• الفهرس
  • عدد النتائج:

اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمّد وآله

ربّ يسر وأعن

الحمد لله الذي جعل الأرض قرارا ، وفجّر خلالها أنهارا ، وجعل فيها رواسي ألزمتها استقرارا ، ومنعتها اضطرابا وانتثارا ؛ جعلها قسمين فيافي وبحارا ، وأودع فيها من بدائع الحكم وفنون المنافع ما بهر ظهورا وانتشارا ، وأطلع في آفاقها شموسا وأقمارا ، جعلها ذلولا ، وأوسعها عرضا وطولا ، وأمتع بها شيبا وشبابا وكهولا ، وعاقب عليها غيوثا وقبولا ، وأغرى في المشي في مناكبها تسويغا للنعمة الطولى ، وتتميما لإحسانه الذي نرجوه في الآخرة والأولى ، إن في ذلك لعبرة لمن صار له قلب وسمع وبصر وفهم منقولا ومعقولا (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) أحمده على جزيل آلائه التي والى امدادها ، وأحصى أعدادها ، وعمّ بها البرية وبلادها ؛ صلى الله على نبيّه الكريم الذي زويت له الأرض فرأى غايتها ، وأبصر نهايتها ، وأخبر أن ملك أمّته يبلغ ما رآه ، وينتهي إلى حيث قدره الخالق وأنهاه.

وبعد ؛ فإني قصدت في هذا المجموع ذكر المواضع المشهورة عند الناس من العربية والعجمية والأصقاع التي تعلقت بها قصّة ، وكان في ذكرها فائدة أو كلام فيه حكمة ، أو لها خبر ظريف أو معنى يستملح أو يستغرب ويحسن إيراده. أما ما كان غريبا عند الناس ولم يتعلق بذكر فائدة ولا له خبر يحسن إيراده ، فلا ألّم بذكره ولا أتعرّض له غالبا استغناء عنه واستثقالا لذكره ، ولو ذهبت إلى إيراد المواضع والبقاع على استقصاء لطال الكتاب وقلّ امتاعه ، فاقتصرت لذلك على ذكر المشهور من البقاع وما في ذكره فائدة : ونكبت عمّا سوى [ذلك] ورتبته على حروف المعجم لما في ذلك من الاحماض المرغوب فيه ولما فيه من سرعة هجوم الطالب على اسم الموضع الخاص من غير تكلّف عناء وتجشم تعب ، فقد صار هذا الكتاب محتويا على فنّين مختلفين : أحدهما ذكر الأقطار والجهات وما اشتملت عليه من النعوت والصفات ، وثانيهما الأخبار والوقائع والمعاني المختلفة بها الصادرة عن مجتلبها.

واختلست ذلك من ساعات زمني ، وجعلته فكاهة نفسي ، وان نصب فيه فكري وبدني. ورضته حتى انقاد للعمل ، وجاء حسب الأمل (١) ، فأصبح طاردا للغموم ملقيا للهموم وشاهدا بقدرة القيّوم ، مغنيا عن مؤانسة الصحب ، منبها على حكمة الرب ، باعثا على الاعتبار ، مستحضرا لخصائص الأقطار ، مشيرا لآثار الأمم وأحداثها ، مشيرا إلى وقائع الأجيال (٢) وأنبائها. ثم إني قسته بالكتاب الأخباري المسمى بنزهة المشتاق فوجدته أعظم فائدة ، وأكثر أخبارا وأوسع في فنون التاريخ وصنوف الأحداث مجالا ، حتى في وصف البلاد فإنه دائما يذكر نبذة منها وشيئا قليلا في مواضع مخصوصة معدودة ؛ بل إنما عظم حجمه بما اشتمل عليه من قوله : «ومن فلانة إلى فلانة خمسون ميلا أو عشرون فرسخا ومن فلانة إلى فلانة كذا وكذا». أما الخبر عن الأصقاع بما يحسن إيراده ويلذّ سماعه من خبر ظريف أو وصف يستغرب أو يستملح فإنما يوجد فيه في مواضع قليلة معدودة ، إلى غير ذلك من عسر وجدان الناظر فيه مطلوبه بأول وهلة بل بعد البحث والتفتيش ؛ وجعلت الايجاز في هذا الكتاب قصدي ، وحرصت على الاختصار جهدي ، حتى جاء نسيج وحده مليحا في فنّه ، غريبا في معناه ، مبهجا للنفوس المتشوّقة ، مذهبا للأفكار المؤرقة ، مؤنسا لمن استولى عليه الإفراد ورغب عن معاشرة الناس ، ومع هذا فقد لمت نفسي على التشاغل بهذا الوضع الصادّ عن الاشتغال بما

__________________

(١) بروفنسال : حسب الأصل. ولعل الصواب «حسب الأمل».

(٢) بروفنسال : الأخبار.