وهذا معنى قوله في مقام آخر : إنّ القياس مستثنى من الأدلّة الظنّية ، لا أنّ الظنّ القياسي مستثنى من مطلق الظنّ. والمراد بالاستثناء هنا إخراج ما لولاه لكان قابلا للدخول ، لا داخلا بالفعل ؛ وإلّا لم يصحّ بالنسبة إلى المهملة. هذا غاية ما يخطر بالبال في كشف مراده.
وفيه : أنّ نتيجة المقدّمات المذكورة لا تتغيّر بتقريرها على وجه دون وجه ؛ فإنّ مرجع ما ذكر ـ من الحكم بوجوب الرجوع إلى الأمارات الظنّية في الجملة ـ إلى العمل بالظنّ في الجملة ؛ إذ ليس لذات الأمارة مدخليّة في الحجّية في لحاظ العقل ، والمناط هو وصف الظنّ ، سواء اعتبر مطلقا أو على وجه الإهمال ، وقد تقدّم : أنّ النتيجة على تقرير الحكومة ليست مهملة بل هي معيّنة للظنّ الاطمئناني مع الكفاية ، ومع عدمها فمطلق الظنّ ، وعلى كلا التقديرين لا وجه لإخراج القياس. وأمّا على تقرير الكشف فهي مهملة لا يشكل معها خروج القياس ؛ إذ الإشكال (*) مبنيّ على عدم الإهمال وعموم النتيجة ، كما عرفت.
الخامس : أنّ دليل الانسداد إنّما يثبت حجّية الظنّ الذي لم يقم على عدم حجّيته دليل ، فخروج القياس على وجه التخصّص دون التخصيص. توضيح ذلك : أنّ العقل إنّما يحكم باعتبار الظنّ وعدم الاعتناء بالاحتمال الموهوم في مقام الامتثال ؛ لأنّ البراءة الظنّية تقوم مقام العلميّة ، أمّا إذا حصل بواسطة منع الشارع القطع بعدم البراءة بالعمل بالقياس ، فلا يبقى براءة ظنّية حتّى يحكم العقل بوجوبها.
واستوضح ذلك من حكم العقل بحرمة العمل بالظنّ وطرح الاحتمال الموهوم عند انفتاح باب العلم في المسألة ، كما تقدّم (**) في تقرير أصالة حرمة العمل بالظنّ ، فإذا فرض قيام الدليل من الشارع على اعتبار ظنّ ووجوب العمل به ، فإنّ هذا لا يكون تخصيصا في حكم العقل بحرمة العمل بالظنّ ؛ لأنّ حرمة العمل بالظنّ مع التمكّن إنّما هو لقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي مع التمكّن من العلمي ، فإذا فرض الدليل على اعتبار ظنّ ووجوب العمل به صار الامتثال في العمل بمؤدّاه
__________________
(*) في بعض النسخ : بدل «الاشكال» ، القياس.
(**) في بعض النسخ زيادة : نظيره.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
