة يوم الجمعة هي الظهر أو هي الجمعة ، أو يكون مفاد المتن هو مجرّد أنّه يجب الظهر أو يجب الجمعة.

وهذا بخلاف الصورة الثالثة ، وهي ما لو حصل العلم الاتّفاقي الخارجي بعدم مطابقة أحد المحكيين للواقع ، بحيث إنّه علم إجمالاً بكذب إحدى الروايتين للعلم الاجمالي بعدم مطابقة مؤدّى إحداهما للواقع ، فإنّ العلم الاجمالي بعدم مطابقة أحد المؤدّيين للواقع لا يوجب طروّ التنافي بينهما على وجه يدخلهما في المتضادّين ولو عرضاً ، بل أقصى ما في ذلك أنّه يوجب العلم بعدم حجّية إحداهما ، فيكون ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة.

ولكن في الفرق تأمّل ، فإنّا لو علمنا تفصيلاً بأنّ مدلول هذه الرواية الخاصّة مخالف للواقع فسقطت عن الحجّية ، ثمّ بعد ذلك اشتبهت برواية أُخرى ، كان

__________________

(١) تقدّم في فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٢.

٩

ذلك الاشتباه من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة.

أمّا إذا لم يكن الأمر كذلك ، بل لم يكن لدينا إلاّورود هاتين الروايتين المشمول كلّ منهما في حدّ نفسه لدليل الحجّية ، غايته أنّا علمنا من الخارج أنّ الحكم المحكي بإحداهما غير مطابق للواقع ، فهل هذا العلم الاتّفاقي كالإجماع في تلك المسألة يكون موجباً لعروض التنافي بين المدلولين ويحقّق التعارض بين الروايتين ، أو أنّه لا يكون كذلك وإنّما أقصى ما في البين هو العلم الوجداني بأنّ أحد المدلولين مخالف للواقع ، وذلك أمر آخر غير ملاك التعارض الذي هو عدم اجتماع المدلولين والمحكيين للتنافي الواقعي بينهما. وبالجملة : أنّه إذا كان أحد المدلولين غير مطابق للواقع وإن صحّ لنا أن نقول إنّه لا يجتمع مع غيره ، إلاّ أنّ ذلك إنّما هو على نحو السالبة بانتفاء الموضوع ، فلا يكون محقّقاً لموضوع التعارض وهو عدم اجتماع المدلولين؟

وحاصل الفرق بين المسألتين : أنّ الإجماع في تلك المسألة إنّما قام على وحدة الفريضة وأنّه ليس في البين إلاّتكليف واحد لا تكليفان ، بمعنى أنّه يكون قائماً على عدم اجتماع الاثنين ، فيكون عبارة أُخرى عن الحكم بعدم اجتماع المدلولين ، فيكون قائماً مقام الدليل العقلي القائل إنّه لا يجتمع الضدّان ، بخلاف العلم الاتّفاقي هنا فإنّه إنّما تعلّق بعدم مطابقة أحد المدلولين للواقع ، من دون تعرّض لكون الثابت هو أحدهما ، إذ لا علم بثبوت أحدهما ، وإنّما تعلّق العلم المذكور بنفي أحدهما ، ومن الواضح أنّ ذلك لا دخل له بالحكم بعدم اجتماعهما كي يكون موجباً لدخوله في التعارض ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه إلحاق [ الصورة ] الثالثة ـ وهي صورة العلم بكذب إحدى الروايتين ـ بصورة العلم بكون إحداهما غير مشمولة لدليل الحجّية في كون المسألتين من قبيل [ اشتباه ] الحجّة

١٠

باللاّحجّة.

ولكن للتأمّل فيه مجال ، وهو أنّ الصورة الثانية لا يمكن فيها التمسّك بعموم دليل الحجّية في كلّ واحدة من الروايتين ، لكونه من قبيل التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية ، فإنّا بعد أن فرضنا أنّ الحجّة هو ما يرويه الثقة ، وكان الراوي في الرواية الأُولى وفي الثانية هو أبا بصير ، وعلمنا بأنّه في إحداهما هو الموثّق وفي الأُخرى هو غير الموثّق ، لم يمكن لنا التمسّك بعموم حجّية خبر الثقة في الأُولى للشكّ في دخولها تحت الموثّق ، وكذلك الحال في الرواية الثانية ، غاية الأمر لمّا علمنا من الخارج أنّه هو الموثّق في إحداهما ، كان ذلك موجباً للعلم بكون أحد الحكمين قد قام عليه الخبر الموثّق ، فيلزمنا إجراء حكم العلم الاجمالي بالنسبة إلى ذلك الحكم لو كان كلّ من الحكمين إلزامياً ، ففي الحقيقة ليس ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، بل هو من قبيل عدم دخول كلّ منهما في دليل الحجّية ، ولأجل ذلك يمكن أن يقال بالرجوع إلى البراءة في كلّ من الحكمين ، لعدم قيام الحجّة على أحدهما ، للقطع بأنّ هذه الرواية ليست بحجّة كما أنّ أُختها أيضاً كذلك ، فتأمّل.

نعم ، لو كان هذا الاشتباه والعلم الاجمالي بكون أبي بصير في إحداهما هو غير الموثّق مسبوقاً بالعلم التفصيلي بكونه في هذه مثلاً هو غير الثقة ثمّ اشتبهتا ، لكان ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، بمعنى اشتباه ما كان حجّة بما كان غير حجّة ، أمّا بعد تحقّق الاشتباه المزبور فليس شيء منهما بحجّة فعلاً ، فلا يصحّ قولنا إنّهما من قبيل اشتباه الحجّة فعلاً باللاّحجّة.

أمّا القسم الثالث فإن لم يكن الاشتباه فيه مسبوقاً بالعلم التفصيلي ، بأن لم يكن لنا إلاّهاتان الروايتان مع العلم الاجمالي بكون إحداهما كاذبة ، لا يكون ذلك

١١

الاشتباه إلاّموجباً لاحتمال كون كلّ منهما كاذباً ، وهذا لا يضرّ بشمول دليل الحجّية ، فيكون كلّ واحدة منهما في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الأُخرى مشمولة لدليل الحجّية ، وأقصى ما فيه أنّه لا يمكن البناء على حجّية كلّ منهما ، للعلم الاجمالي بكذب إحداهما ، فيكون حالهما من هذه الجهة حال الروايتين اللتين يكون مؤدّى إحداهما ضدّاً أو نقيضاً لمؤدّى الأُخرى في أنّ المانع من إمكان التعبّد بهما معاً هو العلم بكذب إحداهما ، غايته أنّ مستند العلم بكذب إحداهما في مورد التناقض أو التضادّ هو حكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين أو الضدّين ، وفيما نحن فيه هو نفس ذلك العلم الوجداني الاتّفاقي.

والحاصل : أنّه ليس ملاك التعارض هو عدم اجتماع المدلولين كي يقال إنّه غير متحقّق في صورة العلم الاتّفاقي بكذب إحداهما ، لأنّ ذلك العلم الوجداني لا يحقّق عدم الاجتماع ، بل أقصى ما فيه هو أنّه ينفي أحدهما ، بل إنّ ملاك التعارض هو كذب إحداهما وعدم اجتماعهما على الصدق مع كون كلّ منهما في حدّ نفسه مشمولاً لدليل الحجّية ، وهو محقّق في الصورة المزبورة كما هو محقّق في صورة التضادّ أو التناقض.

والحاصل : أنّه في كلّ من الصورتين يكون المكلّف عالماً بأنّ إحدى الروايتين كاذبة مع كون كلّ منهما في حدّ نفسها مشمولة لدليل الحجّية ، وهذا هو المعيار في التعارض ، سواء انضمّ إلى ذلك احتمال كذبهما معاً أو لم ينضمّ إليه هذا الاحتمال ، بل كان مضافاً إلى علمه بكذب إحداهما أنّه عالم بصدق إحداهما ، فإنّ ذلك ـ أعني العلم بصدق إحدى الروايتين ـ لا أثر له في تحقّق التعارض بينهما بل المدار فيه على العلم بكذب إحداهما. هذا إذا لم يكن الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي.

١٢

ومنه يظهر الحال فيما يكون مسبوقاً به ، فإنّا قبل طروّ الاشتباه وإن كنّا عالمين تفصيلاً بكذب هذه الرواية ، فلا تكون مشمولة لدليل الحجّية ، وتلك الأُخرى لا نعلم بكذبها ، فنعلم تفصيلاً بحجّيتها ، إلاّ أنّهما بعد طروّ الاشتباه عليهما لا يكون ذلك الاشتباه إلاّمن قبيل اشتباه ما كانت معلومة الكذب بما لم تكن كذلك ، وبواسطة هذا الاشتباه لا يحصل لنا إلاّ احتمال الكذب في كلّ منهما ، وحينئذ يكون كلّ منهما محتمل الكذب ، فيشمله دليل الحجّية ، فيكون كلّ منهما في حدّ نفسه مشمولاً لدليل الحجّية ويقع التعارض بينهما. هذا كلّه بناءً على أنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً حتّى في مورد العلم الاجمالي ، وأنّ الحجّة لا تكون حجّة إلاّفي مورد العلم التفصيلي بها.

أمّا لو قلنا ـ كما هو غير بعيد ـ بأنّ الحجّية وإن لم تتحمّل الوجود الواقعي إلاّ أنّها في مورد العلم الاجمالي تكون متحقّقة ، كما لو كان المكلّف قد حفظ متنين يتضمّن ظهور كلّ منهما حكماً شرعياً ، وحصل له العلم الاجمالي بأنّه قد أخذ بنفسه أحد المتنين وسمعه من نفس الإمام عليه‌السلام ، والآخر أخذه وسمعه عن غيره كأبي حنيفة ـ مثلاً ـ وقد اشتبها عليه ، فإنّه لا يشكّ أحد بأنّ ظاهر أحد هذين المتنين حجّة عليه وأنّه يلزمه ترتيب الأثر عليه ، وحينئذ يكون ذلك من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللاّحجّة ، ومثل ذلك ما لو علم بحجّية إحدى الأمارتين ، وقد ذكر نظير ذلك في بحث الانسداد ، وهو العلم الاجمالي بأنّ في جملة هذه الطرق العقلائية التي بأيدينا ما هو حجّة مجعولة من الشارع.

وبناءً على ذلك نقول : إنّ الصورة السابقة وهي صورة روايتي أبي بصير المعلوم كونه هو الثقة في إحداهما وغيره في الأُخرى ، يكون من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللاّحجّة ، سواء كان الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي أو لم يكن

١٣

مسبوقاً به ، وأمّا في الصورة الأُخرى وهي صورة العلم بكذب إحداهما ، فإن كان الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي كان من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللاّحجّة ، وإن لم يكن مسبوقاً بذلك كانا من قبيل المتعارضين (١)

__________________

(١) والأولى أن يقال : إنّه لا ينبغي الريب في كون ما دلّ على الجمعة وما دلّ على الظهر من التعارض بعد فرض أنّه ليس لنا إلاّصلاة واحدة ، فالأوّل يخبر عنها بأنّها جمعة ، والثاني يخبر عنها بأنّها ظهر.

ويلحق بذلك ما لو اتّفق العلم الخارجي بكذب مدلول إحدى الروايتين ، فإنّه بمنزلة ما يدلّ على وجوب الشيء في قبال ما يدلّ على حرمته أو على عدم وجوبه ، غايته أنّ هذا تعاند ذاتي وما نحن فيه تعاند عارضي ، لعلمنا بأنّهما لا يجتمعان ولو من جهة العلم بكذب إحداهما ، سواء علمنا بصدق الأُخرى أو لم نعلم.

نعم ، ربما يقال : إنّ ذلك إن كان بعد العلم التفصيلي بما هي كاذبة ثمّ حصل الاشتباه ، يكون من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، أمّا مثل التردّد في أبي بصير في هذه الرواية وفيه في الرواية الأُخرى ، وكذلك لو علم أنّ أحد الشخصين ـ أعني زيداً الراوي لهذه الرواية وعمراً الراوي للرواية الأُخرى ـ غير عادل ، فليس ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، بل كلّ منهما ليس بحجّة ، للشكّ في دخولهما تحت العادل من مثل صدّق العادل.

أمّا لو علمت الرواية التي يرويها العادل تفصيلاً ثمّ حصل الاشتباه بينهما وبين الأُخرى ، فذلك وإن صدق عليه اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، يعني اشتباه ما كان حجّة بما كان ليس بحجّة ، لكن الآن كلّ منهما ليس بحجّة ، فإنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً ، سواء كان ابتدائياً كما لو لم يتقدّم العلم التفصيلي أو كان بواسطة الاشتباه العارضي كما لو تقدّم.

وإن شئت فقل : إنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً في مورد العلم الاجمالي ، ويكون المرجع هو الأُصول العملية كما لو لم يكن ذلك العلم الاجمالي في البين.

١٤

وينبغي أن يعلم أنّا لو قلنا بما أفاده شيخنا قدس‌سره من أنّ ذلك خارج عن باب التعارض ، لكان ذلك هادماً لما أفاده قدس‌سره من تعارض الأُصول الاحرازية في مورد العلم الاجمالي بخلاف أحدهما ، فتأمّل.

وينبغي أن يعلم أنّ إلحاق الصورة الثالثة بالثانية تعريض بما في الكفاية حيث قال : التعارض هو تنافي الدليلين ـ إلى قوله ـ حقيقة أو عرضاً ، بأن علم بكذب أحدهما إجمالاً مع عدم امتناع اجتماعهما أصلاً الخ (١) ، وقد عرفت أنّ الأظهر هو كون هذه الصورة داخلة في التعارض ، فتأمّل. وكأنّ التعرّض لهذه الجهة من مختصّات الدورة السابقة ، ولأجل ذلك لم أعثر عليه في تحريراتي ولا فيما حرّره السيّد سلّمه الله ، فراجع.

قوله : ولكن قام الدليل على أنّ المال لا يزكّى في العام الواحد مرّتين ... الخ (٢).

ينبغي التأمّل في الفرق بين هذا الدليل والدليل القائم على أنّه لا يجب في اليوم الواحد فريضتان ، في كون الأوّل من قبيل التزاحم والثاني من قبيل التعارض فتأمّل ، للفرق الواضح بينهما حيث إنّه في مسألة الظهر والجمعة يومها بعد قيام الإجماع المذكور يكون من قبيل التضادّ الدائمي ، فيكون راجعاً إلى التعارض ، بخلاف مسألة الزكاة فإنّ التدافع فيها بين الدليلين اتّفاقي فلا يكون إلاّمن باب

__________________

وعلى كلّ حال ، أنّهما بعد الاشتباه المسبوق بالعلم التفصيلي خارجان عن باب التعارض ، وإنّما الكلام في أنّهما من قبيل ما لا حجّة في البين أو من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة [ منه قدس‌سره ].

(١) كفاية الأُصول : ٤٣٧.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٧.

١٥

التزاحم.

قوله : وأُخرى يكون التزاحم لأجل اتّفاق وقوع التلازم بين متعلّقي الحكمين ، بمعنى أنّه اتّفق الملازمة بين امتثال أحد الحكمين لمخالفة الآخر ... الخ (١).

قد يمثّل لذلك بوجوب استقبال القبلة في الصلاة مع حرمة استدبار الضرائح المقدّسة أو القرآن الكريم ، أو بوجوب استقبال القبلة وحرمة استدبار الجدي لمن لم يكن عراقياً واتّفق أن حصل بالعراق.

وفيه تأمّل ، فإنّ الأوّل لا يتّفق فيه الملازمة إلاّعند عدم المندوحة ، والثاني إذا كان قد حصل في العراق كانت الملازمة دائمية. وعلى كلّ حال ، فإنّ الاستقبال والاستدبار إن كانا حقيقتين نظير الغصب والصلاة دخل في مسألة الاجتماع ، وإن لم يكونا حقيقتين مختلفتين ، وكان ذلك القيام الواحد بتمامه مصداقاً لكلّ من العنوانين ، دخل في العموم من وجه ورجع إلى باب التعارض.

قوله : وخامسة يكون التزاحم لأجل كون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجود والامتثال على الآخر وقد اتّفق عدم قدرة المكلّف على الجمع ... الخ (٢).

لم يظهر الفرق بين هذه الخامسة والرابعة ، فإنّ المقصود من قوله في الرابعة « لأجل اتّفاق وقوع المضادّة بين المتعلّقين » ليس هو إلاّ المضادّة الناشئة عن عدم قدرة المكلّف على الجمع.

ومن ذلك يظهر التأمّل في قوله في الصورة الرابعة : « فلو كانت المضادّة

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٨.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٧٠٩.

١٦

دائمية يخرج عن باب التزاحم » فإنّ هذه المضادّة ليست حقيقية كي يمكن أن تكون دائمية ، وإنّما هي ناشئة عن عدم القدرة ، ولا يعقل كونها دائمية فتأمّل. ولا يفرق في وقوع التزاحم بينهما بين كونهما عرضيين أو طوليين ، غايته أنّ المرجّح يختلف ، ففي الثاني يكون الترجيح بحسب التقدّم الزماني دون الأوّل.

وحينئذ فالأولى هو جعل أقسام التزاحم ثلاثة ، باب الاجتماع على القول بالجواز من الجهة الأُولى ، وباب اتّفاق توقّف الواجب على فعل الحرام ، وباب اتّفاق المضادّة بين الواجبين لعدم القدرة على الجمع بينهما.

كما أنّه يمكن المناقشة في جعل المرجّحات خمسة ، فإنّه يمكن إرجاع بعض هذه المرجّحات إلى بعض ، فإنّ تقديم ما ليس له بدل اضطراري على ما له البدل راجع إلى تقديم ما هو مشروط بالقدرة العقلية على ما هو مشروط بالقدرة الشرعية ، حيث إنّ ثبوت البدل الاضطراري عبارة أُخرى عن كون المبدل منه مشروطاً بالقدرة الشرعية.

والحاصل : أنّ البدل إن كان عرضياً غير مقيّد بالاضطرار كان الوجه في تقدّم ما ليس له البدل عليه هو عين الوجه في تقدّم المضيق على الموسع ، فإنّ ملاك التقديم فيهما واحد وهو العموم البدلي ، وإن كان البدل طولياً مقيّداً بالاضطرار وعدم القدرة على المبدل منه كان ذلك عبارة عن كون المبدل منه مقيّداً بالقدرة الشرعية.

ثمّ إنّ الوجه في تقدّم المقدّم زماناً هو ما أفاده قدس‌سره (١) في باب التزاحم من أنّه عند التساوي يكون كلّ من التكليفين ... (٢) ويكون الاتيان بكلّ منهما مسقطاً

__________________

(١) راجع أجود التقريرات ٢ : ٤٥.

(٢) [ في الأصل هنا سقط ، والمناسب أن يكون الساقط هو : مشروطاً بعدم الاتيان بمتعلّق الآخر ].

١٧

للآخر ، ففي زمان الأوّل حيث إنّه لا يتحقّق مسقطه وهو فعل الثاني يكون هو المتعيّن ، نعم بناءً على أنّ نتيجة التساوي هو التخيير يكون المكلّف هنا مخيّراً بينهما.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الأمر بالثاني وإن كان متحقّقاً في ظرف الأوّل إلاّ أنّه لا يكون محرّكاً وشاغلاً للمكلّف ، فلا يكون مزاحماً للأوّل. وأمّا لزوم حفظ القدرة للثاني فهو وإن كان محقّقاً في ظرف الأوّل ، إلاّ أنّه لا يزيد على أصله الذي هو الأمر الثاني في عدم مزاحمته للأمر الأوّل ، فتأمّل.

وأمّا الترجيح بالأهمية فعلى الظاهر أنّها لا تخرج عن تقديم ما هو الأقوى ملاكاً الذي منع قدس‌سره من جريانه في التزاحم المأموري وخصّه بالتزاحم الآمري فتأمّل. وتمام الكلام في محلّه من باب التزاحم.

قوله : بداهة أنّه لو كان مفاد أحد الدليلين بمدلوله المطابقي ما تقتضيه نتيجة تحكيم الخاصّ والمقيّد على العام والمطلق لكان حاكماً على الآخر ... الخ (١).

لا يخفى أنّ مفاد الدليل الحاكم بمدلوله المطابقي مثل قولنا : النحوي ليس بعالم بالنسبة إلى أكرم العلماء ، ليس هو عين نتيجة تحكيم الخاصّ مثل لا تكرم النحويين ، فإنّ نتيجة تحكيم هذا على أكرم العلماء هي أنّ النحوي لا يجب إكرامه لكن المدلول المطابقي لمثل قولنا : النحوي ليس بعالم ليس هو عين هذه النتيجة ، بل إنّ مفاد مدلوله المطابقي هو نفي العالمية عن النحوي ، وحيث إنّه عالم وجداناً لزمنا صرفه إلى نفي آثار العالم عنه ليكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه ، تنزيلاً لنفي الموضوع منزلة نفي الحكم ، وبذلك يكون هذا الدليل

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧١١.

١٨

حاكماً على قولنا أكرم العلماء ، وبعد هذه العناية في الدليل المذكور تكون نتيجته عين نتيجة التخصيص.

ويمكن أن يكون المراد من قوله : « وإن قيل إنّ المراد من التفسير ما يعمّ تفسير قرينة المجاز لذي القرينة ـ إلى قوله ـ فالتحقيق » (١) هو أنّه ربما يقال في توجيه كلام الشيخ قدس‌سره إنّ المراد من التفسير هو ما يكون من قبيل قرينة المجاز ، حيث إنّ الخاصّ يوجب التصرّف في العام بحمله على إرادة بعض أفراده تجوّزاً ، وقرينة هذا التجوّز هو الدليل الخاصّ ، وحيث إنّ الدليل الحاكم كان مفاد مدلوله المطابقي هو نتيجة تحكيم الخاصّ على العام ، صحّ لنا أن نقول إنّ الدليل الحاكم مفسّر للدليل المحكوم ، يعني أنّ نسبته إليه كنسبة القرينة إلى ذيها في كونها مفسّرة له وشارحة للمراد منه.

والجواب عنه أوّلاً : أنّ الخاصّ لا يوجب التجوّز في العام ، فلا يصحّ إطلاق الشارح عليه ولو بمعنى قرينة المجاز.

وثانياً : أنّ المدلول المطابقي للحاكم ليس هو عين نتيجة تحكيم الخاصّ على العام ، بل إنّ مفاده هو رفع موضوع العام رفعاً تنزيلياً ، ولأجل ذلك كان حاكماً عليه من دون نظر إلى النسبة بينهما.

وثالثاً : أنّ رفع الحكم الذي تضمّنه الدليل العام عن بعض أفراد العام ليس هو نتيجة تحكيم الخاصّ عليه ، بل إنّ ذلك هو عين مفاد الدليل الخاصّ ، فإنّه لو قال أكرم العلماء كان الدليل الخاصّ متضمّناً ابتداءً لارتفاع هذا الحكم عن مورده سواء كان الخاصّ بلسان لا تكرم الفسّاق منهم ، أو بلسان لا يجب إكرام الفسّاق

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧١١ ـ ٧١٢.

١٩

منهم ، أو غير ذلك من ألسنة رفع الحكم عن مورد الخاصّ ، فإنّ الجميع يشترك في رفع الحكم العام عن مورد الخاصّ ، لا أنّ مفاد الخاصّ مطلب آخر ويكون نتيجة تحكيم الخاصّ على العام هو ارتفاع الحكم الذي تضمّنه العام عن بعض أفراد الخاصّ.

قوله : سواء كانت الحكومة فيما بين الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام الواقعية كحكومة قوله : « لا شكّ لكثير الشكّ » على قوله : « من شكّ بين الثلاث والأربع ... الخ » (١).

هذا إشارة إلى تقسيم الحكومة إلى الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية ، وقد تقدّم (٢) الكلام في ضابطها ، وأنّ المدار في الحكومة الواقعية على كون ما يتكفّله الدليل الحاكم حكماً واقعياً مثل قوله : النحوي ليس بعالم ، بعد قوله : أكرم العلماء ، ومثل « الطواف بالبيت صلاة » بعد قوله : تجب الطهارة في الصلاة ، ومثل « لا سهو في سهو » بناءً على أنّ المراد نفي حكم السهو في سجدتي السهو ، وأنّ مثل « لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم » بالنسبة إلى الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكّ تكون الحكومة فيه حكومة واقعية ، والإشكال في حكومة « لا شكّ لكثير الشكّ » على الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكّ بناءً على أنّه يعتبر في كون الحكومة واقعية كون كلّ من الدليل الحاكم والمحكوم متكفّلاً للحكم الواقعي ، حيث إنّ الحاكم هنا متكفّل للحكم الواقعي ، لكن المحكوم متكفّل للحكم الظاهري ، لكن يمكن عدّها حكومة واقعية نظراً إلى نفس الدليل الحاكم.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٧١٣.

(٢) تقدّمت الإشارة إلى ذلك في المجلّد الثاني من هذا الكتاب ، صفحة : ٣٨٨.

٢٠