وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

« أولا » عن قول الشيخ : « من غير فرق »؟ وتفسيره عن الجامع بين الواقعين : الأصلي والجعلي بلفظ المبرئ للذمة عند المكلّف ، فلأيّ سبب نحوّل المطلب المأخوذ منه إلى صورة الاعتراض عليه ، وما دعاه ـ إلاّ توضيح بعد الواضح ـ سوى الردّ على من توهّم من القائلين بمطلق الظن من أنّ التكليف يتعلّق أوّلا بالواقع وبعده بالطريق ، وجعله توطئة لعدم تقدّم الواقع على الطريق حال العلم حتى يلزم منه ما يحاوله الخصم من تقدّم الظن بالواقع على الظن بالطريق.

ويشهد بذلك مواضع من كلامه ، منها : ما بيّنه أثناء ردّ دليل الانسداد وردّ قولهم : إنّ الطريق إلى الوصول إلى الأحكام هو العلم مع الإمكان ، ولفظه :

« وإن أريد أنّ الطريق أوّلا هو العلم بالأحكام الواقعية فينتقل بعد انسداد سبيله مع العلم ببقاء التكليف إلى الأخذ بالظن بها ـ فهو ممنوع ، بل القدر اللازم أوّلا ما عرفت من العلم بأداء التكليف شرعا كما مرّ تفصيل القول فيه. وكون الطريق المقرّر أوّلا في الشريعة هو العلم بالأحكام الواقعية ـ ممنوع ، وليس في الشرع ما يدلّ على لزوم تحصيل العلم بكلّ الأحكام الواقعية ، بل الظاهر أنّه مما لم يقع به التكليف مع انفتاح طريق العلم لما في إناطة التكليف به من الحرج التام بالنسبة إلى عامّة الأنام ، بل المقرّر من الشارع طرق خاصة لأخذ الأحكام ، كما قرّر طرقا خاصة للحكم في الموضوعات التي أنيط بها الأحكام ونزّلها منزلة العلم بها » (١).

وقال بعده بعدّة أسطر : « ومحصّل الكلام : أنّ الطرق أولا إلى الواقع هو ما قرره الشارع ، وجعله طريقا إلى العلم بتفريغ الذّمّة لا نفس العلم بأداء الواقع ، ولذا إذا علمنا ذلك صحّ البناء عليه قطعا ولو مع انفتاح باب العلم بالواقع ، فعدم وجوب مراعاة القطع بالواقع إذا حصل القطع بتفريغ الذّمّة في ظاهر الشريعة

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

٥٨١

أقوى شاهد على ما قلناه » (١) إلى غير ذلك مما لا داعي إلى استقصائه بعد وضوح الأمر.

فان كانت المؤاخذة على تعرضه لهذا الواقع ، فقد عرفت العذر فيه ، إذ هو أول ثلمة تسدّ ، وباب يرد على وجه القائل بمطلق الظن.

وإن كانت على التعبير بهذا اللفظ ، فإنّه عبارة متعارفة في أمثال المقام ، فيقال : إنّ الواجب أولا في الواجب التخييري هو الجامع بين الفردين ويراد به نفي الترتيب ، ولقد أحسن كلّ الإحسان في بيانه بقوله بعد المنقول في الرسالة بعدّة أسطر ، ولفظه :

« والحاصل أنّ القدر اللازم أداء الفعل وحصول البراءة بحسب حكم الشارع وهو حاصل بكلّ من الوجهين ، وتعيّن تحصيل العلم بالواقع مع فرض انتفاء العلم بالطريق المقرّر أو انتفائه واقعا ـ ليس لكونه متعيّنا في نفسه ، بل لحصول البراءة به على النحو الّذي ذكرناه ، وفرق بيّن بين كون الشيء مطلوبا بذاته وكون المطلوب حاصلا به ، فهو إذن أحد الوجهين في تحصيل تفريغ الذّمّة » (٢).

وهذا وأشباهه الكثيرة من كلامه تفسير مراده من قوله : « أولا » وهو الّذي يبتني عليه دليله المذكور ، ولا أدري كيف جعل صاحب الحاشية ذلك منه اعترافا؟! فقال : « وقد اعترف به » (٣) أي بعدم الترتيب بينهما حال التمكن.

وعهدي بكلمة ( الاعتراف ) ومورد استعمالها غفلة المستدلّ ، وذكره ما يضعّف به مقال نفسه ، ويعضد به حجّة خصمه ، وأما استعمالها في مورد دليله الّذي يصول به ويبني عليه أصله فلم أسمعه إلاّ من هذا الأستاذ.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٠٤.

(٢) هداية المسترشدين : ٣٩١.

(٣) الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ في حاشية فرائد الأصول : ٨٦.

٥٨٢

وإن كان ثمّ توهّم في القول بالترتيب ، فليكن في قول المحشي (١) : « لم ينهض برهان من عقل ونقل على أنّ الواجب علينا أولا هو العلم بحكم المولى بالفراغ ، وما نقله الشيخ عن بعض المحقّقين ـ الجدّ ـ لا ينهض إلاّ على الاجتزاء والاكتفاء [ به ] وعدم لزوم الاقتصار على تحصيل العلم بالواقع » (٢).

هذا ، ولا أرى في كلام هذا الإمام أثرا لما استنبطه الشيخ من قوله دون الواقع ، فقد اتضح غاية الوضوح ان مراده عدم تعين الواقع للامتثال ، بل الواجب بحكم العقل إتيان أحد الأمرين من الواقع أو مؤدّى الطريق ، وإن شئت قلت : الواقع من طريق العلم أو من طريق الشرع ، وهو الّذي عبّر عنه بالفراغ بحكم الشارع وبغيره.

فانظر ما أبعد وأبرد ما أورده عليه غير واحد (٣) من أنّ الحكم بالبراءة ليس من وظيفة الشارع ، وإنّما الحكم فيه للعقل ، وأنّه لا يعقل للمولى حكم مولوي غير أحكامه الظاهرية والواقعية إلى غير ذلك مما أسدى وألحم على هذا المنوال ، ويأتي تفصيل الحال.

رجع إلى النّظر فيما أورده الشيخ طاب ثراه.

أطال ـ قدس سرّه ـ القول في أنّ تفريغ الذّمّة إمّا بإتيان ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية ، وإمّا بإتيان ما حكم حكما جعليا بأنّه نفس المراد وهو مضمون الطرق المجعولة ، لا أنّه شيء مستقل في مقابل الواقع فضلا عن أن يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم إلى آخر ما مرّ نقله من الرسالة (٤).

وأقول : لا أخال أنّه يخفى عليك بعد ما أوضحناه لك من أنّ صاحب

__________________

(١) وجهه : التعبير بالاكتفاء والاجتزاء. ( منه قدس سره ).

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٨٦.

(٣) منهم : الآخوند الخراسانيّ (ره) في كفاية الأصول : ٣٢٠ ، وحاشية فرائد الأصول : ٨٥ ـ ٨٦.

(٤) فرائد الأصول : ١٣٦.

٥٨٣

( الهداية ) ليس إلاّ بصدد إثبات أنّ كلاّ من الواقع ومؤدّى الطريق القطعيّين موجب لبراءة الذّمّة عند المكلّف بمعنى خروجه عن عهدة التكليف وأمنه من العقاب من غير ترتيب بينهما ، فإذا صحّ له ذلك واتضح لك بما قدّمناه ، فليكن المؤدّى إن شاء عين الواقع وإن شاء فليكن أمرا مستقلاّ في قباله.

ومع ذلك فما قرّره الشيخ مطابق لما قرّره في ( الهداية ) وصرّح به في مواضع :

منها : ما نقله الشيخ بنفسه ، وسمّاه اعترافا ، فقال : « وقد اعترف المحقّق المذكور حيث عبّر عنه بأداء الواقع من الطريق المجعول » (١).

ومنها : ما ذكره في أوائل الكلام على دليل الانسداد ، وهو وإن لم يكن مورده مورد البحث ولكن يظهر منه ذلك ، ودونك ما اقتطفناه منه ، ولفظه :

« الحكم الظاهري التكليفي هو الحكم الواقعي في نظر المكلّف وبحسب اعتقاده ، وليس حكما آخر متعلّقا بالمكلّف ـ إلى أن قال ـ وذلك في الحقيقة طريق شرعي للحكم بكونه الواقع بالنسبة إلى ذلك المكلّف » (٢).

وقال : « فإن كان المظنون مطابقا للواقع فلا كلام ، وإلاّ كان التكليف بالواقع ساقطا بحسب الواقع ، وكان ذلك حكما ثانويا قائما مقام الأول بالنظر إلى الواقع أيضا وإن كان مكلّفا به في الظاهر من حيث إنّه الواقع » (٣) إلى غير ذلك من تصريحاته بذلك ، وتوضيحاته له مما لا داعي إلى استقصائه.

ويحقّ للقلم هنا أن يقف موقف مستعتب لا معنّف ومستنصف لا منتصف ، سائلا عن أنّه كيف جاز للشيخ ـ أحسن الله إليه ـ أن يحوّل ما حقّقه هذا الإمام في صورة الاعتراض عليه ، ويسمّى تصريحه به اعترافا!؟

وعلى ذلك كلّه فلم يظهر لنا إلى الآن موقع لهذه الجملة ، ولا أنّ أيّ ركن

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٣٦.

(٢) هداية المسترشدين : ٤٠٢.

(٣) هداية المسترشدين : ٤٠٣.

٥٨٤

من أركان كلام الجدّ يهدّ به.

وكذا ما أتعب فيه نفسه المقدّسة من التطويل في بيان أنّ أداء كلّ من الواقعين الأصلي والجعلي لا يكون امتثالا إلاّ بالعلم ، وأنّ الإتيان بكلّ منهما في غير التعبّديات مسقط للأمرين من دون امتثال (١) ، ولا لما بيّنه من أنّ الإطاعة الظاهرية تتوقف على العلم بسلوك الطريق المجعول لا على مجرّد سلوكه ، وأنّ العلم بالفراغ المعتبر في الإطاعة لا يتحقق في شيء منهما إلاّ بعد العلم أو الظن القائم مقامه (٢).

ولا جعل نتيجة ذلك قوله : « فالحكم بأنّ الظن بسلوك الطريق المجعول يوجب الظن بفراغ الذّمّة بخلاف الظن بأداء الواقع ، فإنّه لا يوجب الظن بفراغ الذّمّة إلاّ إذا ثبتت حجية ذلك ... تحكّم صرف » (٣).

وأنت تعلم أنّ هذا العلاّمة لم يفرّق بين الظنّين بما قرّره الشيخ ليكون الفرق تحكّما صرفا ، بل فرّق بينهما بأنّ الظن بالطريق المخصوص ظنّ بالحجّة التي يدور عليها براءة الذّمّة ، وفعليّة الحكم دون الظن بالواقع الّذي ليس من الأمرين في شيء.

وليس في كلامه أثر من ابتناء مذهبه على ما ذكره ، بل صريحه ـ إن تأمّلته ـ الفرق بينهما بما عرفت من كون الظن بالطريق ظنا بالحجّة دون الواقع.

وبالجملة ، جميع ما ذكره ـ طاب ثراه ـ إلى قوله : « ولو عجز عنهما قام الظن بهما مقام العلم بحكم العقل » (٤) فهو حق لا نقابله إلاّ بالقبول.

وأمّا هذه الجملة فنقبلها أيضا ، بناء على مقدّمات الانسداد والقول بالظن

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٣٦.

(٢) فرائد الأصول : ١٣٧.

(٣) فرائد الأصول : ١٣٧.

(٤) فرائد الأصول : ١٣٧.

٥٨٥

المطلق ، بل سمعت من هذا العلاّمة أنّه هو الحق بناء عليه ، وسمعت منّا أنّ القول بخصوص الطريق لم نعرف له قائلا ، والظاهر أنّه لم يتجاوز حد الاحتمال الّذي ذكره الجدّ.

بل المسألة ذات قولين ـ كما أوضحه أول عنوان البحث ـ : قول بحجية طرق خاصة وظنّيات مخصوصة من الكتاب والسنّة أفادت الظن بالواقع أو لم تفد ، كما صرّح به فيما مرّ نقله ، وقول بحجّية مطلق الظن سواء تعلّق بالواقع أو بالطريق من أيّ صنف كان.

فلم يبعد كلّ البعد من عرّفه الشيخ بأنّه لا خبرة له ، ولم يعرف من دليل الانسداد سوى ما تلقّن من لسان بعض مشايخه ، وظاهر عبارة كتاب ( القوانين ) حيث ردّ هذا القول بأنّه مخالف لإجماع العلماء ، زاعما أنّهم بين من يعمّم دليل الانسداد لجميع المسائل العلمية أصولية كانت أو فقهية ، كصاحب ( القوانين ) وبين من يخصّصه بالمسائل الفرعية ، فالقول بعكس هذا خرق للإجماع المركّب (١) ، فإنّه (٢) وإن أخطأ في التمسك بالإجماع في مثل هذه المسألة ، كما فصّله الشيخ ، ولكنّه أصاب في كون المسألة ذات قولين ، إذ القول الأول لم ينسب ـ فيما نعلم ـ إلاّ إلى صاحب ( الهداية ) وأخيه وعديله العلاّمة صاحب ( المقابيس ) وهم ـ كما أوضحناه ـ يقولون بالظن الخاصّ ، فالقول بالظن المطلق يكون بين قول صاحب ( القوانين ) وبين ما نقله في الرسالة عن غير واحد من مشايخه المعاصرين.

وأمّا على تقريب الدليل لحجية الظن الخاصّ وبنائه على المقدّمات التي ذكرها لهذا الدليل ولسائر الوجوه الستة فقد أسلفنا في الشبهات المتقدّمة وقبلها

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٣٨.

(٢) الضمير راجع إلى الموصول في قوله : من عرّفه الشيخ.

٥٨٦

توضيحها وكان هو الجزم وقبل الرمي برأس السهم ، ولكن لا ينبغي إغفاله هنا ، فلنعد القول فيه وإن أفضى إلى بعض التكرار.

وأول ما يلزمنا توضيح المدّعى ، فطالما نشأت الاعتراضات من الغفلة عنه وأورد عليه بما لا مساس له به.

فنقول : الّذي نذهب إليه حجية الظنون المخصوصة وما هي غير الحاصلة من الثقلين : الكتاب والسنّة ، ومع وجودها لا يجوز التمسك بغيرها ، وتتقدّم على الظن المطلق تقدّم الدليل العلمي عليه ، والأحكام الفعلية مقيّدة بمساعدة الظنون الحاصلة منهما عليها ، فلا علم بتكليف فعلي ، بل ولا تكليف فعلي خارج عنها ، وسند هذا المدّعى والدليل عليه قد مرّ في الشبهات وفي شرح كلام ( الفصول ).

وعليه ، فلا يبقى موقع للظن بالواقع أصلا ، فضلا عن عدم ترجيح الظن بالطريق عليه أو ترجيحه على الظن بالطريق ، وإنّما موقع ذلك دليل الانسداد على تقريره الّذي لم يؤخذ في مقدماته العلم بالطرق الشرعية ، ولا انحصارها في أمور مخصوصة يناط بها التكاليف الفعلية.

ولقد تفرّس صاحب ( الهداية ) أنّ هذا الاعتراض أول ما يتشدّق به المعترضون ، فجعله أول اعتراض أجاب عنه بعد ما أوضحه وأصلحه ، وأجاب عنه بإطناب وإسهاب ، ومن شاء الاطّلاع عليه بتفصيله فعليه بالأصل ، وإنّما نقتطف منه فقرات لنا فيها شواهد على ما قلناه.

« فإن قلت : إنّ الظن بأداء الواقع يستلزم الظن بتفريغ الذّمّة لو لا قيام الدليل على خلافه كالقياس إذ أداء المكلّف به واقعا يستلزم تفريغ الذّمّة بحسب الواقع قطعا ، لقضاء الأمر بالإجزاء ، والظنّ بالملزوم قاض بالظن باللازم ، فكلّ ما يفيد الظن بالواقع يفيد الظن بتفريغ الذّمّة في حكم الشرع إذ ليس مقصود الشارع حقيقة إلاّ الواقع » إلى أن قال :

٥٨٧

« قلت : قد عرفت أنّ الظن بما هو ظن ليس طريقا إلى الحكم بتفريغ الذّمّة ، فمجرّد الظن بالواقع ليس قاضيا بالظن بتفريغ الذّمّة في حكم الشرع مع قطع النّظر عن قيام دليل على حجيته ، ومن البيّن تساوي احتمال قيام الدليل وعدمه في نظر العقل فتساوي نسبة الحجية وعدمها إليه بدعوى الاستلزام فاسدة جدّاً ، كيف ومن الواضح عدم استلزام الظن بالواقع الظن بحجية ذلك الظن ولا اقتضاءه ».

« نعم إنّما يستلزم الظنّ بالواقع الظنّ بتفريغ الذمّة بالنظر إلى الواقع ، لا في حكم المكلّف الّذي هو مناط الحجّية ، لما عرفت من وضوح كون الظن بالواقع شيئا والظنّ بحجّية ذلك الظنّ شيئا آخر » (١) إلى آخره.

فتراه لم يغادر شيئا من تقرير هذا الاعتراض ، ثم أجاب عنه بأصح جواب.

وتوضيحه وإن كان هذا البيان الناصع غير محتاج إليه : أنّه لا بدّ في أداء التكليف والتخلّص من ورطة العقاب على مخالفته من الحجّة على امتثاله حجّة يقبلها الشارع ، ويصح الاعتذار بها عنده ، ولا حجّة إلاّ العلم الّذي حكم بحجّيتها العقل ، وإمضاء الشرع بأحد الأمرين من إتيان أحد الواقعين من الأصلي والجعلي ، ومع العجز تنتقل بحكم العقل إلى الظن بالحجّة ، وظاهر أنّ الظنّ بالواقع لا يستلزم الظنّ بالحجّة لاختلاف متعلّقيهما ، وعدم الملازمة بينهما.

أما الأول فظاهر منقّح بما قرّره هنا من كون الظنّ بالواقع شيئا ، والظنّ بالحجّة شيئا آخر ، وبما قرّره قبل ذلك من أنّ الطريق إلى الحكم بالشيء شرعا غير الطريق إلى نفس ذلك الشيء.

وأمّا عدم الملازمة ، فإنّ التفكيك بينهما واضح إمكانا ووقوعا ، كما قرّره فيما

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٣٩١ ـ ٣٩٢.

٥٨٨

نقلنا من كلامه ومما حذفناه ، وكيف يتوهّم الملازمة بينهما مع أنّ النسبة عموم من وجه يفترقان ويجتمعان!؟ حتى أنّه يجتمع مع القطع بعدم الحجية فضلا عن الظن به أو الشك فيه.

وما سبب الخطأ في هذا القياس الّذي ساقوه سياق البرهان ـ أعني أنّ الظن بكلّ من الأمرين يقوم مقام العلم به ـ إلاّ الغفلة عن أنّ الواجب بحكم العقل القطع بالحجّة ، وبعد عدم إمكانه ينتقل إلى الظن بها فقط ، ولم يكن القطع بالواقع كافيا لخصوصية فيه ، بل لكونه حجّة شرعية عقلية ، كما أوضحه ـ طاب ثراه ـ في مواضع من كلامه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مؤدّى الطريق شيئا مستقلاّ في مقابل المراد الواقعي ، وبين أن يكون نفس المراد بجعل الشارع ، كما اختاره هنا ، وأطنب في بيانه ، وبالغ في رد الاحتمال الأول.

ولا أدري ما الّذي دعا الشيخ إلى الإطالة في بيانه وجعله أساس اعتراضاته!؟ وقد عرفت أنّ العلاّمة المستدل يوافقه في أنّ الحكم الظاهري هو الواقعي جعلا ، وقد مرّ نقل كلامه قريبا ، فكان يغني عن هذا التطويل التزامه باعترافه إن فرض له نفع فيه.

كما أنّه لم يظهر لنا وجه الحاجة في أنّ الامتثال لا يكون إلاّ بالعلم أو بالظن القائم مقامه ، مع أنّه أمر واضح لا يخفى على أصاغر الطلبة ، فضلا عن إمام مثله ، وقد صرّح به في مواضع من كلامه ، وبنى عليه وجوب الاقتصار على الظن بالطريق ، لكون الظنّ به قائما مقام العلم في الحجّية بحكم العقل ، فعلى م تحمّل عبء إثبات أمرين واضحين لا نفع له فيه ويعترف مناظره به.

والأجدر بي أن أعود باللائمة على نفسي ، وأتّهمها في فهم كلام مثله ، ولا عار إن قصرت باعي عن كلام إمام يأتم به صفوف العلماء ، وإنّما العار في عجز الأكفاء عن الأكفاء.

وأمّا ما جعله منشأ لكلام الجد من تخيّل أنّ نفس سلوك الطريق الشرعي

٥٨٩

في مقابل سلوك الطريق العقلي ، وأنّه قاس الطريق الشرعي بالطريق العقلي (١) ، فلنا أن نطالبه بالمحل الّذي استظهر هذا من كلامه ، وقد علمت أنّ العلم عنده عقلي شرعي ، وسمعت تصريحه به غير مرّة ، فأين القياس؟ وقد علمت أنّ القياس رأس مال منكري مقالته ، حيث قاسوا الظن بالعلم في كفايته مطلقا تعلّق بالواقع أم تعلّق بالطريق.

وما ذكره من أنّ الطريق الشرعي لا يتصف بالطريقية إلاّ بعد العلم تفصيلا (٢) ، فإن أراد به التخصيص بالعلم فهو واضح الضعف ، ومخالف لما صرّح به قبيل ذلك من قوله : « أما العلم بالفراغ المعتبر في الإطاعة فلا يتحقق في شيء منهما إلاّ بعد العلم أو الظن القائم مقامه » (٣) وإن أراد به غيره فهو حقّ.

ولكن المستدلّ يقول بقيام الظن مقامه بحكم العقل عند انسداد باب العلم ، ولا يقول بما جعله لغوا صرفا ، أعني مجرّد تطبيق العمل على الطريق مع قطع النّظر عن حكم الشارع.

ولا ينافي مذهبه كون سلوك الطريق المجعول في مقابل العمل بالواقع لا في مقابلة العلم بالعمل بالواقع لو سلّم وسلم من الانتقاد.

ولا يلزم من ذلك كون كلّ من العلم والظن المتعلّق بأحدهما في مقابل المتعلق بالآخر ، لأنّ الظن بالطريق الواقعي قطع بالحجّة الفعلية على حكم فعلي غالبا ، بخلاف الظن بالواقع ، فإنّه ظنّ لم يثبت حجيته بحكم لا يعلم فعليّته ، فليست بفاسدة دعوى هذا الإمام ، بل هو أصحّ من بيض النعام ، ويظهر الوجه في جميع ذلك مما تقدّم.

وأمّا ما ذكره في ختام اعتراضاته من إمكان منع جعل الشارع طريقا إلى

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٣٧.

(٢) فرائد الأصول : ١٣٧.

(٣) فرائد الأصول : ١٣٧.

٥٩٠

الأحكام (١) ، فقد سبق الكلام عليه مفصّلا عند شرح كلام ( الفصول ).

ولا يخفى أنّ ظاهر قوله هذا ابتناء هذا الدليل على العلم بنصب الطرق الشرعية وهو ينافي بظاهره ما سبق نقله عنه أول البحث من عدم ابتنائه عليه.

وقال في الحاشية : « لا يخفى أنّه لما لم يكن مبنى الاستدلال بهذا الوجه ـ مثل الوجه الأول ـ على دعوى العلم بالنصب على الإجمال ، بل يكفي فيه مجرّد الاحتمال كان مجرّد إمكان منع النصب غير مضرّ به أصلا » (٢).

والأمر كما قال ، بمعنى أنّ هذا الوجه يتمّ حتى مع عدم العلم بالنصب ، ولا تخل (٣) من ذلك أنّ المدّعى أعمّ من العلم به ومن عدمه ، لأنّ المقصود الّذي حاول إثباته بهذا الوجه وسائر الوجوه إثبات حجية الكتاب والسنّة ، وانحصار الطرق فيهما ، كما سبق مرارا ، وما كان أن يتحمّل هذا التعب والنصب على إثبات حجية أمر لا يتجاوز وجوده حدّ الاحتمال.

وللمتأخّرين عن الشيخ الأعظم اعتراضات كثيرة لو حاولنا نقلها بأجمعها لأصاب الناظر الملل ، ولكنّا نتحفك ببعضها ليكون نموذجا منها.

منها ، ما لا يزال يلهج به المعترضون من أنّ الحكم ببراءة الذّمّة من وظائف العقل لا الشرع.

والشيخ الأستاذ بعد ما أورد القياس الّذي ساقوه سياق البرهان ، أعني قياس حال الانسداد بحال الانفتاح في قيام كلّ من الظنّ بالواقع والطريق مقام العلم به ، أورد على نفسه بقوله :

« إن قلت : كيف والظن بالواقع ربما يجتمع مع الظن بالحكم بعدم الفراغ كما إذا ظنّ عدم اعتباره ، بل مع القطع به كما إذا قطع به ، وهذا بخلاف الظن

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٣٧.

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٩٠.

(٣) من خال يخال بمعنى : لا تظنّ.

٥٩١

بالطريق ، فإنّه مستلزم للظن بالحكم بالفراغ ولو لم يظن اعتباره ، بل قطع بعدمه » (١).

لم يظهر لنا المراد من قوله : « ولو لم يظن اعتباره » إلى آخره ، ولو لا أنّه أورده في مقام الاعتراض على العلاّمة الجدّ ، لقلنا : إنّه جملة أجنبية خارجة عمّا هو بصدده من الاعتراض عليه ، لأنّه قد اتّضح غاية الوضوح أنّ هذا العلاّمة همّه حصر الحجّة في الطرق الشرعية المعتبرة عند الشارع إن أمكن إحراز اعتبارها بالعلم وإلاّ فبالظن ، وعدم كون غيرها مبرئا للذمة هو أساس مذهبه ، فإذن ما معنى الظنّ بالحكم بالفراغ مع الظن بعدم اعتبار الطريق ، فضلا عن القطع بعدمه؟.

ثم أجاب عنه بجواب يشتمل على شقوق بعيدة عن مراد المستدلّ بأبعد من مناط العيّوق ، وقد صدّنا عن نقله إحالة الناظر إلى حاشيته ، وعن الجواب عنه وضوحه بما أسلفناه.

وقال في آخره : « فأين المجال لحكم المولى بالبراءة أو الاشتغال المستتبع لحكم العقل بهما؟ وليس الفراغ عن تبعة التكليف المنجّز وعدمه ، وصحّة المؤاخذة على مخالفته وعدمها من الأمور الجعلية الشرعية ، بل يدوران مدار وجود العلّة التامة لاستحقاق العقوبة وعدمها الموجب للأمن منها ، ومن المعلوم أنّ ذلك يكون بنظر العقل » (٢).

وقال صاحبنا دام تسديده ، ما لفظه : « إنّ ما أسّسه من لزوم تحصيل العلم بالبراءة في حكم المكلّف لا وجه له ، لأنّه ليس من وظيفة الآمر الحكم بالبراءة ، وإنّما يحكم به العقل » (٣) إلى آخره.

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٨٥.

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٨٦.

(٣) درر الفوائد ٢ : ٧٧.

٥٩٢

وعلى هذا النّول (١) نسج غيرهما برود (٢) الاعتراض ، ولا حاجة بنا إلى نقل مقالهم.

ويا سبحان الله كيف جاز لهؤلاء الأعلام أن يعمدوا إلى كلام عميدهم الّذي بهدايته يهتدى في حالك الظلام ، فيحملوه على أمر واضح ضعفه ، بيّن فساده!؟.

أحسبوا أنّ على مثله يخفى أنّ الأمر بجميع أقسامه يقتضي الإجزاء عقلا ، بمعنى أنّ إتيان متعلّقه موجب لسقوطه بحكم العقل؟.

أبمثله يظنّ القول بأنّ المكلّف إذا أتى بالمأمور به بشروطه وشطوره لا يبرأ ذمته إلاّ بخطاب شرعي مؤذن بأنّي قد أبرأت ذمّتك؟.

وما الّذي عدل بهم عن الحق الأبلج الّذي أراده وأوضحه بضروب العبارات ، من أنّ الواجب بحكم العقل تحصيل العلم بالامتثال الحاصل بأحد أمرين : الإتيان بالواقع الأصلي أو الواجب الجعلي؟ وما الثاني لدى الحقيقة إلاّ سلوك الطريق الّذي يرضاه الشارع إليه ، ويعذره إن أخطأ الواقع ولا يعاقب عليه ، بل العلم أيضا طريق شرعي أيضا على ما سبق تصريحه به.

فمن الحيف عليه قول الأستاذ المتقدّم ذكره في جواب ما أورده على نفسه بما لفظه : « لعلّه لأجل أنّ العلم عنده طريق شرعي أيضا ، كما صرّح به فيما نقله عنه في الكتاب » ما نصّه : « لأنّا نقول : ـ مضافا إلى أنّه ما ادّعاه هاهنا ، ولا بنى عليه فيما صار بصدده في المقدّمة ، بل جعل العلم بمصادفة الأحكام الواقعية الأوّلية فيها مقابلا للعلم بأداء الأعمال على وجه أراده الشارع في الظاهر ، وحكم معه بتفريغ الذّمّة بملاحظة الطرق المقرّرة لمعرفتها ، وقد صرّح بكون العلم طريقا

__________________

(١) النول : الخشب الّذي يلفّ عليه الحائك الثوب. الصحاح ٥ : ١٨٣٦ ( نول ).

(٢) البرود جمع ، واحدها برد. وهو : ثوب مخطّط. القاموس المحيط ١ : ٢٨٦.

٥٩٣

إلى الواقع بحكم العقل من غير توقف إلى بيان الشرع ـ إنّه قد عرفت أنّ حجيته وطريقيته إنّما تكون منتزعة عن كفايته في مقام الامتثال بحكم العقل بلا إشكال لا أنّ الكفاية به لأجل حجيّته وطريقيته شرعا » (١).

إذا كان يعترف بتصريح الجدّ بطريقية العلم شرعا ، فلا أراه ينضم منه سوى عدم تكراره هاهنا ، كأنّ التكرار كان ضربة لازب عليه ، وما حسبه منافيا لطريقية العلم عنده بجعله العلم بمصادفة الأحكام الواقعية للعلم بأدائه في الظاهر ، فليس المراد منه حيث يذهب ، وإنّما المراد ما تكرّر توضيحه من أول البحث إلى هذه النهاية ، من أنّ الواجب تحصيل العلم بأحد الأمرين من الواقع الأصلي والواقع الجعلي ، وهذا في غاية الوضوح لمن تأمّل جميع كلامه.

وأيضا تصريحه بعدم توقّف طريقية العلم على بيان الشرع لا ينافي طريقيته شرعا ، لأنه ـ طاب ثراه ـ نفى توقّف طريقيته عليه في مقابل غيره الّذي لا يكون طريقا إلاّ بجعل الشارع وبيانه ، ولم ينف إمضاء الشارع له ، وكونه عنده كما عند العقل ، وما هو ببدع من حكم العقل الّذي ارتضاه الشرع.

ومنه يعلم أنّ ما ذكره من أنّ الاكتفاء به في الامتثال ليس لأجل حجّيته شرعا لا إشكال فيه ، ولكنّه لا يتّجه إلاّ على من يرى توقّف حجية العلم على الجعل الشرعي ، وأهبط أهل العلم درجة أرفع مقاما من هذا الوهم.

ومن العجب أنّ من لا أسمّيه من علماء العصر بلا علامة ، زعم أنّ كلّ ما يزيد المنصف التأمل في هذا القول ولوازمه يزيد له التعجّب ممن صار إليه مع كونهم من أفاضل الأعلام.

هذا مع اعترافه بأنّه مشتبه المراد ، ولا أدري كيف جاز له المبادرة إلى الإيراد وهو باعترافه لم يعرف المراد!.

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٨٦.

٥٩٤

ونحن نعرّفه وأصحابه بمراد العلاّمة الجدّ ، وشقيقه ، وعديله ( الثلاثة المتناسبة ) ونقول : إنّ هؤلاء الأعلام لم يأتوا ببدع من القول ولا ببدعة في الدين ، بل جروا على سنّة أسلافهم الصالحين من حصر الحجّة في كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم وآثار أئمّتهم ، وتجنّبوا مزالق الظن والتخمين ، ولما فشا في زمانهم الكلام على هذا الدليل ، البالغ حدّ الفساد ، المعروف بدليل الانسداد ، وكاد أن يتسع الخرق على الراقع ، ويقوم ما لا يغني عن الحق شيئا مقام قول الشارع ، فيفتح بهذا الانسداد أبواب البدع والأهواء ، ويقول في الدين من شاء ما شاء ، ويتعلّق كلّ مبدع بأهدابه ، ويدخل ما ليس من الدين فيه من بابه ، قاموا في نصرة الحق أتمّ قيام ، وأوضحوا لشيعة أهل البيت عليهم السلام أنّ التمسك بمطلق الظن في معرفة الأحكام إنّما يتمّ على مذهب المخالفين المصوبة الذين يجعلون حكم الله تابعا لآراء المجتهدين ، وما الكتاب والسنّة عندهم إلاّ كسائر موجبات الظن ، وأمّا الفرقة الناجية ـ أعلى الله كلمتها ـ الذاهبة إلى أنّ لله في كلّ واقعة حكما ، والطريق إليه منحصر في الحجّة الشرعية ، لا تكليف بغير مؤدّياتها ولا يحتج على العباد بغيرها ، كما مرّ مفصّلا في كلام ( الفصول ) وغيره ، فلا شك أنّ الوظيفة لو فرض بعد انسداد باب العلم إلى معرفتها ، هي تعيينها بالظن ، والظن بها مقدّم على الظن بالواقع ، ومنزلتها منه منزلة الدليل من الأصل على ما بيّناه من الدرجات ـ أعلى الله درجاتهما ـ في كلامهما المتقدم ، فلا يعوّل على الظن بالواقع إلاّ مع عدم التمكن من الظن بها ، بل لا يبعد القول بتقديم الطريق الموهوم على الواقع المظنون ، والوجه فيه ظاهر للمتأمّل.

نعم ، بعد اليأس من الطريق يرجع إلى الظن به لو علم ببقاء التكليف ، ولا يعلم.

ومن الغريب اعتراض هذا العالم ، وغيره على صاحب ( الفصول ) من أنّ اللازم من مذهبه عدم الرجوع إلى الواقع مطلقا! وما ذلك إلاّ الغفلة عن هذا

٥٩٥

الشرط المصرّح به في كلامه.

وفذلكة القول : أنّ الحجّة منحصرة عند هؤلاء الأئمة بحكم ضرورة المذهب في الثقلين الشريفين وما يؤول إليهما ، وصاحب ( الهداية ) يذهب إلى القطع بحجية خبر الثقة ، ولعلّ غيره يزيد أو يقلّ في شروط حجّية الخبر ، وأيّا كان ، فمع عدم وجود المتيقّن في الحجّية بقدر الكفاية يرجع إلى مظنونها منهما على تفاصيل ليس هنا محلّ التعرّض لها ، وذلك الظن حجّة شرعية قطعية حال الانسداد كالعلم بحكم العقل ، كما أوضحه في ( الهداية ) وللكلام تتمة تعرفها في التنبيه الآتي عند دفع وهم غريب صدر من بعض المعاصرين ، حيث زعم اتّحاد هذا القول مع القول بإهمال نتيجة دليل الانسداد والترجيح بمظنون الحجّية.

هذا مراد القوم ، وهذه حجّتهم ، وإذا انجلى غبار الاشتباه عن مرآهم فليعد النّظر ليرى ما زعمه مشتبه المراد أوضح من فلق النهار.

٥٩٦

(تفسير الجدّ حجة الإسلام لكلام والده الإمام طاب ثراهما)

انتهينا إليه والقلم قد تكهّم (١) حدّه والفكر كبا زنده (٢) ، وقد مسّنا من الكسل ما مسّ القراء الكرام من الملل ، وقد صادف ذلك ( أن طرقت ببكرها أمّ طبق ) (٣) فألهتنا عن الظن الخاصّ والمطلق ، وكيف لا يصطلد الذهن ، ولا يرى الطرف إلاّ عيونا باكية ، وقلوبا دامية ، ولقد دها المسلمين أمر عظيم ، ورماهم الدهر بالمقعد المقيم ، انتبزت الأكباد من الأجساد ، نسأل الله العافية ، وتمام النعمة ، وكشف كلّ محنة وأزمة.

بنى كلامه ـ طاب ثراه ـ على أنّ القول بالظن المخصوص يتصوّر على وجهين ، أحدهما القول بحجّية مطلق الظن بالطريق الواقعي من أيّ طريق حصل إلاّ من الطريق الّذي ثبت عنه المنع.

والآخر : أن يقال بحجية الظن بالطريق الفعلي الّذي يكتفي المكلّف به على ما هو عليه في حكم الشارع ، وحكم بأنّ الثاني مختار والده ، والمستفاد من عبارات الفقهاء حيث جرت عادتهم عن التعبير عن الفتوى بالأظهر والأقوى ، ونحوهما ، ونسب إلى عمّه التصوّر الأول وقال : إنّه بذلك فارق أخاه وليته اقتفى أثره.

ثم قال : « ويظهر الفرق بينهما من وجوه » :

« الأول : يجتمع الأول (٤) مع القطع بالبراءة والظن بها والشك فيها ، والظن

__________________

(١) تكهّم ، بمعنى : كلّ. لسان العرب ١٢ : ٥٢٩.

(٢) كبا الزند فهو يكبو : إذا لم يقدح لسان العرب ١٥ : ٢١٣.

(٣) جزء من بيت رجز ، ورد في لسان العرب ١٠ : ٢١٤ « طبق » وأمّ طبق : الداهية.

(٤) أي : الظن بالطريق على الوجه الأول يجتمع ....

٥٩٧

والقطع بعدمها لأنّ الطرق المفيدة له تنقسم إلى الأحكام الخمسة ، ولهذا استثنى صاحب ( الفصول ) القسم الأخير بخلاف الثاني فإنّه لا يتصوّر إلاّ على وجه واحد ».

« الثاني : الطريق المظنون على الوجه الأول من قبيل الأدلّة الاجتهادية ففي كلّ مسألة يوجد فيها بعض الطرق المظنونة يؤخذ به ، ويرجع فيما عدا ذلك إلى الأصول العملية ، بخلاف الوجه الثاني ، فإنّه يقتضي لزوم البناء على ما يظن بلزوم البناء عليه في تلك الحال من دليل أو أصل أو قاعدة ».

« الثالث : الظن بالطريق على الأول يتوقف على مقدمات الدليل المعروف بالانسداد ، الملحوظة بالنسبة إلى نوع الأحكام الشرعية ، بخلاف الثاني ، فإنّه يأتي في مسألة واحدة » إلى آخره.

« الرابع : حجيّة الظن على الأول ليس مطلقا لخروج الظن الحاصل من القياس وشبهه بخلاف الثاني ، فلا يأتي فيه الإشكال المعروف ».

« الخامس : الظن بالطريق على الأول إنّما يتعلق بالطريق المنصوب المجعول ، كما صرّح به في ( الفصول ) وعلى الثاني يتعلّق بمطلق الطريق شرعيا كان أو عقليا أو عاديا » (١).

أقول : لم يظهر لي المراد من الطريق الفعلي الّذي جعله أحد الوجهين ، وبنى تفسير كلام والده عليه ، وجعله الفارق بين المسلكين وسدّد به النكير على عمّه ، فقال في جملة كلام له في شرح الوجه الثاني :

« إنّ صاحب ( الفصول ) أخطأ الطريق ، فوقع في المضيق ، وسلك مسلك القائلين بالظن المطلق ، وخصّه بمباحث الأصول من غير مخصّص ، ورجّحه على الظن بالفروع من غير مرجّح ، وفتح على نفسه باب الاعتراض ، وجعل نفسه

__________________

(١) رسالة حجّية المظنّة : ٢٧ باختصار.

٥٩٨

غرضا لسهام النقض والإبرام حتى طعن عليه من تأخّر عنه بأكثر مما أوردوه على القول بالظن المطلق » (١) إلى آخر ما قال.

وبمراجعة ما قدّمناه يظهر عدم الفرق بين الإمامين ، إلاّ ـ ما لا يؤبه به ـ في الاختلاف الطفيف في التعبير ، فكلّ منهما يقول بالظن الخاصّ ، ووجوب الاقتصار على الثقلين الشريفين ، وبانحصار الحجّة فيهما وفيما يؤول إليهما ، وأنّ الواجب بعد فرض عدم العلم بحجّية شيء منهما يجب الرجوع إلى مظنون الحجّية فيهما ، ولا يجوز الإعراض عنهما والتمسك بغيرهما.

فخبر الثقة ـ مثلا ـ إن لم يكن مقطوع الحجّية فهو مظنونها بلا شك ، فاللازم عند الإمامين بحكم الدليلين لزوم الرجوع إليهما.

وكذا لو فرض وقوع الشك في وثاقة أحد الرّواة ، فلا بدّ عندهما من بذل الجهد من تحصيل الظن بوثاقته من أيّ طريق حصل ، وبعده يكون حجّة قطعية بحكم العقل ، ولا حجيّة لطريق خارج عنهما ولو حصل الظن بالواقع منه ، وعلى هذا يشهد جميع ما أورداه وما ذكرناه في شرح كلامهما.

وما ذكره ـ طاب ثراه ـ في الفرق الأول يتوقّف التصديق به على فهم مراده من الطريق الفعلي ، ولا يظهر لي الآن على ما أنا عليه من كلال الأنامل من ملازمة القلم وملال القلب من تصارع الهمّ فيه مع الهمم ، إلاّ أنّ المراد هو الّذي يبني عليه المجتهد بعد ملاحظة جميع الأدلّة ومعارضاتها ، وما يلزم المستنبط للأحكام مراعاتها ، فيظنّ باكتفاء الشارع بها ، وعلى هذا المعنى شواهد من كلامه فيما نقلناه أو حذفناه.

وهذا يطابق ما ذكره في الفرق الثاني ، وإلاّ فما معنى قوله على الوجه الثاني : « لزوم البناء على ما يظنّ بلزوم البناء عليه من أصل أو دليل »؟.

__________________

(١) رسالة حجّية المظنّة : ٣٧.

٥٩٩

وإن صحّ الظنّ بأنّه المراد فلا يخفى أنّه مرتبة متأخّرة عمّا يبحث عنه ، بل هي بمنزلة النتيجة له ، إذ البحث في الّذي ينبغي أن يظنّ بلزوم البناء عليه ، فالإمامان لا يجوّزان البناء على غير الظنّ الخاصّ ، وغيرهما يجوّز البناء على غيره. والكلّ بعد ذلك متّفقون على أنّ ما يبنى عليه مبرئ للذمة ، وقد سمعت انتقاده على عمّه تخصيصه الحجّة بمباحث الأصول وترجيحه على الظنّ بالفروع ، وعلى هذا يرتفع النزاع بين الفريقين ، إذ كلّ منهما يرى ما يذهب إليه طريقا فعليّا.

وما ذكره في الفرق الثالث فقد عرفت أنّ الأمر كذلك حتى عند صاحب ( الفصول ) وأنّ ما قرّره جار حتى في حكم واحد من غير حاجة إلى ملاحظة سائر الأحكام ، فراجع.

وما ذكره في الفرق الرابع فقد مرّ تفصيل القول فيه عند الجواب عن اعتراض الشيخ على ( الفصول ).

وكذلك ما ذكره في الفرق الخامس ، فقد علمت هناك أنّ مراد صاحب ( الفصول ) من الطريق هو المرضي عند الشارع ولو على نحو الإمضاء وعدم الردع ، ولا بدّ أن يكون كذلك عند والده الإمام ، فلا يكفي العقلي والعادي عنده إذا لم يرجعا إلى الشرعي قطعا ، ولهذا عدّ القطع طريقا شرعيا.

وبعد ذلك نبّه على أمور ليوضّح المقصود ، وحيث إنّ سائر كلامه مبني على الفرق المذكور ، ولم يظهر لي المراد منه ، أرجأته إلى أن اختلس الفرص أثناء ما يجرعني الزمان من الغصص ، فأوفّيه من النّظر حقّه ، وأمنحه من البيان ما استحقّه.

وأنا أقطع الكلام الآن ، معيدا لما التمسته من فضلاء الزمان ، أعني الانتقاد الخالص من شوائب العناد ، فمن انتقد علينا بالحق قبلناه وشكرناه ، ومن رام الاعتراض بالباطل دفعناه.

٦٠٠