بحوث معاصرة في الساحة الدوليّة

الشيخ محمّد سند

بحوث معاصرة في الساحة الدوليّة

المؤلف:

الشيخ محمّد سند


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
الصفحات: ٤١٧
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

دليل الكتاب

مقدمّة المركز.................................................................... ٧

إثارات العلمانية الغربية حول الإسلام............................................. ١٣

النهضة الحسينية ومفهوم الإرهاب والسلام........................................ ٧٧

عاشوراء ومفهوم العولمة....................................................... ١٨٩

العدالة الاجتماعية............................................................ ٢٧٩

فهرس المصادر............................................................... ٤٠٩

الفهرس..................................................................... ٢٧٣

٥
٦

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمّة المركز

يلاحظ أنّ العقود الأخيرة من حياتنا المعاصرة ـ الأربعين سنة الأخيرة ـ شهدت في أُروبا تيارات ثقافيّة متنوّعة ، يَسِمها طابع التمرّد والتشكيك والتحوّل من تيار إلى آخر ..

بيد أنّ ما يُطلق عليه مصطلح ( التيار التفكيكي ) يظلّ هو التيار الأشدّ حضوراً في السنوات المعاصرة ، بالرغم من انحساره نسبياً ، وظهور تيارات أُخرى ، كـ ( التاريخانية ) وما سواها من التيارات اليسارية الجديدة ..

إنّ التيار المذكور مع بعض أجنحته ، كـ ( تيار الاستجابة والتلقّي ) ونحوهما ، يتميّز عن سواه بكونه ينطلق من خلفية فلسفية هي ( التشكيك ) في المعرفة والكينونة و ... ، حتّى إنّه أُطلق على العصر الذي شهد هذا التيار بـ ( عصر الشكّ ) ، وكانت انطلاقته من فرنسا ـ البلد الذي ينفرد بإحداث الموضات الجديدة في الصعيد الثقافي بعامّة ..

وقد واكب هذه الفلسفة التشكيكيّة تطوير الدراسات اللغوية التي بدأت مع العقد الثالث من القرن العشرين ، حيث استثمر التيار التفكيكي أو التشكيكي معطيات هذه التيارات ( الألسنيّة ) ، ووظّفها لصالح تفكيكيّته أو تشكيكيّته ، وذلك

٧

بأن فصل بين ( دوال اللغة ) و ( مدلولاتها ) ، فحذف الأخير وجعلها غائبة ، ليشير بذلك إلى عدم وجود مركز معرفي ثابت بقدر ما يخضع الأمر لقراءات استمراريّة لا نهائية ، أي جعل استخلاص الدلالة المعرفية لا نهاية أو لا ثبات لها ، وهو أمر يتساوق ويتناغم مع الفلسفة التشكيكيّة التي لا تجنح إلى يقين معرفي أو المعرفة اليقينيّة ، ومن ثمّ يظلّ ( المعنى ) أو ( الدلالة ) أو ( القيم ) لا ثبات ولا استقرار لمفهوماتها ..

ومن الطبيعي حينما ينسحب هذا التشكيك على الظواهر جميعاً ، فإنّ النتيجة تظلّ تشكيكاً بكلّ شيء ، وفي مقدّمة ذلك : التشكيك أساساً بما وراء الوجود ( المبدع ) وإرسالات السماء ، وكلّ ما هو ( مقدّس ) بحسب تعبير الموضة المشار إليها ..

وإذ كان المناخ الأُوربي يسمح بولادة أمثلة هذه التيارات ، نظراً ـ من جانب ـ إلى اليأس الذي طبع مجتمعات الغرب من حضارتها المادية الصرفة ، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية ..

وإذا كان المناخ المذكور ـ من جانب آخر ـ طبعه الترف الفكري أو التخمة الثقافية ، بحيث تقتاده إلى توليد جديد للفكر حتّى لو لم تسمح به الضرورة ..

ثمّ ـ من جانب ثالث ـ إذا أخذنا بنظر الاعتبار ( وهذا أهم الأسباب بطبيعة الحال ) عزلة المجتع الأُروبي عن السماء ومبادئها :

حينئذ ، فإنّ ولادة التيارات التفكيكيّة والتشكيكيّة والمتمرّدة والفوضوية وبالإضافة إلى عودة بعض التيارات المنتسبة إلى اليسار الجديد .. أُولئك جميعاً تفسّر لنا ولادة التيارات المذكورة في مجتمع أُوربي له أرضيّته الخاصّة.

إلاّ أنّ من المؤسف كثيراً أن نجد انعكاسات التيارات المذكورة على ( الشرق ) ، وفي مقدّمتها : المجتمعان العربي والإسلامي ، حيث هرع أفراد كثيرون

٨

إلى معانقة هذه التيارات المتعاقبة ( المتداخلة والمتضادة أيضاً ) ، مع أنّها ( غريبة ) تماماً على المناخ العربي والإسلامي!

إلاّ أنّ ( نزعة التغريب ) التي تطبّع عليها هؤلاء الأفراد تفسّر لنا تبنّيهم الفكر الغربي ، وتخلّيهم عن قيم الوحي ومبادئ الإسلام العليا ..

ولكن الأسى الأشدّ مرارة أن نلحظ ( الإسلاميين ) بدورهم ، قد بهرَتهم زينة الحياة المنعزلة عن السماء في المناخ الأُوربي ، فهرعوا بدورهم إلى محاورة ( الانحراف ) المذكور ، وبدأوا ينشرون دراساتهم التفكيكيّة والتشكيكيّة حول مختلف ضروب المعرفة ، وفي مقدّمتها التعامل مع النصّ القرآني الكريم ، بدءاً بالوحي ، وانتهاءً بـ ( التفسير بالرأي ) ، بحسب ما تلقّوه من التيار الأُوربي الذي أطلق العنان لمفهوم ( القراءة ) أو السلطة للقارئ يعبث ما يشاء بدوال النصّ ، حافراً ومنقبّاً ومهدّماً ، تقليداً لأسياده المنعزلين عن السماء ومبادئها ..

وإذا أضفنا ـ أخيراً ـ إلى ما تقدّم ، ظاهرة ( العولمة ) في سنواتنا المعاصرة ، وما تستهدفه من السيطرة على الإيديولوجيات جميعاً ; حينئذ نجد أنّ الضرورة الإسلامية تفرض علينا أن نتّجه إلى ( تأصيل ) ما هو ضرورة في حياتنا المعاصرة ، ومن ثمّ ( الردّ ) على الانحرافات المذكورة ..

بصفة أنّ التزامنا بمبادئ الدين ، وإدركنا لمهمّة خلافة الإنسان ، أي إدراكنا للوظيفة التي أوكلها اللّه تعالى إلينا ، وهي مقولة : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (١) ، أولئك جميعاً تفرض علينا :

أوّلا : أن نتعامل مع الظواهر وفقاً لما يفرضه القانون العقلي ويتلاءم مع التصوّر الإسلامي حيالها ، وفي مقدمة ذلك ( اليقين المعرفي ) ، وليس ( التشكيك ).

__________________

١ ـ الذاريات (٥١) : ٥٦.

٩

ومن ثمّ القيام بمهمّة ( تأصيل ) ما يتّفق مع مبادئنا ، و ( الردّ ) على الانحرافات التي طبعت سلوك ما يسمّى بـ ( الإسلاميين ) المنشطرين بين مَن ( يشكّك ) وبين ( يساريّ ) إسلامي يستعين حتّى بالمبادئ المنتسبة إلى الإلحاد ..

وفي ضوء الحقائق المتقدمة ، وتلبية للتوجيهات الصادرة من سماحة المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني « دام ظلّه الوارف » بضرورة التصدّي لأفكار العلمانية وردّ شبهاتها ، قرّر مركزنا أن يضطلع بالمهمّة المشار إليها ، داعياً الأقلام الإسلامية الراصدة لما يجري في الساحة بأن يجعلوا من أولويات اهتماماتهم كتابة البحوث المناسبة للموضوع ، أي المتسقة مع مشكلات حياتنا المعاصرة.

وفعلاً فقد باشرنا بإصدار سلسلة « دراسات في الفكر الإسلامي المعاصر في ضوء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام » ، فصدر الكتاب الأوّل من هذه السلسلة « الديمقراطية على ضوء نظرية الإمامة والشورى » للعلاّمة الشيخ محمّد السند.

وصدر الكتاب الثاني منها « أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي في منظور إسلامي » للعلاّمة الأُستاذ الشيخ حسن الجواهري.

وهذا الكتاب ـ الذي بين أيديكم ـ هو الإصدار الثالث من هذه السلسلة ، وهو للعلاّمة الشيخ محمّد السند ، وهو عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها المولّف في مدينة المنامة البحرانية ، في أيام شهر محرّم الحرام خلال أربع سنوات ابتداءً بسنة ١٤٢٣ هـ.

وقد قام السيّد هاشم الموسوي باختصار هذه المحاضرات ونقلها من الأشرطة المسجلة ، فجزاه اللّه خير الجزاء.

وقام المركز بمراجعة هذه الأوراق وتصحيحها واستخراج كلّ ما يحتاج إلى استخراج ، وطبعها في مجلّد واحد تعميماً للفائدة ، وهي تحتوي على أربع رسائل :

١٠

(١) إثارات العلمانيّة الغربيّة حول الإسلام.

(٢) النهضة الحسينيّة ومفهوم الإرهاب والسلام.

(٣) عاشوراء ومفهوم العولمة.

(٤) العدالة الاجتماعية.

وفي الختام نتقدّم بجزيل شكرنا وتقديرنا لكافّة الإخوة الأعزاء الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب ، ونخصّ بالذكر فضيلة الشيخ عبد اللّه الخزرجي الذي قام بمراجعته وتصحيح واستخراج ما يحتاج إلى استخراج ، فللّه درهم وعليه أجرهم ، والحمد للّه ربّ العالمين.

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

٣ جمادى الأُولى ١٤٢٨ هـ

site.aqaed.com / Mohammad

Muhammad@aqaed.com

 

١١
١٢

(١)

إثارات العلمانية الغربية حول الإسلام

١٣
١٤

المقدّمة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين وبعد :

فقد كلّفني وشرّفني سماحة العلاّمة الشيخ محمّد السند بتقرير البحوث التي ألقاها في مأتم السّماكين في المنامة في موسم عاشوراء ، فابتدأت بما ألقاه من محاضرات يردّ فيها على إثارات العلمانيين الغربيين من خلال أشهر وأبرز مدارسهم الفكرية وهي العلمانية « السكولارزم » ، المدرسة الفلسفية التي تتبنّى فصل الدين عن الحياة ، ومدرسة التعددية « البلوري ألسم » وهي المدرسة المنطقية التي تتبنّى تعدّد الإدراك ، والمدرسة الهرمونطيقية وهي المدرسة الأدبية التي تتبنّى نظرية تعدّد القراءات الأدبية ، وقد قضيت أوقاتاً جميلة كنت أتلذّذ فيها بمتعة العلم والاستدلال وأنا أستمع لأشرطة الكاسيت التي تحتوي تلك المحاضرات وأستنير بكلامه الذي اعتمد فيه سماحته على آراء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، حيث كانت ردوده مستمدّة من الفكر الذي ينتمي إلى هذه المدرسة الطاهرة ، وأسأل الله العلي القدير أن يوفّقني لكتابة وتدوين باقي محاضراته ، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته ، وأن يجمعنا وإيّاه مع محمّد وآل محمّد في دار كرامته إنّه سميعٌ مجيب.

سيد هاشم سيد حسن الموسوي

التاسع من جمادى الأولى ١٤٢٤ هجرية

الموافق ٩ / ٧ / ٢٠٠٣ ميلادية

 

١٥
١٦

المحاضرة الأولى

الفرق بين الشريعة والدين

محاور المحاضرة :

أوّلا : الإسلام الدين الخالد.

ثانياً : الخطأ الشائع في استخدام مصطلح الدين كمرادف لمصطلح الشريعة.

ثالثاً : النسخ يقع في الشرائع ، ولا يقع في العقائد.

رابعاً : مصطلح الدين والشريعة ، وقضية الغدير.

خامساً : آية المودّة ، وإلحاق الإمامة بأصول الدين.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (١).

وقال تعالى : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) (٢).

هذه الآيات وغيرها تثبّت أبديّة الدين الإسلامي ، وأنّه الدين السماوي الخالد. فقوله تعالى : ( للعالمين ) هو قول مطلق يشمل كل الأُمم التي تأتي بعد النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وقال تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

__________________

١ ـ الأنبياء (٢١) : ١٠٧.

٢ ـ الفرقان (٢٥) : ١.

١٧

وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) (١).

وقال تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِْسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (٢).

وقال تعالى : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) (٣).

وهذه الآية مطلقة وعامّة سواءً كان ذلك قبل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بعده أيضاً.

الدين الإسلامي خالد

هذا البحث ، وهو بحث خلود الدين الإسلامي إلى يوم القيامة ، هو بحثٌ أديانيٌ ، أو بحثٌ أيديولوجي بالتعبير اللاتيني ، يعني : بحثٌ عقائدي.

وهو محل جدل واسع ، وصخب علمي كبير بين الأديان والثقافات الشرقية والغربية والتيارات الفكرية المختلفة سواءً كانت تلك التيارات اجتماعية أو حقوقية أو قانونية ، ومن هذه التيارات تيار العلمانيين من المسلمين أو المتعلمنين من المسلمين أو العلمانيين من الغرب ، ومن المعلوم أنّ للعلمانيين أمواجاً مختلفةً ، وأنَّ هذه الأمواج ليست على وتيرة واحدة ، والآيات التي ذكرناها تثبّت خلود الإسلام وعالميته.

المجتمعات العلمانية لم تُطلّق الدين طلاقاً مؤبّداً

وما نريد أن نشير إليه هنا أنّ المجتمع الغربي أو مجتمع جنوب شرق أسيا كاليابان ، وهي مجتمعات تعتمد على المؤسسات المدنية ، ويعبّر عنها بالمجتمع

__________________

١ ـ الأحزاب (٣٣) : ٤٠.

٢ ـ آل عمران (٣) : ١٩.

٣ ـ آل عمران (٣) : ٨٥.

١٨

المدني ، أنَّ هذه المجتمعات وإن كانت علمانية إلاّ أنّها لم تُطلّق الدين طلاقاً مؤبّداً ، وأنّهم حفظوا ـ ولو بالشكل ـ موروثهم الحضاري الثقافي الديني كلٌّ بحسب دينه سواءً كانوا في اليابان أو في الهند أو في أوروبا المسيحية ; وذلك لأنّ طبيعة المجتمعات البشرية تجعل منها مخزناً تختزن فيه الموروثات الحضارية ، ومن المستحيل أن يبدأ مجتمعٌ بشريٌ من الصفر ، بل لا بدَّ أن يرث من الأُمم السابقة ما يرث ، فنحن نلاحظ أنّ العلمانيين الغربيين أسماؤهم أسماء مسيحية ، وتكون عندهم إلى جانب القوانين المدنية قوانين كنائسية ، وكذلك أُصول التقنين الغربي متأثّرة بالتقنين المسيحي ، فإذاً هؤلاء العلمانيون الغربيون لم يطلّقوا الدين طلاقاً مؤبّداً ، ولكنّهم حاولوا أن يمزجوا بين الموروث القديم وما ابتكروه من قوانين ، وممّا يدلّل على كلامنا هذا هو أنَّ الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب عندما شنّ حرب الخليج الثانية كان يستنجد بالكنيسة واسم الرب وما شابه ذلك ، وكذلك استخدم جورج بوش الابن تعبير « الحرب الصليبية » بعد الهجوم على نيويورك وواشنطن ، وهذا ما نشاهده عند اليابانيين أصحاب الديانة البوذيّة ، حيث إنّهم لم يطلّقوا ديانتهم طلاقاً مؤبّداً.

الدين واحد والشرائع متعدّدة

من الأخطاء الشائعة في الصحافة والإعلام وبين عامّة الناس هو تعبير « الأديان » ، فنسمع عن حوار الأديان ، والبحث عن أوجه الاختلاف أو التلاقي بين هذه الأديان ، وهذا ما يتعارض مع المفهوم القرآني والمفاهيم التي جاءت بها الأحاديث الشريفة ، حيث إنّ المفهوم القرآني يؤكّد على أنّ الدين واحد وليس متعدّد ، فتكون النتيجة أنّ تعبير « الأديان » تعبيرٌ خاطىء ; لأنّه يتعارض مع الطرح القرآني.

١٩

وكذلك ينبغي التفريق بين مصطلحات « الدين والشريعة والملّة والمنهاج » التي وردت في القرآن الكريم ، ولابدَّ من تعريف هذه المصطلحات قبل الخوض في البحوث المقبلة ; لأنَّ الكثير من الناس يستخدم الدين كمصطلح مرادف للشريعة ، وهذا من الاستخدام اللغوي والديني الخاطىء.

الدين : عبارة عن مجموعة من أُصول اعتقادية ، وأُصول معارف كونية ، ويضمّ اليه أركان الفروع ، ويضمّ إلى الفروع الآداب.

الشريعة : الشريعة تختلف عن الدين ; لأنّ الإسلام اسم للدين وليس للشريعة.

وتسمّى الشريعة المحمّدية صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما توجد شريعة موسوية ، وشريعة عيسوية ، وشريعة نوحية ، وشريعة إبراهيمية.

والشريعة لغةً هي الضفّة الجانبية المتفرّعة من رافد النهر ، وهذا ما يحدّثنا به أرباب المقاتل عندما يتحدّثون عن العباس حين استقى الماء من الشريعة.

قال ابن منظور في لسان العرب : « والشرعة والشريعة في كلام العرب : مشرعة الماء وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون » (١).

الأُسس هي منطقة الدين ، أُصول الاعتقاد وأُصول المعارف هي التي تمثّل دائرة الدين ، أمّا الدائرة التي هي أكثر تشعّباً وأكثر ترامياً وأكثر بُعداً عن المركز هي دائرة الشريعة ، وتشتمل على تفاصيل الأحكام والقوانين.

قال تعالى : ( لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (٢).

ولم يستخدم تعبير « لكل جعلنا منكم ديناً ومنهاجاً » ; وذلك لأنّ الدين واحد. فدين نوح وإبراهيم وموسى عيسى ومحمّد هو دين واحد ، وأصحاب الشرائع هم

__________________

١ ـ لسان العرب ٧ : ٨٦ ، مادة « شرع ».

٢ ـ المائدة (٥) : ٤٨.

٢٠