وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

والسرّ المكتوم الّذي لم يمكنهم عليهم السلام إظهاره!؟ كما سمعت من السيد الأستاذ.

كيف وقد أظهروا ذلك السرّ ، وأماطوا عنه الستر ، وشدّدوا في الإنكار على من صامه تشديدا لا يليق إلاّ بمرتكب الكبائر ، وأوعدوا وعيدا لا يستحقّه إلاّ المقدم على أعظم الجرائر ، فجعله الرضا عليه السلام « صوم ابن مرجانة » (١).

وجعل الصادق عليه السلام « حظّ من صامه حظّ ذلك الدعيّ » (٢).

وقال عليه السلام في رواية أخرى : « فمن صامه ، أو تبرّك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب ، مسخوطا عليه » (٣).

أترى مع ذلك رجحانا لصوم هذا اليوم النحس!؟ لا ومن استشهد فيه ، إلاّ أن يكون الحشر مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطا عليه ثوابا يرغب فيه.

بل ولو لا خوف الإجماع ـ وما الإجماع ممّا يرهب في أمثال هذه المسائل ـ لقلنا : إنّ صومه حرام كحرمة صوم العيدين ، ولو كان أشدّية العقاب الموعود على الفعل دليلا على أشدّية الحرمة لقلنا : الإثم فيه أعظم.

ومن تأمّل رواية عبد الله بن سنان التي رواها الشيخ في مصباح المتهجد ، وقول الصادق عليه السلام فيها : « صمه من غير تبييت ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله صوم يوم كملا ، وليكن إفطارك بعد [ صلاة ] (٤) العصر بساعة » (٥) وضمّ إليه قول جدّه صلّى الله عليه وآله في جوامع الكلم : « لا صيام لمن لم يبيّت الصيام » (٦) وضمّ إليه إجماع المسلمين على أنّ الصوم المشروع إفطاره غروب

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٤٦ ـ ٥ ، التهذيب ٤ : ٣٠١ ـ ٩١١ ، الاستبصار ٢ : ١٣٥ ـ ٤٤٢.

(٢) الكافي ٤ : ١٤٧ ـ ٦ ، التهذيب ٤ : ٣٠١ ـ ٣٠٢ ـ ٩١٢ ، الاستبصار ٢ : ١٣٥ ـ ٤٤٣.

(٣) الكافي ٤ : ١٤٧ ـ ٧.

(٤) الزيادة من المصدر.

(٥) مصباح المتهجّد : ٧٢٤.

(٦) عوالي اللئالي ٣ : ١٣٢ ـ ٥.

٣٨١

الشمس علم أنّه عليه السلام بيّن فساد هذا الصوم بأحلى عبارة في ذوق أهل الفضل ، وسلك في أحسن مسالك الفصاحة وأنه من قبيل قول الشعبي لمن سأله عن الصلاة خلف الحائك : يجوز من غير وضوء.

ولو ادّعي القطع على أنه لم ينطبق عليه عنوان آخر سوى العنوان المبيّن المعلوم ، وهو التشبّه بأعداء الله ونحوسته الحاصلة بوقوع الحادث العظيم فيه لكان في محلّه.

ولو حلف حالف على أنّ النهي متعلّق به في الحقيقة ـ لا بالعرض والمجاز ـ نهيا مولويّا لا إرشاديّا لم يكن حانثا.

نعم لو لا انطباق هذا العنوان الّذي لا ينفك عنه لكان كسائر الأيام ، بل ولعلّه كان مستحبا.

وهذا أحسن جمع بين النهي الوارد عن صومه وبين أكثر الأخبار الواردة في فضله ، فيقال : إنه كان مستحبا مؤكّدا قبل يوم الطف ، وبعده لزمه عنوان فساد لا يزول ، ومفسدة لا تقوى لها ألف مصلحة.

وقد اعترفوا بمواظبة الأئمة على تركه ، ونهيهم الشيعة عنه ، وجعلوه من باب أرجحيّة الترك.

ولا يخفى أنّ الأرجحيّة لا توجب ترك المرجوح ، ولا نهي الشيعة عن فعله ، بل عهدناهم ـ والسلام على جميعهم ـ يأتون بصنوف العبادات راجحها ومرجوحها ، ويأمرون شيعتهم بجميعها.

وببالي ورود النهي عن الترك الدائم للمرجوح بتعليل أنّ لكلّ عمل حقّا ، أو ما يقرب منه ، يراجع.

ولو كانت الأرجحيّة توجب ترك الراجح والنهي عنه لوجب أن لا يقرأ من القرآن إلاّ سورة التوحيد ، وينهى عن قراءة غيره ، وعن إتيان الفرائض في غير المساجد بل وعن المساجد إلاّ المسجد الأعظم.

٣٨٢

ومن المشهور أنهم عليهم السلام كثيرا ما يفعلون المرجوح المكروه لبيان الجواز ، فهلا صاموا يوم عاشوراء مرّة واحدة لبيان الراجح المستحب.

وبالجملة ، أنّ ظني بفكرك الحرّ أنه لا يعدل عن الحقّ الأبلج (١) الّذي عرفته ، ولا يحتاج بعده إلاّ تصوّر عبادة مكروهة مأمور بها.

وإن أبيت إلاّ عن تصوّرها ، فعليك بما حقّقه في الفصول ، ولخصه الفاضل المقرّر ، فقال :

« ومحصّله أنّ كراهة العبادة عبارة عن رجحان تركها بقصد القربة على وجه يكون القيد المذكور داخلا في المطلوب ، ولا غائلة في ذلك لأنّ رجحان الفعل يقتضي مرجوحيّة الترك على وجه الإطلاق لأنّه نقيضه.

وأمّا الترك المقيّد بقصد القربة فلا ضرر في اتّصافه بالرجحان مع القيد المذكور ، كما أنّ الصوم راجح فعله ، وتركه مقيّدا بإجابة المؤمن أيضا راجح ، ولا مناقضة بينهما ، لاختلاف محلّي الراجحيّة والمرجوحيّة.

وبالجملة فالصلاة [ في الحمام ] (٢) فعلها راجح بقصد القربة ، وتركها أيضا راجح بقصد القربة من دون مدافعة ، وإنما التدافع بين رجحان الفعل ورجحان الترك ».

هذا ملخّص كلامه وإن أطال في بيان مرامه ، ثم قال :

« وفيه أوّلا : أنّ ذلك مبني منه على أن تكون القربة من القيود اللاحقة للمأمور به ، كأن يكون القيد المذكور من وجوه المطلوب ، وقد تقدّم في بحث المقدّمة ما يوضح فساد هذا التوهم.

لا يقال : ما ذكره لا يبتنى على ذلك ، بل يتم على تقدير كونه من لواحقه بعد طريان الأمر عليه أيضا.

__________________

(١) بلج الحق : إذا وضح وظهر ، مجمع البحرين ٢ : ٢٧٨ ( بلج ).

(٢) الزيادة من المصدر.

٣٨٣

لأنا نقول : إنّ اختلاف الماهيّة بالقيد لا يعقل إلاّ أن يكون ذلك القيد من لواحقه ، وإلاّ فكيف تختلف تلك الماهيّة بطريان القيد ، وهو ظاهر.

وقد صرّح أيضا في باب الأوامر أنّ إطلاق الأمر ممّا يمكن التمسك به عند الشك في التعبديّة ، فراجعه.

وثانيا : لو أغمضنا عن ذلك ، وقلنا بأنه يصحّ أن تكون القربة قيدا للمأمور به ، فنقول :

ما أفاده فاسد أيضا ، حيث إنّ المحذور في التقرّب بترك ما فعله ممّا يتقرّب به ، فإنه هو التناقض اللازم في المقام ، ومن الواضح أنّ اتّصاف طرفي النقيض بالتقرب أمر محال.

نعم يصح ذلك في القيود التي تكون من قبيل إجابة المؤمن ، فالصوم من حيث كونه صوما مستحب فعله ، وتركه من حيث إنه إجابة للمؤمن يمكن أن يكون مستحبا ، فالتقرب به ليس تقرّبا بترك الصوم ، بل بعنوان الإجابة المتحدة مع الترك ، وبذلك يظهر بطلان المقايسة المذكورة » (١).

هذا الملخّص لا يطابق ما لخصه منه تمام المطابقة ، ولو كان بالنقص لهان أمره ، ولكن زاد فيه قوله : « على وجه يكون القيد داخلا في المطلوب » وهذه الزيادة زادت الإشكال قوّة على ضعفه بعد.

ولو لا كلال الخاطر وخشية سأم الناظر ، لنقلت عبارة الفصول بتمامها ، ونبّهتك على مواضع الاختلاف بينها وبين هذا الملخّص ، وأنا أبتني عليه ، وأقول :

إنه وإن عبّر في أول كلامه بلفظ القيد ، ولكن قد ذكرنا في بحث المقدّمة الموصلة أنّ صاحب الفصول كثيرا ما يطلق مادّة القيد وما يشتق منها ، ولا يريد به المعنى المصطلح ، بل يريد مطلق اعتبار الشيء ومدخليّته بأيّ نحو كان من

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٣٤.

٣٨٤

أنحاء الاعتبار ، ولو تفحّصت لوجدت ذلك في كلام غيره أيضا.

وقد فسّر ذلك في بحث قصد الأمر ، فقال : « المطلوب في الأمر المطلق حصول الفعل مجرّدا عن القيدين ، أي من غير اعتبار شيء منهما » (١).

ولو لا ما قلناه لم يكن وجه لتفسير الواضح ، فمؤاخذته على ذلك مؤاخذة على اللفظ ومشاحّة فيه.

ثمّ ما ذكره من ابتناء ذلك على أن تكون القربة من القيود اللاحقة للمأمور به ، فدعوى لا شاهد عليها ، ولا أنه مذهب صاحب الفصول في مسألة اعتبار قصد القربة ، ولا ابتناء لهذا الجواب على ذلك أصلا ، بل هو مبني على انقسام متعلّق الأمر إلى قسمين المستلزم لانقسام الترك إليهما أيضا ، وهذا أمر واضح ، إذ الأمر ينقسم إلى توصّلي لا تعتبر فيه القربة ، وتعبّدي تعتبر فيه ، ومهما كان وجه اعتباره يحصل الانقسام ، فلا موقع لقوله : « لا يقال .... ».

وقد علّم هذا الفاضل الموالي حيلة يحتالون بها على اعتبار قصد القربة بالأمر بالفعل أوّلا ، والتبسه بالمقصود ثانيا ، وتلك الحيلة جارية في المقام ، وكافية فيه.

وبالجملة ، اعتبار القربة في المطلوب الواقعي ممّا لا شكّ فيه ، ولا ينازع فيه أحد وإن اختلفوا في وجه اعتباره ، فالانقسام بحسب الواقع حاصل ، وهذا يكفي صاحب الفصول أمكن اعتباره في الأمر أم لا.

ولله درّ فراسة العمّ ، فقد علم أنّ كلامه لغموضه يخفى على أوائل الأنظار ، فقال آخر البحث : « وعليك بإمعان النّظر فيه ، فإنه من الغموض بمكان » (٢).

صدق ـ طاب ثراه ـ لو كان هذا الفاضل أجاب ملتمسه ، وأمعن النّظر لم

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٦٩.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٣٣.

٣٨٥

يكن يخفى على مثله في نبله وفضله ، إنّ لازم ذلك ـ بعد الانقسام المذكور ـ ليس التناقض الّذي توهّمه ، والترك المتقرّب به ليس نقيضا للفعل المطلق ، ولا بعد في أن يكون لكلّ من الفعل مع القربة وتركه كذلك ، مصلحة تدعو الآمر إلى الأمر بهما ، فيحصل التقرّب بكلّ منهما.

على أنّ صاحب الفصول ممّن يذهب إلى إمكان كون المصلحة في الأمر ، وقد قال هذا الفاضل في خاتمة كلامه :

« نعم يصح ذلك في القيود التي تكون من قبيل الإجابة للمؤمن ، فالصوم من حيث إنّه صوم مستحب ، وتركه من حيث إنّه إجابة للمؤمن يمكن أن يكون مستحبّا ، فالتقرب به ليس تقربا بترك الصوم (١) ، بل بعنوان الإجابة المتّحدة مع الترك ، وبذلك يظهر بطلان المقايسة المذكورة » (٢).

كلاّ ، لم يظهر بطلان المقايسة بل ظهر أنّ هذا الفاضل بعد هذا النزاع ، شديد نزع إلى قول الفصول ، بل اعترف بمقالته بعد تغيير لفظ التقييد بالقربة إلى التقييد بعنوان الإجابة ، وعلى هذا جرى في الوجه الّذي جعله حاسما للإشكال في العبادات المكروهة التي لا بدل لها من جنسها ، فقال :

« لا ضير في أن يكون طرفا النقض من شيء واحد ولو من حيث اندراجهما (٣) تحت عنوان آخر ذي مصلحة مقتضية لهما (٤) ، كفعل الأكل المندرج تحت عنوان إجابة المؤمن [ المستلزم ] (٥) لترك المندرج تحت عنوان الصوم ، وحيث إنّه لا يسعنا الجمع بين المتناقضين ، فلا محالة يصير التكليف بهما تكليفا على وجه التخيير بين الفعل

__________________

(١) تأمّل فيه ، إذ الجهة تعليليّة ، فهو بمنزلة قوله : أكرم زيدا لأنه عالم ، ولا تكرمه لأنه فاسق. ( منه ).

(٢) مطارح الأنظار : ١٣٤.

(٣) في الأصل والمصدر : اندراجها. وما أثبتناه هو الصحيح.

(٤) في المصدر : للأمر بهما.

(٥) زيادة يقتضيها السياق.

٣٨٦

بعنوانه والترك بعنوانه » (١).

ثم بعد تطويل وإسهاب ، قال : « لعلّ وجه الأمر والنهي هو أن يكون الفعل والترك بداعي الأمر والنهي لحصول الامتثال ، وليس المقيّد في المقام هو القربة ، كما زعمه بعض الأجلّة ، بل المقيّد هو العنوان الخارج الملازم ، والقربة إنما هي معتبرة فيه » (٢).

نشدتك الله تعالى ، إلاّ أن تقابل هذا الوجه الّذي يرجى بقوله : لعلّ ، أن يكون حاسما للإشكال ، وبين كلام الفصول ، فهل تجد فرقا يصلح للفارقيّة بينهما؟ إلاّ أنه غيّر لفظ التقييد بالقربة إلى التقييد بالعنوان لظنّه عدم إمكان التقييد بها.

وقد عرفت أنّ عمدة جواب الفصول التي بنى أساس الجواب عليها ، تقسيم كلّ من الفعل والترك إلى عباديّ وغير عباديّ ، وبه تخلّص عن التكليف بالنقيضين ، وعرفت أنّ صاحب الفصول لا ينكر العنوان الّذي صار سببا للحكم ، بل لا بدّ له منه إن لم يكن الصلاح في نفس الطلب.

ثمّ راجع وجدانك ، فهل يسعه إلاّ الاعتراف بأنّ هذا بضاعة الفصول ردّت إليه بعد ما اعترض عليه؟ أليس قوله : « لعلّ وجه الأمر والنهي هو أن يكون الفعل والترك بداعي الامتثال » (٣) هو بعينه مطلب الفصول؟ فلتكن القربة هي العنوان ، أو تكون معتبرة في ذلك العنوان الّذي ربّما يجهل.

وقد علّل نفسه ـ فيما أسقطناه من كلامه ـ بأنه لا حاجة إلى معرفته تفصيلا ، فأيّ فرق يحصل في المقام؟

ولو سلّمنا أنّ صاحب الفصول يجعل العنوان نفس القربة ، وأغمضنا عمّا تقدّم من المنع وبيان سنده ، فهذا الفاضل ينازعه في مسألة أخرى محلّها باب

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٣٧.

(٢) مطارح الأنظار : ١٥٥.

(٣) مطارح الأنظار : ١٥٥.

٣٨٧

الأوامر.

وأما الجواب ، فهو ذلك الجواب ، ولكن سلبه بزّته (١) بعد ما أخلق ديباجته ، لأنّ الفصول جعل متعلّق كلّ من الطلبين غير متعلّق الآخر ، فصحّ جوابه حتّى على القول بامتناع الاجتماع.

وأما هذا الفاضل وجّهه بما لا يرضى به حتى القائل بالجواز ، لأنّه وجّه الطلبين في أول كلامه إلى النقيضين ـ راجع أول كلامه المنقول ـ غايته كلّ بجهة ، وفيه وفي أمثاله لا بدّ من وقوع الكسر والانكسار بين المصلحتين شأن كثير من الواجبات والمحرّمات ، إذ قلّما تجد واجبا خاليا من جميع جهات الصلاح ، أو محرّما ليس فيه وجه للصلاح ، وقد قال تعالى في المحرّمين العظيمين : ( فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ )(٢) فإذا اجتمع طلب الصوم مع طلب تركه لإجابة المؤمن فلا بدّ من فعليّة أحدهما ، وعدم فعليّة الآخر ، فإذا كانت مصلحة الإجابة هي الأشدّ ، فلا يعقل تعلّق الطلب الفعلي بالصوم.

وهذا أوضح من أن يخفى على مثل هذا الفاضل ، ولكنه يراوغ (٣) عن انقسام كلّ من متعلّقي الطلبين إلى قسمين ، كما حقّقه صاحب الفصول ، ثم لا يجد بدّا من الاعتراف به ، كما هو مقتضى سائر كلامه.

( اجتماع الأسباب )

حكى الفاضل النراقي عن بعض مجوّزي اجتماع الأمر والنهي الاستدلال بإجزاء غسل واحد عن الجنابة والجمعة ، زعما منه أنّ ذلك من باب

__________________

(١) البزّة بالكسر : الهيئة. الصحاح ٣ : ٨٦٥ ، مجمع البحرين ٤ : ٨ ( بزز ).

(٢) البقرة : ٢١٩.

(٣) أي : يميل إليه في خفاء. مجمع البحرين ٥ : ١٠ ( روغ ).

٣٨٨

اجتماع الواجب والمندوب ، فيكون من باب اجتماع الحكمين (١).

وهذا من طريف الاستدلال ، لأنّ لفظ الإجزاء الّذي ورد في النص وفتاوى الفقهاء ، وجعله هذا المستدل عنوان دليله ، معناه : الاكتفاء الّذي معناه عدم الاجتماع إذ لو كان الآخر ـ الكافي عنه ـ موجودا لم يكن ذلك اكتفاء ، كما في سائر موارد إطلاق هذين اللفظين.

فالإجزاء في الغسل نظير إجزاء صلاة الفريضة عن تحيّة المسجد ، حيث إنّ الغرض من تشريع صلاة التحيّة أن لا يخرج الداخل فيه إلاّ بصلاة ، ويحصل هذا الغرض بالفريضة ، ولا يبقى مقتض لصلاة التحيّة ، لا أنّ الظهر ـ مثلا ـ وهي أربع ظهر ، وتحيّة وهي ركعتان.

وكذلك الغسل فإنّ الغرض منه الطهارة عن الأوساخ الواقعيّة ، والكون على الطهارة في أوقات وأمكنة خاصة ، وبعد غسل الجنابة يحصل الغرض ولا يبقى محلّه.

نعم لعلّ له وجها على بعض الأقوال في تلك المسألة من لزوم نيّة الجمع ونحو ذلك ، فإنّ المسألة ذات أقوال كثيرة.

وكان الأولى بهذا المستدلّ أن يستدلّ بالتعليل الوارد في الميّت الجنب ، من قولهم عليهم السلام : « يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة » (٢).

وعدّ بعضهم مطلق تداخل الأسباب من الاجتماع ، واستدلّ بها على الجواز.

ولكي يتّضح الحال في تداخل الأسباب يلزم النّظر في أقسام المسبّبات ،

__________________

(١) مناهج الأصول : الورقة : ٣٠.

(٢) الكافي ٣ : ١٥٤ ـ ١ ، الفقيه ١ : ٩٢ ذيل حديث ٤١٩ ، التهذيب ١ : ٤٣٢ ـ ١٣٨٤ ، الاستبصار ١ : ٩٤ ـ ٦٨٠.

٣٨٩

وإذا تأمّلتها وجدت منها : ما لا يقبل التعدّد ، ولا الشدّة والضعف ، ومنها : ما يقبلهما معا ، ومنها : ما يقبل الأول دون الثاني ، ومنها : ما يقبل الثاني فقط كالقتل والضرب والنّظر إلى الشيء وصبغ الثوب.

فالمسبّبات الشرعية إن كانت من قبيل الأول ، فلا شك أنّ الأثر للسبب المتقدّم ، والأسباب اللاّحقة لا أثر لها لعدم إمكان حصول الشيء الواحد مرّتين.

وإذا كانت من قبيل الثاني ، فمقتضى القاعدة تأثير الجميع كيفيّة وعددا ، كما هو الحال في القسم الثالث بحسب التعدّد ، وفي الرابع بحسب الكيفيّة.

فإذا اجتمعت أسباب القتل فالأثر للسبب الأول ، ولا تأثير للأسباب اللاّحقة بمقتضى القاعدة ، بخلاف التعزير بالسوط ، فإنه يتعدّد بتعدّد الأسباب وتؤثّر في الشدّة لو فرض اختلاف أقسامه فيها.

ولا بد في الرابع من تأثير ذي الأثر الزائد ولو تأخّر وجوده.

وعلى ذلك إذا تعدّدت أسباب غسل الجنابة ، فالمؤثّر الجنابة الأولى ولا تأثير لغيرها إلاّ إذا كانت ذات أثر زائد كنجاسة العرق في الحاصلة عن الحرام ، فهو كأسباب النجاسة الخبثيّة لا يتعدّد إلاّ إذا كان أحد أسبابها الولوغ مثلا.

ويمكن أن يكون كذلك مع الحدث الأصغر ولهذا يرتفع بالغسل إذا الرافع للشديد رافع للضعيف.

وهذه أمور محتملة في مقام الثبوت ، وتعيين أحدها في مقام الإثبات وظيفة الدليل ، ومع الشك فالمرجع البراءة إذ الشك في تأثير الزائد ، كما أنّ الأصل الاشتغال بعد قيام الدليل على التأثير ، والشك في ارتفاع الجميع بفعل واحد.

وهذا ما يعبّر عنه بتداخل المسبّبات ، والبحث عن ذلك خارج عن المقام ، وتعرف تفصيله ـ إن شاء الله ـ في مسألة مفهوم الشرط ، وقد جرت العادة على التعرض له هناك.

والفرض أن جميع ذلك بمعزل عمّا يرومه المستدلّ ، ولو ثبت بالدليل

٣٩٠

التداخل في الأسباب أو المسبّبات في باب الأغسال لكان الوجه فيه ما عرفت.

وإنّما يجديه لو ثبت بالدليل وجود ماهيّتين في فرد واحد ، إحداهما متعلّقة الوجوب ، والأخرى [ متعلّقة ] الندب ، وليس في باب الأغسال ما كان من هذا القبيل ـ فيما يحضرني الآن ـ إلاّ ما عرفت من اجتماع الجنابة وغسل الميّت ، فإنّ ظاهر الرواية اجتماع واجبين كما عرفت ، وإن كان أمثال هذه الأمور ممّا يستدلّ به على اجتماع الحكمين فخير له التمسك بالنافلة المنذورة ، فإنّ آثار كلّ من التكليفين بادية عليها من عدم جواز الترك وثبوت العقاب عليه ، ومن بقاء آثار الاستحباب كعدم اشتراط السورة ، وجواز إتيانها على الراحلة ، فيكشف وجود أثر كلّ منهما على وجودهما.

وهذا أحد الوجوه المتصوّرة فيها ، والكلام عليها وبيان المختار منها خارج عن المقام ، وإن شئت التفصيل فعليك بما ذكرناه في مسألة نذر التطوّع في وقت الفريضة من كتاب كبوات الجياد في ميدان نجاة العباد ـ أو ـ نجعة المرتاد في شرح نجاة العباد (١) ، فإني ـ ولا أمدح نفسي ـ أوضحت فيه تلك المسألة المشكلة بما لم أسبق إليه.

وأما المانعون فلهم حجج قويّة ، راجع ما قرره الإمامان في الكتابين (٢) ، وغيرهما من المشايخ ، فإنّ ثمّ ما ذكرناه من انضماميّة التركيب ووجود الماهيّتين معا في الخارج وإلاّ فلا مناص عن القول بالامتناع.

__________________

(١) مخطوط.

(٢) الشيخ محمد حسين في الفصول والشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين.

٣٩١

( القول الثالث من أقوال الاجتماع )

وأما القول الثالث وهو الجواز عقلا والامتناع عرفا ، فقد رموه بالضعف.

قال في الكفاية ما لفظه : « لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع إلاّ طريق العقل ، فلا معنى لهذا التفصيل ـ إلى أن قال ـ وقد عرفت أنّ النزاع ليس في خصوص مدلول صيغة الأمر والنهي بل في الأعمّ فلا مجال لأن يتوهّم أنّ العرف هو المحكّم في تعيين المداليل » (١). ومثله أو ما يقاربه كلام غيره ، ولا ثمرة في نقلها.

ولزعمهم أنّ هذا القول في غاية الضعف تبرعوا في التوجيه ، فقد قال في الكفاية ما سمعت.

وقال الفاضل المقرّر : « لعلّ الوجه فيه أنّه جمع بين دليل المجوّز من عدم اجتماع الضدّين في محلّ واحد ، وبين ما يظهر في العرف من فهم التعارض بين الأمر والنهي في مورد الاجتماع » (٢).

ثم أورد على هذا الوجه بكلام طويل ، ومن ألفاظه في خلاله : « أنّ العرف لا حكومة له في قبال العقل ، بل العرف مرتبة من مراتبه وطور من أطواره ، ولا يعقل اختلاف حكمي العقل والعرف في موضوع واحد ، مع أنّ العرف هم العقلاء » (٣).

وعندي توجيه هذا التوجيه أصعب من توجيه أصل القول ، والجمع بين هذا الإصرار على عدم إمكان الاختلاف بين العقل والعرف وبين ما هو المعلوم

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٦٧.

(٢) مطارح الأنظار : ١٥٠.

(٣) مطارح الأنظار : ١٥٠ ـ ١٥١.

٣٩٢

من الاختلاف بينهما ليس بأمر هيّن.

أليس العقل يحكم بعدم إمكان انتقال العرض عن المعروض؟ وأهل العرف يحكمون بانتقال لون الحنّاء إلى الكف ، وعدم وجود أجزائه فيه ، ويحكم الفقهاء بحكمهم ، فيقولون بطهارة الأجسام المصبوغة بالأصباغ النجسة. أليس الموضوع في أكثر موارد الاستصحاب ممّا يحكم العقل بعدم بقائه ويخالفه العرف؟

وكيف نفذ حكم العرف في البقاء وعدمه ولم ينفذ في الاجتماع وعدمه!؟

وبالجملة مخالفة العقل والعرف في موارد لا تحصى كثرة ليس بالأمر الّذي يخفى على مثله ، ولعلّه ـ طاب ثراه ـ يريد أمرا وراء ما فهمنا من كلامه.

وقال بعض أهل العصر ما لفظه : « لعلّ الوجه فيه أنّ متعلّق الأمر والنهي يكون متعدّدا بالنظر الدّقيق العقلي ، بناء على تعلّقهما بالطبائع ، حيث إنّهما متعدّدان ذاتا ، وفي مقام تعلّق الأحكام ولو كانا موجودين بوجود واحد يكون واحدا بالنظر المسامحي العرفي في مقام صدورهما عن المكلّف بلحاظ كونهما موجودين بوجود واحد ».

ثم أورد على هذا الوجه ـ الّذي لم يظهر لي معناه ـ بكلام طويل ، إن تمّ فهو وارد على ما توهّمه لا على صاحب هذا القول ، إلى غير ذلك ممّا لا أملك بنقله.

ومرجع الجميع حمل عدم الجواز العرفي في كلامه على الإمكان ، ومرجع الاعتراضات إلى أنّ الحكم بالإمكان وعدمه ليس من وظيفة العرف.

والظاهر أنّ الوجه اللائق بمثل قائله : أنه يريد عدم الجواز في مقام الامتثال بمعنى أنّ أهل العرف لا يرون إتيان المأمور به في ضمن الفرد المنهيّ عنه امتثالا للأمر.

وقد تكرّر في كلامهم أنّ الحكم في مقام الامتثال للعرف ، ولم يزل العلماء يستدلّون بمثله في أمثال المقام ، ويقولون : لو فعل كذا عدّ في العرف ممتثلا ، أو لم يعدّ فيه ، وإذا نازعهم خصمهم ، فلا ينازع كنزاع هؤلاء ، بل ينازع في الصغرى ،

٣٩٣

وهي عدم تسليم كونه في العرف كذلك.

فإذا حكم قوم ببطلان العبادة مع التكرار مستدلّين بأنه يعدّ في العرف لاعبا بأمر المولى لا ممتثلا ، فما ذا يكون حكمهم في محصنة نذرت أن تسرّ أحد أرحامها فمكّنته من نفسها ، فهل ترى أهل العرف يحكمون بأنها أدّت فرضها وبرّت نذرها ، أو يزيدون على الحكم بعدم الوفاء ، الحكم بأنها لاغية لاعبة مستخفّة طنّازة؟.

وبالجملة ، لا أظن فقيها يقول بالامتثال في أمثال هذا المثال.

وهنا وجه آخر ليس بأبعد من سابقه وهو الجواز عقلا وعدم الجواز شرعا ، بمعنى أنّ الشرط في صحّة العبادات عدم الإتيان بها في الفرد المحرّم ، لقولهم عليهم السلام : « لا يطاع الله من حيث يعصى ».

وقولهم عليهم السلام : « ما اجتمع الحرام والحلال إلاّ غلب الحرام الحلال » (١) ونحو ذلك ممّا عسى يظفر به المتتبّع في مسألة لباس المصلّي ومكانه ، فإن تمّ هذا ـ ولا يتم بعمومه ـ تكون الصلاة في الثوب المغصوب كالصلاة في الحرير ، وتكون أمثلة هذه المسألة في عداد مسألة النهي في العبادات.

( ثمرة النزاع في أصل مسألة الاجتماع )

إن كانت لهذه المسألة ثمرة مهمّة ، فهي الصلاة ونحوها في المكان واللباس المغصوبين ونحوهما إذا فرض اتّحادها أو بعض أجزائها مع الغصب ، فإنّها تصح على القول بالجواز ، وتبطل على القول بالمنع.

أما الصحّة ـ على الأول ـ فواضح ، لعدم الاجتماع الاتّحادي بينها وبين الغصب ، بل بما يشبه الاجتماع الموردي.

__________________

(١) عوالي اللئالي ٣ : ٤٦٦ ـ ١٧ ، والحديث مروي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

٣٩٤

وأما البطلان ـ على الثاني ـ فلا ينبغي الريب فيه ، لأن الشيء الواحد الّذي لا يحلّل إلى شيئين لا يمكن أن يكون مأمورا به ومنهيّا عنه ، حسنا وقبيحا ، مقرّبا ومبعّدا ، طاعة ومعصية ، إلى غير ذلك من ضروب التضادّ والتناقض.

فإذن يجب بحكم العقل إتيان المأمور به في ضمن غير الفرد المحرّم ، لأنّ الإطاعة واجب عقلا ، ولا إطاعة إلاّ بما عرفت ، وهذا حكم للعقل في مرحلة الإطاعة والامتثال.

ولو سلّمنا قول الأستاذ صاحب الكفاية : « إنّ الصلاة صحيحة وإن لم يكن مأمورا بها ».

وقول غيره : « إنّ دائرة المطلوب أوسع من الطلب ».

وتغيير بعض السادة من مشايخنا لفظ الامتثال بالأداء ، وادّعاء أنّها أداء لا امتثال.

وأصلحنا بهذا وأمثاله بعض تلك المفاسد ، لكن لا سبيل إلى إنكار حكم العقل بوجوب الإطاعة ، ولا إلى جعل العصيان طاعة.

والغريب أنّ كثيرا من عليّة الفنّ جعلوا البطلان بناء على المنع من باب التعارض ، وتقديم جانب النهي.

قالوا : « لا بد من رفع اليد من أحد الدليلين للتعارض ، والرجوع إلى المرجّحات الدلاليّة والتعبديّة » واستندوا في تقديم جانب النهي تارة إلى قوّة الدلالة ، لأنّ دلالة النهي بالعموم ودلالة الأمر بالإطلاق. ( عن الإشارات ) تأمّل ما معناه.

أو لأنّ النهي ناظر إلى جهة الترخيص الثابت في الأمر ، فهو حاكم على الأمر. ( عن الشيخ الأكبر ) تأمل أيضا.

وتارة بأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ، وببعض الروايات نحو

٣٩٥

قوله عليه السلام : ( إنّ اجتناب السيّئات أولى من اكتساب الحسنات ) (١) ونحو ذلك.

أقول : التعارض ـ كما تقرّر في محلّه ـ تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضادّ.

ومعناه : أن يرد من الشارع دليلان ، يثبت أحدهما حكما لموضوع ، ويثبت الآخر ضدّه أو نقيضه ، فيكون الحكم في مرحلة التكليف مردّدا بين حكمين يعلم بعدم أحدهما ، وهناك يكون الرجوع إلى المرجّحات.

ومسألة الاجتماع ممّا لا قصور لها في مرحلة التكليف ، إذ يعلم كلّ من الطلبين ولم يأل الشارع جهدا في بيانهما ، وكلاهما حكم ثابت لموضوعه ، وإنما الشك في مرحلة الامتثال المتأخّرة عن الحكم ، وأنه هل يمكن الإطاعة بما يقع به العصيان أم لا؟ ورفع الشك فيه من وظيفة العقل لا الشرع ، بل ليس للشارع التصرّف فيه إلاّ بالتصرّف في الحكم ، كما في باب المتزاحمين.

وحكم العقل بتعيين الأهمّ للامتثال ، والتخيير مع التساوي ، إذ ليس للشارع التصرّف فيه إلاّ التصرّف في حكمه بجعل المهمّ هو الأهمّ ، أو جعل أحد المتساويين أهمّ من الآخر.

وبالجملة ، باب تعارض الدليلين وحدة المناط في الواقع ، والجهل بكون المناط مناط الأمر أم النهي ، ولا شك في أنّ رفع مثل هذا الشك من وظيفة الشارع ، وتطلّبه من الدليل ، وفي مسألة الاجتماع لا شك في وجود المناطين ، وليس من وظيفة الشارع رفع الشك فيه حتّى يرجع إلى الدليل.

فقاصد أربعة فراسخ يعلم ثبوت أحد التكليفين من الإتمام والقصر ، وعدم الآخر ، فيحق له التماس معرفته من الدليل ، ورجوعه إلى أصول التعارض

__________________

(١) غرر الحكم ١ : ٧٥ ـ ١٥٥٩.

٣٩٦

والترجيح.

وأين هذا من المصلّي في الأرض المغصوبة ، العالم بتكليفين منجّزين ، الحاكم عقله بلزوم الجمع بين الغرضين ، فإذا أراد الرجوع إلى الترجيح ، فأيّ دليلي التكليفين ترى له أن يرجّح؟ أدليل الصلاة وهو ضرورة الدين ، أم حرمة الغصب وهو إجماع المسلمين؟.

ومن الطريف استدلال بعضهم بإطلاق دليل الأمر ، مع أنه قد مرّ عليك في مواضع شتّى ، أنه لا يعقل الإطلاق ولا التقييد في المقام وأمثاله.

وأيضا لو كان للأمر إطلاق يشمل ما يؤتى في ضمن الحرام لكان معناه تخصّص حرمة الغصب بغير صورة الامتثال ، ولو كان مقيّدا بغيره لكان حال هذه الصلاة حال الصلاة في الحرير ونحوه ، وعلى الفرضين لم يكن من مسألتنا هذه في شيء.

وقد تنبّه بعض أساتيذنا لبعض هذه المفاسد ، ورام الخلاص عنها ، فجعل المقام من باب التزاحم ، فلم يبعد عن الخطأ ، بل وقع فيه ، إذ المفروض تمكّن المكلّف من الجمع بين الغرضين ، فلا مزاحمة أصلا ، وعليه فأصغر المحرّمات يغلب أهمّ الواجبات.

نعم لو فقدت المندوحة ، فالمقام من باب التزاحم ، ولكن هذا خروج عن فرض المقام.

ويظهر من بعض كلماتهم أنّهم يحاولون بذلك تصحيح صلاة جاهل الغصبيّة وناسيها.

وأنت خبير بأنّ مانعيّة النهي عن الامتثال لو كانت بحسب ذاتها فالصلاة باطلة منهما أيضا ، وإن كانت بحسب فعليّتها فلا مانع عن الصحّة من غير فرق بين تغليب أحد الجانبين.

وأحسن وجه لتصحيح عبادتهما أن يقال : إنّ مع الجهل ـ بل مع النسيان ـ لا يتحقّق موضوع الغصب ، لأنه ليس مطلق التصرّف في مال الغير بغير إذنه

٣٩٧

غصبا ، بل الغصب ما كان على سبيل القهر والعدوان لغة وشرعا ، كما سيأتي توضيحه ، فالدخول دار الغير مخافة السبع أو لإنقاذ نفس محترمة ليس بغصب لا أنه غصب جوّزته الضرورة.

( النّظر في المثالين المعروفين لهذه المسألة )

لهذه المسألة أمثلة كثيرة ، والمعروف المذكور في كتب الفقه وأصوله : الصلاة في المكان ، واللباس المغصوبين.

قال في الفصول : « إذا قلنا بأن الكون جزء من الصلاة ، لم نرد به كون المكلّف أيّ وجوده كما قد يسبق إلى الوهم ، فإنه ليس جزءا من الصلاة ، ضرورة أنّ وجود الموضوع ليس جزءا من العرض القائم به ولا كونه في المكان ، أعني تحيزه فيه ، لأنّ مفهوم التحيّز خارج عن مفهوم الصلاة ، بل نريد به الأكوان التي يكون المصلّي عليها من حركاته وسكناته كقيامه وركوعه وسجوده.

ولا ريب أنّ القيام في المكان المغصوب عين الغصب وجزء من الصلاة ، وعلى حدّه بقيّة الأكوان ، فتكون الصلاة في المكان المغصوب بجميع أجزائها الفعلية غصبا ، لأنها عبارة عن حركات وسكنات (١) مخصوصة ، هي غصب إذا وقعت في المكان المغصوب » (٢).

وكتب الفقه وأصوله مشحونة بما ذكره طاب ثراه ، وبالفروع التي تتفرع عليه.

وعندي في بطلان الصلاة من جهة الغصب نظر ، لا بدّ أن أبدي وجهه

__________________

(١) إن كان للسكون جمع فليكن سكونات ، ولعلّه جرى على المشهور ، أو هو غلط من النسّاخ. ( منه رحمه الله ).

(٢) الفصول الغرويّة : ١٣٧.

٣٩٨

لأرباب الأنظار وإن قابله بعضهم بالإنكار.

فأقول : إنّ هنا أمرين : غصب وتصرّف فيه ، أما الغصب فهو سلب سلطنة المالك ونحوه ، وجعلها لنفسه أو مشاركته فيها ، وهذا هو الّذي دلّ العقل والنقل على حرمته ، وجرى عنوان البحث في كتب الفقه عليه ، كقولهم : « الغصب هو الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا وظلما » وعليه بنوا عدّة فروع كالحكم بضمان العقار بمجرّد الاستقلال به.

وهذا كما ترى من مقولة الملك ، جدة كانت أو إضافة وهو غير التصرف لأنه من مقولة الفعل ، فالتصرف في الغصب ليس عين الغصب ، بل هو أمر متأخّر عنه طبعا من مقولة أخرى ، ولا ملازمة بينهما ، إذ كثيرا مّا يتحقّق الغصب بدون التصرّف فيه.

فلو كتب ظالم إلى قيّم أموره في بلد آخر ، بأن يمنع زيدا عن التصرّف في داره بقصد الاستيلاء عليها ، فهو غاصب من حين المنع وإن لم يتّفق له التصرف فيها أو تأخّر عنه سنة كاملة.

أو أجبر صاحب فرس على أن يربط فرسه في إصطبله فهو غاصب عاص ما دام سلطانه عليه وإن لم يركبه قط ، إلى غير ذلك من النّظائر.

وعليه ، فإذا ثبت حرمة تصرّف الغاصب في المغصوب ، فلا بدّ أن تكون بدليل غير دليل حرمة الغصب ، لما عرفت من أنّ الغصب أمر ، والتصرّف أمر آخر ، وهما من مقولتين متباينتين ، فالغاصب الثاوي في المغصوب عليه إثمان : إثم الغصب وإثم التصرّف فيه ، بخلاف الغاصب غير المتصرّف ، فإنّ عليه إثم واحد فقط.

ولا يبعد القول به ، بل الظاهر أنه لا بد منه ، لما تراه من مسلّميته عند الأصحاب ، والظاهر دلالة عدّة من الظواهر عليه ، ولكن مبنى المثالين على حرمة أمر ثالث زيادة على الأمرين ، وهي حرمة جميع التقلّبات من الحركات

٣٩٩

وأضدادها ، وتبديل صورة إلى صورة ، ووضع بوضع ، من صعود إلى نزول ونزول إلى صعود وقعود إلى قيام ، وقيام إلى قعود.

وبالجملة ، تبديل كلّ صورة ، ووضع ، وإحداث ، تغيير وحركة ، فإسراج الفرس وإلجامه ، ونزعهما عنه ، وركوبه ، والنزول عنه ، محرّمات اخر سوى أصل الغصب ، وكلّي التصرّف وتحريك الثوب المسبّب عن المشي حرام ثالث ، ولازم ذلك الالتزام بأنواع شتّى ، وضروب مختلفة في غصب ساعة واحدة ، بل بمحرّمات لا نهاية لها كما لا يخفى على المتأمل وجهه.

وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، بل مدّعي القطع بخلافه غير مجازف ، وحاشا الفقيه أن يلتزم به إذا التفت إلى لوازمه.

قال في الجواهر بعد ما حكم بصحّة صلاة المختار من المحبوس في المكان المغصوب ، وبيان الوجه فيه ، ما لفظه :

« ومن الغريب ما صدر من بعض متفقّهة العصر ، بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من أنه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفية التي كان عليها أول الدخول إلى المكان المحبوس فيه إن قائما فقائم أو جالسا فجالس ، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضا لما فيه من الحركة التي هي تصرف في المال بغير إذن صاحبه ، ولم يتفطّن إلى أنّ البقاء على السكون الأول تصرّف أيضا لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف ، كما أنه لم يتفطّن أنه عامل هذا المظلوم المحبوس قهرا بأشدّ ما عامله الظالم ، بل حبسه حبسا ما حبسه أحد لأحد ، اللهم إلاّ أن يكون يوم القيامة مثله.

وقد صرّح بعض هؤلاء أنه ليس له حركة أجفان عيونه زائدا على ما يحتاج إليه ، ولا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك ، بل ينبغي أن تخصّ الحاجة في التي تتوقف عليها حياته ونحوه ممّا ترجح على حرمة التصرّف في مال الغير ، وكل ذلك ناش عن عدم التأمل في أول الأمر ، والأنفة من الرجوع بعد ذلك ،

٤٠٠