وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

ليس كون التجري على قسمين ، فمنه قبيح ، ومنه غير قبيح حتى يتوجه عليه أنّ التجرّي قبيح ذاتا ، ولا أقلّ من كونه مقتضيا للقبح ، بل المراد أنّ الفعل المتجرّى به يجتمع فيه عنوانان : قبيح وهو التجرّي ، وحسن وهو الصلاح الواقعي فيقع بينهما الكسر والانكسار على ما هو المطّرد في سائر الموارد ، وهذا هو مبنى اعتراضه على تعدّد العقاب ، فالتجرّي بما هو تجرّي قبيح ذاتا لم يتغيّر عمّا كان عليه ، وإنما عرض للفعل عنوان آخر مزاحم لجهة التجرّي ، فكان اللازم منه ما عرفت.

وأمّا تداخل العقابين ، فلا شك أنّ من العناوين المبغوضة ما يكون مقدّمة لما هو أشدّ مبغوضيّة وقبحا ، فعلى تقدير ترتّبه عليها لا يلاحظ إلاّ بلحاظ المقدّمية المحضة ، ولا يوصف إلاّ بالحرمة الغيريّة ، ويكون مبغوضيّتها وعقابها مندكّين فيه ويندمجان فيه اندماج الضعيف في الشديد ، فلا يعدّان إلاّ فعلا واحدا ، بخلاف ما إذا لم يترتب عليها ، فإنّها تستقلّ حينئذ بنفسها ، وتعدّ مبغوضا مستقلا يترتب عليها ما أعدّ لها من العقاب.

وهذا أمر وجداني له نظائر كثيرة في العرف والشرع ، فمن زنى بامرأة لا يحكم عليه باللحاظ الأوّلي إلاّ بارتكاب كبيرة واحدة وإن سبقه مس العورة منها ونحوه ، ولا يقام عليه إلاّ حدّ واحد ، بخلاف ما إذا لم يترتب عليه ، فإن المس وغيره من المقدّمات واللوازم المحرّمة يعاقب عليها ويعزّر ، ولا يجمع عليه ـ في صورة ترتب الفعل ـ بين الحدّ والتعزير.

ومثله : قتل المؤمن بالسيف ، إذ لا معنى له إلاّ جرحه جرحا يفضي إلى إفاظة (١) نفسه ، فمن ارتكب ذلك فلا يقتصّ منه إلاّ للنفس وإن أخذت منه الدية فلا يؤخذ منه إلاّ دية واحدة ، ولا يتوب إلاّ عن ذنب واحد ، ولا يترتب عليه أثر

__________________

(١) فاظت نفسه : خرجت روحه. الصحاح ٣ : ١١٧٦ ( فيظ ).

٤٦١

تعدّد المعصية لو فرض وجود أثر له ، وكذلك كل مرتبة من مراتب الجرح ، بالنسبة إلى ما قبلها من الحارصة (١) ، والدامية (٢) ، والجائفة (٣) ، إذ كل لاحقة منها لا توجد إلاّ بما قبلها ، ولا يؤخذ من الثالثة ثلاث ديات ، ولا من الثانية ديتان ، ولا يبعد أن يكون العقاب الأخروي أيضا كذلك ، وهكذا فليكن الحال في التجرّي ، بل الأمر فيه أوضح ، وحيث إنّ المعصية الواقعيّة لا يمكن وقوعها إلاّ بالتجرّي ولا ينفك عنه اكتفي في العقاب عليه بالعقاب عليها وإن كان العقاب أهون ، لو فرض محالا إمكان الافتراق بينهما ، كما أنّ الأمر كذلك لو أمكن الزنا بلا مسّ ، والقتل بلا جرح.

وكلامه رحمه الله في ( التنبيه الرابع ) من تنبيهات بحث ( مقدّمة الواجب ) كالصريح فيما بيّناه ، حيث عبّر بعد المعصيتين معصية واحدة ، فقال ما لفظه :

« التحقيق أنّ التجرّي على المعصية معصية أيضا لكنه إن صادفها تداخلا ، وعدّا معصية واحدة » (٤).

فتراه لم يحكم بتداخل العقابين إلاّ لتداخل المعصيتين ، وإن كانت المعصيتان معصية واحدة فلا بدّ أن يكون العقابان عقابا واحدا ، وهذا المعنى الوجداني لا يمكن التعبير عنه بأحسن ممّا قال ، ومن وجد أحسن منه فله الإذن في أن يعبّر عنه إن شاء.

ومثل هذا موجود في الطاعات أيضا ، فالصلاة مركّبة من الأجزاء

__________________

(١) الحارصة : الشجة التي تشق الجلد قليلا. الصحاح ٣ : ١٠٣٢ ( حرص ).

(٢) الدامية : الشجة التي تدمي ولا تسيل. الصحاح ٦ : ٢٣٤١ ( دما ).

(٣) الجائفة : الطعنة التي تبلغ الجوف. الصحاح ٤ : ١٣٣٩ ( جوف ).

(٤) الفصول الغرويّة : ٨٧.

٤٦٢

[ الواجبة ] (١) من سجود وقراءة ، وليست إلاّ إطاعة واحدة ، فليكن الانقياد المقابل للتجرّي مثله ، وهذا مراد هذا الإمام وإن قال الشيخ طاب ثراه : « ولم يعلم معنى محصّلا لهذا الكلام » (٢).

ولكن هذا كلّه بناء على ما يذهب إليه من معارضة الجهة الواقعيّة مع الجهة الظاهرية ـ على ما عبّر به (٣) ـ ووجود ملاكين للعقاب ، ولكنه خلاف ما حقّقناه من أنّ المناط في القبح والعقاب ليس إلاّ أمر واحد مشترك بين التجرّي والمعصية ، أعني التجرّي اللغوي ، ولا تزيد عليه إلاّ بالقبح الفعلي الّذي لا يناط به قبح ولا ذمّ ، وما قتل ولد المولى الحكيم بسيف عبده إلاّ كموته حتف أنفه إذا لم يكن بتجرّ منه وإقدام على قتله.

ولا يختص ما ذكرناه بالتجرّي المصطلح عليه ، بل يشمل كلّ فعل وجد فيه عنوانان : الاجتراء والإقدام على المخالفة نحو الإتيان بمقدمات الحرام بقصد ترتّبه عليها وإن لم يتمكن منه كما في ( الفصول ) (٤) وقد حكموا بالحرمة على ما يشبه هذا الباب وإن لم يكن داخلا فيه ، كالإقرار بالمعصية قبل التوبة لأنه إظهار للجرأة على الحرام ، وعدم الاكتراث به.

وأما قصد المعصية وإن كان من أقسامه بحسب الواقع ولكن القصد ليس من الأفعال الخارجية التي هي الموضوعات لمعظم الأحكام الشرعية ، بل هو فعل قلبي من شأنه تصحيح العقاب أو الثواب على الأفعال ، فلا يلاحظ معها إلاّ لحاظا آليا يفني فيها فناء التجرّي والانقياد في المعصية والطاعة ، ويستقلّ بنفسه

__________________

(١) ورد في الأصل : المستحبّة. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٢) فرائد الأصول : ٧.

(٣) الفصول الغرويّة : ٤٣١.

(٤) الفصول الغرويّة : ٤٣١.

٤٦٣

إذا تجرّد عنها ، ويكون مشمولا لما ورد من أنّ « نية المؤمن خير من عمله » (١) إذا كان قصد الطاعة ، ولأخبار (٢) العفو إذا كان قصد المعصية ، إمّا مطلقا أو على أحد وجوه التفصيل المفصّلة في ( الرسالة ) (٣) وغيرها.

والشيخ الأستاذ بعد ما حكم على التجرّي بما حكمنا عليه ، جعل العقاب على القصد خاصة ، لظنّه أنّ العنوان الجامع بين التجرّي والمعصية لا يكون اختياريّا ، مصرّحا بأنّ من شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده ، وما قصده لم يصدر منه.

ثم أورد على نفسه بأنه يلزم استحقاق العاصي أزيد من عقاب واحد ، بل عقوبات على نفس الفعل والاختياري من المقدّمات ، ولا استحقاق في معصية واحدة إلاّ عقوبة واحدة.

وأجاب عنه بأنّ تعدّد العقوبة يكون بتعدّد إظهار العصيان ، وليس في كل واحد من المعصية والتجرّي بمجرّد القصد أو مع العمل إلاّ إظهار واحد وان اختلف ما به الإظهار طولا وقصرا ، وقاسه بشرب قدح من الخمر ، بحيث يعدّ شربا واحدا ، مدّعيا أنّه كشرب جرعة منها (٤).

أقول : لا يخفى على المتأمّل عدم توقّف البيان الّذي اخترناه على كون الجامع بين التجرّي والمعصية اختياريا ، ومع الغضّ عنه فمن الواضح أنّ شرب المائع بعنوانه فعل اختياري قصده الشارب وقد وقع ما قصده ، ولهذا يترتب عليه آثاره ، فيفطر به الصوم ، ويبطل به الصلاة ، ويحنث به النذر ، وكذا في أمثال هذا المثال ، كمن قتل مؤمنا باعتقاد أنه زيد فبان أنه عمرو ، ونظر إلى أجنبية قاطعا

__________________

(١) أصول الكافي ٢ : ٦٩ ـ ٢.

(٢) انظر الكافي ٢ : ٣١٣ ، باب من يهمّ بالحسنة أو السيّئة.

(٣) انظر فرائد الأصول : ٧ ـ ٨.

(٤) حاشية فرائد الأصول : ١٣ و ١٥.

٤٦٤

بأنها هند وظهر أنّها أختها.

وما تداول عند الفقهاء واستدلّ به ( ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ) فهو أجنبي عن المقام ، وله موارد لا ترتبط به أصلا ، وما كان مثل هذا يخفى على أستاذ مثله ، ولعلّ وراء ما فهمنا من كلامه أمر غفلنا عنه.

وحمل صاحبنا العلاّمة ـ أدام الله أيامه ـ هذا الكلام على محمل بعيد فقال ما بعضه بلفظه : « إنّ كلّ عنوان يكون ملتفتا إليه حال إيجاده ، وكان بحيث يقدر على تركه يصير اختياريا وإن لم يكن موردا للغرض الأصلي ، مثلا لو شرب الخمر ـ مع العلم بكونه خمرا ـ لا لأنه خمر ، بل لأنه مائع بارد ، يصح أن يعاقب عليه ، لأنه شرب الخمر اختيارا وإن لم يكن كونه خمرا داعيا له ، ومحرّكا له على الشرب لأنه يكفي في كون شرب الخمر اختياريا صلاحية كون الخمريّة رادعا له ، وكونه قادرا على تركه.

ونظير هذا محقّق فيما نحن فيه بالنسبة إلى الجامع ، فإنّ من شرب مائعا باعتقاد أنه خمر يعلم بأنّ هذا مصداق لشرب المائع ويقدر على تركه ، فكيف يحكم بعدم كون شرب المائع اختياريا له؟! فإن خصّ العنوان الموجود اختيارا بما كان محطّا للإرادة الأصلية للفاعل ، فاللازم أن يحكم في المثال الّذي ذكرنا بعدم كون شرب الخمر اختياريا لعدم تعلّق الإرادة الأصلية بعنوان الخمر كما هو المفروض ، ولا أظنّ أحدا يلتزم به ، وإن اكتفى في كون العنوان اختياريا بمجرّد كونه معلوما وملتفتا إليه حين الإيجاد بحيث يصلح لأن يكون رادعا له ، فحكمه بعدم كون الجامع فيما نحن فيه ـ أعني شرب المائع ـ اختياريا لا وجه له » (١) انتهى.

ولا أرى في كلام الأستاذ عينا ولا أثرا لما حمله عليه ، وأين قوله : ما وقع لم

__________________

(١) درر الفوائد ٢ : ١٢ ـ ١٣.

٤٦٥

يقصد ، من وقوع المقصود من غير أن يكون الداعي إليه عنوان الحرام؟

وأما ما أورده على نفسه من تعدّد العقاب فهو في مسألة التجرّي ساقط من أصله ، على أصله أعني عدم اختيارية الفعل الّذي لأجله قصر العقاب على القصد ، ومع الغض عنه فما ذكره في الجواب لا يقوم بعبء دفعه.

وقياسه بشرب الكأس من الخمر والجرعة منها ، قياس مع الفارق ، لأنّ القصد يباين الفعل بحسب الذات والمحلّ والرتبة ، إذ القصد من قبيل الإرادة ، وموطنه القلب ، وهو متقدّم على الفعل الّذي هو حركة الأعضاء في الخارج تقدّم العلّة على المعلول ، وأين هذا من الفعل الواحد المستمر؟ فكيف لا توجب هذه الفروق الظاهرة تعدّد المظهر ويوجبه مجرّد الفصل بين الجرعات؟! فلا مناص له إلاّ الالتزام بتعدّد العقاب ، أو جعله على أحدهما ، أو الإذعان بمذهب صاحب الفصول من تداخل العقابين (١) ، وهو أهون الثلاثة ، على شدّة إنكاره له.

ثم إنّ ما أرسله إرسال الأصول الموضوعة من مساواة شرب قدح من الخمر مع جرعة منها ، ينبغي أن يكون المراد مساواتهما في عدم صدق التعدّد ، وما يترتب عليه من الآثار فقط ، إذ المفسدة في الفرد الطويل أكثر فالنهي آكد ، فالاستحقاق أشدّ ، إذ غصب الدار ساعة واحدة لا يساوي غصبها سنة مستمرّة ، بل غصبها أضعاف الساعة متفرقا لا يساوي نصف السنة ، وكذا الحال في التجرّي ، وشتّان بين مشتغل به طول النهار وبين مشغول به بعض ساعة منه ، والوصل والفصل وإن أوجبا صدق الوحدة والتعدّد عرفا فحاشا أن يوجبا اختلافا في حكم العقل ، وإذن لا يبقى إلاّ التعبير في أحدهما بتعدد العقاب ، وفي الآخر بأشدّيته ، والمعاني لا تختلف باختلاف الألفاظ.

واعلم أنّ التجرّي لا يختص بالقطع التفصيليّ ، بل يجري حكمه في العلم

__________________

(١) انظر الفصول الغرويّة : ٨٧.

٤٦٦

الإجمالي ، بل في الاحتمال فضلا عن الشك والظن.

والضابط : كلّ إقدام لا يؤمن فيه الوقوع في الحرام المنجّز ، فمن ارتكب أحد أطراف العلم الإجمالي يكون متجريا ، مردّدا أمره بحسب الواقع بين التجري الاصطلاحي والحرام الواقعي ، وكذلك الحال في الإقدام مع الشك وصاحبيه في مورد يجب فيه الاحتياط ، والحكم في الجميع ما سمعته ، ولكنه يختلف شدّة وضعفا مع اتّحاد المتجرّى به دائما ، فالتجري مع الشك أقوى منه مع الاحتمال ، وأضعف من الظن ، ولكنه يختلف إذا قست المحرمات بعضها ببعض ، فالتجري بالإقدام الاحتمالي على قتل المؤمن أشدّ من الإقدام الظني على قتل حيوان محترم ، وهو بالإقدام مع الشك على وطء المحصنة أشدّ من الإقدام على وطء الحليلة الحائض ظنّا ، والوجه فيه ظاهر على نحو الكليّة وإن كان الحكم في كثير من جزئيات الموارد لا يظهر إلاّ للضليع في الفن ، الخبير بمصالح الأحكام ، ومن لك بمثله كله؟

( الانقياد )

وقد عرفت أنه إتيان غير المأمور به مع القطع بأنه مأمور به ، فهو عكس التجرّي ، ويظهر الحكم في أقسامه ممّا سمعته ، وقد دلّ السمع ـ موافقا لحكم العقل ـ على ترتّب الثواب عليه ، كما يظهر من بعض أخبار النيّة وغيره ، بل ودلّ عليه بمعناه الأعم ، كقوله تعالى : ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ )(١) الآية ، إلى غير ذلك ممّا ورد في ظواهر الكتاب والسنّة في موارد مختلفة.

( القسمان الأخيران )

أما الأول منهما ، أعني إتيان الحرام مع القطع بأنه حرام آخر ، فله أقسام

__________________

(١) النساء : ١٠٠.

٤٦٧

شتّى ، ويختلف باختلافها الحكم ، لأن كلاّ من المعصية الواقعة والمتجرّي بها إمّا أن يكون مساويا مع الآخر أو مختلفا معه شدّة وضعفا ، وأيضا قد يترتب على أحدهما أو على كليهما أثر دنيوي من حدّ أو كفارة ونحوهما ، وقد لا يترتّب عليهما سوى العقاب الأخروي.

فإن تساويا فلا إشكال في ترتب العقاب المشترك واستحقاق المتجرّي له ، فمن أكل لحما باعتقاد أنه لحم الخنزير ، فبان أنه لحم الكلب ، أو حنث النذر بزعمه فبان أنه خالف العهد ، فقد أكل ذلك لحم حيوان نجس عامدا ، فيعاقب عليه كما في صورة إصابة القطع ، وهذا ترك واجبا يعلم أنّ عليه كفّارة شهر رمضان ـ على أحد الأقوال ـ فيلزمه الكفارة ، وهذا بحسب الواقع قسم من المعصية الواقعيّة ، إذ هو إقدام على حرام قصده بعنوانه الجامع ، ووقع ما قصده ، ولا كلام فيه إلاّ ما سمعته عن الأستاذ ـ طاب ثراه ـ من عدم كون الجامع اختياريا (١) ، وقد عرفت الكلام عليه مع بعض الأمثلة له.

وإن اختلفا ، فلا شك في أنّ قبح التجرّي والذمّ عليه يتبعان ما زعمه القاطع لا الواقع ، فارتكاب الصغيرة باعتقاد أنها كبيرة أشد تجرّيا من ارتكاب الكبيرة باعتقاد أنها صغيرة.

وأما الآثار الجعلية ، فإن لم يكن العصيان ملحوظا فيها أصلا كالضمان فلا شك في أنه يتبع الواقع ، فمن أتلف على حرّ عبده الّذي لا يعرف قيمته أو أخطأ في قيمته ، فهو يضمن قيمته الواقعيّة ، وكذا إذا اعتقد في مائع أنّه خمر لذمّي فبان أنه خلّ لمسلم.

وإن كان ملحوظا فيها كأبواب الحدود والكفّارات ، كما لو وطئ زوجته الحائض في أول الحيض باعتقاد أنه الوسط أو العكس ، فإن كان المأتي به الأقل

__________________

(١) انظر حاشية فرائد الأصول : ١٣.

٤٦٨

فالظاهر عدم وجوب الأكثر عليه لعدم تحقّق الّذي جعله الشارع موضوعا لكفّارة الأكثر ، كما أنّ من الظاهر وجوب الأقل عليه ، لأن الأقل المأخوذ بلا شرط داخل في الأكثر ، وكذا يعزّر من ارتكب من أجنبيّة ما يوجب التعزير معتقدا أنه ارتكب منها موجب الحد.

وإن كان المأتي به هو الأكثر ، فإن كان التجرّي بغير القطع ، وكان الإقدام مع احتماله فلا يبعد الحكم بترتّب أثر الأكثر عليه ، لأنه إقدام على المعصية الواقعية بلا مؤمّن من تبعة التكليف ، فيقتصّ ممّن تعمّد قتل إنسان يشك في أنه مسلم أو ذمّي فبان أنه مسلم أو علم بإسلامه وشك في كونه ذكرا أو أنثى ، بل لا يبعد أن يكون الحال كذلك في العقاب المعيّن ، لأنه ارتكب كبيرة بلا مؤمّن عقلي أو شرعي إلاّ أن يقال : كما أنه يقبح العقاب على أصل التكليف بلا بيان يقبح كذلك مع عدم بيان أشدّية العقاب ، فإذا تردّد الحرام بين الكبيرة والصغيرة فلا يجوز أن يعاقب عقاب الكبيرة بلا بيان أنها كبيرة ، وللكلام تتمة تقف عليها إن شاء الله.

ومنه يظهر الإشكال في صورة القطع بأنه الأقل.

وإذا كان الأثران مختلفين في النوع ، كما لو زنى بامرأة قاطعا بأنها ليست من محارمه ، فبان أنها أخته ، أو العكس فالمسألة في غاية الإشكال ، إذ لا يمكن القول بأنّ حدّه الجلد لعدم صدور موجبه منه ، ولا القول بأنّ حدّه القتل لعدم قصده لموجبه وعدم وقوعه باختياره ، ولا أظن فقيها ـ بين سمع الأرض وبصرها ـ يلتزم بسقوط الحدّ عنه أصلا ، أو يعيّن عليه حدّا آخر خارجا عن الحدّين.

وإن رام أحد نفي البعد عن الأول منهما نظرا إلى قاعدة درء الحدّ بالشبهة ، فقد أخطأ المرمي ، ولم يعرف مورد تلك القاعدة ، وإن قال أحد بالثاني منهما فقد تقوّل على الدين ، وقال فيه بغير علم ولا برهان.

وقد ذكرت ـ والشيء بالشيء يذكر ـ مسألة ألقاها خالي العلاّمة السيد

٤٦٩

الصدر ـ طاب ثراه ـ على علماء النجف ، فاختلف أقوالهم فيه ، وهي أنّ رجلا صام قضاء يوم من شهر رمضان في يوم الشك من شعبان ، وأفطر بعد الظهر ، ثم ظهر أنه مستهلّ الشهر ، لا يمكن أن يقال بوجوب كفّارة إفطار القضاء عليه لعدم وقوعه في شهر رمضان ، ولا بوجوب كفّارة الأداء عليه ، لعدم تنجّز التكليف به عليه ، ولا سبيل إلى الالتزام بعدم الكفّارة عليه مطلقا لأنه مقدم على إفطار صوم يعلم بوجوب الكفّارة على إفطاره.

وبالتأمل فيما ذكرنا في هذه الأقسام يظهر الحال في القسم الآخر وهو ما إذا كان الأثر مترتّبا على أحد الأمرين من التجرّي والمعصية ، كما لو سرق زاعما أنه من غير الحرز فبان أنه منه ، والأوجه أنه من قبيل الأثرين المختلفين لأنّ لكلّ منهما أثرين مختلفين من التعزير والقطع ، أو العكس في وجه ، أو أفطر يوما بزعم أنه من شهر رمضان ، فبان أنه صوم كفّارة النوم عن صلاة العشاء.

هذا ، ولا يخفى أنّ ما ذكرناه مع غضّ النّظر عن الخصوصيّات التي قد تستفاد من الدليل لبعض الأقسام المتقدّمة أو أمثلتها كما لو قيل بأنّ العلم بالإحصان أو المحرمية مأخوذ في موضوع حكمي القتل والرجم ، ونحو ذلك.

وقد استقرب أحد أصدقائنا من أعلام العصر ـ دام بقاؤه ـ أنّ الحدّ في المثالين هو الجلد ، لأنه الحدّ العام المجعول للزنا ، وإنما خرج منه الزنا بمعلومة الإحصان والمحرمية ، ولا يكون من باب التمسك بالعامّ بالشبهة المصداقية.

وقد أصاب في ذلك ووجهه ظاهر ، وإنما الإشكال أولا في استفادة كون الجلد هو الحدّ العام ، وثانيا في استفادة كون العلم جزءا للموضوع في غيره.

وهنا قسم آخر يناسب هذه الأقسام وإن لم يكن من بابها ، وهو أن يقدم على فعل يكون مصداقا لعنوانين أو أكثر من المحرّمات ولا يعلم إلاّ بعضها ، كما لو علم خمريّة مائع ولم يعلم أنّها مغصوبة من الذمّي ، وهي في آنية من الذهب.

قد يقال فيه : إنّ قيام الحجّة على الحرمة ـ ولو في الجملة ـ كاف في صحّة

٤٧٠

العقاب على الجميع ، نظير ما مرّ في الإقدام على الحرام المردّد بين الكبيرة والصغيرة.

والظاهر خلافه لأنه وإن كان بعنوان أنه خمر معلوما ، ولكنه بعنوان أنه مغصوب ، وأنه في آنية الذهب مشكوك ، فيكون من هاتين الجهتين شبهة بدوية يجري فيها الأصل ، ولا يكفي قيام الحجة على جهة في صحّة العقاب على غيرها من الجهات.

وممّا ذكرنا في التجرّي يظهر الحال في الانقياد ، لأنه على العكس منه ، وإن وجد فرق طفيف في بعض الجزئيات فالاعتماد فيه على فطانة المطالع.

وأقول ، لا مفتخرا بل معتذرا : إني لم أجد أحدا تعرّض لهذين القسمين ، حتى أبني القول على أساسه وأستضيء بنبراسه ، وفي مثله مظنة نبوة الفكر وكبوة القلم ، فالرجاء ممّن عثر على خطأ فيما ذكرته الصفح ، ثم الإصلاح.

( القطع المأخوذ في الحكم )

لا يعقل أخذ القطع بالحكم في موضوع ذلك الحكم للزوم الدور ، ولا في مثله أو ضدّه إذا كانا في رتبة واحدة ، للزوم المحالين من اجتماع المثلين أو الضدّين ، وأمّا أخذه في مرتبة متأخّرة فلا يلزم فيه شيء منهما ، وقد مرّ بك إجماله ، ويأتيك تفصيله إن شاء الله.

هذا ، وقد عرفت أنّ اعتبار القطع قد يكون باعتبار أنه صفة نفسيّة كالحبّ والبغض ، وقد يكون باعتبار أنه كاشف معتبر عن الواقع ، وعلى كلّ منهما قد يعتبر على نحو كونه تمام الموضوع ، وقد يعتبر على أنه جزء له ، فالأقسام ـ على ما يقال ـ أربعة وإن كنت في ريب من إمكان بعضها ، كالمأخوذ على نحو تمام الموضوع على وجه الطريقية ، لأنه إذا لم يكن للمقطوع به دخل في الحكم فما معنى الطريق إليه؟ بل إمكان المأخوذ جزءا للموضوع من هذا القسم أيضا

٤٧١

لا يخلو من تأمل ، إلاّ أن يكون المراد : أنّ الحكم للواقع فقط ، لكن بقيد الانكشاف ، كما كان يعبّر السيد الأستاذ (١) طاب ثراه.

( ما تقوم الأمارات مقام القطع من هذه الأقسام )

أقصى ما تدلّ عليه أدلّة اعتبار الطرق والأمارات تنزيل الكاشف الناقص منزلة الكاشف التام ، أو تنزيل المنكشف بها منزلة المنكشف به ، أو تدلّ على كونها طريقا تعبديّا إلى واقع تعبّدي ، إلى غير ذلك من العبارات المؤدّية إلى معنى واحد فهي ـ إذن ـ مقصورة على ملاحظة القطع باعتبار كشفه عن الواقع ، فتقوم مقام الطريقي المحض ، ولا تقوم مقام الموضوعي المحض الّذي لم يلحظ فيه جهة الكشف أصلا ، وتنزيل غيره منزلته وإن كان ممكنا ، ولكنه يكون على نحو إعطاء حكم موضوع لموضوع آخر كقوله عليه السلام : ( الطواف بالبيت صلاة ) (٢) وأين هذا من أدلّة حجّية الطرق التي لا مفاد لها إلاّ إثبات الحكم لمتعلّقها لا لموضوع آخر؟

وأما الطريقي الموضوعي ، أعني المأخوذ على جهة الكشف ، فلا مانع من قيامها مقامه ، على ما صرّح به الشيخ (٣) ، وأورد عليه في ( الحاشية ) بأنّ ذلك يوجب الجمع بين اللحاظين : الآلي والاستقلالي (٤) ، وبيّنه في ( الكفاية ) بقوله :

« إنّ الدليل الدالّ على إلغاء احتمال الخلاف لا يكاد يكفي إلاّ بأحد التنزيلين حيث لا بدّ في كلّ تنزيل منهما من لحاظ المنزّل والمنزّل عليه ، ولحاظهما في أحدهما آلي ، وفي الآخر استقلالي ، بداهة أنّ النّظر في حجيّته وتنزيله منزلة

__________________

(١) هو السيد محمد الفشاركي قدس سرّه.

(٢) سنن الدارمي ٢ : ٤٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٥ و ٨٧ ، كنز العمال ٥ : ٤٩ ـ ١٢٠٠٢.

(٣) فرائد الأصول : ٤.

(٤) حاشية فرائد الأصول : ٧.

٤٧٢

القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدّى الطريق ، وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما » (١) انتهى.

وعلى مذهبه من عدم جواز إرادة معنيين من استعمال واحد (٢) ، لا يتوقف عدم الجواز على كون أحدهما استقلاليا والآخر آليا ، بل يكفي لزوم تنزيلين وإن كانا من نوع واحد.

ثم أقول : بل يلزم تنزيل ثالث ، وهو تنزيل القطع بالموضوع التعبّدي منزلة القطع بالموضوع الواقعي ، إذ لا شك في أن القطع يختلف باختلاف متعلّقة والقطع المأخوذ موضوعا هو المتعلّق بالخمر الواقعيّة ـ مثلا ـ لا التعبّدية فلا بدّ من تنزيل آخر.

وربما يجاب عنه بأنّ دليل حجّية الأمارة يثبت الواقع تعبّدا ، والجزء الآخر أعني الطريق المعتبر ثابت بالوجدان ، فيكون الحال فيه كالحال في سائر الموارد التي تثبت فيها الموضوعات المركّبة بعضها بالوجدان ، وبعضها بالتعبّد.

وهذا إن تمّ ـ على تأمل فيه ـ لا يفي إلاّ بالتخلّص عن الإشكال الأول ، ويكون بمعزل عن الإشكال الثاني ، إذ كون هذا الطريق المعتبر متعلقا بنفس الموضوع المأخوذ في الحكم ممّا لا يثبته وجدان أو تعبّد ، وقد صعب أمر هذا الإشكال على القوم ، وأعياهم أمره ، حتى أنّ الأستاذ وإن ذكر في الحاشية (٣) وجها لتوجيهه ، ولكنه ظهر له ما فيه من الخلل ، فرجع عنه في ( الكفاية ) وجزم بعدم إمكانه (٤).

وإني أرى السبيل إلى حلّه واضحا بعد ما اتضح في محله من ثبوت جميع

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٦٤.

(٢) كفاية الأصول : ٣٦.

(٣) حاشية فرائد الأصول : ٧ ـ ٨.

(٤) كفاية الأصول : ٢٦٤.

٤٧٣

لوازم الطرق وحجيّتها حتى المثبتة منها ، ولا ملازمة أجلى وأبين من الملازمة بين الطريق وبين كون مؤدّاه الواقع ، بل لا معنى لجعل الطريق والتعبّد به إلاّ ذلك.

نعم يشكل ذلك بادئ بدء في مثل الاستصحاب الّذي ثبت في محله عدم ثبوت أصوله المثبتة.

ولكن لا يخفى أنّ من التنزيل الواحد ما ينحلّ إلى تنزيلات متعدّدة بمعنى أنّ عناوينه تختلف باعتبار ما يضاف إليه ، كاستصحاب الزوجية بين زيد وهند ، فإنّه بإضافته إليه يكون زوجا ، وبإضافته إليها تكون زوجة ، وتكون أختها أخت الزوجة ، وهكذا.

ولو شئت قلت : كما أنّ لوازم الماهيّات في التكوينيّات وإضافتها تكون مجعولة بجعل تلك الماهيّات ، فكذلك الأمر في التشريعيّات ، فتكون لوازمها التي لا تكاد تنفك عنها عقلا أو عرفا مجعولة ومنزّلة بنفس جعلها وتنزيلها ، ويأتي له مزيد بيان إن شاء الله في مبحث الاستصحاب.

٤٧٤

( القطع ـ العلم ـ الإجمالي )

والكلام عليه يقع في مواضع :

أولها : في كفايته في تنجّز التكليف وثبوته.

وثانيها : في كفايته في مقام الامتثال.

وثالثها : في لزوم الالتزام به ، وعدم جواز المخالفة الالتزامية.

أما الأول ، فقد عرفت أنّ العلم لا يعقل فيه الإجمال ، وأنّ الإجمال لا يكون إلاّ في متعلّقه ، وعرفت أيضا أنّ العقل لا يفرّق فيما للعلم من الآثار بين تعيّن متعلّقه وإجماله ، وأنّ الخمر المعلوم وجوده ـ مثلا ـ في أحد إناءين كالمعلوم وجوده في إناء واحد.

نعم لا بد من تفصيل القول في بيان شرائط تنجّز التكليف به وما فيه من الأقوال وما يترتب عليه من الفروع ، وتعرف إن شاء الله جميع ذلك في مبحث البراءة والاشتغال.

وأما الثاني ، وهو كفايته في مقام الامتثال فينبغي القطع بها حتى في التعبّديات ومع التمكن من العلم التفصيليّ وإن استلزم التكرار ، فضلا عن التوصّليات ، وعمّا لم يتمكن من العلم التفصيليّ ولم يستلزم التكرار ، وذلك لأنّ الأمر لا يقتضي إلاّ إتيان متعلّقه بجميع أجزائه وشروطه ، والمفروض إتيان المكلّف به كذلك ، والحكم في مقام الامتثال للعقل وحده ، ولا فرق عنده بين إتيان فعل واحد يعلم بأنه مصداق المأمور به ، وبين إتيانه بفعلين يعلم بأن أحدهما هو المصداق له ، والعلم بالفراغ الّذي يحكم به حاصل هنا حصوله في غيره.

وما دعا الشيخ الأعظم إلى إطالة الكلام فيه (١) ـ على وضوحه ـ إلاّ

__________________

(١) انظر فرائد الأصول : ١٤ وما بعدها.

٤٧٥

ذهاب جماعة إلى عدم كفايته ، وما دعا هؤلاء إلاّ اعتبارهم الوجه والتميز الّذين ادّعى بعض مشايخنا القطع بعدم اعتبارهما ، وهو غير مجازف فيما ادّعاه.

واحتمال كون التعيين دخيلا في الفرض فلا يمكن التمسك في نفيه (١) بإطلاق الدليل ، فيه بعد الغض عن إمكان دعوى القطع أيضا على عدم اعتباره ، ان أصالة البراءة جارية فيه ، وكافية لدفعه ، وقد سبق بيانه في مبحث المقدّمة.

وقد يستدلّ على عدم كفايته تارة بدعوى الإجماع ـ الممنوع وجوده أولا ، وحجيته ثانيا ـ وتارة بأنّ العقلاء لا يعدّون ذلك إطاعة ، بل لا يرونه إلاّ لعبا بأمر المولى.

وفيه : أنّ ذلك فرية على العقلاء ، وحاشاهم من الفرق في حصول الامتثال بين من أتى بشيء واحد يعلم أنه المأمور به وبين من أتى بشيئين يعلم أنه أحدهما ، وإن خطّأه من جهة اللغوية ، ولا يكون ذلك إلاّ مع الغرض العقلائي ، وإلاّ فلا تخطئة ولا عتاب.

ومنه يظهر الجواب عن دعوى كون سيرتهم على خلافه ، إذ هي مع وجود الغرض ممنوعة ، ومع عدمه فهي مستندة إلى اللغوية لا إلى البطلان ، ولو سلّم أنه يعدّ لاعبا ، فما هو إلاّ لعبا في طريق الامتثال لا في نفس الامتثال ، ومثله لا ينافي حصول الإطاعة.

فاستبان من ذلك جواز الاحتياط مع التمكن من الظن التفصيليّ المعتبر ـ الظن الخاصّ ـ وأنه هو الأولى والأحسن ، كما أوضحه الشيخ الأعظم ، ولكن ذكر أثناء كلامه لزوم تقديم المظنون على غيره (٢) ، وجرى هو وأصحابه على ذلك في رسائلهم العمليّة ، فتراهم يحكمون بتقديم القصر على التمام أو العكس ، حيث

__________________

(١) أي : نفي الاحتمال.

(٢) فرائد الأصول : ١٦.

٤٧٦

كان الفتوى على أحد الأمرين من القصر أو التمام ولم يظهر لي بعد وجه له.

وأقصى ما يقال : إنّ مع تقديم المظنون على المحتمل يعلم بوجود الأمر الواقعي ، فيأتي به قاصدا امتثال الأمر المعلوم ، بخلاف ما لو قدّم غيره ، وفيه ما لا يخفى.

وأما الثالث ، وهو وجوب الالتزام وحرمة المخالفة الالتزامية ، فالقائل بوجوب الالتزام بالحكم إن أراد وجوب الالتزام بالحكم الواقعي إجمالا والإذعان له بما هو عليه ، فهذا أمر يجب الإذعان به ، ولا يجوز إنكاره لأن لازم التديّن بالشريعة التسليم لما فيها من الأحكام.

وإن أراد الالتزام بشخص الحكم الواقعي ، فهو على إطلاقه تكليف بغير المقدور.

وإن أراد لزوم التديّن بأحد الحكمين من الوجوب والتحريم على سبيل الخبرين المتعارضين ، فهو أمر ممكن في نفسه ، وقياس المقام بالخبرين ، فاسد لعدم تنقيح المناط ووجود الفارق.

وبالجملة ، لا دليل على لزوم الالتزام بأيّ معنى كان ، بل لا مانع من الالتزام بحكم آخر في مورد الشك كالإباحة لدى دوران الأمر بين الوجوب والحرمة ، إذ الالتزام بالحكم الواقعي لا ينافي الالتزام بغيره في مرحلة الظاهر ، فلا تنافي بين الالتزامين ، كما أنّه لا منافاة بين الحكمين على ما ستعرف قريبا إن شاء الله.

واعلم أنّ الالتزام معنى يدركه الوجدان ، ويضيق عنه نطاق البيان ، وتختلف أسماؤه باختلاف الموارد ، كعقد القلب على شيء ، والبناء عليه ، والانتحال له ، ولعلّ منه التجزّم الّذي تقدّم نقله عن السيد الأستاذ ـ طاب ثراه ـ ولم أجد لأحد من مشايخي ـ رحمهم الله ـ ولا لغيرهم بيانا شافيا له ، إلاّ بيانا إجماليا من العلاّمة الوالد طاب ثراه.

٤٧٧

وعهدي ببعض (١) مشايخي ، وهو ينكره أصلا ، ولا يراه إلاّ العزم على الأفعال الخارجية ، وهو خلاف الوجدان ، إذ الشاك المنتحل الّذي يحكم الفقهاء بإسلامه غير المنافق الّذي يوافق المسلمين في أفعالهم ، والبناء على الثلاث والأربع لدى الشك في الركعات غير مجرّد ترك الركعة الأخرى ، أو الإتيان بها ، على ما هو ظاهر جمع من الفقهاء ، بل صرّح به بعضهم على ما بالبال ، وقد يبني الإنسان على أمر لا يترتب عليه شيء من أفعاله ، والجحود القلبي معنى لا يستطاع جحوده ، قال عزّ من قائل : ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ )(٢).

اللهم اجعل أنفسنا مذعنة بربوبيتك ، وقلوبنا أوعية لمحبّتك ، وألسنتنا ناطقة بشكر نعمتك ، وصلّ على محمد وآله خيرتك من خليقتك.

كمل ما أردنا إيراده في مباحث القطع قبيل الصبح من منتصف شهر صفر عام ١٣٣٧ [ الهجرية ].

عبد الله الفقير إليه ، أبو المجد محمد الرضا آل العلاّمة صاحب هداية المسترشدين.

__________________

(١) الأستاذ الفريد الشيخ فتح الله النمازي شيخ الشريعة ، المعروف بـ ( شريعت ) طاب ثراه. هامش الأصل.

(٢) النمل : ١٤.

٤٧٨

( في مباحث الظنّ )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة على محمد وآله.

لا شك أنّ الظنّ ليس كالقطع في كونه حجة ذاتية ، فيتم به الحجّة للمولى على العبد في مقام التكليف وللعبد على المولى في مرحلة الامتثال إلاّ أن يدلّ دليل على الاكتفاء به ، فإذن لا شك في أنّ الأصل عدم حجّيته.

وقال الشيخ في مقام تأسيس الأصل : التعبّد بالظن الّذي لم يدلّ دليل على التعبّد به ، حرام بالأدلة الأربعة ، ثم ذكر الأدلّة عليه وأطال الكلام فيه (١).

إن كان مراده من التعبّد ما عرفت على بعد ، فهو من الواضحات التي لا يحتاج إلى الدليل عليه ، ولا إلى إطالة القول فيه.

وإن كان المراد منه التديّن والالتزام ونحوهما ، فعلى غموض في تصوّر التعبد بهذه المعاني ـ كما مرّ في آخر مباحث القطع ـ فهو خارج عن المهمّ في المقام ، بل هو إلى مباحث الفروع أقرب ، وبها ألصق.

والمهم بيان إمكان التعبد به أوّلا ، بمعنى جعله حجّة يترتب عليه ما يترتب على القطع في المقامين : التنجّز والامتثال ، ثمّ اتّباعه بذكر ما هو حجة منه أو قيل بحجيته ، ومن الله تعالى الاستعانة.

__________________

(١) فرائد الأصول : ٣٠ وما بعدها.

٤٧٩

( إمكان التعبد بالظن بل بغير العلم مطلقا )

وليعلم أوّلا أنّ الإمكان يطلق ـ على نحو الاشتراك المعنوي ـ على معان ثلاثة ، ويقابل كلاّ منها الامتناع بذلك المعنى.

أوّلها : الإمكان الذاتي ، وهو ما لا ينافي بذاته الوجود والعدم.

وثانيها : الإمكان الوقوعي ، وهو ما لا يلزم من فرض وجوده محذور عقلي.

وثالثها : الاحتمالي ، وهو المقابل للقطع بعدم الوجود ، وتعرف المراد منها في المقام أثناء البحث إن شاء الله.

ولا يخفى أنّ هذا التقسيم للإمكان لا يطابق الّذي ذكره علماء المعقول ، والإمكان الاحتمالي ليس من أقسامه.

المشهور : إمكان التعبّد بالظن ، وعن الشيخ أبي جعفر بن قبة (١) استحالته (٢).

واستدلّ المشهور على الإمكان بأنا نقطع بأنه لا يلزم من التعبّد به محال.

وفي الرسالة ما لفظه : « وفي هذا التقرير نظر ، إذ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقول بجميع الجهات المحسّنة والمقبّحة ، وعلمه بانتفائها ، وهو غير حاصل فيما نحن فيه.

فالأولى أن يقرّر هكذا : أنّا لا نجد في عقولنا ـ بعد التأمل ـ ما يوجب الاستحالة ، وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان » (٣).

__________________

(١) هو محمد بن عبد الرحمن بن قبة ـ بالقاف المكسورة ، والباء المنقطة تحتها نقطة ، المفتوحة ـ الرازي أبو جعفر. متكلم عظيم القدر ، حسن العقيدة قوي في الكلام ، كان قديما من المعتزلة ، وتبصّر وانتقل ، له كتاب الإنصاف في الإمامة.

رجال النجاشي : ٣٧٥ رقم ١٠٢٣ ، خلاصة العلاّمة : ١٤٣ ، القسم الأول ، رقم ٣١.

(٢) انظر فرائد الأصول : ٢٤.

(٣) فرائد الأصول : ٢٤.

٤٨٠