في الحكم بين ما يتراءى متخالفة ، وفرّق بين ما يتخيّل متآلفة. وكفاك في هذا عموم ما ورد من «أنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٤) ، و «أنّ السنّة إذا قيست محقّ الدين» (٥) ، و «أنّه لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين الله» وغيرها ممّا دلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس ، وخصوص رواية أبان بن تغلب الواردة في دية أصابع الرجل والمرأة الآتية.
وفيه : أنّ منع حصول الظنّ من القياس في بعض الأحيان مكابرة مع الوجدان. وأمّا كثرة تفريق الشارع بين المؤتلفات وتأليفه بين المختلفات ، فلا يؤثّر في منع الظنّ ؛ لأنّ هذه الموارد بالنسبة إلى موارد الجمع بين المؤتلفات أقلّ قليل. نعم ، الإنصاف : أنّ ما ذكر من الأخبار في منع العمل بالقياس موهن قويّ يوجب غالبا ارتفاع الظنّ الحاصل منه في بادئ النظر ، أمّا منعه عن ذلك دائما فلا ، كيف؟ وقد يحصل من القياس القطع ، وهو المسمّى عندهم بتنقيح المناط القطعي. وأيضا فالأولويّة الاعتباريّة من أقسام القياس ، ومن المعلوم إفادتها للظنّ ، ولا ريب أنّ منشأ الظنّ فيها هو استنباط المناط ظنّا ، وأمّا آكديّته في الفرع فلا مدخل له في حصول الظنّ.
______________________________________________________
إذا قيست محقّ الدين ، وما ورد عن أبي الحسن موسى عليهالسلام حيث سئل عن العمل بالقياس فقال : «وما لك والقياس ، إنّ الله تعالى لا يسأل كيف أحلّ؟ وكيف حرّم؟» سيّما مع جمع الشارع في الحكم بين المختلفات وتفريقه بين المؤتلفات كما في منزوحات البئر وغيرها ، لأنّه مع ملاحظة ذلك كلّه لا يمكن حصول الظنّ باتّحاد حكم الفرع مع الأصل بمجرّد الظنّ بالمناسبة واتّحادهما في العلّة.
ثمّ أكّد ذلك بالأخبار الدالّة على أنّ أوّل من قاس إبليس ، حيث ذكروا في وجه الردع أنّه لم يعرف الفرق بين النار والطين وبين آدم ونفسه ، فقاس آدم على نفسه. وبما دلّ على وجه بطلان القياس حيث قال : وقد ذكروا عليهمالسلام في الأخبار مواضع شتّى في ردّ أبي حنيفة تدلّ على عدم حجّية القياس في الأصل ، مثل أنّ القتل يثبت بشاهدين والزنا لا يثبت إلّا بالأربع ، مع أنّ القتل أكبر. والمني يوجب الغسل والبول يوجب الوضوء ، مع أنّه أكبر ، وأنّ صوم الحائض يقضى
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
