وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

واعترض عليه في الحاشية ، بأنّ ذلك يناسب الإمكان الاحتمالي ، بخلاف الإمكان في قبال الامتناع ، فإنّ الحكم به لا بدّ من البرهان ، ولا يكفي مجرّد عدم الاطّلاع على ما يوجب الامتناع ، وليس بمجرّد ذلك طريقا يسلكه العقلاء في الحكم به بهذا المعنى ، ولا بمعنى آخر إلاّ بمعنى الاحتمال ، وأيّ عاقل يحكم بأحد طرفي الاحتمال بلا موجب ولا مرجّح ، وهل هو إلاّ تحكّم وترجيح بلا مرجّح؟ (١). انتهى.

وقد حمل هذا الأستاذ الإمكان على الوقوعي (٢) ، فأورد عليه ما أورد ، وليس في كلامهم الّذي سمعته ما يدلّ عليه ، بل الظاهر منه الإمكان بمعنى الاحتمال لا الاحتمال الّذي قال فيه قبل ما نقلناه عنه : « لا يحتاج إلى مئونة ، بل يكفي فيه عدم الاطلاع على ما يوجب استحالته » (٣).

بل الاحتمال الّذي تثقل عليهم وطأته ، وتعظم مئونته ، فيسهر لياليهم ، ويستوعب أيامهم النّظر في حجّة مدّعي الامتناع وفي كلّ ما يصلح لها ، وبعد ما يتضح لديهم عدم صلاحية جميع ذلك للامتناع ، يبنون على الإمكان ، كما قال الشيخ : « إنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمل ما يوجب الاستحالة » (٤).

وهذه محجة سنّها العقلاء ، وجرى عليها العلماء ، فترى العقلاء إذا قصدوا مسافة بعيدة أو بناء دار جديدة ، نظروا أوّلا فيما اعتادوه من الموانع عنهما ، فإذا جزموا بعدمها عزموا عليهما غير مكترثين باحتمال مانع لم يقرع أسماعهم ، ولم تحط به أفكارهم ، ولو بنوا على الاكتراث بمثل هذا الاحتمال لم ينتظم لهم أمر في معاش أو معاد.

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٣٢.

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٣٢.

(٣) حاشية فرائد الأصول : ٣٢.

(٤) فرائد الأصول : ٢٤.

٤٨١

وترى العلماء يلهجون في الاستدلال على ما يرومون بقولهم : لنا وجود المقتضي وعدم المانع ، ولا يذكرون لبيان عدم المانع إلاّ بطلان ما يحتمل أن يكون مانعا ، من غير أن يتكلّفوا البرهان على انحصار المانع ، ولا أن يكلّفهم الخصم ذلك ، ويقول : لعلّ هناك مانعا لا تعلمونه.

وممّا ذكرنا يظهر ما في كلام صاحبنا العلاّمة أدام الله أيّامه ، وقد وافق هذا الأستاذ وقال : « إذ الترديد والشك في تحقق شيء حاصل لبعض وغير حاصل للآخر وهذا ليس أمرا قابلا للنزاع ، فانحصر الأمر في الثاني » : (١) الإمكان الوقوعي.

والأمر كما قال ـ سلّمه الله ـ لو كانت الأصول العلميّة ، والقواعد المنطقية تدع للأفكار حرّيتها فيحتمل من شاء ما شاء ، ولكن مقرّرات العلوم لا تزال تغلق للاحتمالات أبوابا ، وتفتح غيرها ، وكيف لا يكون قابلا للنزاع والمنازعات العلميّة بين علماء العلوم قائمة على ذلك ، وعليه يدور رحى الخلاف بينهم ، فلا يزال يحتمل أحدهم شيئا ويمنعه آخر.

وليس المراد من الإمكان الاحتمالي كلّ احتمال صدر من أيّ محتمل ، بل المراد الاحتمال العلمي الّذي يرتضيه نقيد العلم ، ولا تبهرجه يد البرهان بعد الفحص الكافي والتأمل التام ، ولذا خصّه رحمه الله بما بعد التأمل (٢) ، فهذا مراد الشيخ الأعظم ، وهو موافق لما أراده الشيخ الرئيس من كلامه (٣) المعروف.

وهذا كاف فيما يرومه في المقام من العمل بدليل التعبّد به ، من غير اضطرار إلى تأويله أو طرحه ، وبه يثبت الإمكان الوقوعي ، ولا يعقل بدونه العلم

__________________

(١) الشيخ عبد الكريم الحائري ( قدس سره ) في درر الفوائد ٢ : ٢٣.

(٢) انظر فرائد الأصول : ٢٤.

(٣) كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك قائم البرهان. ( منه ).

٤٨٢

به إلاّ بعد الإحاطة بجميع الجهات كما قال ، وهذا غير حاصل في المقام قطعا ، كما صرّح به (١) ، بل هو نادر في سائر أبواب العلوم.

ولكن هذا الأستاذ حمل الإمكان في المقام عليه ، وادّعى إمكان حصول القطع به ، فقال :

« وليس بالبعيد دعوى القطع بالإمكان بهذا المعنى أو ما يقابله من الامتناع ، وإحاطة العقل بتمام الجهات المحسّنة والمقبّحة لشيء ، وسائر تواليه ولوازمه الفاسدة وغيرها من باب الاتفاق ، بحيث يجزم بعدم جهة أخرى له ، كما يظهر من مراجعة الوجدان ، ومشاهدة حصول الجزم في المسائل المشكلة والمطالب المعضلة في الفلسفة وغيرها من سائر العلوم بالإمكان من القطع بعدم لزوم تال فاسد ، أو عدم بطلان اللازم ، أو بالامتناع من القطع بلزومه ، وليست هذه المسألة بأعظم إشكالا وأخفى جهاتا منها ، كما ستطّلع عليها إن شاء الله بما هي عليها من الجهات والتوالي ، فظهر بما ذكرنا أنّ دعوى المشهور ليست بمجازفة ، وأنّ ما جعله أولى من الدعوى لا يجدي أصلا في الإمكان بالمعنى الّذي وقع فيه النزاع ، فضلا من أن يكون أولى » (٢) انتهى بنصّه.

منع على الشيخ أن يكون الحكم بالإمكان الوقوعي سبيلا يسلكه العقلاء ، وأثبته سبيلا للعقل ، وأنكر حكم العقلاء بأحد طرفي الاحتمال ، وجعله تحكّما ، وترجيحا بلا مرجّح ، واعترف للعقل به.

ولا أدري كيف يجوز للعقل هذا التخرّص ، والجزم بعدم شيء بلا برهان عليه؟! ولو جاز له ذلك فليجز له الجزم بوجود الأشياء بلا دليل وبرهان ، وفيه من الجناية على العلم ما تعلم ، وما ذكره من أنه يظهر ذلك من مشاهدة حصوله في

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢٤.

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٣٢ ـ ٣٣.

٤٨٣

المسائل المشكلة في الفلسفة وغيرها ، فهو أعلم بما قال ، ولا ترى العالم بكل فنّ ، والمقدّم في كلّ صنعة ، يقدم على الحكم بكلّ من الامتناع والإمكان إلاّ بعد إقامة البرهان ، فلا يحكم الرياضي بامتناع اجتماع منفرجتين في مثلّث إلاّ بعد إثبات أن الزوايا الثلاث منه مساو لقائمتين ، ولا بإمكان تنصيف خط إلاّ بعد تنصيف الزاوية بالبرهان ، وهل رأيت عالم فن استدلّ لدى المناظرة بحصول القطع له بلا سبب سوى الاتفاق؟ وإن فعل ، فهل ترى مناظره يقنع به ويفحمه ذلك؟

فظهر بما ذكرناه أنّ دعوى المشهور ليست بمجازفة ، وأنّ ما ذكره الشيخ في معنى الإمكان (١) هو الّذي وقع فيه النزاع ، ولا يخفى.

استدلّ المانع (٢) بوجهين :

أحدهما : أنه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبي لجاز التعبّد به في الإخبار عن الله ، والتالي باطل إجماعا (٣).

بيان الملازمة : أنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء ، ولا يختلف الإخبار بواسطة المخبر عنه.

وأجيب (٤) عنه بمنع بطلان التالي عقلا ، لجواز إيجاب الشارع التعبّد بخبر سلمان ـ مثلا ـ عن الله ، غاية الأمر عدم الوقوع ، لا عدم الإمكان.

أقول : إن أراد المستدلّ بالإخبار عن الله تعالى ، الإخبار بلا واسطة النبي ، فهذا خبر يقطع بكذبه ، وهو خارج عن المبحث ، إذ لا يقول أحد بحجيّته ، لأنّ الإخبار عنه تعالى يختص بالأنبياء على جميعهم السلام.

__________________

(١) انظر فرائد الأصول : ٢٤.

(٢) المانع هو أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي.

(٣) حكى عنه هذا الوجه والوجه الثاني الآتي ، الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول : ٢٤.

(٤) المجيب هو الآخوند الخراسانيّ في حاشية فرائد الأصول : ٣٣.

٤٨٤

وإن أراد الإخبار بواسطتهم ، فلا بحث إلاّ فيه ، إذ الأخبار التي نريد إثبات حجيّتها ، إخبار عنه تعالى بواسطة النبي صلى الله عليه وآله ، وهل هي إلاّ ما رويناها عن الثقات المأمونين عن الأئمة المعصومين عن سيد المرسلين عن ربّ العالمين ، وكلّ من روى شيئا منها يصح له أن يقول : قال الله ، كما يجوز له أن يقول : قال رسول الله ، وكما أنّ دليل التعبّد يجعل قول زرارة قول الصادق عليه السلام يجعله قول الله أيضا ، ويجوز ترك ذكر الواسطة كما يرسل الخبر عنه عليه السلام ، ويرفع إليه ، ولا غضاضة فيه بعد شهادة التأمل بأنّ كلّ من أفتى في مسألة بشيء أو أخبر بشيء من أصول الدين وفروعه ، فهو مخبر عنه تعالى حقيقة.

وخلاصة القول : أنّ الإخبار عنه تعالى بلا واسطة لا يعقل فيه غير العلم ، حتى يبحث في جواز التعبّد به وعدمه ، لأنه من النبي يعلم بصدقة ، ومن غيره يقطع بكذبه ، ومع الواسطة فهو جائز ، بل واقع.

ومنه يظهر ما في الجواب السابق من الخلل ، لأنّ التعبّد بخبر سلمان عليه السلام عنه تعالى غير ممكن على الوجه الأول ، إلاّ بتكلّف ، وواقعة أمثاله على الثاني ، فما في الحاشية من منع الإجماع أولا ، وحجّيته ثانيا (١) ، ممّا لا ينبغي.

ثانيهما (٢) : أنّ العمل بخبر الواحد موجب لتحريم الحلال وتحليل الحرام ، إذ لا يؤمن أن يكون ما أخبر بحرمته حلالا ، وبالعكس.

وهذا الوجه ـ كما في الرسالة (٣) ـ جار في مطلق الظن ، بل في مطلق الأمارة وإن لم يفد الظن.

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٣٣.

(٢) الثاني من الوجهين الذين استدلّ بهما المانع.

(٣) انظر فرائد الأصول : ٢٤.

٤٨٥

ولا ينحصر المحذور في صورة عدم مصادفة الأمارة الواقع ، إذ في صورة مصادفتها إيّاه يلزم اجتماع المثلين ، وهو في الاستحالة كاجتماع الضدّين.

ويلزم زيادة على ما قرّره اجتماع المصلحة والمفسدة ، واجتماع المحبوبيّة والمبغوضيّة ، وتفويت المصلحة والإغراء بالمفسدة فيما إذا أدت الأمارة إلى ترك واجب أو إتيان محرّم.

فمن المهمّ جدّاً تصوّر جعل الطرق والأمارات ، بل الأصول الشرعية كالاستصحاب على وجه لا يلزم منه شيء من هذه المحاذير مع بقاء الواقع على ما هو عليه من الحكم ، وعدم الجنوح إلى التصويب الباطل عند أصحابنا رضوان الله عليهم.

( الوجوه التي يجمع بها بين الأحكام الواقعية وبين مؤدّى الأمارات )

ولا بدّ في الجمع بينهما من أحد أمور ثلاثة : إمّا الالتزام بعدم كون مؤدّياتها أوامر حقيقة ، أو كون موضوعاتها غير موضوعات الأحكام الواقعية ، أو الاكتفاء بتعدّد الجهة مع اتّحاد موضوعاتهما ، كما في مسألة اجتماع الأمر والنهي ، ولا رابع لهذه الوجوه.

امّا الأول ، فالظاهر أنه هو المعتمد عليه عند أكثر القدماء ، كما يظهر من الفروعات التي ذكروها لمسألة الإجزاء ، وفي مسألة رجوع المفتي عن فتواه.

وتقريره على وجه يصح حتى في صورة انفتاح باب العلم ، ولا يلزم منه تفويت الواقع بلا مصلحة موجبة له ، أن يقال : إنّ انسداد باب العلم كما يكون عقليا ، كذلك قد يكون شرعيا ، بمعنى أنه وإن كان تحصيل الواقعيات ممكنا للمكلّفين ، ولكن الشارع الحكيم يرى في إلزامهم أو التزامهم به إضرارا بهم ، ومفسدة لهم من الحرج الموجب لاختلال أمور معاشهم ومعادهم ، فيجب بموجب الحكمة دفع هذا الالتزام ، والاكتفاء بغيره.

٤٨٦

ثم إذا رأى الشارع أنّ المكلّف لو ترك ونفسه يعمل بكلّ ظن سنح له ، ويكثر وقوعه في خلاف الواقع ، ويرى الشارع في أنواع الظن ما هو أكثر مصادفة له ، وأقلّ خطأ من غيره ، فلا بدّ من إرشاده إليه ، وعليه لا يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين ، لأنها ليست أحكاما مولوية.

وأما الإلقاء في المفسدة أو الحرمان من المصلحة ، فليس بمحذور يؤبه به بعد دوران الأمر بينهما وبين الوقوعي في مفسدة أعظم ، أو الحرمان من مصلحة كذلك ، هكذا نقل عن السيد الأستاذ ، وهو مأخوذ من كلام الشيخ في الرسالة (١) ، وإليه يؤول القول بأنّ التعبّد بها بجعل الحجّية ، ولا بدّ له من مزيد بيان ، ونحن نعيد النّظر فيه والكلام عليه بعد الفراغ عن بيان سائر الوجوه ، إن شاء الله تعالى.

الوجه الثاني ، فتقريره بقاعدة الترتّب التي أوضح تبيانها وشيّد أركانها السيد الأستاذ ، وكلام الشيخ الأعظم في أول رسالة البراءة (٢) لا يكاد ينطبق إلاّ عليها ، ولا يتّضح مراده إلاّ بها ، ولا يمكن أن يؤتى في المقام بأحسن منها ، فبيانها يبتني على مقدّمات :

أوّلها : أنّ الأحكام لا تتعلّق إلاّ بالموجودات الذهنية ، لا بما هي موجودة فيه ، بل بما هي حاكية عن الخارج ، فالشيء ما لم يتصوّر في الذهن لا يتّصف بحسن ولا قبح ، ولا يتعلّق به أمر ولا نهي ، وقد تقدّم بيان هذه المقدّمة ، والبرهان عليها في مبحث اجتماع الأمر والنهي على النمط الوافي والبيان الشافي ، ولكن لا بدّ من بيانه هنا على وجه الاختصار ، ترفّقا بالقرّاء الكرام ، ورفعا عنهم ثقل المراجعة.

فنقول : من المقرّر في محلّه ، أنّ الأغراض على أقسام ثلاثة : فمنها : ما

__________________

(١) انظر فرائد الأصول : ٢٥ ـ ٢٦.

(٢) انظر فرائد الأصول : ١٩٠.

٤٨٧

يكون محلّه الخارج ، عروضا واتّصافا ، كالحرارة العارضة للجسم.

ومنها : ما يكون عروضه في الذهن ، واتصاف المحلّ به في الخارج ، كالأبوّة ، والفوقية ، ونحوهما.

ومنها : ما يكون محلّه الذهن عروضا واتّصافا ، كالكلية العارضة للأجناس ، ومن هذا القبيل عروض الطلب للماهيّات ، لأنه ليس من قبيل الأول ، وإلاّ لزم أن يكون البعث والزجر على الفعل الحاصل ، أو منعا عنه ، وهو محال ، ولا من قبيل الثاني ، وإلاّ لزم أن لا يتّصف المحلّ به أصلا ، إذ لا اتّصاف قبل الوجود في الخارج بالفرض ، ولا طلب بعده لأنّ الطلب يسقط بوجود متعلّقه ، ولا رابع لهذه الأقسام ، فتعين الثالث.

وعليه ، فلا يعقل أن يكون الموجود الذهني من الطبائع بما هو موجود في الذهن متعلّقا للطلب ، لأنه إن كان المتعلّق الموجود في ذهن الآمر ، فالمكلّف غير قادر على امتثاله ، وإن كان الموجود في ذهن المكلّف ، فاللازم منه الاكتفاء به ، وعدم لزوم اتّحاد في الخارج ، فتعيّن من جميع ذلك أن يكون متعلّق الطلب الفرد الذهني ، لا بما هو فرد ذهني ، بل لكونه حاك عن الخارج ، ومرآة للوجود السّعي للطبائع على ما أوضحناه فيما سلف.

ثانيها : أن المفهوم المتصوّر في الذهن قد يكون مطلوبا على نحو الإطلاق ، وقد يكون على نحو التقييد ، والثاني قد يكون لعدم المقتضي في المقيّد ، وقد يكون لوجود المانع ، فتقييد الرقبة ـ الواجب عتقها ـ بالإيمان قد يكون لعدم المقتضي لعتق الكافرة أصلا ، وقد يكون لوجود مفسدة في عتق الكافرة ، مع وجود المقتضي في المطلق ، فيقيّد المطلق من جهة مزاحمة المانع ووقوع الكسر والانكسار بينه وبين المقتضي ، لا لعدم المقتضي.

ثالثها : أنه لا يتحقق الكسر والانكسار إلاّ بتصوّر المطلوب مع العنوان الّذي يتّحد معه في الوجود ، ويخرجه عن المطلوبيّة الفعلية ، فإذن لا بدّ من كون

٤٨٨

العنوانين مما يمكن اجتماعهما في الذهن وتعقّل أحدهما مع الآخر ، ولو فرض عدم إمكان اجتماعهما في الذهن لم يمكن وقوع الكسر والانكسار بينهما ، بل يكون العنوان المطلوب مطلوبا بلا تقييد ، وكذلك العنوان المبغوض ، إذ لا تقييد إلاّ مع تعقّل المنافي واجتماعهما في الذهن ، بل ولا إطلاق لأحدهما بالنسبة إلى الآخر ، لأنّ ما لا يصحّ تقييده لا يصحّ إطلاقه ، كما مرّ توضيحه في مسألة الضدّ ، ونحوها.

رابعها : أنّ العناوين الناشئة عن الحكم ، والتي تعرض الموضوعات بعد تحقق الحكم ، لا يعقل أن تكون ملحوظة مع الحكم ومتصوّرة معه ، لتأخّرها عنه طبعا ، فلا يكون للحكم بالنسبة إليها إطلاق ولا تقييد ، وذلك كالإطاعة والعصيان ، فإنه لا يعقل تقييده بأحدهما ، كأن يقول : افعل بقيد أن تفعل ، أو بقيد أن لا تفعل ، ولا الإطلاق كأن يقول : افعل ، فعلت أو لم تفعل ، وهذا أيضا ممّا مرّ توضيحه مرارا.

ومن هذا القسم كون الحكم مشكوكا أو مظنونا ونحوهما ، لأن الشك والظن في الحكم ممّا يعرض الموضوع بعد تحقّق الحكم ، فلا يمكن أخذهما فيه ، فإذا أراد الشارع تحريم الخمر مثلا ، فإنه يمكن أن يلاحظ الإطلاق بالنسبة إلى جميع أصنافها ، أو يقيّدها بما كانت متّخذة من التمر أو العنب ، ولا يمكن ملاحظة شيء من الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى كونها مشكوكة الحرمة ، وليست هذه الجهة ممّا يتعقل مع الحكم ليقع بينهما الكسر والانكسار ، وإذا اتّضح هذا كلّه ، نقول :

إنّ الحكم الواقعي وهو الحرمة ـ مثلا ـ موضوعه ذوات المحرّمات من غير ملاحظة كونها مشكوكة الحرمة أو مظنونها ، وموضوع الحكم الظاهري هو تلك الذوات مع ملاحظة كونها مشكوكة الحكم ، ولو فرضنا تحقّق جهة المحبوبيّة ـ مثلا ـ لها بهذا اللحاظ لا يقع بينهما وبين المفسدة الواقعية تزاحم أصلا ، فتكون الحرمة حكم الموضوع بحسب الذات ، والحليّة ، بل والاستحباب ـ مثلا ـ حكمه بلحاظ كونه مشكوك الحكم.

٤٨٩

فإن قلت : العنوان المتأخر وإن لم يكن ملحوظا مع الذات ومتعقّلا معها ، ولكن الذات ملحوظة مع العنوان المتأخر ، فيجتمع المحبوبية في الرتبة الثانية مع مبغوضيّة الذات.

قلنا : موضوع الحكم الواقعي هو الذات مع التجرّد عن لحاظ الحكم ، والحكم الظاهري موضوعه تلك مع لحاظ الحكم ، ولا يمكن الجمع بين لحاظي التجرّد والثبوت.

وأيضا موضوع الحكم الواقعي لم يكن مقسما لمشكوك الحكم ومعلومه ، بخلاف موضوع الحكم الظاهري ، فتصوّر موضوعي الحكمين معا يتوقّف على تصوّر العنوان على نحو لا ينقسم إلى الأقسام ، وعلى نحو ينقسم إليها ، وهذا مستحيل بلحاظ واحد.

أقول : وهذا الاعتراض قريب من الّذي اعترض على الترتّب في مسألة الضد من أنّ المهمّ وإن لم يكن مطلوبا في مرتبة الأهم ، ولكن الأهمّ مطلوب في مرتبة المهمّ ، فيقع التضاد ، ولا يجدي في دفعه الترتّب.

والجواب في المقامين يظهر ممّا عرّفناك مرارا من أنّ الحكم الأول لا إطلاق له ولا تقييد بالنسبة إلى العنوان المتأخّر ، فالحكمان لا يجتمعان أصلا فتفطّن.

فإن قلت : إذا صحّ هذا فليصحّ جعل الحكم الظاهري في مقابل الواقع بعنوان كونه مقطوع الحكم أيضا ، إذ كما أنّ مرتبة الشك متأخرة عن الحكم ، كذلك مرتبة القطع به ، فيلزم إمكان كون الخمر حراما بعنوان أنّها خمر ، وحلالا بعنوان أنّها معلومة الحرمة.

ويمكن الجواب عنه بأنّ العلم موجب لتحقّق عنوان الإطاعة والعصيان وهما علّتان تامّتان للحسن والقبح كعنوانه في الإحسان والظلم ، فلا يجوز عقلا النهي عن الطاعة ، والأمر بالمعصية ، كما لا يجوز النهي عن الإحسان ، والأمر بالعصيان ، وهذا بخلاف الظن الّذي لا يصل إلى هذه المرتبة ، ويبقى بينه وبين

٤٩٠

الواقع حجاب يمنع من تحقّق عنوان الإطاعة والعصيان.

أقول : هكذا كان يجيب ـ طاب ثراه ـ عن هذا الاعتراض ، وفي النّفس منه شيء سبق بيانه في مبحث القطع ، والّذي يهون الخطب أنّ هذا المعترض لم يقم برهانا على بطلان اللازم واستحالته عقلا.

نعم يكون الحكم الواقعي حينئذ لغوا وعبثا ، يمتنع صدوره عن الحكيم ، لأنّ الحكم لا بدّ له من مورد يمكن امتثاله ، وإذا جعل للمقطوع بحرمته ـ مثلا ـ حكم الحلية فصار حلالا فالمظنون وما قبله من المراتب يكون حلالا بالأولى ، فيكون الحاصل أنّه لا يريد ترك شرب شيء من أفراد الخمر ، مع أنّ مقتضى الحكم الواقعي أنه يريد تركه ولو في الجملة ، وهذا حق في الجملة ، ولكنه غير الاستحالة الثانية التي يبني المعترض اعتراضه عليها.

وحيث إني نقلت كلام الشيخ الأستاذ في الترتب بين الضدّين ، ودقّقت ـ حسب جهدي ـ النّظر فيه ، رأيت أن أصنع في هذا الترتب مثله لما بينهما من الارتباط والاشتراك في شطر من الكلام.

فنقول : قال في الحاشية ما لفظه : « إن قلت : إنما يلزم لو كانت صلاة الجمعة بما هي صلاة الجمعة محكومة ومتّصفة بذلك ، ولم يكن ذلك بلازم من التعبّد بالأمارة ، بل اللازم إنما هو كون صلاة الجمعة الواجبة بعنوانها محرّمة ، بما أنّ الأمارة الكذائية قامت على حرمتها ، ولا ضير في كونها بهذا العنوان الطارئ محرّمة بعد ما كانت واجبة بما لها من العنوان الّذي يتوقّف عليه وعلى حكمه طرده ، والحكم عليه ، كيف وقد صحّح بما كان من قبيل هذا الترتب طلب المتضادّين ، بل المتناقضين فعلا ، بحيث يؤاخذ على الاثنين عند تركهما ، وعلى مخالفة الأهم عند تركه وإتيانه بغيره ، وليس في المقام إلاّ تنجّز أحد الخطابين أبدا في البين ».

وذكر بعده الجواب عن شبهة تفويت المصلحة ، وعدم المزاحمة في جهات

٤٩١

المصالح والمفاسد على هذا المبنى ـ ولا يهمّنا النّظر فيه وإن كان له فيه مواقع ـ وقال بعده ما لفظه : « لا يكاد يجدي الترتّب بين الحكمين إمكان الجمع بينهما بعد الاعتراف بأنّهما متضادّان ، فإنه وإن كان موجبا لعدم الاجتماع بينهما في مرتبة المترتّب عليه إلاّ أنّه لا محيص [ معه ] (١) عن الاجتماع في مرتبة المترتّب عليه ، والتضادّ إن كان بين الحكمين فهو مانع عن اجتماعهما مطلقا ولو في هذه المرتبة ، كما أنّ طلب الضدين إن كان قبيحا لا يجدي الترتّب بين الطلبين شيئا ... ».

« لا يقال : لم لا يجدي إن كان التقدير باختياره؟ كالعزم على عصيان الأهم في مسألة طلب الضدّين ».

« لأنا نقول : مضافا إلى [ بداهة ] (٢) قبح طلب المحال ولو معلّقا على أمر يكون بالاختيار ، أنّه إنما يكون التعليق مجديا ولو لم يكن في البين ترتّب أصلا ، لا الترتّب ، ولا يلتزم به الخصم كما لا يخفى ، مع عدم التعليق هاهنا على الاختيار ، فإنّ كلاّ من مساعدة الأمارة على الخلاف ، والحكم عليها بالاعتبار يكون بلا اختيار من المكلّف خصوصا فيما إذا لم يتمكن من الواقع ».

« وفيما ذكرنا هاهنا كفاية في بطلان التصحيح بالترتّب هاهنا ، وفي مسألة الضد لمن تدبّر ، وقد بسطنا الكلام فيه فيما علّقناه على مسألة أصل البراءة من الكتاب » (٣).

أقول : سبقت الإشارة إلى أنّ قاعدة الترتّب التي يصحّح بها الأمر بالضدّين غير التي يجمع بها بين الحكمين وإن جمع بينهما اسم الترتّب ، والشركة في بعض المقدّمات ، وقد أحسن في التعبير حيث قال :

« وقد صحّح بما كان من قبيل هذا الترتب » (٤) إلى آخره.

__________________

(١) الزيادة من المصدر.

(٢) الزيادة من المصدر.

(٣) حاشية فرائد الأصول : ٣٤ ـ ٣٥.

(٤) حاشية فرائد الأصول : ٣٤.

٤٩٢

ولم يقل بهذا الترتّب ، ولكن ما ذكره من تصحيح الأمر بالمتناقضين فلا أدري من المصحّح ، ولا كيف الطريق إليه ، وأقصى ما يطمع فيه القائل بالترتّب تصحيح مثل قوله : أزل (١) ، وإن عصيت فصلّ.

وأما الأمر بالنقيضين ، وما هما سوى الوجود والعدم ، وتصحيح قوله : افعل ، وإن عصيت فلا تفعل ، ونحوه ، فلا يعقل صدوره من عاقل (٢) ، وينبغي التأمل في مراده منه.

ثم أقول : مبنى الترتّب هنا على تأخّر عنوان الشك في الحكم عن أصل الحكم ، وقد جعله هذا الأستاذ عنوان أنّه مما قامت عليه الأمارة ، فان رجع إلى ما قرّرناه فذاك ـ ويأتي من كلامه ما هو كالصريح في خلافه ـ وإلاّ فليس من الترتب الّذي نقول به في شيء ، ويكون أكثر ما أفاده بمعزل عمّا نقول ، ونحن على الحياد في نزاعه مع من قرّر الترتّب بهذا التقرير ، وإن شاء دخلنا معه في منازعته ، وشرعنا أسنة الألسن الحداد ، وفوّقنا سهام الانتقاد على من يزعم الفرق بين الموضوعين بالإطلاق والتقييد ، ويرى أنّ الفساد في المقيّد لا يؤول إلى الكسر والانكسار مع المصلحة في المطلق ، والّذي يذهب إليه أهل هذا المذهب لا يتوجه عليهم شيء ممّا ذكره ردّا ، ولا يحتاجون إلى ما دافع به عنهم انتصارا ، لأنّ مقتضى المقدّمات السابقة عدم اجتماع الحكمين في الوجود الذهني الّذي هو محطّ الطلبين ، لا في مرتبة واحدة ولا في مرتبتين ، ولذلك بعينه لا يقع الكسر والانكسار بينهما في جهات الحبّ والبغض ، إذ المفسدة التي تزاحم مصلحة الصلاة إنّما هي ما كانت من قبيل إيقاعها في معاطن الإبل ومرابض الغنم ممّا يمكن أن يتصف بها في هذه الرتبة ، لا مثل كونها مشكوك الحكم الواقعي الّذي هو متأخر عنه في اللحاظ ، ولا يعقل تصوره مع تصور موضوع الواقعي ، فإذن يتعلق

__________________

(١) أي أزل النجاسة عن المسجد.

(٢) ولعلّه يرى ذلك لازم القول بالترتّب ، مع القول باقتضاء الأمر النهي عن الضدّ ، فليتأمّل. ( منه ).

٤٩٣

الطلب بصلاة الجمعة بما هي صلاة بلا مزاحم ، وتكون على ما هي عليه من الصلاح والمحبوبيّة ، وبعد تعلّق الأمر بها يحدث عنوان كونها مشكوكة الحكم ، فلا الحكم الظاهري يزاحم الحكم الواقعي ، لحدوثه بعده ولا هو بمزاحم له ، لأنه لم يكن متعقّلا في رتبته ولا ملحوظا معه.

وما أورده على الترتب بمعنييه ، فقد مرّ الجواب عما يخصّ الترتّب بين الضدّين في مسألة الضدّ ، ويظهر الجواب عن الترتّب المبحوث عنه في المقام بما قدّمناه في المقدّمات.

ونزيدك إيضاحا ونقول : إنّ موضوع الحكم الواقعي هو الذات بلا لحاظ الحكم ، إذ لا يعقل لحاظه معها ، لتأخّره عنها طبعا ، وموضوع الحكم الظاهري الذات مع لحاظ كونها مشكوك الحكم ، ومن الواضح عدم إمكان الجمع بين لحاظ الشيء مجرّدا عن الحكم ، وبين لحاظه معه.

ولو شئت قلت : الذات حال كونها موضوعا للحكم الواقعي ليست مقسما لمشكوك الحكم ومعلومه ، وحال كونها موضوعا للحكم الظاهري يكون مقسما لهما ، ولا يعقل تصوّر الشيء في لحاظ واحد على أن يكون منقسما إلى قسمين ، وعلى أن لا يكون منقسما إليهما.

هذا وفيما ذكرنا هنا وهناك كفاية في تصحيح الترتب بقسميه ، وما ذكره ـ طاب ثراه ـ من أنه بسط الكلام في الترتب في حاشية البراءة (١) فليس في النسخ المطبوعة الحاضرة عندي منها كلام فيه سوى الإحالة على ما ذكره هنا.

عاد كلامه : « وأما التزاحم في جهات الحسن والقبح فلا يتفاوت فيه بين كونها في عرض واحد أو كون ما فيه إحداهما من العنوان طارئا على ما فيه الأخرى من العنوان ، ففيما يعرضه كالكذب الطارئ عليه الإنجاء ـ مثلا ـ يمنعه

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٣٥.

٤٩٤

عمّا يؤثره لو لا طروّه لو كان ما فيه من الجهة غالبا ، كما إذا لم يكن أحدهما طارئا على الآخر ، كما في مسألة الاجتماع على القول بالامتناع ، بل لا يخفى أنّ الأمر هاهنا كذلك ولو قلنا بالجواز فيها ، وكفاية تعدّد الجهة والعنوان في تعدّد متعلّق الأمر والنهي ، وما يتبعانه من المصلحة والمفسدة بما يستتبعانه ، وذلك لعدم تعدّد العنوان هاهنا كالصلاة والغصب ـ مثلا ـ بل عنوان واحد وهو صلاة الجمعة ـ مثلا ـ تعلّق به الوجوب مطلقا ، والحرمة مقيّدة بكون الأمارة الكذائية قائمة على حرمتها ، فيكون من قبيل النهي في العبادات لا من باب الاجتماع ، فلا تغفل ، فحينئذ لا يخلو إمّا أن تكون الجهة الطارئة غالبة ، فلا تكون واجبة واقعا ، فيلزم التصويب ، أو تكون مغلوبة أو لا غالبة ولا مغلوبة ، فلا تكون محرّمة ظاهرا مطلقا ، وهو خلف ، ولا واجبة واقعا أيضا في الثاني.

ومن هنا ظهر أنّ المصلحة الفائتة عنه ، والمفسدة الواقعة فيها ، المؤثرتين للحكم الواقعي على تقدير بقائهما على ما هما عليه من التأثير غير متداركين بما حدث في البين من مصلحة السلوك » (١) انتهى بنصّه.

وجميع ما ذكره واضح وروده على الترتّب ، لكن بالتقرير الّذي قرّره ، لأنه إذا كان موضوعا الحكمين واحدا لا فارق بينهما إلاّ الإطلاق والتقييد ، وكان أحدهما طارئا على الآخر ، فلا شك في تزاحم الجهات ، وليس وراء ذلك إلاّ وقوع الكسر والانكسار ، ولا ينتج ذلك إلاّ أحد المحالات الثلاثة التي ذكرها.

وأمّا على ما عرّفناك به من تعدد الموضوع ، فما أورده عليه بعيد عنه بمراحل ، ويتّضح ذلك لك إذا أمعنت النّظر فيما أسلفناه ، فلا ثمرة في تكراره.

وبعد ذلك ذكر ـ سقى الله ثراه ـ ما هو التحقيق عنده في الجواب ، ومهّد له مقدّمة هي قوله : « فاعلم أنّ الحكم بعد ما لم يكن شيئا مذكورا يكون له مراتب

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٣٥ ـ ٣٦.

٤٩٥

من الوجود :

أوّلها : أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل بموجود أصلا.

ثانيها : أن يكون له وجود إنشاء من دون أن يكون له بعث وزجر وترخيص فعلا.

ثالثها : أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلا من دون أن يكون منجّزا بحيث يعاقب عليه.

رابعها : أن يكون له ذلك مع تنجّزه فعلا ، وذلك لوضوح إمكان اجتماع المقتضي لإنشائه ، وجعله مع وجود مانع أو فقد شرط ، كما لا يبعد أن يكون كذلك قبل بعثته صلّى الله عليه وآله وسلّم واجتماع العلّة التامة له مع وجود المانع من أن ينقدح في نفسه البعث أو الزجر ، لعدم استعداد الأنام لذلك كما في صدر الإسلام بالنسبة إلى غالب الأحكام.

ولا يخفى أنّ التضادّ بين الأحكام إنّما هو فيما إذا صارت فعلية ، ووصلت إلى المرتبة الثالثة ، ولا تضاد بينها في المرتبة الأولى والثانية ، بمعنى أنّه لا يزاحم إنشاء الإيجاب لا حقا بإنشاء التحريم سابقا ، أو في زمان واحد بسببين كالكتابة واللفظ أو الإشارة.

ومن هنا ظهر أنّ اجتماع إنشاء الإيجاب أو التحريم مرّتين بلفظين متلاحقين ليس من اجتماع المثلين ، وإنما يكون منه إذا اجتمع فردان من المرتبة الثالثة وما بعدها » (١) انتهى التمهيد.

ثم أخذ في بيان ما بناه على هذا الأساس من الجواب ، ونحن نذكر ما عندنا في المبنى ، وندع النّظر فيما بناه عليه للقارئ الكريم ، فليراجع الأصل إن شاء ذلك.

__________________

(١) حاشية فرائد الأصول : ٣٦.

٤٩٦

ونقول : أمّا أولى المراتب وهي مرتبة المقتضي ، فظاهر أنّ المقتضي للشيء غير ذلك الشيء ، فلا يكون الجوع مرتبة من الأكل ، ولا السهر مرتبة من النوم ، وقد كان يصرّح في مجلس الدرس بأنه صرف اصطلاح منه ، وعليه فلا مشاحّة فيها ، ولكن لا يرتجى في المقام نفع منها.

وكذلك أخراها فإنّها أثر للحكم ، واعتبار يلحقه بعد تماميّته بحكم العقل ، فكلتا المرتبتين ليستا في مرتبة الحكم ، إذ مرتبة المقتضي مقدّمة عليه تقدّم العلّة على المعلول ، ومرتبة التنجّز متأخّرة عنه تأخّر المعلول عن العلّة.

فلم يبق ـ إذن ـ سوى المرتبتين المتوسّطتين ، وأولاهما هو ذلك الوجود الإنشائيّ الّذي يوجد بنفس الأمر ، وليس موطنه الذهن ولا الخارج ، وليس مصداقا للطلب بالحمل الشائع ، ويجتمع مع نقيضه كما صرّح به ، ويكون فاقدا لحقيقة الحكم وما به قوامه ، وهذا نحو من الوجود لم نوفّق إلى اليوم لمعرفته.

ومن لنا بتصوّر موجود خارج عن الوعاءين ـ الذهن والخارج ـ وتصوّر طلب ليس مصداقا لكلّية بالحمل الشائع ، وحكم بلا بعث ولا زجر ، يجوز مخالفته حتى مع العلم ، أم كيف السبيل إلى التصديق بكون اللفظ موجدا للشيء ، وكيف نتوقّع من اللفظ الموضوع شيئا سوى الكشف عن إرادة ما وضع له؟

وقد مرّ شطر من الكلام على ذلك في مسألة الوضع والاستعمال ، وشطر منه في مبحث الأوامر.

فلم يبق إذن من الأربع إلاّ مرتبة الفعلية التي هي حقيقة الحكم ، أعني البعث والزجر ، وحينئذ يعود الحرب العوان بين الحكمين ، ولا تنجلي بعد اجتماع الضدّين إلاّ عن الكسر والانكسار بين الجهات.

ولعلّ لكلّ هذا أو لبعضه لم يذكر هذا الوجه في الكفاية ، واقتصر فيها على جعل الحجّية التي لا تؤول إلى شيء من هذه المراتب ، ولا تبعد كثيرا من الوجه الأول من الوجوه السابقة ، على كلام في معنى جعل الحجّية ليس هذا

٤٩٧

محلّه.

وأما الوجه الثالث ، فتقريره : أنه يجوز اجتماع الحكمين في شيء واحد مع تعدّد الجهة كما سبق في مسألة اجتماع الأمر والنهي ، والأمر هنا كذلك ، لأنّ النهي يتعلّق بعنوان شرب الخمر ـ مثلا ـ والأمر بعنوان كونه مدلول الأمارة أو بعنوان تصديق العادل.

إن قيل : يشترط في تلك المسألة وجود المندوحة ولا مندوحة في المقام ، لأنّ العمل بخبر العادل بوجوب شيء واجب ولو كان حراما في الواقع ، بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة التي لا تجب منها إلاّ صرف الوجود الصادق على الفرد المأتي به في المكان المغصوب والمأتي به في غيره.

يقال في الجواب : إنّ المندوحة لم تعتبر إلاّ لدفع محذور التكليف بما لا يطاق كما سبق بيانه ، وهو غير لازم هنا ، لعدم تنجّز التكليف بالواقع ، فلم يبق إلاّ محذور الاجتماع وهو مرتفع بتعدّد الجهة.

ويضعّف أصل الجواب بأنّ العادل إذا أخبر بوجوب شيء لا يخبر إلاّ عن حكمه الواقعي الأوّلي ، فمعنى الأمر بتصديقه وجوب الإتيان به على أنه واجب واقعا ، ولو كان محرّما بحسب الواقع لزم اجتماع الحكمين من جهة واحدة لا من جهتين ، كذا قيل.

ولي فيه نظر ، ولا سيّما إذا قلنا بالسببيّة في الأمارات ، وأنّ فيها مصلحة أخرى غير تنجيز الواقع ، وذلك لأنّ العادل وإن أخبر بعنوان أنّه الواقع ، ولكن الشارع لم يعتبره من هذه الجهة ، بل بعنوان أنه ممّا أخبر به العادل ، وهو من باب اعتباره من باب الموضوعية ، والمعتبر الجهة من حيث ما اعتبره الشارع لا ما أخبر به العادل.

ولعلّ من هذا الباب أو ما يقرب منه ما لو حلف على أن يشرب ما أخبر العدل بحليّته ، فأخبر بحليّة ما يقطع بحرمته ، فإنّه يجتمع فيه الجهتان ، ويكون

٤٩٨

مصداقا للإطاعة والعصيان.

ولعلّ إلى ما يشبه هذا يرجع محصّل ما أفاده الشيخ الأعظم في تصوّر القسم الثالث من أقسام سببيّة الأمارة (١) ، فراجعه متأمّلا منصفا.

وممّا ذكرنا يظهر وجه النّظر فيما أفاده الشيخ الأستاذ في كلامه السابق نقله من أنه من باب النهي في العبادات لا من باب الاجتماع (٢) وذلك لأنه ليس من باب عنوان واحد تعلّق به الوجوب ـ مثلا ـ مطلقا ، والحرمة مقيّدا ، حتى يتمّ ما ذكره ـ طاب ثراه ـ بل من باب عنوانين مستقلّين غير مقيّد أحدهما بالآخر.

هذه هي الوجوه المذكورة في تصوّر التعبّد بالأمارات ممّا ينبغي ذكرها ، ولا يجوز إهمال أمرها ، والمهم لدى من يطلب هذا الفن لأجل الغرض الّذي وضع لأجله معرفة أنّ الأمارات الشرعية من أيّ قسم من الأقسام الممكنة ، ولا يقنعه تكثير الاحتمالات ، ولا ينفع غلبة تعداد التصوّرات ، ولذلك نقول : إنّ التأمل في المقام يفضي إلى أمرين :

أوّلهما : أنّ وظيفة الشارع تشريع الأحكام ، وبيان الحلال والحرام بالطرق المتعارفة لدى العقلاء ، وأمّا جعل الطرق فليس من وظائفه التي لا يجوز له الإخلال بها ، والشارع في تحصيل أغراضه الشرعية كسائر العقلاء في تحصيل مقاصدهم الدينيّة والدنيوية ، ويتمّ له الحجّة على العباد بما يتمّ للموالي على العبيد ، وإذا نظرت إلى الأمارات الشرعية بطرف التأمل وجدت جلّها بل كلّها ، هي الطرق التي يعتبرها العقلاء.

نعم ربّما زاد بعضها شرطا ، أو أبدى له مانعا ، أو جعل له حدّا لمصالح خارجية تقتضي ذلك ، كاعتباره التكرار أربعا في الإقرار ، والتعدّد في الشهود في

__________________

(١) انظر فرائد الأصول : ٢٧.

(٢) حاشية فرائد الأصول : ٣٥.

٤٩٩

عدة أقسام من الحدود ، وذلك لأنّ الظاهر من مقاصده أنه يرى التشديد في مجازاة الفواحش من الكبائر ، فيجعل حدّها القتل والرجم ، ومع ذلك لا يجب (١) كثرة إقامته ، ولهذا يحكم بسقوطه بالتوبة قبل الثبوت ، ويدرؤه بشبهات لا تدرأ بمثلها في غيره ، ويحكم بعدم إرجاع المرجوم إلى الحفرة إذا كان ثبوت موجبه عليه بالإقرار ، وليس هذا كلّه إسقاطا للطريق عن اعتباره ، بل حكم بلزوم تعدّد الطريق لمصالح اقتضت ذلك.

وبالجملة ، لا يوجد طريق أو أمارة شرعية إلاّ وهي عرفية عقلائية ، حتى القرعة ـ بناء على أنها أمارة ـ ليست سوى الاستشارة التي هي من أهمّ ما يعتمدون عليه في مجهولاتهم ، وهم يعرفون كيفيّتها إذا استشاروا المخلوقين ، وحيث إنّ استشارة ربّ العالمين أمر لا تبلغه عقولهم بيّنها لهم الشارع بالكيفية المأثورة عنه.

هذا أهمّ الطرق الشرعية ، أعني الخبر الواحد ، والبحث عن حجّية أهمّ مسائل هذا الباب ، وسوف تمرّ بك من الأدلة عليها ضروب كثيرة ، وليس فيها ما يدلّ على تعبّد من الشارع بالمعنى الّذي يدّعيه بعضهم ، بل جميعها إمضاء لطريقة العقلاء ، وأمر بالسير على محجّتها الواضحة ، فآية النبأ (٢) بمنطوقها نهي عن التسرّع إلى إصابة قوم بلا حجّة ، وبمفهومها أمر بالعمل بما يخبر به العادل بلا تثبّت وتبيّن ، لا بعنوان التعبّد منه تعالى ، بل بالإرجاع إلى الفطرة ، وبيان أنّ العاقل لا يقدم على إصابة قوم بلا حجّة ، كما لا يتوقّف عنه معها ، فيستفاد منها حجّية خبر العادل دون الفاسق ، وليس الإجماع المدّعى في المقام إلاّ ضغثا من إجماع كافة العقلاء في جميع الأزمنة على العمل بخبر الثقة.

وقول عبد العزيز بن المهتدي له عليه السلام : أفيونس بن عبد الرحمن

__________________

(١) كذا في الأصل ، والأنسب بالعبارة : لا يوجب.

(٢) الحجرات : ٦.

٥٠٠