وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

وفاته :

توفي ـ قدس الله سره ـ بأصبهان يوم الأحد رابع عشرين من شهر محرم الحرام سنة ( ١٣٦٢ ه‍ ) وكان يوم وفاته يوما مشهودا ، عطلت له الأسواق ، وشيّع تشييعا حافلا حتى دفن بتخت فولاد في مقبرة جدّه الشيخ محمد تقي الأصبهانيّ.

مراثيه :

رثاه جمع من الشعراء والعلماء :

١ ـ منهم المؤرخ الأنصاري بقوله :

لقد أفل الكواكب مذ توفي

رئيس العلم في ذاك الزمان

محمد رضا الغروي شيخ

سماء العلم لأهل الأصبهان

ولما راح راح الروح عما

به شأن البيان من المعاني

تمنى الجابري بأن يؤرخ

وكل لسانه عند البيان

إذا جاء البشير وقال أرخ

« لقد أوى الرضا بالجنان »

١٣٢١ الشمسي

٢ ـ ومنهم الحاج الميرزا حبيب الله النير بقوله :

يا دهرا ذهبت بآية الله

غدرت بنا فوا أسفا ولهفاه

محمد الرضا الغروي أبو المجد

مضى نحو الجنان بقرب مولاه

أراد النير استيضاح فوته

ففي شهر المحرم طاب مثواه

فارخ بعد نقص الست للعام

« رضا النجفي لبى داعي الله »

١٣٦٢ القمري.

٤١

مصادر الترجمة

ترجمته بقلمه.

سحر بابل وسجع البلابل ـ ٨٢.

نقباء البشر ـ ٧٤٧.

الذريعة في مختلف الأجزاء.

مصفى المقال ـ ١٧٩.

تذكرة القبور ـ ٣٢٨.

ريحانة الأدب ٧ ـ ٢٥٢.

آثار الحجة ١ ـ ٧٧.

گنجينه دانشمندان ١ ـ ٢٤٢.

شعراء الغري ٤ ـ ٤٢.

أعيان الشيعة ٧ ـ ١٦.

معجم المؤلفين العراقيين ١ ـ ٤٧٢.

الأعلام للزركلي ٣ ـ ٢٦.

معجم المؤلفين ٤ ـ ١٦٣.

مستدرك معجم المؤلفين ـ ٢٥١.

ماضي النجف وحاضرها ٣ ـ ٢١٤.

معارف الرّجال ٣ ـ ٢٤٥.

مجلة نور علم ، السنة الثانية ع ٩ ـ ٧٩.

تاريخ علمي واجتماعي أصفهان در دو قرن أخير ٢ ـ ٢١٩.

٤٢

ترجمة المحشي.

العلاّمة الأديب الرياضي الهيوي المفسّر الفقيه آية الله العظمى الحاج الشيخ محمد علي الملقّب بأمجد الدين ومجد الدين ، والشهير بمجد العلماء النجفي الأصفهاني قدس سره.

نسبه :

هو ابن العلاّمة الأكبر آية الله العظمى أبي المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الأصفهاني ( ت ١٣٦٢ ه‍ ) ـ صاحب تأليفات كثيرة ، منها : « نقد فلسفة داروين » و « وقاية الأذهان » و « شرح نجاة العباد » و « ديوان شعر » ـ ابن العلاّمة الربّاني ، والفقيه الصمداني ، والعارف الكامل الحاج الشيخ محمد حسين صاحب « مجد البيان في تفسير القرآن » ( ت ١٣٠٨ ) ابن العلاّمة الأكبر ، والفقيه المرجع الرئيس ، الحاج الشيخ محمد باقر صاحب « لبّ الفقه » و « لبّ الأصول » وغيرهما ( ت ١٣٠١ ه‍ ) ابن العلاّمة المحقق ، والأصولي المدقّق ، الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ صاحب حاشية معالم الدين المسماة بـ « هداية المسترشدين » ( ت ١٢٤٨ ه‍ ) قدّس الله أسرارهم وطيّب الله ثراهم.

ولادته وأمّه :

أنجبته العلويّة زهرا بيگم ( ت ١٣٥٦ ه‍ ) بنت سيد العلماء العلاّمة السيد محمد الإمامي الخاتون آبادي الأصفهاني النجفي ، في اليوم الثالث والعشرين من جمادى الأولى عام ١٣٢٦ ه‍ في النجف الأشرف.

ثم سافر إلى أصبهان مع أبيه العلاّمة في سنة ١٣٣٣ ه‍.

٤٣

أساتذته :

ابتدأ بالعلوم في النجف الأشرف وهو طفل ، ثم حضر في أصبهان في السطح الأولي ، على الحاج الشيخ علي اليزدي ( ت ١٣٥١ ه‍ ) والسيد ميرزا الأردستاني ( ت ١٣٥١ ه‍ ) واشتغل بالسطح العالي ـ ولم يبلغ الحلم ـ على الحاج آقا رحيم الأرباب ، والحاج آقا منير الدين البروجردي ( ١٢٦٩ ـ ١٣٤٢ ه‍ ) والحاج الميرزا محمد صادق الخاتون آبادي ( ت ١٣٤٨ ه‍ ) والسيد محمد النجف آبادي ( ١٢٩٤ ـ ١٣٥٨ ).

ثم اشتغل بالدراسات العليا في الفقه والأصول على الحاج الميرزا محمد صادق الخاتون آبادي والسيد محمد النجف آبادي المذكورين ، وعمّ والده آية الله على الإطلاق الشهيد الحاج آقا نور الله النجفي الأصفهاني ( ت ١٣٤٦ ه‍ ) ، وحضر برهة من الزمان على العلاّمة المؤسّس الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ( ت ١٣٥٥ ه‍ ) بقم ، ولكن أكثر استفاداته العلمية كانت من والده العلاّمة ، فقد تتلمذ عليه في الفقه والأصول والهيئة والرياضي و ....

مشايخه في الرواية والراوون عنه :

لم نعرف من مشايخه في الرواية إلاّ والده العلاّمة أبا المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الأصفهاني رحمه الله والمرجع الفقيه السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ( قدس سره ).

ولم نعرف من الراويين عنه إلاّ نجله الشيخ مهدي مجد الإسلام النجفي.

الأقوال فيه :

١ ـ قال والده العلاّمة في ختام رسالته أمجدية : « وچون سال تأليف رساله

٤٤

مصادف بود با سال أول وجوب روزه مر قرّة العين معظم ، نخبة أرباب الفهم والاستعداد ، والمرجوّ لإحياء مراسم أجداده الأمجاد ، آقا شيخ أمجد الدين أبقاه الله خلفا عن سلفه الماضين ، وجعله علما يهتدى به في الدنيا والدين ، أو را مخاطب در اين رساله داشتم ، ونام آن رساله را رساله امجديّه گذاشتم ..... ».

٢ ـ وقال والده أيضا في تبحّره في الهيئة : « إنّ مجدنا أستاذ في الهيئة » (١).

٣ ـ وأيضا قال والده العلاّمة في إجازته له : « ..... وبعد ، فان العالم الفاضل الخبير المهذّب النحرير قرة عيني الشيخ مجد الدين ممّن حضر دروسي الشرعية ، فقهية وأصولية ، فوجدته ذا قوة تسمّى الاجتهاد ، بصيرا بمباني الأحكام ، فله العمل بما استنبطه من الأحكام استنباطا مطابقا للقواعد المقرّرة ... ».

٤ ـ وقال العلاّمة الطهراني رحمه الله في خاتمة ترجمة أبيه : « وولده الشيخ مجد الدين من العلماء وأئمّة الجماعة اليوم في أصفهان ».

٥ ـ وقال المؤرّخ العلاّمة الشيخ محمد علي المعلّم الحبيب آبادي صاحب مكارم الآثار في ختام مقالته عقيب رحلة والد المترجم : « وآقاى مجد العلماء پسر بزرگ آن مرحوم در حدود سال هزار وسيصد وبيست وشش يا قدري پس وپيش در كربلاء متولّد شده ودر خدمت پدر نامور ، تحصيلات خود را در علوم فقه وأصول وهيئت ورياضي قديم به پايان آورده ، وبزيور اجتهاد زينت يافته ، وبتصديق اجتهاد وإجازات روايت از آن فقيد مرحوم سرافراز گشته ، واينك بجاى وى در مسجد نو امامت مينمايد ».

٦ ـ وقال صاحب « دانشمندان وبزرگان أصفهان » في عدّ مصنّفات أبيه : « أمجديه در إعمال ماه رمضان بنام فرزندش عالم زاهد ورع مجد العلماء ..... ».

٧ ـ وقال صاحب « گنجينه دانشمندان » في حقه : « حضرت آية الله آقاى

__________________

(١) نقله لنا آية الله الحاج السيد مصطفى المهدوي الأصفهاني المجاز من والد المصنف ( قدس سرهما ).

٤٥

حاج شيخ مجد الدين نجفى فرزند ارشد مرحوم آية الله العظمى ابو المجد آقا شيخ محمد رضا نجفى بن عالم ربانى شيخ محمد حسين بن علاّمه محقق حاج شيخ محمد باقر طاب ثراه ، معروف به مجد العلماء .... ».

وقال أيضا في ختام ترجمته : « در ماه شوال ١٣٩٤ ه‍ كه براى امرى به اصفهان رفتم در مسجد نو موفّق به زيارتشان شده ، واز سيماى ملكوتى آن جناب مستنير گرديدم ، آثار وعلائم ربّانيين را از چهره منيرش مشاهده كردم ، وبايد همينطور باشند ، زيرا فرزند ارجمند آية الله العظمى آقا رضا كه مجسّمه علم وكمال ، وحفيد عالم ربّانى وآية سبحانى حاج شيخ محمد حسين نجفى هستند كه داراى كرامات ومقامات معنوى بوده ، ومرحوم آية الله حاج آقا نور الله اصفهانى كتابى در شرح زندگانى آن بزرگوار وحالاتش نوشته است ».

٨ ـ وقال صاحب « تاريخ علمى واجتماعى اصفهان در دو قرن اخير » :

« عالم فاضل ، وفقيه كامل ومفسر اديب ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، استاد رياضى وهيئت ، جامع معقول ومنقول ، وحاوى فروع واصول ، از مدرسين خارج فقه واصول در مدرسه مرحوم ثقة الاسلام عموى والد بزرگوارشان ، وامام جماعت مورد وثوق قاطبه طبقات اجتماع در مسجد نو بازار آثار زهد وتقوى از سيماى او نمودار كه « سيماهم في وجوههم من أثر السجود » متجاوز از چهل سال پس از فوت پدر در مسجد ايشان در ظهر وشب اقامه جماعت مى نمود ، وعدّه كثيرى از مؤمنين حضور به جماعتش را غنيمت مى شمردند ... ».

مجالس درسه :

كان يدرّس مختلف العلوم الإسلامية من الفقه والأصول والحكمة والهيئة والرياضي ، واشتهر بالأخيرين اشتهارا واسعا.

كان يلقي دروسه في الرياضي في المسجد الجامع العباسي ( مسجد الإمام )

٤٦

سابقا ودروس الهيئة كانت بمسجد « نو بازار » والفقه بمدرسة عمّه آية الله العظمى الحاج الشيخ محمد علي النجفي الشهير بثقة الإسلام.

وقد حضر أبحاثه جمع من الآيات والحجج والأعلام.

تأليفاته القيمة :

له تأليفات قيّمة في غاية الحسن والفصاحة كما ينبغي له ، وإليك سرد أسمائها :

١ ـ ايرادات وانتقادات على دائرة المعارف لفريد وجدي.

٢ ـ ترجمة « نقد فلسفة داروين » من العربية إلى الفارسية في مجلدين ضخمين.

٣ ـ حاشية الروضات ، طبع بعض منها مع حاشية والده على الروضات.

٤ ـ حاشية « سمطا اللئال في مسألتي الوضع والاستعمال » وهي بين يديك.

٥ ـ حاشية « وقاية الأذهان » في علم الأصول ، وهي بين يديك.

٦ ـ دروس في فقه الإمامية « كتاب الصلاة وكتاب الصوم » وهي دروسه التي كان يلقيها على تلامذته في البحث المعروف بالخارج.

٧ ـ رسالتان في ترجمة والده ونفسه. طبعا.

٨ ـ رسالة في ترجمة جده العلاّمة الحاج الشيخ محمد حسين النجفي الأصفهاني ( قدس سره ) كتبها بعنوان المقدّمة لتفسيره « مجد البيان في تفسير القرآن ».

٩ ـ صرف افعال ألّفها في صغره.

١٠ ـ الفوائد الرضوية في شرح الفصول الغروية ، أو حاشية على فصول عمّه العلاّمة الشيخ محمد حسين الأصفهاني في علم الأصول.

١١ ـ گل گلشن ، انتخبها من منظومة « گلشن راز » للعارف المشهور الشيخ

٤٧

محمود الشبستري.

١٢ ـ المختار من القصائد والأشعار ، طبع.

١٣ ـ مسائل العلوم.

١٤ ـ اليواقيت الحسان في تفسير سورة الرحمن ، طبع.

إمامته للجماعة :

كان يقيم الجماعة في المسجدين الأعظمين المزدحمين : « مسجد نو » في سوق أصبهان ، و « مسجد الإمام » أكثر من أربعين عاما.

واقتدى به جماعة كبيرة من مختلف الطبقات من وجوه الفضلاء والمتدينين والوجهاء.

أخلاقه الفاضلة :

كان رحمه الله مؤدّبا بالأخلاق الإسلامية والآداب القرآنية ، متّبعا للتعاليم النبوية ، متأدّبا بالأخلاق المحمدية ، كما وصف الله تعالى نبيّه الأكرم في كتابه الكريم بقوله عز من قائل : ( إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(١) وكما قال النبي صلّى الله عليه وآله : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ».

وهو ـ من غير ملق ومجاملة ـ اقتدى بالنبيّ الأكرم والأئمّة الهداة المهديين عليهم صلوات ربّ العالمين ، ولذا كان محبوب القلوب ووجيه الملّة عند جميع الطبقات من الخواصّ والعوام.

__________________

(١) القلم : ٤.

٤٨

وفاته ومدفنه :

ارتحل إلى رحمة الله تعالى في صبيحة يوم الأربعاء عشرين من ( ذي الحجة ) عام ١٤٠٣ ق المطابق لسادس شهر ( مهر ) ١٣٦٢ ش في طهران ونقل جثمانه الشريف إلى أصبهان فوصل إليها يوم الخميس ، وغسل في بيته ، ثم شيّع تشييعا ضخما إلى مسجد الإمام ومنه إلى مسجد « نو » ـ الّذي بناه جدّه الأكبر العلاّمة الفقيه الرئيس آية الله العظمى الحاج الشيخ محمد باقر النجفي الأصفهاني من تلاميذ الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سرّهما ـ بعد ان تعطّلت الأسواق ، ودفن هناك في الأيوان الشمالي الشرقي ، رحمة الله عليه رحمة واسعة.

ومن طريف البيان ، أن سمع منه أنه كان يقول : نعم اليوم يوم الأربعاء ، ولعلّه كان يشير إلى هذا البيت الفارسي :

خرّم آن روز كه زين منزل ويران بروم

پى جانان طلبم در پى آنان بروم

مراثيه :

رثاه جمع من العلماء والشعراء ، منهم :

١ ـ العلاّمة الحجة الحاج السيد مجتبى الصادقي أدام الله أيامه رثاه بأبيات أرّخ فيها سنة الوفاة أيضا :

لهفي لموت البطل العليم

ذي المجد ثم الحسب القديم

أف لدهر يقتطف ثمر الهدى

من دوحة العلم ذي النسب الكريم

فأردت أن أؤرّخ عام وفاته

ليكون تذكرة الأخلاف والحميم

ألحق إلى المجموع سبعا ثم قل

« نرجو لمجد العلم مثوى في النعيم »

( ١٣٦٢ ش ).

٢ ـ ومنهم : الأديب الأستاذ علي المظاهري ، قال في أبيات بالفارسية :

٤٩

مجد العلماء ومجد دين رفت

آن عالم عالم يقين رفت

آن مظهر زهد وپارسائى

آن رهبر راه راستين رفت

از مجمع عالمان معلم

از حلقه زاهدان نگين رفت

محراب نشين مسجد نو

بر منبر عرش از زمين رفت

آن دم كه از اين جهان به جنّت

آن پاك نهاد پاك بين رفت

تاريخ وفات او رقم شد

« رونق ده علم وحصن دين رفت »

( ١٣٦٢ ش ).

والشطر الأخير الّذي نظم فيه التاريخ هو للأستاذ الأديب السيد قدرة الله الهاتفي وفقه الله تعالى.

مصادر الترجمة :

ترجمته بقلمه ـ أمجدية : ١١ الطبعة الثالثة.

تاريخ علمي واجتماعي أصفهان در دو قرن أخير ٢ : ٤١٧ و ٣ : ١٦٢.

دانشمندان وبزرگان أصفهان : ٣٢٩.

گنجينه دانشمندان ٥ : ٣٨٤.

نقباء البشر ٢ : ٧٥٣.

جريدة عرفان ( شهر فروردين ١٣٢٢ ش ).

٥٠

مقدمة المؤسسة :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله منتهى الحمد والصلاة والسلام على عبده المجتبى ونبيه المصطفى ، وعلى أهل بيته المعصومين أحباء الله وأصفيائه الطيبين الطاهرين.

جاءت الشريعة الإسلامية السمحاء المتلقاة من لدن عليم خبير كاملة متكاملة ، لتصوغ وتربي البشرية على هديها ومنهاجها القويم من أجل السير بها حثيثا نحو الكمال المنشود.

فلم يواجه المسلم في زمن النص والتشريع مشاكل حادة من أجل تحديد تكليفه الشرعي ، إذ كان يعيش في أجواء الرسالة فيستلم الأحكام بشكل حي مباشر ، معتمدا في فهمها على الذوق اللغوي المتعارف عليه ، وعلى معرفته التامة بظروف وملابسات الحكم.

بل حتى بعد عصر النص بقليل ، كانت لوفرة الروايات الموروثة ، وقلة المسائل الجديدة المثارة ، يساعدان على استخلاص الحكم الشرعي بسهولة ويسر بالاعتماد على التواتر والاستفاضة في الاخبار ، بالشكل الّذي يجعل الرّأي القائل بحجية الخبر الواحد في غير محله ، لأنه يبقى في مجال الظن الّذي يمكن أن يلغيه يقين الاستفاضة والتواتر.

٥١

وعليه فقد كان النص الشرعي واضحا في معناه وفهمه ودلالته وقطعية صدوره ، وفي جملة الملابسات والظروف التي أحاطت به.

وضمن هذه الظروف لم تواجه الشريعة فراغا أو فجوات تفرضها حوادث طارئة متكثرة ، ولم يكن المكلف يعاني من أزمة في النص أو في تحديد التكليف الشرعي ، ولم يكن الممارس للعمل الفقهي يعاني مشقة كبيرة في استحصال الحكم الشرعي لمحدودية أدوات الاستنباط المترسخة في الذهن.

ولكن هذه الحالة لم تستمر طويلا ، إذ بانتهاء عصر النص والتشريع ـ أي سنة ٣٢٩ ه‍ وهي ابتداء الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه السلام وكلما زاد البعد عنه ، بدأ وضوح النص يخفت تدريجيا ، ويواجه إشكالات عديدة تطال أكثر الاجزاء المكونة له ، أي معناه وقاطعية صدوره ... إلخ.

وبدأ الفاصل الزمني يفعل فعله القاهر كحاجز كبير بين النص ومكوناته ، وبين الفقيه وممارسته الفقهية.

فقد أصبحت الحاجة ملحة لأن تقعّد هذه النصوص ويوضع نظام عام لها مضبوط ومحكوم بأصول وقواعد مشتركة تستخلص من جملة هذه النصوص لتنضوي تحتها العديد من العناوين الفقهية القديمة أو المستجدة.

وهذا ما بدأ يمارسه الفقهاء مستندين بذلك على البيان الشرعي ـ الكتاب الكريم والسنة ـ إذ كان الأئمة عليهم السلام باعتبارهم أمناء الرسالة يعون أبعاد الثغرة التي ستحدث ، لذا كانوا يغرسون بذرة التفكير الأصولي في أذهان أصحابهم ، ويوضحون لهم بعض القواعد الأساسية العامة لتكون هي المستند الكاشف عن الحكم الشرعي « كل شيء طاهر حتى تعلم انه نجس » وكجملة من الروايات الواردة في التوفيق بين النصوص المتعارضة وحجية خبر الثقة ... إلخ.

ومستندين أيضا على الإدراك العقلي القائم على أساس الحس والتجربة

٥٢

أو البداهة أو التأمل النظريّ ، وله مستويات متباينة من حيث المنابع المنتجة له ، ومن حيث درجة اليقين التي يوفرها ، وفي البحوث المفصلة مناقشات واسعة في ذلك.

وهكذا بدأ علم الأصول يكشف عن نفسه ويستقل بها عن العلوم التي نشأ بإحضانها أو رافقها تاريخيا لظروف معينة ، ويطرح نفسه باعتباره الإجابة الوحيدة الممكنة للمشكلات السابقة ، وباعتباره الإطار النظريّ للممارسة الفقهية. وكأي علم حي نام تستثيره المشكلات من الخارج كما يتابع هو الأسئلة من الداخل استطاع علم الأصول وعلى مر السنوات ان يتسع ويغتني تبعا لتوسع البحث الفقهي للعلاقة الطردية العميقة القائمة بينهما ، ومستفيدا كذلك من العلوم الأخرى حتى وصل في الوقت الحاضر إلى قمة اكتماله ونضوجه.

وبرز في هذا العلم من خلال مدرسة الوحيد البهبهاني الأصولية الكبرى كل من الشيخ الأنصاري والآخوند الخراسانيّ والميرزا النائيني والشيخ الأصفهاني و ... وغيرهم.

ولعل الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم ، ومؤلفه العلاّمة آية الله الشيخ أبو المجد محمد رضا الأصبهاني المتوفى سنة ١٣٦٢ ه‍ ، هو أحد تلك الشواهد البارزة في ذلك العلم الرحيب.

وحرصا من مؤسسة آل البيت على إخراج هذا السفر الجليل بالشكل الّذي يليق بمكانته العلمية عملت على تحقيقه ونشره ، أسوة بما تقوم بنشره من المؤلفات المهمة والقيمة لعلماء هذه الطائفة الاعلام.

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

٥٣

٥٤

٥٥
٥٦

سمطا اللّئال في مسألتي الوضع والاستعمال

تصدير (١)

لا يخفى أنّ هذه الرسالة جزء من كتابنا المسمّى ( وقاية الأذهان والألباب ولباب أصول السنّة والكتاب ) الموضوع في فنّ أصول الفقه ، وقد أفرزتها عنه ، لدواع ، أهمّها : أنّ إيضاح عدّة من مسائلها كان متوقّفا على استطراد بعض المباحث الأدبيّة ، وسرد الشواهد الشعرية ، وفي ذلك ما تنبو عنه طبائع كثير ممّن يتعاطى فنّ أصول الفقه في هذا الزمان ، ولا أقول جميعهم ، وربّما أخذ بعضهم ذلك طعنا عليّ ، ونقصا في ذلك الكتاب ، فليقل من شاء ما شاء ، ولكنّ الفاضل البصير يعلم أنّ أوضاع العلوم يدور بعضها على بعض ، والاستعانة على فنّ بفنّ آخر إن كان يعدّه ذنبا فإنّي وايم الحقّ يسرّني أن أكون في صفّ يعدّهم من المذنبين ، فيه شيوخ العلم وأئمّة الدين.

هذا ، على أنّها ـ كما ذكرت في أوّلها ـ نمط جديد من العلم فيحقّ لها الاستقلال ، وأن تعدّ مدخلا لسائر العلوم ، والحمد لله أوّلا وآخرا.

__________________

(١) صدّر المصنّف رحمه الله مباحث الألفاظ بهذه الجمل التي لا تخلو من فائدة تاريخية.

٥٧
٥٨

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي الحمد لله الّذي رزقنا بصائر تنفذ المجازات (١) ، فلا تراها (٢) إلاّ الحقائق ، ووفّقنا لاستعمال أفهامنا فيما وضعت له من معرفة الدقائق.

والصلاة على محمد وآله ما دلّت الألفاظ على معانيها ، وبدا خافيها لمعاينها.

وبعد : فهذا نمط جديد من العلم ، ونظام فريد لجيد الفضل ، وأساس تبنى عليه علالي (٣) مسائل مهمّة ، ونبراس (٤) تنجاب (٥) بنوره حنادس (٦) معضلات

__________________

(١) يناسب ما يأتي من أنّ المجازات حقائق في الحقيقة. ( منه ره ).

(٢) في نسخة : فلا نرى بها.

(٣) جمع عليّة : وهي : الغرفة ( منه ره ) وانظر القاموس المحيط ٤ : ٣٦٨ ( علو ) والصحاح ٦ : ٢٤٣٧ ، ومجمع البحرين ١ : ٣٠٣ ( علا ).

(٤) النبراس : المصباح. الصحاح ٣ : ٩٨١ ( نبرس ).

(٥) انجابت السحابة : انكشفت. الصحاح ١ : ١٠٤ ، انجاب عنه الظلام ، انشقّ. لسان العرب ١ : ٢٨٥ ( وجوب ).

(٦) جمع حندس : الليل الشديد الظلمة. الصحاح ٣ : ٩١٦ ( حدس ) ، القاموس المحيط ٢ : ٢٠٩ ( الحندس ).

٥٩

جمة ، وأصول محكمة الدلائل تحلّ بها مصمئلات (١) المسائل ، وما هي إلاّ بيان الحال في المهمّين : الوضع والاستعمال.

ولا بدّ لمن يزاول العلوم الباحثة عن الألفاظ ـ على تكثّر فنونها ، وتشعّب أفنانها (٢) ـ من معرفة هذين الأصلين ، لأنّ جميع مباحثها يرجع إليهما ، ولا تدور أوضاعها إلاّ عليهما.

فمن بحث عنهما بعد إتقان عرفانهما ، فقد متّ (٣) إليها بأسبابها ، ودخل خمائلها (٤) من أبوابها ، والمعرض عنهما كالساري في الظلام بلا مصباح ، ولا غرو إذا ذهب تعبه إدراج الرياح.

وقد وضعت لبيانهما هذه الرسالة ، وسمّيتها : ( جليّة الحال ـ أو ـ سمطا اللئال في معرفة الوضع والاستعمال ).

ورتّبتها على فصلين ، ذكرت في أولهما المباحث المتعلّقة بهذين الأصلين ، وفي ثانيهما عدّة من الحقائق الراهنة التي تعرف بمعرفتها.

وها أنا أجلّيها على ذوي الأفهام ، وأعرضها ـ عرض السابري (٥) ـ على فضلاء الأنام ، وظنّي ـ وظنّ الألمعيّ (٦) يقين ـ أن سوف ينفق في سوق العلم هذا

__________________

(١) جمع مصمئلّة : الداهية. الصحاح ٥ : ١٧٤٦ ، القاموس المحيط ٤ : ٤ ( صمل ).

(٢) جمع فنن ، بمعنى : الغصن. الصحاح ٦ : ١٢٧٨ ، القاموس المحيط ٤ : ٢٥٨ ( فنن )

(٣) متّ ، أي ، توسّل. الصحاح ١ : ٢٦٦ ، ( متت ) ، القاموس المحيط ١ : ١٥٧ ( المتّ ).

(٤) جمع خميلة ، والمراد منها : البستان ( منه ره ). وانظر الصحاح ٤ : ١٦٨٩ ، والقاموس المحيط ٣ : ٣٧١ ( خمل ).

(٥) السابري : ثوب رقيق جيّد يرغب فيه بأدنى عرض. ( منه ره ) وانظر : الصحاح ٢ : ٦٧٥ ـ ٦٧٦ ، والقاموس المحيط ٢ : ٤٤ ( سبر ).

(٦) الألمعيّ : الذكيّ المتوقّد. الصحاح ٣ : ١٢٨١ ، القاموس المحيط ٣ : ٨٢ ، مجمع البحرين ٤ : ٣٨٨ ( لمع ).

٦٠