آية المباهلة

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مركز الأبحاث العقائدية ISBN: 964-319-248-2
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

دليل الكتاب :

مقدّمة المركز .......................................................... ٥

تمهيد ................................................................. ٧

مقدّمات البحث ....................................................... ٩

المقدّمة الأولى : بحث المسائل على أُسس متقنة ............................. ٩

المقدمة الثانية : الإستدلال بالكتاب والعقل والسنة ....................... ١٢

بعض التقسيمات في الإستدلال بالسنّة .................................. ١٤

المقدمة الثالثة : أهمية البحث عن الإمامة ................................ ١٥

دوران البحث بين علي وأبي بكر ...................................... ١٨

آية المباهلة ........................................................... ١٩

المباهلة في اللغة ....................................................... ١٩

تعيين من خرج مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المباهلة ........................... ٢٣

دلالة آية المباهلة على إمامة عليّ عليه‌السلام .................................. ٢٧

مع ابن تيمية في آية المباهلة ............................................ ٣١

خاتمة المطاف ........................................................ ٣٥

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لا زلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والإفهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة ، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة ، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك ، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور : عقد الندوات العقائديّة المختصّة ، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين ، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة ، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد

٥

والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها ، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً ، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسّون

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين.

كما تعلمون ، لعلّ من خير الاعمال في ليالي شهر رمضان هو مذاكرة العلم ، والأمور الاعتقادية والمسائل التي تتعلق بأصول الدين من أشرف المسائل العلميّة ، ومسألة الإمامة من بين المسائل الإعتقاديّة من أشرفها.

ونسأل الله التوفيق لأن نتمكّن من إلقاء بعض الأضواء على بعض القضايا المتعلّقة بمسألة الإمامة ، لنرى ما يدلّ عليه الكتاب والسنّة في هذه المسألة المهمّة العقائديّة الحسّاسة.

ولست أدّعي أنّي مستوعب لجميع ما يتعلّق بهذه المسألة ،

٧

ولست أدّعي أنّي على استعداد للإجابة على كلّ سؤال يطرح حول هذه المسألة.

ولست من أهل الخطابة والبيان والقدرة على تنضيد الكلمات والتلاعب بالألفاظ كما يقال في هذه الأيّام.

وسأحاول أنْ أبحث في هذه الليالي عن الإمامة بذكر عدّة من أدلّة الإمامية ، وعمدة أدلّة غيرهم ، ثم تحقيق الحال في جملة من المباحث المتعلّقة بالإمامة ، وسأحاول أنْ أبسّط الالفاظ والمطالب بقدر الإمكان ، حتّى لا يكون هناك تعقيد في البيان وصعوبة في استيعاب البحوث.

قد يحمل هذا الكلام منّي على التواضع ، ولكن هذا من باب حسن الظن.

٨

مقدّمات البحث

قبل الشروع في البحوث ، وقبل الدخول في المسائل الأساسيّة التي تقرّر أن نبحث عنها طبق المنهج المعلن عنه ، لابدّ من تقديم مقدمات ، فنقول :

المقدّمة الأولى : بحث المسائل على أُسس متقنة

في كلّ مسألة لابدّ وأنْ يكون البحث في تلك المسألة على أُسس متقنة مدروسة ، فتارةً يكون طرف البحث والخطاب شيعيّاً إماميّاً مثلك ، فأنت تباحثه وتحتج عليه بما هو حجة في داخل المذهب ، فلك حينئذ أنْ تستدلّ على رأيك برواية في كتاب الكافي مثلاً.

وأمّا إذا لم يكن شيعيّاً اثني عشريّاً مثلك ، فالأمر يختلف ... لابدّ وأنْ يكون البحث بينكما ابتناءً على قضايا مشتركة ، وعلى

٩

أدلّة مشتركة.

الأدلّة المشتركة :

أوّلاً : القرآن الكريم.

ثانياً : العقل السليم.

ثالثاً : الروايات الواردة في السنّة المتفق عليها بين الطرفين ، أو تحتجّ عليه من السنّة بما هو حجّة عنده وإنْ لم يكن حجةً عندك ، وليس لك أنْ تحتج عليه بكتاب الكافي ، كما ليس له أنْ يحتج عليك بكتاب البخاري.

إذن ، لابدّ وأن تكون هناك نقطة وفاق واشتراك حتّى يتحاكم الطرفان إلى تلك النقطة ، من كتاب ، أو سنّة مسلّمة بين الطرفين ، أو قاعدة عقليّة قرّرها جميع العقلاء في بحوثهم.

أمّا إذا كان طرف الخطاب سنّيّاً ، ولا يوافق على كتاب البخاري ، بل لا يرى صحّة شيء من الصحاح الستّة ، فلابدّ حينئذ من إقامة الدليل له ممّا يراه حجّة ، من الكتاب أو العقل ، فإن أردنا أن نقيم الدليل عليه من السنّة ، فلابدّ وأن نصحّح الرواية التي نحتجّ بها ، لكي يلتزم بتلك الرواية ، لأنّها إذا صحّت على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل عندهم ، فلابدّ وأن يلتزم بتلك الرواية.

قد يكون في هذا الزمان بعض الباحثين من لا يقول بصحّة

١٠

روايات الصحيحين فضلاً عن الصحاح كلّها ، وإنّما يطالب برواية صحيحة سنداً ، سواء كانت في الصحيحين أو في غير الصحيحين ، فإثبات صحّة تلك الرواية لابدّ وأنْ يكون على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من أهل السنّة بالنسبة لرواة تلك الرواية ، حتّى تتمّ صحّة الرواية ، ويمكنك الإستدلال بتلك الرواية ، فإنْ عاد وقال : ليست كلمات علماء الجرح والتعديل عندي بحجّة ، هذا الشخص حينئذ لا يتكلّم معه ويترك ، لأن المفروض أنّه لا يقبل بالصحيحين ، ولا يقبل بالصحاح ، ولا يقبل برواية فرض صحّتها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من أئمّتهم ، حينئذ لا مجال للتكلّم مع هكذا شخص أبداً.

لكن المشهور بين السنّة أنّهم يرون صحّة أخبار الصحيحين ، وإن كنّا أثبتنا في بعض بحوثنا أنّ هذا المشهور لا أصل له ، لكن المشهور بينهم هذا.

وأيضاً المشهور بينهم صحّة روايات الصحاح الستّة ، وإنْ اختلفوا في تعيين تلك الصحاح بعض الإختلاف.

وإنّ المسانيد أيضاً كثير منها معتبر ، كمسند أحمد مثلاً ، وإنْ كان بعض كبارهم لا يرون التزام أحمد في مسنده بالصحة ، لكنْ عندنا شواهد وأدلّة تنقل بالأسانيد عن أحمد بن حنبل نفسه أنّه

١١

ملتزم في مسنده بالصحّة.

وهناك كتب أُخرى أيضاً مشهورة.

ونحن في بحوثنا هذه لا نعتمد إلاّ على الصحاح ، والمسانيد ، والكتب المشهورة ، بعد الإستدلال بالكتاب ، وبالعقل ، فإذا وصلت النوبة إلى السنّة نستدلّ بالأحاديث المعروفة المشهورة الموجودة في الكتب المعتبرة المعتمدة ، الروايات المتفق عليها بين الطائفتين.

فكما أشرنا من قبل ، لابدّ وأن تكون الرواية متّفقاً عليها بين الطائفتين ، بين الطرفين. هذا الإتفاق على الرواية من نقاط الإشتراك ، كالقرآن الكريم وكالعقل السليم.

المقدمة الثانية : الإستدلال بالكتاب والعقل والسنة

ثمّ الإستدلال كما أشرنا في خلال كلماتنا هذه ، تارةً يكون بالكتاب ، وتارةً يكون بالعقل ، وتارةً يكون بالسنّة.

أمّا الكتاب ، فآياته المتعلّقة بمباحث الإمامة كثيرة ، لكنّ المهمّ هو تعيين شأن نزول هذه الآيات ، وتعيين شأن نزول هذه الآيات إنّما يكون عن طريق السنّة ، إذن ، يعود الأمر إلى السنّة.

وفي الإستدلال بالعقل أيضاً ، هناك أحكام عقلية هي كبريات عقليّة ، وتطبيق تلك الكبريات على الموارد لا يكون إلاّ بأدلّة من

١٢

خارج العقل ، مثلاً يقول العقل بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، أمّا من هو المفضول ؟ ومن هو الفاضل ليقبح تقدّم المفضول على الفاضل بحكم العقل ؟ هذا يرجع إلى السنّة ، إذنْ رجعنا إلى السنّة.

والسنّة أيضاً قد أشرنا إلى قواعدنا في إمكان التمسّك بها ، وإثبات مدّعانا واحتجاجنا على ضوئها ، فنحن لا نستدل على أهل السنّة بكتبنا ، كما لا يجوز لهم أن يستدلّوا بكتبهم علينا.

نصّ على ذلك عدّة من أكابر علمائهم ، كابن حزم الأندلسي في كتابه الفصل ، فإنّه ينصّ على هذا المعنى ويصرّح بأنّه لا يجوز الاحتجاج للعامّة على الإمامية بروايات العامّة ، يقول :

لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا ، فهم لا يصدّقونها ، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدّقها ، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجة به ، سواء صدّقه المحتج أو لم يصدّقه ، لأن مَن صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الضروري ، فيصير حينئذ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه (١).

إنّ من الواضح أنّ الشيعي لا يرى حجّية الصحيحين فضلاً عن

__________________

(١) الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤ / ١٥٩.

١٣

غيرهما ، فلا يجوز للسنّي أنْ يحتجّ بهما عليه ، كما لا يجوز للشيعي أن يستدلّ على السنّي بكتاب شيعي ، لأن السنّي لا يرى اعتبار كتاب الكافي مثلاً.

فنحن إذن نستدلّ بروايات الصحاح ، وبروايات المسانيد ، وبالروايات المتفق عليها بين الطرفين ، ولربّما نحتاج إلى تصحيح سند بخصوصه على ضوء كتب علمائهم وأقوال كبارهم في الجرح والتعديل ليتمّ الاحتجاج ، ولا يكون حينئذ مناص من التسليم ، أو يكون هناك تعصّب وعناد ، ولا بحث لنا مع المعاند والمتعصّب.

بعض التقسيمات في الإستدلال بالسنّة :

وعندما يعود الأمر إلى الإستدلال بالسنّة ، فالروايات المتعلّقة ببحث الإمامة تنقسم إلى أقسام ، نذكر أوّلاً انقسامها إلى قسمين أساسيّين رئيسيّين :

القسم الاوّل : الروايات الشارحة للايات ، والمبيّنة لشأن نزول الآيات ، فكما قلنا من قبل ، فإنّ الإستدلال بالقرآن لا يتمّ إلاّ بالسنّة ، إذ ليس في القرآن اسم لأحدٍ ، فهناك آيات يستدلّ بها في مباحث الإمامة ، لكن ما ورد معتبراً في السنّة في تفسير تلك الآيات وشأن نزول تلك الآيات ، هو المتمّم للإستدلال بالقرآن

١٤

الكريم.

القسم الثاني : الروايات المستدلّ بها على الإمامة والولاية والخلافة بعد رسول الله ، وليس بها أيّة علاقة بالآيات.

ثمّ الروايات تنقسم إلى أقسام ، فهذه الروايات من القسم الثاني تنقسم إلى ثلاثة أقسام.

القسم الاوّل : ما يدلّ على الإمامة بالنص.

القسم الثاني : ما يدلّ على الإمامة عن طريق إثبات الأفضليّة ، هذه الأفضليّة التي هي الصغرى بإصطلاحنا لكبرى قاعدة قبح تقدّم المفضول على الفاضل.

القسم الثالث : الروايات الدالّة على العصمة ، واشتراط العصمة واعتبارها في الإمام أيضاً حكم عقلي ، وفي مورده أيضاً أدلّة من الكتاب والسنّة.

المقدمة الثالثة : أهمية البحث عن الإمامة

والبحث عن الإمامة بحث في غاية الحساسيّة والأهميّة ، لأنّنا نرى وجوب معرفة الإمام ، وعندما نبحث عن الإمام وتعيين الإمام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نريد أن نعرف الحقّ في هذه المسألة الخلافية ، ثمّ لنتّخذه قدوةً واُسوة ، لنقتدي به في جميع شؤوننا ،

١٥

وفي جميع أدوار حياتنا.

إنّما نريد أن نعرفه ولنجعله واسطة بيننا وبين ربّنا ، بحيث لو سئلنا في يوم القيامة عن الإمام ، بحيث لو سئلنا يوم القيامة لماذا فعلت كذا ؟ لماذا تركت كذا ؟ أقول : قال إمامي إفعل كذا ، قال إمامي لا تفعل كذا ، فحينئذ ينقطع السؤال.

عندما نريد البحث عن الإمام لهذه الغاية ، فبالحقيقة يكون البحث عن الإمام والإمامة بحثاً عن الواسطة والوساطة بين الخالق والمخلوق ، نريد أنْ نجعله واسطة بيننا وبين ربّنا ، نريد أن نحتجّ بما وصلنا وبلغنا من أقواله وأفعاله في يوم القيامة على الله سبحانه وتعالى ، أو نعتذر أمامه في كلّ فعل أو ترك صدر منّا وسألنا عنه ، فنعتذر بأنّه قول إمامنا أو فعل إمامنا ، وهكذا بلغنا ووصلنا عنه ، هذا هو ـ في الحقيقة ـ لبّ البحث عن الإمامة.

إذن ، يظهر أنّ البحث عن الإمامة بحث مهمّ جدّاً ، لأنّ الإمام حينئذ يكون كالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسطةً بيننا وبين ربّنا عند فقد النبي.

أمّا أنْ يكون الإمام حاكماً بالفعل أو لا يكون حاكماً ، أنْ يكون مبسوط اليد أو لا يكون مبسوط اليد ، أن يكون مسموع الكلمة أو لا يكون مسموع الكلمة ، أن يكون في السجن أو يكون غائباً عن الأنظار ، أو أن يقتل ، وإلى غير ذلك ، هذه الاُمور كلّها أُمور أُخرى

١٦

تتفرّع على بحث الإمامة ، ليس البحث عن الإمامة بحثاً عن الحكومة ، وإنّما الحكومة من شؤون الإمام.

وكثيراً ما يختلط الأمر على الباحثين ، وكثيراً ما نراهم يعترضون على مذهبنا بعدم التمكّن من الحكومة والسيطرة والسلطنة على الناس ، وإلى غير ذلك ، وهذه الاُمور خارجة الآن عمّا نحن بصدده.

إذن ، لابدّ من البحث عن الإمام بعد النبي ، لأنّا نريد أن نعرف الحق ونعرف الواسطة بيننا وبين ربّنا.

أمّا طريق معرفته ، فهذا الطريق أيضاً يجب أنْ يكون تعيّنه من قبل الله سبحانه وتعالى ، لانّه لو رجع وطالبنا في يوم القيامة وقال : من أيّ طريق عرفت هذا الإمام ؟ فلو ذكرت له طريقاً لا يرتضيه ، لقال هذا الإمام ليس بحق ، ومن قال لك هذا الطريق موصل إلى معرفة الإمام الواسطة بينك وبيني ليكون عمله وقوله حجة لك في يوم القيامة ؟

إذن ، نفس الطريق أيضاً لابدّ وأن ينتهي إلى الله سبحانه وتعالى ، إنتهاؤه إلى الله أي انتهاؤه إلى الكتاب والسنّة والعقل السليم كما أشرنا من قبل.

ومن هنا ، فقد اخترنا آيات من القرآن الكريم ، وأحاديث من

١٧

السنّة النبويّة ، لكي نستدلّ بها على إمامة علي ، ورجعنا إلى العقل في المسألة لنعرف حكمه فيها.

دوران البحث بين علي وأبي بكر :

البحث يدور بين علي وأبي بكر ، أمّا خلافة عمر وعثمان فيتفرّعان على خلافة أبي بكر.

إذن ، يدور الأمر بين علي وأبي بكر.

قالت الإمامية : بأنّ عليّاً هو الخليفة ، هو الإمام ، بعد رسول الله بلا فصل.

وقال أهل السنّة : الخليفة بعد رسول الله هو أبو بكر بن أبي قحافة.

استدلّت الإمامية بآيات من القرآن الكريم ، وبأحاديث ، على ضوء النقاط التمهيدية التي ذكرتها ، وسترون أنّا لا نخرج عن الإطار الذي ذكرناه قيد شعرة.

١٨

آية المباهلة

قوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١).

هذه الآية تسمّى ب‍ « آية المباهلة ».

المباهلة في اللغة :

المباهلة : من البهل ، والبهل في اللغة بمعنى تخلية الشيء وتركه غير مراعى ، هذه عبارة الراغب في كتاب المفردات (٢).

وعندما تراجعون القاموس وتاج العروس وغيرهما من الكتب

__________________

(١) سورة آل عمران : ٦١.

(٢) المفردات في غريب القرآن : « بهل ».

١٩

اللغوية ترونهم يقولون في معنى البهل أنّه اللعن (١).

لكنّي رأيت عبارة الراغب أدق ، فالبهل هو ترك الشيء غير مراعى ، كأنْ تترك الحيوان مثلاً من غير أن تشدّه ، من غير أن تربطه بمكان ، تتركه غير مراعى ، تخلّيه وحاله وطبعه.

وهذا المعنى موجود في رواياتنا بعبارة : « أوكله الله إلى نفسه » ، فمن فعل كذا أوكله الله إلى نفسه.

وهذا المعنى دقيق جدّاً.

تتذكّرون في أدعيتكم تقولون : « ربّنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً » ، وإنّه لمعنى جليل وعميق جدّاً ، لو أنّ الإنسان ترك من قبل الله سبحانه وتعالى لحظة ، وانقطع ارتباطه بالله سبحانه وتعالى ، وانقطع فيض الباري بالنسبة إليه آناً من الانات ، لانعدم هذا الانسان. لهلك هذا الإنسان.

ولو أردنا تشبيه هذا المعنى بأمر مادّي خارجي ، فانظروا إلى هذا الضياء ، هذا المصباح ، إنّه متّصل بالمركز المولّد ، فلو انقطع الاتصال آناً ما لم تجد هناك ضياءً ولا نوراً من هذا المصباح.

هذا معنى إيكال الإنسان إلى نفسه ، تقول « ربّنا لا تكلنا إلى

__________________

(١) تاج العروس : « بهل ».

٢٠