وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

ثقة آخذ منه معالم ديني؟ (١) يدلّ على أنّ قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند الراوي ، كما نبّه عليه في الرسالة (٢) ، ولكنه ليست المفروغيّة لتعبّد ونصّ من الشرع ، بل لحكم الفطرة والعقل ، وعلى هذا النموذج سائر الأدلة الموردة في هذا البحث ، ويأتي التنبيه عليها في مواضعها ، وللكلام بقيّة تسمعها إن شاء الله في بحث تعارض الأدلة ، وبالجملة المتّبع في هذه المسألة سيرة العقلاء.

ثانيهما : لم يسلك العقلاء سبيل التعبّد الوعر فيما حكموا بحجّيته ، ولم يعرفوا قط معنى لسببية الأمارة ، ولا لمدخليّة سلوك الأمارة في مصلحة العمل وإن خالف الواقع ، بل المعنى المعقول لديهم هو المعنى المستفاد من لفظ الحجّة ، أعني ثبوت آثار التكليف بوجودها ، وعدم ترتّبها مع عدم قيامها ، فالمولى يعاقب عبده ، والصديق يعاقب صديقه بترك حقّ له أقام الحجّة عليه ، ويعذره إذا تدلّى بحجّة على الترك ، فإذا أخبرك الثقة بحمى صديقك وتركت عيادته ، فإنّك ترى من نفسك استحقاقها العتاب ، كما ترى لها العذر في تركها إذا أخبرك بأنه أبلّ (٣) من الداء.

هذا هو المحجّة الواضحة التي سنّتها الفطرة ، وجرى عليها العقلاء كافة ، وأمضاها الشارع ، فتجدهم على اختلاف الأعصار والأمصار متّفقين على ما وصفناه فيما لهم أو عليهم من الحقوق وإن اختلفوا في أغراضهم الشخصية إقداما وإحجاما ، فبينا ترى الرّجل المقدام يخاطر بنفسه وماله في مزاولة الأسفار ويقذف بهما في لهي أهوال القفار والبحار ، لا يستصحب معه دينارا أودعه عنده صديقه ، فضلا عن حمل عياله وأولاده معه ، إلاّ مع قيام الحجّة على سلامة

__________________

(١) رجال الكشي : ٤٩٠ ـ ٩٣٥.

(٢) فرائد الأصول : ٨٥.

(٣) بلّ الرّجل من مرضه وأبلّ : إذا برئ. الصحاح ٤ : ١٦٣٩ ( بلل ).

٥٠١

الطريق ، ومع قيامها يرى نفسه معذورا وإن توي (١) المال وهلك العيال.

( الأصل عدم حجية الظن ـ ما خرج عن هذا الأصل )

لا شك أن الأصل عدم حجّية كلّ ما شك في حجّيته بالمعنى الّذي عرفت ، وأمّا بمعنى الالتزام والتعبّد به ـ كما ذكره الشيخ (٢) ، وأطال القول فيه في مواضع شتّى ، واستدلّ على حرمته بالأدلّة الأربعة ـ فعلى غموض في معناه ـ كما سبق في مبحث القطع ـ فهو أمر لا يهمّنا الآن البحث عنه ، فإنه بمباحث الفروع أشبه ، وبها ألصق.

وما خرج عن هذا الأصل أو قيل بخروجه أمور.

أولها : ظواهر الألفاظ ، لا بدّ في معرفة مراد المتكلّم من إحراز كونه في مقام الإفهام ، ولازم ذلك أن يقصد ظاهر كلامه الّذي يفهمه المخاطب ، ويجري على متعارف المحاورات الجارية بين أهل لغة التخاطب ، فإذا خالف ذلك يكون ناقضا لغرضه ، ونقض الغرض لا يقع من حكيم ، بل ولا عاقل ، فإذا خالفت الإرادة الاستعمالية الإرادة الجدّية ، وإن شئت قلت : قصد المعنى المجازي ونحوه من اللفظ ، أو أراد من اللفظ المشترك غير الّذي ينصرف إليه من المعاني ، أو من المطلق بعض أفراده ، أو غير ذلك ممّا يخالف متعارف المحاورات ـ فلا بدّ له من نصب القرينة على المراد الواقعي ، فمع القطع بعدمها يقطع بالمراد ، ومع احتمالها تدفع بالأصل ، بمعنى عدم اعتناء العقلاء بالاحتمال ، أعني أنّ الحجّة تتم عندهم ، ولا يرون مجرّد الاحتمال قاطعا لها ، ومانعا منها ، وهذا معنى حجّية الظواهر.

( خلاف المحقق القمي طاب ثراه )

ولا فرق في ذلك بين من قصد إفهامه وبين غيره بشهادة اتفاق العقلاء

__________________

(١) توي المال : ذهب فلم يرج. لسان العرب ١٤ : ١٠٦ « توا ».

(٢) راجع فرائد الأصول : ٣٠ وما بعدها.

٥٠٢

على الأخذ بالأقارير مطلقا ، وبظواهر ألفاظ الوصايا ، والأوقاف ، ونحوها ، فخلاف المحقق القمي في ذلك بجعله الأول من الظن الخاصّ ، والثاني من الظن المطلق (١) ، ضعيف جدا ، كما أوضحه الشيخ ، بل أعطاه من الكلام فوق ما يستحقه فراجع الرسالة (٢).

وما دعا هذا المحقّق إلى هذا التفصيل سوى الشغف بنفاق سوق الظن المطلق ، وكساد الظن الخاصّ ، ولولاه لما كان يخفى على فاضل مثله.

إنّ أصحاب النبي والأئمة عليهم السلام كانوا يعملون بما سمعه غيرهم عنهم ، ويأخذون بظواهر ألفاظه أخذ سامعه ، مع انفتاح باب العلم لهم بالرجوع إليهم ، وعليه سيرة شيعتهم ، بل عامة الناس في الأخذ بظواهر الألفاظ في الأوقاف والوصايا ، مع إمكان الرجوع إلى الواقف والموصي ، وإذا اعترف رجل بدين عليه مخاطبا ولده ، فاجتاز بهما من سمع ذلك منه ، فهل ترى أحدا يتوقّف عن قبول شهادته ، لكونه غير مقصود بالخطاب ، أو يقبل من المشهود عليه هذا الاعتذار؟

نعم ، لو علم بناء الكلام على اصطلاح خاص ، والاعتماد على قرائن خصوصيّة بين المتخاطبين لا يكون الظهور حجّة.

( خلاف بعض (٣) علمائنا المحدّثين في حجية ظواهر الكتاب )

وعلى هذا الأصل بنى القول بمنع حجية ظواهر الكتاب الكريم جمع من المحدّثين ، وهذا وإن كانت جناية عظيمة ، ولكن لم يتعمّدها هؤلاء الأبرار ، وما

__________________

(١) قوانين الأصول : ١ : ٣٩٨ و ٤٠٣ و ٢ : ١٠١.

(٢) فرائد الأصول : ٤٠ وما بعدها.

(٣) منهم : محمد بن الحسن الحر العاملي رحمه الله صاحب كتاب وسائل الشيعة.

٥٠٣

أرادوا إلاّ الخير ، فتجاوز الله عنّا وعنهم ، وجازاهم بحسن النية خيرا.

وقد قال إمام الشيعة بعد الأئمة ، ورباني هذه الأمة الشيخ أبو عبد الله المفيد في شرح عقائد الشيخ الصدوق ، ما لفظه :

« أصحابنا المتعلّقين بالأخبار أصحاب سلامة ، وبعد ذهن ، وقلّة فطنة يمرّون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث ، ولا ينظرون في سندها ، ولا يفرّقون بين حقّها وباطلها ، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها ، ولا يحصلون معاني ما يطلقون منها » (١).

صدق أجزل الله ثوابه ، وجعل الجنة مثابة ، ولو لا سلامة الذهن لما عمد هؤلاء إلى هذا المعجز العظيم الّذي جعله المرسل به صلّى الله عليه وآله أكبر آية على رسالته ، وأعدل شاهد على صدقه في نبوّته ، فلم يتحد بسائر ما أوتي من الآيات الباهرات من حنين الجذع ، وتسبيح الحصاة ، بل تحدّى به ، وقال بتعليم الله تعالى له : ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ )(٢). فيجعلوه من قبيل الألغاز والمعمّيات ، وما ذاك إلاّ لعدّة روايات أكثر أسانيدها بين ضعيف وبين مرسل ، ومتونها مقسم إلى مجمل ومؤوّل.

فو الكتاب المبين ، ومن أنزل عليه صلّى الله عليه وآله أجمعين ـ لو تجاوزت عدّة هذه الأخبار عقد المئات ، وسلمت أسانيدها ومتونها من العلاّت ، ولم يكن فيها غير موثّق وصحيح ، لوجب أن يضرب بها وجه الجدار ، ويمحى أثرها من كتب الآثار ، كيف وليس فيها خبر يمكن الاعتماد عليه إلاّ وهو وارد في موارد أخرى ، كما أوضحه الشيخ في الرسالة (٣) فكفانا مئونة الإطالة.

ومهما شك الإنسان في شيء ، فلا يشك في أنه صلّى الله عليه وآله دعا

__________________

(١) تصحيح الاعتقاد المطبوع مع أوائل المقالات : ٢١٣.

(٢) هود : ١٣.

(٣) راجع فرائد الأصول : ٣٥ وما بعدها.

٥٠٤

فصحاء العرب من مصقعي (١) خطبائها ، وفحول شعرائها إلى معارضة القرآن ولو بسورة واحدة ، وبلغت دعوته البدو والحضر ، وتصدّى لها أهل الوبر والمدر ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وظهر عجزهم للعالمين ، وظلّ أفصحهم عند سماع هذا المعجز الأعظم كدمنة (٢) أم أوفى لا تتكلم.

وما سمعوا قوله تعالى : ( سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً )(٣) إلاّ طفقوا يضحكون من قفا نبك من ذكرى (٤).

أفتراه صلّى الله عليه وآله كان يتحدّى بألفاظ لا يعرف المراد منها سواه؟ أو تراهم عجزوا عن معارضة ما لم يهتدوا إلى معناه؟ كلاّ ، بل هو قرآن عربي مبين ، نزل به الروح الأمين ، على قلب سيد المرسلين ، وما أرسله إلاّ بلسان قومه لينذرهم بين يدي عذاب شديد ، ويدعوهم إلى صراط الله العزيز الحميد.

فهل كان الإنذار والدعاء وغيرهما من الأغراض الشريفة يترتب على صرف سماعهم الألفاظ؟ حاشا أن يحتمله أحد ، أم كانوا يسألونه عن معنى كل كلمة؟ كلاّ ، بل كانوا أول قراع اللفظ لأسماعهم يسبق المعنى إلى أذهانهم ، فيخشع قلوبهم لذكره ، وتقشعرّ جلودهم له ، وتقف جوارحهم طوع نهيه وأمره ، وهذا أوضح من أن يخفى على السذّج البسطاء ، فكيف على هؤلاء العلماء

__________________

(١) خطيب مصقع ، أي : بليغ. الصحاح ٣ : ١٢٤٤ ( صقع ).

(٢) إشارة إلى قوله : أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم ......

وهو أوّل إحدى المعلّقات السبع لزهير ، أحد الثلاثة المتّفق على تقديمهم من الأوائل. ( منه ).

وانظر شرح المعلقات السبع ـ للزوزني ـ : ٧٣.

(٣) الكهف : ٨٣.

(٤) إشارة إلى مطلع معلّقة إمرئ القيس :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

...........................

( منه ).

وانظر شرح المعلّقات السبع ـ للزوزني : ٧.

٥٠٥

الأذكياء ، ولكن شغفهم بأحد الثقلين أوجب هذه الجناية على الثقل الآخر ، وغفلوا عن أنّ صدق ذلك الثقل وفضله لم يعلم إلاّ بهذا الثقل ، سامحهم الله.

لقد فتحوا بهذه الدعوى وبأخرى مثلها ، أو أمرّ منها بابين لأهل الزيغ والإلحاد ، فبينا نرى الكافر به يعترف بأنّ هذا الّذي بين أيدينا هو القرآن المنزل ، وأنه يكاد لشرف مقاصده أن يبلغ حدّ الإعجاز ، يقول المؤمن به ما يقول .....

ولا أدري ما ذا يكون جواب المسلمين لأهل الكتاب إذا قارعوا توراتهم وإنجيلهم بقرآنهم ، وصالوا عليهم بما تضمّنه من فنون العلوم والحكم ، والإخبار عن أخبار سالف الأمم ، فقالوا : إنّ كتابكم باعترافكم أحجية ، فلا يقوم به حجّة ، أتراهم يقنعون بقولك : روي في معناه عدّة روايات ذكرها السياري في تفسيره ، أو صاحب تأويل الآيات؟

بلغنا أنّ بعضهم سئل عن مفردات آية التوحيد ، ففسّر جميعها ، ثم سئل عن تفسير الآية ، فقال : لا أعرف معنى ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )(١).

وهذا وأمثاله ممّا يجلّ عنه أكابر المحدّثين الذين عرفنا فضلهم ، ورفيع مقامهم ، وإنّما يصدر من الحشوية الذين جعلوا شعارهم الانقياد والتسليم لكلّ ما سمعوه وإن خالف البرهان ، بل الوجدان ، وهم الذين عناهم المفيد في كلامه السابق.

والظاهر أنّ هؤلاء الأكابر لا يبلغون في الجمود هذا الحدّ ، وإنّما غرضهم المنع عن استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب ، أو تفسير المتشابهات ، كما يؤذن به عنوان الباب من كتاب وسائل الشيعة ، وهو « باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلاّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم

__________________

(١) الإخلاص : ١.

٥٠٦

السلام » (١) فتأمل.

ومن الطريف أنّ هذا المحدّث لم يقنع بما ادّعاه في هذا الباب ، حتى أتبعه بباب آخر ، عنوانه « باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي صلّى الله عليه وآله المروي من غير جهة الأئمة ما لم يعلم تفسيره منهم عليهم السلام » (٢) واستدلّ على ذلك بعدّة روايات أجنبية عن عنوان الباب.

ومن أطرفها : رواية « أنا مدينة العلم وعلي بابها » (٣).

ولا أدري أيّهما أعجب ، المدّعى أم الدليل!؟

( رجع ) فاستبان ممّا عرفت أنّ اللازم على المتخاطبين معرفة الظاهر من غيره.

( كيف تعرف الظواهر؟ )

وأوّل ما يتوقّف معرفتها عليه ، وأهمّه معرفة مواد اللغات من الأسماء والأفعال والحروف والهيئات ، وأنّها لأيّ معنى وضعت.

وقد ذكروا لذلك طرقا منها : نصّ الواضع ، وهذا وإن كان من أجدى الطرق ، بل هو الطريق الأصلي لمعرفة الوضع وغيرها طرق إليه ، لما عرفت في مبحث الوضع من أنّ الإعلام متمّم للوضع ، ولا يكون إلاّ بنصّه أو بما يقوم مقامه كالاستعمال مع القرينة ، ولكن الشأن في الاهتداء إلى ما نصّ عليه ، ولا يمكن ذلك إلاّ بأحد أمرين :

إمّا مزاولة كلماتهم ، وتتبّع مواقع اللفظ في منثور الكلام ومنظومه حتى يكون من أهل الخبرة باللغة ، بل يعدّ أحد أهلها ، وإمّا بالرجوع إلى أهل الخبرة

__________________

(١) الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي.

(٢) الوسائل ، الباب ١٤ من أبواب صفات القاضي.

(٣) الوسائل ، الحديث ٤ من الباب ١٤ من أبواب صفات القاضي.

٥٠٧

بها ، وأفضل الطريقين أوّلهما ، ولكن قد ضعفت الهمم ، وقلّت حملة هذه اللغة التي شرّف الله قدرها ، وأناط الدنيا والدين بمعرفتها ، وجعلها لسانه الّذي كلّم بها خلقه ، فالمتعيّن لغالب الناس الرجوع إلى أئمة الفنّ الثقات الإثبات ، فإنّهم أهل الخبرة به ، فقولهم حجّة.

( حجّية قول علماء الأدب ، والجواب عن المناقشة فيها )

أمّا حجّية قول أهل الخبرة في جميع العلوم والصنائع وغيرهما فأمر مجبول عليه فطرة الإنسان ، وجرى عليه العقلاء كافّة في جميع البلدان والأزمان ، فلا ترى فيهم من يتوقّف في ذلك ، ولا منهم إلاّ من يحتجّ به فيما له ، ويذعن لخصمه فيما عليه.

وهذه الفطرة السليمة هي السبب فيما نقله ـ طاب ثراه ـ في الرسالة من اتّفاق العلماء ، بل جميع العقلاء على الرجوع إليهم في استعلام اللغات ، والاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاج ، ولم ينكر ذلك أحد على أحد (١) ، إلى آخره.

إذ من البعيد أن يكون هذا الإجماع مستندا إلى نصّ شرعي أو حكم تعبّدي ، وهب تكلّف ادّعاءه متكلّف في اتّفاق العلماء ، فأين منه كافة العقلاء؟ ولا شك أنه لا خصوصيّة لأهل صناعة اللغة ، بل هم كسائر أصحاب الصناعات الذين قال عنهم الفاضل السبزواري فيما حكاه من قوله :

« صحّة المراجعة إلى أصحاب الصناعات ، البارزين في صنعتهم ، البارعين في فنّهم ، ممّا اتّفق عليه العقلاء في كل عصر وزمان » (٢).

__________________

(١) فرائد الأصول : ٤٦.

(٢) فرائد الأصول : ٤٦.

٥٠٨

نعم احتمل اعتبار شرائط الشهادة فيه ، فقال : « المتيقّن من هذا الاتفاق هو الرجوع إليهم مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد ، والعدالة ، ونحو ذلك ، لا مطلقا ، ألا ترى أنّ أكثر علمائنا على اعتبار العدالة فيمن يرجع إليه من أهل الرّجال ، بل وبعضهم على اعتبار التعدّد ، والظاهر اتّفاقهم على اشتراط التعدّد والعدالة في أهل الخبرة في مسألة التقويم وغيرها » (١).

أقول : اعتبار العدالة ونحوها لا يناسب إلاّ الحجّة التعبّدية الشرعية ، وحمل اتّفاق العلماء على ذلك.

واحتمال وصول خبر إليهم من المعصومين في المقام مقطوع بعدمه ، بل المقطوع به أنّ مراجعتهم أهل اللغة ليس سبيلها إلاّ سبيل سائر العقلاء في مراجعة المعتمد عليه في كلّ حرفة وصناعة.

ومن الظاهر أنّه لا يشترط عندهم بعد إحراز الخبرة إلاّ الوثوق ، ولا يعتبر عندهم الإسلام والإيمان ، فضلا عن العدالة ، بل يقدّمون الكافر على المؤمن العادل إذا كان أكثر خبرة ، وأنفذ بصيرة في صنعته ، وترى العقلاء يطول بحثهم عن الطبيب الحاذق الموثوق بحذاقته ، ولا ترى فيهم من يسأل عن مذهبه ومعتقده ، فضلا عن حاله في فسقه وعدالته ، واعتبر ذلك في سائر الموارد التي يحتاجون فيها إلى أهل الخبرة من معرفة الدراهم الجيّدة من المزيّفة ، وتميز الأدوية النافعة من الضارّة ، فلا ترى من يتوقّف عن الرجوع إلى الصيرفي أو الصيدلاني لكونه ذمّيا ، فضلا عن كونه مسلما فاسقا.

واعتبار الإسلام فضلا عن العدالة ينافي ما عرفت من حكم الفطرة التي انقاد له العقلاء ، وإنّما يكون في الطرق التي تصرّف فيها الشارع لحكم مرّ بعضها قريبا ، ومن الواضح أنّ المقام ليس منها.

__________________

(١) فرائد الأصول : ٤٦.

٥٠٩

وما نقله عن أكثر العلماء فهو ـ قدس سره ـ أعرف بما قال ، ونحن نراهم يعتمدون في معرفة أحوال الرّجال على علي بن فضال الفطحي ، والحافظ ابن عقدة الجارودي ، ولا فسق أعظم من فساد الاعتقاد ، بل الماهر في الفن ربّما قدّم قولهما على مثل الشيخ وابن الغضائري وهما من تعلم.

وأمّا اعتبار التعدّد والعدالة في مسألة التقويم فإن صحّ اتّفاقهم عليه فلا بد أن يكون اعتمادهم فيها على أنّها من باب الشهادة ، ويظهر ذلك من مراجعة كلام بعضهم ، فإن كانت من ذلك الباب فالشهادة أمر قد تصرّف فيه الشارع بتصرّفات شتّى مختلفة باختلاف الموارد ، وأين ذلك من هذا المقام الّذي يقطع بعدم تصرّف من الشارع فيه إلاّ الإمضاء؟

وأطرف ما في هذا الباب منع كون أهل اللغة أهل الخبرة بها ، ويقال لهذا المانع : هل هذه الصنعة ابتليت من بين سائر الصنائع بفقد أهل الخبرة بها ، أو أنّ أهلها غير أهلها؟

فإن كان الأول اتّجه السؤال عن الذنب التي أذنبت فعوقبت بين أخواتها وأضرابها بهذه العقوبة.

وإن كان الثاني ففي المحال الّذي ينطوي عليه هذا الكلام غنى عن تكلّف الجواب.

ولو جوّز هذا المانع الرجوع إلى الصائغ في الصياغة ، وإلى الحائك في الصباغة رجعنا فيها إلى من شاء واقترح ، وكيف يعدّ الرازي والقرشي من أهل صناعة الطبّ ، ولا يعدّ الخليل وأبو عمرو (١) بن العلاء من أهل صناعة اللغة!؟

ثم إنّ أئمة هذا الفن هم الأئمة المقتدى بهم في علمي النحو والصرف

__________________

(١) الإمام المعروف ، أحد السبع الّذي اتّفق الأصحاب على صحّة قراءته ، فكيف يؤتمن على كلام الله تعالى ولا يؤتمن على كلام العرب!؟ ( منه ).

٥١٠

وغيرهما من العلوم العربية ، فكيف صار كلامهم حجة في تلك العلوم دونها؟! وبأيّ وجه لا يصدق الخليل ـ وهو الوجه والعين ـ فيما ينقله في كتاب « العين » عمّا سمعه في اللغة من بادية الأعراب ، ويصدق فيما ينقله عنه صاحب الكتاب من وجوه الإعراب! هذا هو الحيف ، إلاّ أن يمنع هذا المانع حجّية أقوالهم في جميعها ، فتكون هذه الطامة جناية على علوم العربية عامة.

ومنع الشيخ معرفة الحقيقة من المجاز بمجرّد قول اللغوي ، واستنتج منه عدم الانتفاع به في تشخيص الظواهر (١).

وتبعه في ذلك عدّة ممّن تأخّر عنه ، بل زادوا عليه عدم كون اللغوي من أهل الخبرة بمعرفة الأوضاع ، فقال في الكفاية : « لا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالأوضاع ، بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك ، بل إنّما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال ، بداهة أنّ همّه ضبط موارده ، لا تعيين أنّ أيّا منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازا ، وإلاّ لوضعوا لذلك علامة ، وليس ذكره أوّلا علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك » (٢).

وتبعه في ذلك صاحبنا العلاّمة ، وزاد عليه بقوله : « وأمّا كون المعنى الكذائي حقيقيّا فلا يطّلع عليه ، وإن اطّلع عليه بواسطة بعض الأمارات فليس من هذه الجهة من أهل الخبرة » (٣) وكأنّ ما ادّعاه مأخوذ من الحاشية ، حيث قال :

« لا يختص بفن اللغة إلاّ خصوص ضبط المعاني المستعمل فيها دون كيفية الاستعمال فيها ، بل يكون اللغوي وغيره فيها سواء ، حيث يحتاج في تعيينها إلى إعمال علائم الحقيقة والمجاز ، ومن المعلوم عدم اختصاصها به » (٤).

__________________

(١) فرائد الأصول : ٤٦.

(٢) كفاية الأصول : ٢٨٧.

(٣) درر الأصول ٢ : ٣٧.

(٤) حاشية فرائد الأصول : ٣٥.

٥١١

ومحصّل هذه الكلمات أمور ثلاثة :

الأول : أنّ علماء اللغة لا يعرفون المعاني الحقيقية من المجازية ، إذ لا طريق لهم إليها.

الثاني : لا يعرف بمراجعة كتبهم الحقيقة من المجاز.

الثالث : معرفة الظواهر تتوقّف على معرفة الحقائق من المجازات ، ونحن نختصر لك القول في جميعها ، ونقول :

طريق اطّلاعهم على المعنى الموضوع له واضح ، لا أرى سببا لخفائه على هؤلاء الأعلام إلاّ شدّة وضوحه ، لأنه بعينه الطريق الّذي تعلّموا ، وتعلّم جميع الناس من أهل جميع اللغات معاني الألفاظ الأصلية في زمن الطفولية ، إذا الطفل لا يزال يسمع الألفاظ مستعملة في معاني يعرفها بالقرائن ، وربّما احتمل المجاز في استعمالين أو ثلاثة ، فيحتاج إلى ما رسمه له الأستاذ من إعمال العلائم ، ولكن بتكرّر الاستعمال يزول ذلك الاحتمال ، ويقطع بالوضع ، كما يحتمل الخطأ والغلط في استعمال واستعمالين ، ثم يزول ذلك بالتكرار ، فيكون في غنى عن العلائم.

وإن كنت بعد في شك فيه ، فراقب صغار أولادك ، أو راجع نفسك إذا عاشرت غير أهل لسانك ، وحاولت تعلّم لغتهم ، وربما سألت عن معنى اللفظ أهل تلك اللغة ، وربّما كفاك تكرّر الاستعمال مئونة السؤال.

وما حال أئمة اللغة مع فصحاء العرب إلاّ كهذا الحال ، فهم ـ لله درّهم ـ ضربوا آباط الإبل إلى منابت الشيخ والقيصوم (١) ، وعاشروا ماضغيهما زمنا طويلا ، وتكرّر على مسامعهم الألفاظ حتى حصل لهم القطع بمعانيها ، وأصبحوا في غنى عمّا كلّفهم هذا الأستاذ من إعمال العلائم استغناء الأطفال بتكرّر سماعهم الألفاظ من آبائهم.

__________________

(١) نبتان طيّبا الرائحة ، والمراد من منابتهما بادية العرب ، ومن ماضغيهما أهلها ، يقال : أمضغ أعرابي للشيخ والقيصوم ، ويراد منه أنه أعرابي محض. ( منه ).

٥١٢

ولا أدري من المراد من غير اللغوي في قوله : « بل يكون اللغوي وغيره سواء »؟ فليتأمّل فيه.

ومن لم يحظّ بالسماع منهم كالمتأخرين ، فإنّ تتبّع موارد الاستعمال يقوم لهم مقام السماع ، وذلك ظاهر.

ونظيره موجود في سائر الصنائع ، فإنّ الطبيب إذا عثر بخاصيّة في بعض النباتات ، فربّما احتمل أوّل مرّة الاستعمال وثانية المقارنة الاتفاقية ، وكونها مستندة إلى غيره من الأسباب المجهولة ، ولكن بتكرّر الاستعمال يزول ذلك الاحتمال ، وبهذا عرفت خواص الأدوية ، وعلمت منافعها ومضارّها ، وما ميّز الترياق النافع من السمّ الناقع إلاّ التجارب.

وما ذكرناه من حال عالم اللغة كالتجربة ، بل هو ضرب منها ، وعلى التجربة يدور رحى كثير من الحرف والعلوم.

وأمّا علامة الفرق بين المعاني الحقيقية وبين المجازية ، فإنّ عالم الفنّ في غنى عنه بما له من التدرّب في الصناعة والخبرة بمجاري الكلام ، فكثيرا ما ينظر إلى كلمة في كتب أئمة كتهذيب الأزهري وغيره ، ويظهر له أصلها وتحوّلها عن معنى إلى معنى آخر وتطوّراتها الطارئة عليها مدى الأجيال ، وربّما أبعد المرمي وتتبّع أصلها في أخوات العربية من السريانية والعبرانية ، ولا يعبأ بالعلامة الضعيفة التي ذكرها في الكفاية (١) ونقضها بالمشترك ، وهو من عجيب النقض.

وأمّا غيره فيكفيه التصريح في مثل أساس البلاغة ، فإنّ دأبه أن يقول بعد الفراغ عن ذكر المعاني الحقيقية : أنّ من المجاز كذا ، أو التلويح بعبارات يعرف منها ذلك ، راجع مفردات القرآن وغيره.

ثم على تسليم الأمرين معا ، فإنّ معرفة الظواهر لا تتوقف على معرفة

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٨٧.

٥١٣

الحقائق من المجازات ، إذ من الواضح لدى أهل الفنّ أنّ همّ الأئمة المصنّفين في علم اللغة بيان الظاهر من كلّ كلمة في التراكيب المختلفة ، وضبط المعاني الظاهرة منها باختلاف النسب والحروف وغيرهما ، فتراهم يذكرون شام البرق ، وشام السيف ، ورفّ الطائر ، ورفّ الظليم ، ورفّ لونه ، ورفّ زيدا ، أو رفّ هندا ، ويفسّرون ذلك بقولهم : أبصره ، وأغمده ، وبسط جناحه ، وأسرع في عدوه ، وبرق وجهه ، وأكرمه ، وقبّلها ، ومثل ذلك الفرق بين عقلته وعقلت عنه ، وشكرته وشكرت له ، وبين المسهب في الكلام بفتح الهاء وكسرها ، فلكلّ كلمة وقعت في كلام ظهور غير ظهوره في غيره ، ومعرفة ذلك هي التي يحتاجها أهل العلم.

ومن العبث تطلّب المعنى الأوّلي الّذي وضع له اللفظ ، ومن فضول البحث الاهتمام في معرفة ما بين هذه الألفاظ من نسبة المجاز أو الاشتراك.

فقول صاحب الكفاية : « بداهة أنّ همّه ضبط موارده لا تعيين أنّ أيّا منها كان اللفظ فيها حقيقة أو مجازا » (١) إن أراد من موارد الاستعمال غير ما ذكرناه ، فظاهر لدى الخبير بالفنّ ما فيه ، وإن أراد هذا الّذي ذكرناه فهو حقّ ، وبه يحصل المقصود من معرفة الظهور ، وقد ظفر ببغيته من يتعاطى الفقه ، وترك تعيين الحقيقة من المجاز لمن يتكلّف ما لا يعنيه ، ويطلب ما لا يجد ، إذ لا ثمرة مهمة علمية فيه ، لأنه إذا صحّ الظهور فقد ظهرت الحجة ، واتّضحت إلى المعاني المحجة ، فليكن إن شاء حقيقة ، وإن شاء مجازا.

وهنا أمر مهمّ لا بدّ من التنبيه له ، وهو أنّ الظهور الّذي عرفت حجّيته هو الّذي يفهمه أهل تلك اللغة من اللفظ ، أو من زاولها ، وقتلها خبرا ، حتى عاد كأحدهم ، بل كاد أن يعدّ منهم ، فلا بدّ لمن يروم استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة من ممارسة هذه اللغة الشريفة ، ومعرفة عوائد أهلها ، ودرس أخلاقها

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٨٧.

٥١٤

وطبائعها ، والاطّلاع على أيّامها ومذاهبها في جاهليتها وإسلامها ، وهذا مراد الشهيد الثاني من قوله : أبعد الناس عن الاجتهاد العجم ، إذ من الواضح أنّه ـ سقى الله ثراه ـ لا يريد العجم من حيث النسب ، كيف ومعظم علوم العربية تؤثر عنهم ، وأكثر علماء الدين منهم ، بل يريد من له العربيّة تطبّع لا طبيعة ، وتكلّف لا قريحة.

فليخف الله من هذا نعته ، وليدع الفتوى في الحلال والحرام حتى يحصل له من الممارسة معرفة مجاري الكلام.

وكم وقع لعدّة من الأعلام من التحريف الواضح ، والخطأ الفاضح في تفسير الآيات والروايات ممّا يجب ستره ، ولا يجوز نشره ، ولو حاول استقصاءه أحد لملأ منه مجلّدات ضخمة ، ولكن لحوم العلماء مسمومة ، وتتبّع عثرات الكرام سجيّة مذمومة ، وما أحوجنا إلى هذا النزر من البيان إلاّ أداء النصيحة إلى الإخوان ( وقد يستفيد الظنّة المتنصّح ) والله المستعان.

٥١٥
٥١٦

تصدير (١)

نجلب أنظار القرّاء الكرام وأفكار فضلاء الأنام إلى المسائل المهمّة التي حواها هذا الجزء (٢) من الكتاب ، ومن أهمّها توضيح ما نسب إلى إمامي الفنّ ومقدّمي الصناعة ـ الجدّ الأعظم والعلاّمة العمّ ـ من تخصيص نتيجة دليل الانسداد بالظن بالطريق وإتمام ما قاما به من تشديد الحقّ وهدم الظنّ المطلق.

إنّا وإن كرمت أوائلنا

لسنا على الأحساب نتّكل

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثل ما فعلوا

وأنا أعرضه على علماء البلاد ، ويحلو في ذوقي منهم مرّ الانتقاد إن لم يخالطه عصبية أو عناد ، فما سوّدت صفحات الدفاتر بأنقاس المحابر ولا شحذت ظبا الأقلام بأكفّ الأعلام إلاّ لتمحيص الحقائق الراهنة من السفاسف الواهنة ، وأنا أعيذهم من انتقاد تثيره عواصف العصبيّة فتعشى العيون عن الحقائق العلمية ، وأنا أخوّلهم هذا الحقّ على هذا الشرط ، ولا أبرّئ نفسي من الغلط والخبط ، والعصمة لله ، ومنه المعونة ، وله الطول ، وصلّى الله على محمد وآله.

العبد أبو المجد محمد الرضا النجفي آل العلاّمة التقي عفى الله عنه وعن أسلافه الراشدين بمحمد وآله.

١٨ صفر ١٣٤٦

__________________

(١) صدّر المصنّف رحمه الله مباحث تنبيهات دليل الانسداد بهذه الجمل.

(٢) حسب تجزئة المصنّف رحمه الله.

٥١٧
٥١٨

باسم الله وبحمده وبالصلاة على محمد وآله

تنبيهات دليل الانسداد

الأول : قال الشيخ ـ سقى الله مثواه ـ ما بعضه بلفظه : « وقد عرفت أنّ قضية المقدّمات المذكورة وجوب الامتثال الظنّي للأحكام المجهولة ، فاعلم أنّه لا فرق في الامتثال الظنّي بين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعي الواقعي ، كأن يحصل من شهرة القدماء الظنّ بنجاسة العصير العنبي ، وبين تحصيل الظن بالحكم الفرعي الظاهري كأن يحصل من أمارة الظن بحجّية أمر لا يفيد الظن كالقرعة » (١).

وقال بعد بيان الوجه فيما اختاره من التعميم ما نصه : « وقد خالف في هذا التعميم فريقان :

أحدهما : من يرى أنّ مقدمات دليل الانسداد لا تثبت إلاّ اعتبار الظنّ وحجّيته في كون الشيء طريقا شرعيا مبرئا للذمة في نظر الشارع ، ولا تثبت اعتباره في نفس الحكم الفرعي ، زعما منهم عدم نهوض المقدّمات المذكورة لإثبات الظنّ في نفس الأحكام الفرعية إمّا مطلقا أو بعد العلم الإجمالي (٢) بنصب الشارع طرقا للأحكام الفرعية.

الثاني : مقابل هذا ، وهو من يرى أنّ المقدّمات المذكورة لا تثبت إلاّ اعتبار

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٢٨.

(٢) يريد به الفرق بين قولي الإمامين ، وأنّ العلاّمة ـ الجدّ ـ يقول به مطلقا ، وصاحب الفصول يقول به بعد العلم الإجمالي ، وتعرف الكلام عليه إن شاء الله. ( منه ).

٥١٩

الظنّ في نفس الأحكام الفرعية ـ إلى أن قال ـ أما الطائفة الأولى فقد ذكروا لذلك وجهين ، أحدهما : وهو الّذي اقتصر عليه بعضهم » وذكر شطرا من كلام صاحب الفصول الآتي نقله إن شاء الله ، وبالغ في الردّ عليه ، ثم قال : « الوجه الثاني : ما ذكره بعض المحقّقين مع الوجه الأول ، وبعض الوجوه الأخر » (١).

ونقل الوجه الأول (٢) من الوجوه الثمانية التي استدلّ به العلاّمة ـ الجدّ ـ على بطلان الظنّ المطلق ، أو دليل الانسداد بالتقرير المعروف ، ولم يأل جهدا في تضعيفه ، ومن ثمّ شاع بين المتأخّرين عنه الوقيعة فيه ، والاعتراض عليه حتى غدا هذا القول غرضا لسهام الإشكال ، وتكسرت النصال على النصال ، وما سبب ذلك إلاّ الغفلة عن أمر واضح أنبّهك عليه لتعلم أنّ ما أورد عليه إن صحّ جميعه ـ ولا يصحّ ـ فهو بمعزل عن مغزى هذين الإمامين ، بل يبعد عنه بعد المشرقين.

أغار قلم الشيخ ـ أقال الله عثرته ـ على العقدين المودعين في الكتابين ، وأخرج هذين الفريدين من سلك النظام ، ووضعهما بين فرائده في غير المناسب لهما من المقام.

وأنا ـ إذا وفّق الله تعالى ـ أرجع كلا منهما إلى موضعه لتعلم أني لم أتحرّ إلاّ الحقّ وما سلكت سوى طريق السداد ، ويظهر لك أنّ هذين الإمامين في واد ، وهؤلاء المعترضون في واد.

وأبدأ بكلام الجدّ ، وأثنّيه بكلام أخيه العلاّمة ، ثم أتبعهما بتوضيح مرادهما والدفاع عنهما بالجواب عن مهمّ ما أورد عليهما.

قال ـ طاب ثراه ـ في أوائل المطلب الخامس ، ما نصه :

__________________

(١) فرائد الأصول : ١٢٩ ـ ١٣٥.

(٢) راجع فرائد الأصول : ١٣٥.

٥٢٠