وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

إليه ، كالعلم بعدالة المخبر ، فكلام الصادق والكاذب في الإخبار على حدّ سواء في الدلالة اللفظية ، وبهذا يصح لك أن تختصر الكلام ، وتقول : إنّ اللفظ إمّا تكون دلالتها على أنّ لافظها أراد إفهام معانيها ، وإمّا أن تكون على الوقوع واللاوقوع ، وحيث إنّ الشق الثاني خارج عن عهدة اللفظ يتعيّن الأول.

وإن أراد أنّ معاني الألفاظ مقيّدة بالإرادة بمعنى أنها لوحظت بالمعنى الاسمي قيدا لها فوضوح فساده مغن عن الإطالة في ردّه ، وما ذكره هذا الأستاذ من الإيراد لا يتوجّه على ما قرّرناه أصلا.

أما قوله : « وإنّ قصد المعنى من مقوّمات الاستعمال ». فللتأمل في فهمه مجال ، ومهما كان المراد منه فليس الاستعمال إلاّ الإتيان باللفظ لإرادة إفهام المعنى ، وهذا لا محذور فيه أصلا.

وأمّا ما ذكره « من صحة الحمل بلا تصرف في [ ألفاظ ] (١) الأطراف » (٢) إلى آخره فهو أجنبي عمّا قلناه ، ويتّجه على من يقول بتقييد المعاني بالإرادة بالمعنى الاسمي إن وجد قائل به.

وكذا ما ذكره أخيرا ، على أنه فيه : أنّ كلّ لفظ يدل بالوضع على معنى جعلوه من باب عموم الموضوع له ، وفي قباله الألفاظ الدالة على المعنى الخاصّ ، ولا مشاحّة في الاصطلاح.

فاستبان مما ذكرناه : أنّ الدلالة اللفظية لا تتحقق إلاّ في الألفاظ الصادرة عن شاعر قابل للإرادة ، وما يرى من انتقال الذهن إلى المعنى عند سماع اللفظ من غيره فهو من باب أنس الذهن ، لا من باب الدلالة قطعا.

ومنه يظهر الجواب عما أورده في الفصول « من أنه يلزم على تقدير أن تكون الحيثية المذكورة داخلة في المعنى أن يكون كل لفظ متضمّنا معنى حرفيا

__________________

(١) الزيادة من المصدر.

(٢) كفاية الأصول : ١٦.

٨١

وهو بعيد عن الاعتبار » (١). انتهى.

وأنت تعلم أنّ مثل هذا إنما يتوجه على من يجعل هذه الحيثية مأخوذة في المعنى على نحو القيديّة ، ونحن لا نقول به ، ولا يقول به أحد ـ فيما أظن ـ وإنما نقول : إنّ معنى وضع اللفظ هو كشف اللفظ عن المراد كما يدل عليه لفظ المعنى ، وأين هذا من اعتباره في الموضوع له؟

ومنه يظهر مراد الشيخ والمحقق الطوسي (٢) فيما ذهبا إليه من تبعيّة الدلالة للإرادة. بل هو ـ إذا تأمّلت ـ عبارة أخرى عن القول بوضع الألفاظ من حيث كونها مرادة ، وأقصى الفرق أنّ هذا بيانه في مقام الوضع ، وذاك في مقام الاستعمال ، ولكن هذا الأستاذ حمل كلام المحقّقين على ما يليق به ويليق بهما ، وخصّ القول الآخر بحمله على ما لا يقول به من له حظّ من العلم.

( المشترك )

لا ريب في إمكان الاشتراك (٣) بين المعنيين ، بل وقوعه في الجملة ، ولا ينافي

__________________

(١) الفصول الغروية : ١٧.

(٢) قوله : مراد الشيخ والمحقّق الطوسي.

أقول : المراد بالأوّل هو الشيخ الرئيس حسين بن عبد الله بن سينا صاحب التصانيف المشهورة كالقانون والإشارات وغيرهما ممّا لا مجال لنا في ذكرها.

تولّد الشيخ الرئيس سنة ٣٧٣ ، وتوفّي جمعة شهر رمضان ، وكان يكنّى بـ ( أبي علي ).

والمراد بالثاني هو الخواجة نصير الملّة والدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، المتوفى سنة ٦٧٢.

( مجد الدين ).

(٣) الاشتراك على قسمين : الأوّل : الاشتراك اللفظي وهو أن يكون اللفظ مشتركا بين المعنيين فما زاد ، بوضعين فما زاد ، وهو المراد عند الإطلاق في كتب الأصول.

الثاني : الاشتراك المعنوي وهو أن يوضع اللفظ لمعنى جامع لفردين أو الأفراد ، وهذا ليس باشتراك في الحقيقة ، ولم يكن له إلاّ وضع واحد.

والمراد من قولهم : المجاز خير من الاشتراك. هو الاشتراك اللفظي لا المعنوي ، فافهم. ( مجد الدين ).

٨٢

ذلك التعهّد الّذي عرفت أنه حقيقة الوضع ، لأنّ شموله لجميع الاستعمالات بالعموم ، فيمكن تخصيصه ببعض دون بعض ، ويتعهّد في بعض استعمالاته للّفظ بغير تعهّده الأول مثلا تعهّده بأنه لا ينطق بلفظ العين إلاّ إذا أراد إفهام الجارحة (١) يعمّ جميع استعمالاته له ويشملها بالعموم ، فيخصّص بالوضع الثاني بغير ما إذا أراد إفهام الذهب ، فمرجع الوضعين إلى أنه لا يتكلّم بهذا اللفظ إلاّ إذا أراد أحد المعنيين ، وبحكم الوضع يعرف نفي غيرهما من المعاني ، ويبقى تعيين أحدهما في عهدة القرينة ، ولهذا تسمّى القرينة فيه معيّنة.

وإذا عرفت حقيقة الحال في المشترك لا يصعب عليك البيان في المترادف الّذي هو عكسه.

ومن منع وقوعهما لزعمه أنّهما منافيان لحكمة الوضع فقد أخطأ المرمي ولم يصب المحزّ ، إذ كثيرا ما تقتضيهما الحكمة وتدعو إليهما قواعد الفصاحة ونكات الصناعة.

ومع ذلك كلّه فلا يذهب عليك أنّهما قليلان جدّاً بحسب أصل اللغة ، فكثير من الألفاظ التي ترى أنها مترادفة في بادئ النّظر موضوعة لمعان متقاربة ، والتي يدّعى أنها مشتركة لفظا موضوعة لمعنى واحد فتكون مشتركة معنى ، وما كان منهما على حقيقة الاشتراك والترادف فمنشؤهما تداخل اللغات وحدوث الأوضاع التعيّنيّة وكثرة الاستعمالات أو المسامحة فيها باستعمال اللفظ فيما يقارب معناه ، وإلاّ فمن البعيد حدوثهما من واضع واحد ، هذا.

وأما استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، فأكثر المتأخّرين على المنع

__________________

(١) لعلّه غلط مطبعي ، وصحيحة : الجارية أو الباكية أو غيرهما من معانيها المعروفة ، والأوّل أظهر لتشابه اللفظين. ( مجد الدين ).

٨٣

عنه مطلقا (١) بل استحالته (٢) عقلا ، وذهب جماعة إلى المنع في المفرد ، وجوازه في غيره ، وآخرون إلى التفصيل بين النفي والإثبات.

والحقّ جوازه مطلقا (٣) ، بل وقوعه كثيرا ، بل حسنه ، وابتناء كثير من نكات الصناعة عليه.

أما الأول فلوجود المقتضي ، وعدم المانع.

أما المقتضي فهو الوضع لأنّ الموضوع له هو ذوات المعاني بأوضاع عديدة من غير تقييد بالوحدة وجدانا ، ولا تمانع بين الوضعين ، فكل وضع يقتضي الاستعمال مطلقا.

وأما عدم المانع فلأنه إن كان ثمّة منع فإمّا أن يكون من جهة نفس الوضع ، أو الواضع أو من العقل ، أما من جهة الوضع فقد عرفت أنه لا يمنع منه ، بل يقتضيه ، وأما من جهة الواضع فلأنه لم يلاحظ حال الوضع وجود وضع آخر ولا عدم وجوده ، فاستعماله في حال الاجتماع عمل بالوضع كاستعماله حال الانفراد ، وأما عدم المانع عقلا فليس في المقام ما يوهمه إلاّ ما ذكره غير واحد.

قال الوالد العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ في المقدّمة الرابعة من كتاب التفسير (٤) ، ما لفظه : « إنّ المانع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى عدم إمكان حقيقة الاستعمال فيه ».

وملخّص بيانه : أن الاستعمال عبارة عن إيراد اللفظ بإزاء المعنى ، وجعله

__________________

(١) سواء كان مفردا أو غيره ، نفيا أو إثباتا. ( مجد الدين ).

(٢) وبها قال صاحب الكفاية طاب ثراه [ انظر كفاية الأصول : ٣٦ ] ( مجد الدين ).

(٣) في المفرد وغيره ، في النفي والإثبات. ( مجد الدين ).

(٤) هذا التفسير من أحسن التفاسير لكنه غير تام ، وهو مشتمل على مقدّمات وتفسير سورة الفاتحة وآيات من أوائل سورة البقرة وهو موجود بخطّ مصنّفه ـ طاب ثراه ـ عندي ، وتوفي ـ قدّس سرّه ـ في سنة ١٣٠٨ [ هجرية ] وترجمته مذكورة بقلم أخيه في آخر التفسير المذكور ، المطبوع [ بالطبعة الحجريّة ] في إيران ، [ وفي الطبعة الحديثة في أول التفسير ]. ( مجد الدين ).

٨٤

قالبا له ، ومرآة للانتقال إليه ، وآلة لتصويره في ذهن السامع ، كما أنّ الوضع عبارة عن تعيين لفظ المعنى وتخصيصه به على وجه كلّي بحيث متى أطلق أو أحسّ فهم منه ذلك المعنى ، ومفاد المقامين هو صيرورة اللفظ كلّية في الثاني ، وفي الكلام الخاصّ في الأول بإزاء المعنى بحيث يكون اللفظ المركّب من حيث كونه مجتمعا وحدانيّا بإزاء المعنى البسيط أو المركّب من حيث كونه مركّبا وحدانيّا ، فالمحاكاة هنا بين اللفظ الواحد والمعنى الواحد ولو كانت الوحدة اعتبارية ، والحاكي الواحد في الاستعمال الواحد لا يحكي إلاّ حكاية واحدة عن الشيء الواحد ، ومن ضروريّته أن لا يقع بإزاء الأكثر ، ولا قالبا له ولا مرآة له لبساطته في هذا اللحاظ إلاّ أن يلاحظ الأكثر من حيث الاجتماع واحدا فيخرج عن العنوان ويندرج تحت استعمال اللفظ في مجموع معنيين وهو غير الموضوع له ، فإن تمّت العلاقة صحّ مجازا ، وإلاّ بطل.

وإن شئت قلت : معنى الوضع تخصيص لفظ بمعنى بحيث يكون الأوّل بتمامه واقعا بحذاء الثاني ، ويصير بكلّيّته مرآة له ومتمحّضا في الدلالة عليه فلا يطابقه الاستعمال إلاّ حال وحدة المعنى ، وتوضيحه موكول إلى فنّه » (١) انتهى.

وقال الأستاذ (٢) بعد ما ذكر اختلافهم في المسألة على أقوال ، ما لفظه : « أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلا ، وبيانه :

أنّ حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى ، بل جعله وجها (٣) وعنوانا له ، [ بل ] (٤) بوجه نفسه كأنه الملقى ، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى ، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد ، ضرورة

__________________

(١) مجد البيان في تفسير القرآن : ٧٥ ـ ٧٦.

(٢) صاحب الكفاية. ( مجد الدين ).

(٣) ونفس هذا الدليل يحتاج إلى بيان. ( مجد الدين ).

(٤) الزيادة من المصدر.

٨٥

أنّ لحاظه هكذا في إرادة معنى ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر ، حيث إنّ لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلاّ بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه فناء الوجه في ذي الوجه ، والعنوان في المعنون ، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال.

وبالجملة ، لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد لحاظه وجها لمعنيين ، وفانيا في الاثنين إلاّ أن يكون اللاحظ أحول العينين » (١) انتهى.

أقول : وهذان الكلامان (٢) مغزاهما (٣) واحد ، وهو إثبات درجة رفيعة للاستعمال فوق ما نعرفه من الكشف عن المراد ، والدلالة على المعنى بواسطة الوضع فكأنه كلام (٤) أخذ من كتب أهل المعقول فجعل في غير موضعه من كتب الأصول ، ولا أظنّ الوالد ، ولا هذا الأستاذ ينازعان في إمكان الكشف عن المراد بغير هذا الطريق الّذي سمّياه استعمالا ، بل على نحو العلامة الّذي صرّح بجواز جعله لأشياء متعدّدة ، ونحن لا نتصوّر قسمين للإفهام يسمّى أحدهما استعمالا ، ويكون إلقاء للمعنى ، وفناء للّفظ فيه ، ونحو ذلك من التعبير ، ويسمّى الآخر علامة تدلّ على المراد ، فإذا ضممت إلى ذلك ما عرفت من أنّ الإفهام في المحاورات ليس إلاّ بجعل الألفاظ علائم للمعاني ، ارتفع النزاع بيننا وبينه ، وصحّت لنا دعوى الاتّفاق على الإمكان حتى في متعارف المحاورات ، ولم يبق إلاّ النزاع في تسمية ذلك بالاستعمال وعدمها ، وهذا نزاع لفظي بحت لا طائل تحته ،

__________________

(١) كفاية الأصول : ٣٦.

(٢) أي كلام الوالد [ صاحب التفسير ] والأستاذ [ صاحب الكفاية ]. ( مجد الدين ).

(٣) أي مفادهما ومعناهما واحد. ( مجد الدين ).

(٤) لا يخفى أن ما ذكره صاحب الكفاية وغيره من [ أنّ ] الاستعمال عبارة عن فناء اللفظ في المعنى فناء الوجه في ذي الوجه ، والمرآة في المرئي ، والعنوان في المعنون ، ادّعاء محض ، بل دقّة عقليّة في مسألة لغويّة أدبيّة محضة من غير مناسبة. ( مجد الدين ).

٨٦

ونحن ندع له إنشاء هذا اللفظ لينحلّ له ذلك المعنى الغير المتصوّر كرامة له وكراهة للمنازعة معه.

وقد ذكر هذا الأستاذ في بعض كلامه : أنه لا يمكن استعمال اللفظ في معنيين إلاّ إذا كان المستعمل أحول العينين (١). وما هذا إلاّ خطابة حسنة ، ولكن أحسن منها أن يقال : إنه يكفي في ذلك أن لا يكون ذا عين واحدة فإذا كان ذا عينين أمكنه استعمال العين في معنيين.

واعلم ، أنّ أقوى أدلّة الإمكان وأسدّها الوقوع ، وهذا النحو من الاستعمال واقع كثيرا ، وهو في كثير من المواقع حسن جيّد جدّاً.

وعليه تدور رحى عدّة من نكات البديع كبراعة الجواب والتورية وأحسن أقسام التوشيع ، فانظر ـ إذا شئت ـ إلى قول القائل في مدح النبيّ الأكرم والحبيب الأعظم صلّى الله عليه وآله ، من البسيط :

المرتمي في دجى ، والمبتلى بعمى

والمشتكي ظمأ ، والمبتغي دينا

يأتون سدّته من كل ناحية

ويستفيدون من نعمائه عينا

تراه قد استعمل الكلمة الأخيرة من البيت الثاني في معان أربعة يوضّحها البيت الأوّل.

وإلى (٢) قول القائل في جواب السائل ، من الكامل :

أيّ المكان تروم ثمّ من الّذي

تمضي له فأجبته المعشوقا

أراد بالكلمة الأخيرة معناه الاشتقاقي ، وقصرا كان للمتوكّل بسامراء.

وقول المشتكي طول ليلته ودماميل في جسده : « وما لليلتي وما لها فجر ».

ولا أدري ما ذا يقول المانع في هذه الأبيات الثلاثة ونظائرها الكثيرة ، فهل

__________________

(١) كفاية الأصول : ٥٤ ـ ٥٥.

(٢) معطوف على قوله : فانظر إذا شئت إلى قول القائل. وكذا ( قول المشتكي ) [ الآتي ]. ( مجد الدين ).

٨٧

يصادم الوجدان ، ويزعم إهمال الألفاظ الثلاثة أعني : العين والمعشوق والفجر ، وعدم استعمالها في معنى أصلا ، ولازمه انعدام معنى كلّ بيت بأجمعه ، ضرورة توقف معاني سائر ألفاظه على وجود المعنى للقافية ، أو يلتزم باستعمالها في أحد المعاني ، ولا يكترث بامتناع الترجيح بلا مرجّح ، وحينئذ تلزم اللغوية في سائر ألفاظ البيت؟!

فلو حمل ـ مثلا ـ لفظ العين في البيت الأول على إرادة الشمس صلح أول البيت ، ولزم اللغو في سائر ألفاظه ، أو المعشوق في الثاني على المعنى الاشتقاقي لم يبق معنى لقوله : أيّ المكان تروم ، وكذلك حمل الفجر ـ في الثالث ـ على الصبح يلزم منه محذور اللغوية في قوله : وما لها. وهكذا ، وكأنّي به ولا يقول بهذا ولا بذاك ، بل يؤوّلها إلى إرادة المسمّى وهو من أبرد التأويل ، وستعرف الكلام فيه قريبا إن شاء الله.

وإذا انتهيت إلى التورية البديعيّة ، وفرّقت بينها وبين التورية العرفيّة ، ولم تقع فيما وقع فيه علماء البديع من الخلط بينهما ، ونخلتها (١) من الشواهد الغريبة التي ليست من بابها فقد انتهيت إلى ما يزيح عنك كل ريب ، ولا يدع لك مجالا للشبهة فيما قلناه. واتّضح لديك أنّ هذه النكتة التي هي من أجلّ صنائع البديع مبنيّة على استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، وتفصيل القول لا يناسب موضوع هذا الكتاب ، وقد أوضحت جميع ذلك في رسالتي التي سمّيتها : ( السيف الصنيع لرقاب منكري البديع ) وشرحته فيها شرحا كافيا.

ومجمل القول هنا : أنّ علماء البديع جعلوا مبنى التورية على لفظ يكون له معنيان : أحدهما قريب ، والآخر بعيد ، فيقصد المتكلّم المعنى البعيد ، ويوهم السامع القريب ، وهذا إنما يناسب التورية العرفيّة وهي التي يسمّيها العرب

__________________

(١) نخل الدّقيق : غربلته. الصحاح ٥ : ١٨٢٧ ، مجمع البحرين ٥ : ٤٩٧ ( نخل ).

٨٨

بالملاحن والمعاريض وتقول فيها : إن في المعاريض مندوحة عن الكذب.

وتختلف الفقهاء في وجوبها لدى الاضطرار إلى الكذب ، نحو قولك : ما رأيت زيدا ولا كلّمته. فإنك تفهم السامع عدم رؤيتك له ، وتكلّمك معه ، وتضمر في نفسك أنّك ما ضربت ريته ، ولا جرحته على غموض معنى إضمار المعنى في النّفس كما ستعرف إن شاء الله.

وحيث إنّ الغرض في هذه التورية إغفال السامع عن المراد ، وإخفاء الواقع عليه لزم فيها اختلاف المعنيين ظهورا وخفاء ، وكون المراد هو الخفي منهما ، وامتنع ترشيحها بما يناسب المعنى البعيد لكونه نقضا للغرض ، بل قد يلزم ذكر ما يلائم القريب إذا اقتضى المقام التأكيد في تمويه الأمر على السامع ، وتبعيده عن الواقع ، وتسمّى حينئذ في الاصطلاح بالتورية المبيّنة ، وأين هذه من التورية البديعة البديعية التي يقصد الشاعر أو الناثر إفهام المعنيين معا لأنّ في ذلك كمال صنعته وإظهار قدرته ، ولهذا تراه إذا غفل السامع عن أحدهما يجتهد في إفهامه ، ويصرّح له بقصده ، ولا تتوقف ـ كأختها (١) ـ على اختلاف المعنيين في الظهور والخفاء ، بل إذا كانا متكافئين في الظهور كانت أبدع في الصنعة ، وأملح في الذوق ، ومع اختلافهما في ذلك فكثيرا ما يرشّح البعيد بما يقرّبه إلى المعنى الآخر احتيالا منه في جعلها في مرتبة واحدة أو في درجتين متقاربتين ، والقوم لعدم تنبّههم للفرق بين التوريتين وقع لهم الخبط في الخلط بين القسمين ، فذكروا تعريف التورية العرفيّة وأحكامها وأقسامها للتورية البديعيّة ، ثم تكلّفوا في بعض الشواهد التي يتقارب فيها المعنيان للّفظ بجعل أحدهما بعيدا والآخر قريبا ، وكثيرا ما يعجزون حتى عن التكلّف ، فيرون السكوت عن ذلك هو الأجدر بهم والأصلح لهم.

__________________

(١) التورية العرفية. ( مجد الدين ).

٨٩

ثم جعلوا التورية العرفية نكتة أخرى ، وغيّروا اسمهما إلى الموارية مع ضمّ ما ليس من بابها إليها ، مع أنّ الإنصاف أنّ لفظ التورية بالعرفية ألصق ، وهي بها أحقّ لأنها من ورّى الحديث إذا أخفاه (١) ، ولا إخفاء في البديعيّة أصلا ، بخلاف العرفيّة ، كما عرفت.

ولا بدّ لنا في توضيح ما ادّعيناه من الفرق بين التوريتين ، وكون اللفظ في البديعية مستعملا في المعنيين ، من ذكر بعض الشواهد ليرى السامع بالعيان صحّة ما أوضحناه بساطع (٢) البرهان.

قال سراج الدين الوراق ـ وقد اجتمع برئيسين يلقّب أحدهما بشمس الدين والآخر ببدر الدين ، ثمّ فارقهما ـ :

لمّا رأيت الشمس والبدر معا

قد انجلت دونهما الدياجي

حقّرت نفسي ومضيت هاربا

وقلت : ما ذا موضع السراج

فلفظ السراج يحمل على معناه اللقبي إذا حمل لفظ الشمس والبدر عليهما ، ويكون المعنى أنه لا موضع له معهما لانحطاط رتبته عنهما ، وعلى ما يستضاء به إذا حمل اللفظان على النيّرين ، ويكون المعنى أنّ السراج لا ضوء له معهما ، والمعنيان كما ترى متكافئان (٣) أو متقاربان ، واللفظ مستعمل قطعا ، وحمل اللفظ على أحدهما يذهب برونقه ويحطّ من قدره ، على أنه ترجيح بلا مرجّح (٤).

وقوله (٥) أيضا :

فها أنا شاعر سراج

فاقطع لساني أزدك نورا

__________________

(١) انظر الصحاح ٦ : ٢٥٢٣ ، القاموس المحيط ٤ : ٣٩٩ ( علا ).

(٢) متعلّق بـ ( ليرى ) لا بـ ( أوضحناه ). ( مجد الدين )

(٣) أي متساويان ( مجد الدين ).

(٤) الترجيح بلا مرجّح صحيح إن كان المعنيان متكافئين ، أمّا إن كانا متقاربين فلا. ( مجد الدين )

(٥) أي : سراج الدين الوراق. ( مجد الدين ).

٩٠

فلو حمل قطع اللسان على قطّ الشمعة لم يبق محلّ لذكره لفظ ( الشاعر ) ، ولو حمل على الصلة لم يبق موضع للفظ ( السراج ) فلا بدّ من حمله على المعنيين معا.

وقول الآخر :

قام يقطّ شمعة

فهل رأيت البدر قطّ

وهل ترى الحسن الّذي يأخذ بمجامع القلب ويسحر اللبّ إلاّ من استعماله لفظ قطّ في معنيين؟ ولا أدري أيّهما القريب المورّى به ، وأيّهما البعيد المورّى عنه؟ وأيّهما الّذي أراد إخفاءه؟ ولما ذا يخفيه ، وفي إظهاره ظهور قدرته وكمال صنعته؟.

ومثله قول الآخر في مليحة قامرت مليحا ( من مجزو الرجز ) :

قالت أنا قمرته

قلت اسكتي فهو قمر (١)

وحمل لفظ القمر على النيّر فقط موجب لعدم ارتباط الشطرين ، وعلى خصوص معناه الفعلي مخلّ بفصاحته ، ومخلق لديباجته ، ومنزله من الدرجة العالية التي لها من الحسن إلى درك كلام سوقي سافل ، وبحمله على ما وصفنا يلتئم الشطران ، ويظهر حسن البيان.

وقول القائل من أهل العصر (٢) ـ كان الله له ـ في مخلّعته المشهورة :

واحرب القلب من صغير

عليّ من تيهه تكبّر

صغّره عاذلي ولمّا

شاهد ذاك الجمال كبّر

لمّا رأى صورة سبتني

صدّق ما مثلها تصوّر (٣)

__________________

(١) استعمل الشاعر لفظة قمر في معنيين ، أي هو النيّر ، أو غلب في القمار. ( مجد الدين ).

(٢) وهو نفس المصنّف ـ طاب ثراه ـ ( مجد الدين ).

(٣) راجع ديوانه المطبوع ص ٧٧ ـ ٧٨.

٩١

وعلى هذا النمط البديع جرى في كثير (١) من أبيات القصيدة قال قائلها ، وليقل من شاء ما شاء إني لعمر الفضل قد أردت من هذه القوافي الثلاثة معاني ستة من كل واحدة اثنين ، وفي هذا كفاية لمن تأمّل وأنصف إن كان ذا ذهن سليم ، ولم تأخذه سورة العصبيّة للرأي القديم.

وعلى ذكر التورية ، فلا بأس بالإشارة إلى نكتة مهمّة ـ وإن كانت خارجة عن المقصود ـ وهي أنّ التورية بقسميها وإيهامها لا تختص موردها بلفظ واحد له معنيان ، كما في كلام كثير من علماء الفنّ ، بل تأتي في كل كلام يمكن انصرافه إلى وجهين وأكثر سواء كان لاشتراك لفظ من ألفاظه أو لتردّده بين لفظ لفظين (٢) ، كقول القائل من أهل العصر (٣) ـ كان الله له ـ في موشحة بديعيّة في وصف الخدّ ، من بحر المجتثّ :

...................

عن دم قلبي تخضّب (٤)

فصح لو قيل عن دم

أو لاحتمال رجوع الضمير إلى أكثر من واحد ، كقوله فيها أيضا :

فقسه بالبدر إن تمّ.

إذ الضمير في ( تمّ ) يحتمل رجوعه إلى القياس ، وإلى البدر ، أي : إن تمّ القياس ، أو إن تمّ البدر.

__________________

(١) كقوله ـ طاب ثراه ـ في تلك القصيدة :

لدولة الحسن نحن جند

وأنت سلطانها المظفّر

لأنّ المراد من المظفّر ، المعنى الفعلي وهو المظفّر والمنصور على الأعداء ، والمعنى اللقبي ، إذ هو لقب سلطان ذلك الوقت ( مظفر الدين شاه القاجاري ). ( مجد الدين ).

(٢) كالبيت [ الآتي ] فإن الكلمة الأخيرة منها مركّب من لفظين ، أعني الجار والمجرور ، أو لفظ واحد على اختلاف المعنيين. ( مجد الدين ).

(٣) المصنّف نفسه ـ طاب ثراه ـ ( مجد الدين ).

(٤) وقبله : خدّ زها باحمرار. راجع ديوانه المطبوع ص ١٢٨.

٩٢

أو لكون اللفظ بعضا لكلمة أخرى كما في صنعة الجمع بين الاكتفاء (١) والتورية ، إلى غير ذلك من الأسباب التي تفنّن فيها المتأخرون من أهل البديع ، فأحسنوا فيها كلّ الإحسان.

ومن أغرب ما أذكره الآن ، قول أحدهم : « قلب بهرام ما رهب » فقد استعمل الكلمة الأولى في معنيين ، ثم جمع في الكلمتين الأخريين بين استعمال اللفظ في نفسه وفي معناه ـ على ما يقولون ـ فصار لمجموع الكلام معنيان مختلفان.

ولعمري لقد أحسن فيه ، وأرتج (٢) باب التأويل بالمسمّى على أصحابه ، ومثله قول القائل : « وكل ساق قلبه قاس ».

وقول القائل (٣) من أهل العصر ـ كان الله له ـ : ( من مخلّع البسيط )

قد نقط الخال دال صدغ

منك كجنح الغراب حالك

كم خطّ كفّ الجمال ذالا

وما رأينا شبيه ذلك (٤)

ولئن ضيّق بعضهم نطاق التورية من هذه الجهة فقد توسّع في الشواهد عليها بما لا مساس له بها أصلا فذكر منها شواهد إيهام التورية والمغالطة والتوجيه وغيرها من ضروب الصناعة.

__________________

(١) الاكتفاء في الصناعة أن يأتي [ الشاعر ] ببيت قافيته بعض الكلام أو الكلمة ، وشاهده مع التورية قول ابن مكانس :

أفدي الّذي قد جاءني زائرا

مستوفرا مرتكبا للخطر

فلم يقم إلاّ بمقدار ما

قلت له أهلا وسهلا ومر ( حبا).

( منه رحمه الله ).

(٢) أرتج : أغلق. الصحاح ١ : ٣١٧ ، القاموس المحيط ١ : ١٩٠ ، مجمع البحرين ١ : ٣٠٢ ( ترج ).

(٣) معطوف على قول القائل ، أي : ومثله قول القائل من أهل العصر ... والمراد من تلك العبارة [ قول القائل من أهل العصر ] في أي موضع وقعت من الكتاب ، نفس المصنّف. ( مجد الدين ).

(٤) راجع ديوانه المطبوع : ١٠٧ ـ ١٠٨.

٩٣

ولقد أفضى بنا الكلام إلى ما هو خارج عن مقتضى المقام ، فلنعد إلى المقصود ، ونقول :

إنّ أقصى ما تناله أيدي المانعين من التكلّف في تأويل هذه الأمثلة وأمثالها حملها على أنّ اللفظ مستعمل في معنى آخر يشمل المعاني المفهومة منه ، إمّا على نحو شمول الكلّ لأجزائه ، أو شمول الكلّي لجزئيّاته كمفهوم المسمّى ، ويسمّونه بعموم الاشتراك ، ولا يخفى ما في كلّ منها من الضعف.

أما الأول (١) ، فلأنه لا يتأتّى إلاّ فيما تعلّق حكم واحد بالجميع أو أمكن تعلّق الأحكام المتعدّدة بالمجموع دون ما إذا كان لكلّ معنى لا يشاركه الآخر فيه كلفظ العين في مديح النبويّ السابق (٢) ، وما يصنع المرتمي في الدجى بالماء والذهب ، ومبتغي الدين بالشمس والماء ، وهكذا هذا.

على أنّ الوجدان الصحيح يحكم بأنّ المستعمل لم يلاحظ الهيئة المجموعية في استعماله قطّ ، ولم يتعلّق له غرض به وأنّ مركّبا من الشمس والماء والباصرة والذهب لمعجون طريف ما اهتدى إليه جالينوس (٣) طول عمره ، ولم يذكره طبيب في قرابادينة (٤).

وأما الثاني (٥) ، فإن أرادوا أنّ المستعمل لا بدّ له من ملاحظة مفهوم المسمّى حين الاستعمال أوّلا فهذا ممّا لا ننكره ، ولكن لا يلزم منه اتحاد المستعمل فيه ، كما أنّ ملاحظة الجزئي في الوضع الخاصّ والموضوع له العام لا توجب اتّحاد الموضوع له ، وملاحظة مفهوم العام في العام الأفرادي لا يلزم منه اتّحاد الحكم ،

__________________

(١) أي على نحو شمول الكلّ لأجزائه. ( مجد الدين ).

(٢) تقدم في صفحة ٨٧.

(٣) جالينوس طبيب حكيم يوناني معروف. ( مجد الدين ).

(٤) قرابادين معرّب لفظ يوناني ، والمراد : معجم الأدوية وخواصّها. ( مجد الدين ).

(٥) أي على نحو شمول الكلّي لجزئيّاته. ( مجد الدين ).

٩٤

فإذا كان الأمر في الوضع والحكم هكذا فليكن في الاستعمال كذلك ، فكما أنّ ملاحظة الجزئي حال الوضع لا ينافي تعدّد الموضوع له ، وملاحظة مفهوم العام واستعمال اللفظ فيه لا ينافي تعدّد الحكم ، كذلك لا ينافي ملاحظة مفهوم المسمّى تعدّد الاستعمال.

ومن هذا يظهر الجواب عمّا جعله بعض الأساتيذ عمدة مستنده في المنع وهي امتناع توجّه النّفس إلى شيئين في زمان واحد ، كما أنّ المبصرات الكثيرة لا تبصر بنظرة واحدة.

وقد عرفت أنّ جميع ذلك لو سلّم فهو لا ينافي تعدّد المستعمل فيه ، كما أنّ ملاحظة الجزئي حال الوضع لا ينافي تعدّد الموضوع له.

وإن أرادوا به استعمال اللفظ في المسمّى ، فيرد عليه :

أولا : أنّ الألفاظ إنما وضعت للمعاني بلحاظ ذواتها لا بلحاظ عناوين خارجة عنها كالمسمّى وغيره.

وأيضا الاستعمال في المسمّى لو سلّمنا صحّته فإنما يحسن فيما إذا كان الحكم متعلّقا بهذا العنوان ، كقولك : عبد الله خير من عبد المسيح. أي المسمّى بعبد الله خير من المسمّى بعبد المسيح لصدق التسمية في الأول ، وكذبها في الثاني ، وهذا نادر في موارد الاستعمال.

هذا ، على أنه قد مرّت عليك من الشواهد مالا يمكن فيه هذا التأويل ، كما نبّهناك عليه ، فراجع.

ثم إنّ للمانعين تشبّثات أخرى لا بأس بالإشارة إليها وإلى ما يرد عليها.

منها : ما ذكره العمّ ـ طاب ثراه ـ في الفصول ، وهو : « أن الّذي ثبت [ من الوضع ] (١) جواز استعمال اللفظ في معنى واحد ، وأما استعماله فيما زاد عليه فلم

__________________

(١) الزيادة من المصدر.

٩٥

يتبيّن لنا بعد الفحص ما يوجب جوازه ، ومجرّد إطلاق الوضع ـ على تقدير تسليمه ـ مدفوع بعدم مساعدة الطبع عليه ، فقضيّة كون الأوضاع توقيفيّة ، الاقتصار على القدر المعلوم » (١) انتهى.

ولا أدري كيف لا يسلّم إطلاق الوضع ، مع أنّ اعتبار قيد الوحدة في المعنى ممّا يقطع بخلافه كما يعترف به ، وكون الموضوع له في حال الوحدة لا يقضي إلاّ بعدم كون الآخر موضوعا له بهذا الوضع ، ويتبعه عدم صحّة الاستعمال به ، ولا يوجب ذلك عدم وضع آخر وإلاّ لامتنع الاشتراك ، ولا عدم صحة الاستعمال بملاحظة الوضع الآخر.

وما أبعد بين ما أوضحناه لك من حسن هذا النحو من الاستعمال ، وكونه مبنى كثير من نكات صناعة البديع ، وبين ما يدّعيه من عدم مساعدة الطبع عليه.

ثمّ إنّ توقيفيّة الأوضاع لا يوجب توقيفيّة الاستعمال ، وإني لأعجب من استدلال مثله رحمه الله بمثل هذا في مسألتنا هذه ، وهي لغويّة محضة ، لا شرعية يتأتّى فيها لزوم الاحتياط.

ومنها : ما ذكره أيضا من عدم تحقّق مثل هذا الاستعمال في لغة العرب قديما وحديثا مع مسيس الحاجة إليه ، وعدم الوجدان بعد الاستقراء يدلّ على عدم الوجود ، وهو يورث ظنّا قويّا بعدم الجواز إن لم يوجب العلم به ، والظنّ حجّة في مباحث الألفاظ (٢) انتهى.

وقد عرفت ثبوت الاستعمال على هذا النحو كثيرا ، وفي دعوى عدم الجواز ما تقدّم في سابقه ، وفي المراد من حجيّة الظن في هذا المورد وأمثاله خفاء وغموض.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٥٥.

(٢) الفصول الغروية : ٥٤ ـ ٥٥.

٩٦

ومنها : عدم ثبوت الإذن من الواضع فيه ، وفيه ما تقدّم مرارا من عدم توقف الاستعمال على إذنه ، بل يصحّ حتى مع تصريحه بالمنع إن لم يرجع إلى تخصيص الوضع.

( تتمة )

من الأقوال : جواز الاستعمال على هذا النحو في التثنية والجمع دون المفرد نظرا إلى أنّ اللفظ فيهما في قوّة تكرير المفرد ، ولا ريب في جواز الاستعمال مع التكرار ، وأيضا لا ريب في جواز ذلك في الأعلام ، وظاهر أنّ الاتفاق هناك في مجرّد اللفظ.

وأجاب عنه في الفصول : « بأنّا لا نسلّم أنهما في قوة تكرير المفرد حتى في جواز إرادة المعاني المختلفة منهما ، وسبكهما من الأعلام مؤوّل بالمسمّى مجازا » إلى آخر كلامه.

وقال في أثنائه : « وممّا يدل على التأويل المذكور في الأعلام دخول لام التعريف عليها حينئذ مع امتناع دخولها على مفردها ، ووصفها معها بالمعرّف وعند التجريد بالمنكر » (١).

أقول : اللفظ مهما استعمل لا يدلّ إلاّ على إرادة طبيعة المعنى فقط من غير لحاظ التعدّد فيه ولا عدم التعدّد ، وحينئذ فلا بدّ في استفادة أحدهما إلى دالّ آخر ، وأداة التثنية والجمع حرفان موضوعان لبيان التعدّد من غير لحاظ أنّ المعنيين هل هما بوضع واحد أو بأوضاع شتّى ، فكما أنّ استفادة التعدّد من اللفظ محتاجة إلى أحد الأداتين كذلك تحتاج في كونهما بوضع واحد أو بوضعين إلى دالّ آخر ، فإذا قلت : رأيت عينين لم يدلّ الاسم إلاّ على تعلّق الرؤية بطبيعة العين

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٥٦.

٩٧

فقط من غير لحاظ الانفراد والتعدّد ، فضلا عن لحاظ الوضع الواحد أو الوضعين ، ولا الحرف إلاّ على التعدّد من غير دلالة على أنّ التعدّد بوضع واحد أو وضعين ، فإذا أتبعته بقولك : سحّارة وخرّارة (١) فقد أزحت الإجمال عن اللفظ ، وأعلمت السامع باستعمالك اللفظ في المعنيين ، ولم تخرج بذلك عن معنى الحرف ، ولم تستعمله في غير ما وضع لأجله ، والوجدان السليم يكفي المنصف شاهدا على ذلك ، إذ لا ترى في قولك : رأيت عينين سحارة وخرّارة. تكلّفا ولا تأويلا أصلا ، بل لا ترى فرقا بين قولك هذا ، وبين قولك : رأيت عينين جاريتين. إلاّ أنّ الأول ألطف في الذوق ، وأبدع في السمع ، وعليه جرى الحريري في مقاماته ، فقال ـ من الخفيف ـ :

جاد بالعين حين أعمى هواه

عينه فانثنى بلا عينين (٢)

ولعمري لقد أحسن ، وأخطأ من خطّأه في ذلك ، وعليه يجري كثير من بديع أمثلة التوشيع (٣) ، كقول الصفي الحلّي :

رأيت بدرين من وجه ومن قمر

في ظلّ جنحين من ليل ومن شعر (٤)

بناء على ما يذهبون إليه من كون استعمال البدر في الوجه مجازا ، وأنّ المجازات لها أوضاع نوعيّة ، لا على ما حقّقناه سابقا.

وقول بلديّة (٥) السيّد حيدر رحمه الله في رثاء الحسين عليه السلام :

فظاهر فيها بين درعين نثرة

وصبر ودرع الصبر أقواهما عرى (٦)

__________________

(١) الخرير : صوت الماء ، ومنه عين خرّارة. الصحاح ٢ : ٦٤٣ ( خرر ).

(٢) مقامات الحريري : ٨٠.

(٣) التوشيع في اصطلاح البديعيّين أن يأتي الشاعر باسم مثنّى ، ثم يأتي باسمين مفردين يفسران الأوّل. ( منه قدّس سرّه ).

(٤) ديوان صفي الدين الحلّي : ٧٢٣.

(٥) أي من بلده وموطنه ، لأنهما من أهل الحلّة من بلاد العراق. ( مجد الدين ).

(٦) ديوان السيد حيدر الحلّي ١ : ٨٠.

٩٨

ولهذا يسبكان في الأعلام فلا يحتاجان إلى هذا التأويل البارد أعني التأويل بالمسمّى كما ذكره العم (١) ـ طاب ثراه ـ وتبعه فيه غيره ، فإنه تأويل ثقيل على السمع سمج لا يقبله الطبع ، وحسب المنصف ملاحظة نفسه حال الاستعمال إذ لا يرى المسمّى يخطر منه بالبال.

وأما استدلاله على التأويل المذكور بدخول اللام عليها حينئذ فليس ذلك لتأويل المسمّى ، بل الوجه فيه أنّ التعدّد ينافي المعرفة المحضة فيدخل اللام عليها كما يضاف في مثل هذا الحال ، كقوله :

علا زيدنا يوم

النقا رأس زيدكم

مع أنّ الظاهر عدم التزامهم بالتأويل المذكور فيه.

إذا عرفت ذلك ، نقول : هذا القائل إن أراد هذا المعنى فهو حقّ لا ينبغي أن يقابل إلاّ بالقبول ، إذ لا بدّ لبيان التعدّد من دالّ عليه من الأداتين أو غيرهما ممّا يفيد فائدتهما.

وإن أراد أنّهما يدلاّن على أحد المعنيين ومدخولهما على المعنى الآخر فهو واضح الفساد إذ هما حرفان ، وأين الحرف من إفادة معنى الاسم.

هذا ، على أنّ كلاّ من الحرف ومدخوله إن دلّ على أحدهما المعيّن ، والآخر على الآخر المعيّن فهو ترجيح بلا مرجّح ، وإن دلّ كلّ على أحدهما على وجه الترديد فهو باطل كما بيّنه العم (٢) رحمه الله في ردّ صاحب المفتاح (٣) ، فلاحظ كلامه إن شئت ، وتأمّل فيه.

__________________

(١) في الفصول الغروية [ : ٥٦ ]. ( مجد الدين ).

(٢) الفصول [ : ٥٣ ]. ( مجد الدين ).

(٣) وهو أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦ ه‍ صاحب مفتاح العلوم.

٩٩

( تنبيه )

التورية العرفيّة مما يشهد بها الوجدان وقد استعملتها العرب ، ونطق بها مستفيض الأخبار ، ولكن تطبيقها على القواعد العلمية لا يخلو عن صعوبة إذ مبناها ـ كما عرفت ـ على أن يفهم السامع معنى يريد غيره ، ولا نتصوّر من الإرادة في المقام إلاّ ما يريد إفهامه ، فإن كان مطابقا للواقع كان صدقا وإلاّ كان كذبا ، ولا واسطة بينهما حتى يصحّ بها تثليث القسمين ، أو يجعل مرتبة من الكذب هي أخفّ قبحا من غيرها ، أو مرتبة من الصدق لا تجوز إلاّ مع الضرورة.

وبالجملة ، الصدق والكذب قسمان من الاستعمال ، والاستعمال ـ كما عرفت ـ لا معنى له إلاّ الإفهام ، فإذا قصد إفهام غير الواقع فقد تحقّق موضوع الكذب ، ولا يبقى محلّ لإرادة غير المستعمل فيه ، ولكنها ـ كما عرفت ـ أمر وجداني ، فهل المراد بها إخطار المعنى الآخر ، أو عقد القلب عليه ، أو الكلام له حقيقة أخرى في النّفس (١) واللفظ كاشف عنه كما تقوله الأشاعرة؟ وجوه لا تطمئن النّفس بشيء منها.

وقد نقل لي جمع من أصحابنا عن أستاذ والدي صاحب البدائع ـ طاب ثراهما ـ أنه كان يحكم بكونها كذبا ، ويقول : إنّها تبتني على الكلام النفسيّ الباطل عند الشيعة ، ولكنها ـ كما عرفت ـ أمر وجداني ، فالشأن في معرفة حقيقتها ، لا المكابرة في إنكارها ، وبطلان الكلام النفسيّ مطلقا غير معلوم ، وللكلام عليه محلّ آخر ، وهذا أحد مشكلات العلم التي لم أقدر على حلّها ، ولعلّ

__________________

(١) وهي الكلام النفسيّ الّذي قالت به الأشاعرة ، وقيل في ذلك :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الكلام دليلا

( مجد الدين )

١٠٠