🚖

كيف نفهم الرّسالة العمليّة - ج ١

محمد مهدي المؤمن

كيف نفهم الرّسالة العمليّة - ج ١

المؤلف:

محمد مهدي المؤمن


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
المطبعة: عترت
ISBN: 964-7777-28-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

٣

٤

كلمة المركز

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الواحدِ الأحدِ الفردِ الصّمدِ الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، ثمّ الصّلاة والسّلام على العبد المؤيَّد ، والرسول المسدَّد ، المصطفى الأمجد ، والمحمود الأحمد ، سيّدنا ومولانا أبي القاسم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الهداة المهديّين ، وأوصيائه المنتجبين ، سيّما خاتم الأوصياء المطهّرين المنتظر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ ، واللَّعن على أعدائهم يوم الدين.

أمّا بعد ، فقد مَنّ الله ـ تعالى ـ على عباده المؤمنين أن بعث فيهم وإليهم رسولاً من أنفسهم يعلّمهم معالم دينهم ويزكّيهم ويهديهم سواء السبيل فقال عزّ من قائل : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (١) ، ومنّ عليهم

__________________

(١) سورة الجمعة : ٢.

٥

كذلك بأوصياء وخلفاء وأئمةٍ اثني عشر راشدين هادين مهديّين يحملون أعباء الرّسالة من بعده ، ويقومون بإتمام الدّين وإكمال شريعة سيّد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تقوم السّاعة ، لكنّهم لاقوا من جهلة هذه الامّة والمتلبّسين بعباءة الدين ظلماً فادحاً وتجاهلاً واضحاً ، وجرت عليهم أعظم المصائب وأنواع البلايا ، ولم يؤذَ أحد في الله ـ تعالى ـ بمثل ما اُوذوا ، إلّا صاحب الرّسالة ونبيُّ الرحمة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث صرّح بذلك قائلاً : « ما اُوذي نبيٌّ بمثل ما اُوذيتُ » (١) فمضتْ عليهم الأحوال على هذه الطريقة وهذا المنوال ، حتى قضى الواحد منهم نحبه تلو الآخر : « فقُتل من قُتل وسُبي من سُبي واُقصي من اُقصي وجري القضاء لهم بما يرجىٰ له حسن المثوبة » (٢) ، وأسفر عن ذلك كلّه حرمان المؤمنين من الارتباط بإمامهم الحاضر ، والاهتداء بهديه ، وتلقّي ما يعنيهم من أحكام دينهم ودنياهم من النّبع الصّافي ، والمصدر الأصيل ، والثّقل الأصغر الّذي يعدل الثقل الأكبر وإمتداد للنبوّة وبيت الوحي ، إذ كتب الله ـ تعالى ـ وقضى لحجّته الثاني عشر ،

__________________

(١) بحار الأنوار ج ٣٩ / ٥٦ ، كشف الغمة ج ٣ / ٣٤٦.

(٢) المزار ( محمد بن المشهدى ) : ٥٧٨ ، اقبال الاعمال ج ١ / ٥٠٨ ، بحار الأنوار ٩٩ / ١٠٦.

٦

وخاتم أوصياء نبيّه الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغيبتين : صغرى دامت سبعين عاماً يتوسّط خلالها بينه وبين شيعته ومواليه نوّابٌ أربعة حازوا لديه بالنيابة الخاصّة ، وكانت هذه الأعوام السّبعين فترة تمهيديّة يعدّ شيعته ومواليه لغيبة طويلة لا يعرف مداها إلا الله ـ تبارك وتعالى ـ سمّيتْ بالغيبة الكبرىٰ.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هو تكليف المؤمنين في زمن الغيبة الكبرىٰ الذي انقطع اتصالهم المباشر بإمام زمانهم ، وممّن يأخدون أحكام دينهم ؟

هذا السؤال وعشرات الأسئلة الاُخرى سنجيب عنها في هذا الكتيّب الوجيز ـ إن شاء الله تعالى ـ ليتّضح للقارىء الكريم أهمّ ما يتعلّق بالرّسالة العلميّة وأحكام الدين المبين اُصولاً وفروعاً ، عسى أن يرفع غوامض ما يتعلّق بمصطلحات الفقه والفقهاء ـ دامت بركاتهم ـ آملين أن يلقىٰ قبولاً لدىٰ المؤمنين ويسفر عن تذليل العقبات والصّعاب في طريقتهم إلي معرفة أحكام الشريعة الغرّاء ، آمين.

وقد كتبناه على هيئة دروس ليستفاد منها في تعليم الجيل الجديد والقادم من الشباب الصّاعد أيضاً في الدّورات الصّيفيّة التي تنعقد في الكويت وفي سائر البلادا وقد بذلنا في سبيل ذلك

٧

قصارىٰ جهدنا ليكون واضحاً في غاية الوضوح ، ولهذا بادرنا الى استعمال الألفاظ العامة ، وتجنّبنا اُسلوب المصطلحات العلميّة الخاصة مهما أمكن ، إلا فيما تقتضيه الضرورة سعياً منّا الىٰ توضيح تلك المصطلحات بما يناسب المقام ، وعليه فنرجوا من ذوي الاختصاص أن يأخذوا بعين الاعتبار ما نرمي إليه في هذا الكرّاس من تجنّب الاُسلوب العلمي ، لهذا فقد تسامحنا كثيراً في العبارات وراعينا المجاز في التعبير ، فلا يلومونا إذا خاننا التعبير أحياناً أو قصر منّا البيان ، والله وليُّ التوفيق.

مركز الإمام السّجّاد عليه‌السلام

للدّراسات الحوزويّة

قم المقدسة

الأحد : ١١ ربيع الثاني ١٤٢٣ ه‍. ق.

الموافق٢٢ / ٦ / ٢٠٠٢ ميلادي.

٨

الدّرس الأوّل

المؤمنون في زمن الغيبة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

س) : ذكرتم في مقدّمة الكتاب أنّ المؤمنين كانوا يتلقّون وظائفهم وتكاليفهم وأحكام دينهم من منبع الوحي الإلهي وهو النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته ، ثم من أوصيائه الّذين هم عِدْل القرآن والثقل الأصغر حتى بدأت الغيبة الكبرىٰ فكيف كان يصنع المؤمنون حيال أحكامهم الشرعية ؟ وإلى من كانوا يرجعون في تلقّي تكاليفهم ؟ ولماذا وبأي دليل اختاروا هذا المسلك ؟

ج) : لا شك أنّ غيبة الإمام ـ عليه الصلاة والسلام ـ كانت تقديراً إلهيّاً وأمراً ربّانيّاً أدّىٰ الى انقطاع الاُمّة عن منبع الوحي ومصدر التشريع فكان لا بدّ من تعويض ذلك وتعيين مسلك وتحديد طريقة يعمل بها المؤمنون ويرجع إليها العباد ، وهي الطريقة المتّبعة لدى العقلاء وتسمّى ب‍ « السيّرة العقلائيّة » ، أو « حكم العقل » ، « حكم الفطرة » ، أو « حكم الشرع ».

٩

وقد خرجت في فترة الغيبة الصّغرى من ناحيته المقدّسة أخبار وتواقيع مؤكّدة تأمر شيعته ومواليه بتلقّي أحكام دينهم ودنياهم من الفقهاء الصّالحين المنوبين عنه ـ أرواحنا فداه ـ بالنيابة العامّة ، وتحثّهم على اتّباعهم ، وتدعو الى الالتفاف حولهم ، كما في قوله ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ : « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه » ـ (١) وما في قوله صلوات الله وسلامه عليه ـ : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا  ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله » (٢) ، فمن هنا وانطلاقاً من هذين الأمرين الإرشاديّين نشأت فكرة الإجتهاد والتقليد ، طبقاً لما تمليه الضّرورة في زمن الغيبة ، حيث انقطاع الاتصال المباشر بالمعصوم عليه‌السلام.

والنتيجة : أنّ باب الإجتهاد والتقليد لدى المؤمنين ظلّ مفتوحاً وسيكون كذلك إلى أن يقضي الله ـ تعالى ـ لعباده المؤمنين

__________________

(١) راجع وسائل الشيعة ج ٢٧ / ١٣١ ، الاحتجاج ج ٢ /٢٦٣ ، بحار الأنوار ج ٢ / ٨٨

(٢) وسائل الشيعة ج ٢٧ / ١٤٠ ح ٩ ، الفصول العشرة ( المفيد ) : ١٠ ، الغيبة ( الطوسي ) : ٢٩١ ، الاحتجاج ج ٢ / ٢٨٣ ، الخرائج والجرائح ج ٣ /  ١١١٤ ضمن ح ٣٠.

١٠

بالفرج ، ويظهر المهديّ من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحتى تنقشع سحب الظلام ، ويذهب هذا الليل الطّويل ليسفر الصّبح الجليّ ، ويتجلّي النهار وتشرق الشّمس السّاطعة ـ إن شاء الله تعالى ـ ، « أليس الصبح بقريب ».

س) : إذا كان هذا الكتاب قد عدّ لتوضيح الرّسالة العمليّة وكيفيّة التعامل معها ، وبيان شيء من اُصول الدّين وفروعه ، فما معنى الدّين ؟

ج) : الدّين عند علماء اللّغة ـ في اللّغة العربيّة ـ يعني الطّاعة والجزاء والحساب والتعبّد والورع والسّلطان والقهر والمعصية ، والقضاء ، وبالمعنى اللّغوي قال تعالى : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (١) أي يوم الجزاء أو يوم الحساب ، وفي المثَلَ : « كما تَدينُ تُدان » أي كما تُجازي تجازىٰ ، وأيضاً قوله تعالى : ( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (٢) أي الحساب أو الجزاء الصحيح ، وقوله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) (٣) أي الطّاعة والتعبّد ، وقوله تعالى : ( مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) (٤) أي في قضاء الملك ، وقوله تعالى : ( أَإِنَّا

__________________

(١) سورة الفاتحة : ٤.

(٢) سورة التوبة : ٣٦ ، سورة اليوسف : ٤٠ ، سورة الروم : ٣٠.

(٣) سورة آل عمران : ١٩.

(٤) سورة يوسف : ٧٦.

١١

لَمَدِينُونَ ) (١) أي لمملوكون ، وأمّا الدّين عند علماء الأديان فمعناه الاعتقاد بخالق الكون والكائنات ، والعمل بالأحكام والقوانين التي تناسب ذلك الاعتقاد ، ولهذا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان » (٢) ، وعليه فكلّ من يعتقد بالصّانع الحكيم فهو متدّين وذو دينٍ ، وكلّ من أنكر الخالق والصّانع فهو لا دين له ، نعم الأديان تنقسم إلى الأديان الحقّة والباطلة أو المنحرفة ، ولهذا قال تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) أي ان الطريقة الحقّة والصحيحة في الاعتقاد والعمل هي الإسلام ، ولهذا : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) (٣) إذ كل طريقة في الاعتقاد والعمل غير طريقة الاسلام باطلة.

والحمد لله ربّ العالمين

__________________

(١) سورة الصافّات : ٥٣.

(٢) بحار الأنوار ج ٦٦ : ٧٣ ح ٢٩ و ٩٠ : ٤٨

(٣) سورة آل عمران : ٨٥.

١٢

الدرس الثاني

وجوب الاجتهاد والتقليد

بسم الله الرّحمن الرّحيم

س) عرفنا في الدّرس السّابق ما هو تكليف المؤمنين في زمن الغيبة والى من يرجعون ، فما معنى « السّيرة العقلائية » ، و «حكم العقل » ، و « حكم الفطرة » ، و « حكم الشرع » ؟

ج) : والجواب الذي يناسب المقام باختصارٍ شديد ، وبيانٍ واضح سديد أنّ السّيرة العقلائية ـ كما هو واضح ـ استمرار عادة الناس وتبانيهم العمل على فعل شيءٍ ، أو ترك شيءٍ ، والمقصود بالناس : جميع العقلاء والعرف العام من كلّ ملّة ونحلة ، فيعمّ المسلمين وغيرهم ، والتعبير الشايع عند الاُصوليين المتأخرين ـ والمراد منهم علماء الاُصول في الأزمنة المتأخرة ـ تسميتها ب‍ « بناء العقلاء » (١). فالسّيرة العقلائية تقضي بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة.

__________________

(١) اُصول الفقه للمظفّر الباب السّابع السّيرة.

١٣

وأمّا المراد بحكم العقل والمقصود منه هنا هو حكم العقل العملي « ومعنى حكم العقل ـ على هذا ـ ليس إلا إدراك أن الشيء ممّا ينبغي أن يُفعل أو يُترك » (١) فالعقل يحكم بضرورة رجوع الجاهل الى العالم وذوي الاختصاص وأهل الخبرة.

وأمّا حكم الفطرة فالمراد منه أن الفطرة الإنسانيّة السّليمة تحكم بوجوب ولزوم رجوع الجاهل الى العالم وأهل الخبرة فيما يجهل.

وأمّا حكم الشرع فهو الحكم الوارد على لسان الشارع المقدّس في الكتاب أو السّنّة أو المستفاد من العقل أو الإجماع أو سيرة المعصومين عليه‌السلام ، وهو على قسمين :

أ ـ إمّا إرشاد وتنبيهٌ إلى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو السيرة العقلائية ، إن كان لواحدٍ من هذه الثلاثة حكم في خصوص المسألة ، ويسمى « حكماً إرشاديّاً ».

ب ـ وإمّا تأسيس حكم وإيجاد أمر أو نهي ، إذا لم يكن مسبوقاً بحكم العقل أو الفطرة أو السيرة العقلائية ، ولم يكن مبتنياً على أحدها ويسمّى حينئذٍ « أمراً مولويّاً » أي من المولى مباشرة

__________________

(١) اُصول الفقه للمظفّر ص ١٧٠ منشورات الفيروز آبادي.

١٤

من غير ابتناءٍ على حكم العقل أو الفطرة أو السّيرة العقلائيّة.

والنتيجة : أنّ مسألة وجوب التقليد في الشّرع المقدّس مبنيّة على أحد الاُمور الثلاثة السّابقة :

أ ـ إمّا على حكم العقل بضرورة رجوع الجاهل الى العالم وأهل الخبرة.

ب ـ أو على حكم الفطرة بلزوم الرجوع الى العالم وأهل الخبرة.

ج ـ أو على السّيرة العقلائية القاضية بالرّجوع إلى العالم و أهل الخبرة.

فما ورد على لسان المعصوم عليه‌السلام في الأخبار الصّحاح وفي بعض المراسيل مثل قوله عليه‌السلام : « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواء ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (١) حكم شرعي إرشادي ، أي أنّه إمّا إرشاد الى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو سيرة العقلاء.

واعلم أنّ السّيرة العقلائية لا تكون حجّة ـ أي لا يجوز العمل بها ، أو لا يجب الأخذ بها ـ إلا إذا كانت ممضاةً وموقَّعةً ومؤيّدةً

__________________

(١) الاحتجاج ج ٢ / ٢٦٣ ، بحار الأنوار ج ٢ / ٨٨ ، وسائل الشيعة ج ٢٧ / ١٣١.

١٥

من قِبَلِ الشارع المقدّس بالكتاب والسُّنة ، أو على الأقل لم يرد نهي عنها على لسان المعصوم عليه‌السلام.

والحاصل : أنّ المؤمنين كانوا وما زالوا يرجعون في تلقّي أحكامهم إلى الفقيه الجامع للشرائط ، وذلك بدليل السّيرة العقلائية القاضية برجوع الجاهل الى العالم أو حكم العقل أو حكم الفطرة القاضيين بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وزاد في التأكيد على ذلك ما ورد لسان المعصوم عليه‌السلام ، وبهذا نكون قد أجبنا على سؤال هامّ تقدّم في الدّرس الأول ، ألا وهو : لماذا وبأيّ دليل اختاروا هذا المسلك ؟ أي لماذا اختاروا طريقة التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم ؟

س) : تقدّم في الدّرس الأول معنى الدّين ومفهومه ، فما هي حاجة الإنسان إلى الدّين ؟

ج) : إعلم أن الإنسان موجود مركّب من جسد مادّي وروح مجرّدة ، ثم إنّ عقله يمثّل جانبه الرُّوحاني المعنوي ، وهواه وغرائزه تمثّل جانبه المّادي الحيوانيّ ، فهو بفطرته يبحث عن سعادة مادّية ومعنويّة ، ويسعى إلي الكمال الذي خلق واُوجد من أجله ، ولمّا كان ذا بُعدين : بُعدٍ اجتماعي ، وبعدٍ فردي ، فإنّه بحاجة إلى برامج وقوانين وسلوك تضمن له السعادة المادّيّة والمعنويّة

١٦

في كلا الجانبين ، الجانب الفردي والجانب الاجتماعي ، وتكفل له الحياة الطّيّبة في كلا البُعدين ، وهذه القوانين والأنظمة الكفيلة بتحقيق السّعادة المعنويّة والمادّيّة والحياة الطيّبة في البعدين الفردي والاجتماعي للإنسان التي تعدّ ضرورة فطرية له ، هذه القوانين والأنظمة تعدّ ديناً حقاً ، وتسمّى بدين الحق كما قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (١).

والحمد لله ربّ العالمين

__________________

(١) سورة الروم : ٣٠.

١٧

الدرس للثالث

دور الدين في الحياة الانسان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

س) : ما هي الآثار الفرديّة والاجتماعيّة التي يتركها الدّين في حياة الانسان ؟

ج) : أمّا الآثار الفرديّة فهي كثيرة أهمّها أنّ الدِّين والإيمان بالله واليوم الآخر يمنح الإنسان حالة من الاستقرار النفسي في مواجهة المشكلات والمصائب والبلايا التي تحلّ به ، ويملؤ قلبه بالأمل والرّجاء في نظرته الى المستقبل ، فيكون متفائلاً بما سيأتي ، مجتهداً في عمله ، صادقاً في فعله وقوله ، رابط الجأش في المعترك الحياة ، لا يخشى في الله لومة لائم ، راجياً كلّ الخير من ربّه القادر الحكيم العليم الرَّحيم ، فلا يظلم الآخرين ، ولا يعتدي على حقوقهم ، ولا يتجاوز الحدود التي رسمها له الشّرع المقدّس ، يحترم القوانين الإلهيّة ، ويرأف بكلِّ شيء حوله حتى بالحيوان والجماد فضلاً عن رأفته بالإنسان لا سيّما والديه

١٨

وجيرانه وأهله وعياله ، وكيف كان فهو مصداق قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « خير النّاس أنفعهم للناس » (١) ، وقوله تعالى : ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢) ، لأنّه يرى الله ـ تعالى ـ معه ورقيباً عليه في كلّ آن ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) (٣) و ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (٤).

س) : تبيّن من الدّرسين السابقين أن العقل والفطرة وسيرة العقلاء تأمرنا بالرّجوع الى أهل الخبرة والدّراية في كلّ فنّ من الفنون أو علم من المعلوم ، وأنّ الإنسان لمّا كان محتملاً لتوجّه تكاليف ووظائف إليه من الله ـ تبارك وتعالى ـ أو كان عالماً ولو إجمالاً بتوجّه تلك التكاليف إليه ، وجب عليه أن يطلب العلم ويسعى إلى معرفة ذلك ليطّلع على تكاليفه ويحصل على وظائفه الشرعيّه من الأوامر والنواهي يعمل طبقاً لمعرفته ، فيأتي بما أمره الله ـ تعالى ـ به ، ويترك ما نهى الله ـ تعالى عنه ، وهذا لا يتحقّق إلا بأن يكون إمّا مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً ـ كما صرّحت به جميع

__________________

(١) الجامع الصغير ( السيوطي ) ج ١ : ٦٢٣ ح ٤٠٤٤ ، كنز العمال ج ١٥ : ٧٧٧ ح ٤٣٠٦٥ ، ميزان الاعتدال ج ٣ : ٢٤٨ رقم ٦٣٣٧.

(٢) سورة يونس : ٦٢.

(٣) سورة الحديد : ٤.

(٤) سورة الزلزلة : ٧ و ٨.

١٩

الرّسائل العمليّة وأجمع عليه الفقهاء ـ ، والسؤال هنا : ما هو الاجتهاد ومن هو المجتهد ؟ وما معنى التقليد ؟ وما معنى الاحتياط ؟

ج) : أمّا الاجتهاد فهو بذل الجهد والسّعي الحثيث لاستنباط الحكم الشرعي من مصادر التشريع ـ الكتاب والسُّنة والعقل والإجماع ـ.

وأمّا المجتهد فهو الذي قضى شطراً من عمره في تلقّي دروس وعلوم خاصّة تدرّس في حوزات علميّة خاصّة تؤهّله وتجعله قادراً استنباط الحكم الشرعي واستخراجه من مصادر التّشريع الأربعة متى شاء وأراد ، وهذه العلوم عبارة عن بعض العلوم العربيّة ـ كالنّحو والصّرف واللّغة ـ واُصول الفقه والفقه والمنطق وعلم الحديث والرّجال ، وهي علوم وفنون خاصّة ، لا يمكن أن يتفرّغ لها جميع الناس ، وإلى هذا أشارت الآية المباركة : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (١) ، ولا يؤفّق إلى العمل بها إلا نفرُ قليل من

__________________

(١) سورة التوبة : ١٢٢.

٢٠