وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

والماهيّة بالعرض ، كما يقوله القائل بأصالة الوجود ، أو العكس ، كما يقوله القائل بأصالة الماهيّة ، وحينئذ فإذا ثبت في الخارج أمر ذو جهتين ، فإن كان تعدّد الجهة موجبا لحلّه إلى جهتين فليكن كافيا في حلّه إلى موجودين ، فيجوز الاجتماع ، وإلاّ فلا مناص عن المنع بناء على كلّ من المذهبين.

وبالجملة مناط البحث كفاية تعدّد الجهة في حلّ الثابت الخارجي ـ وجودا كان أو ماهية ـ إلى شيئين وعدمه ، ولا يفرق في ذلك كون الوجود أصلا والماهية منتزعة عنه ، أو كانت هي الأصل والوجود منتزعا عنها.

أقول : ما قرروه من الواضح الّذي لا يخفى على أضعف محصّل عرف معنى النزاع في تلك المسألة ، ومغزى الخلاف فيها ، فكيف يخفى على إمام شهدت فصول فصوله بأنه نسيج وحده في منقول العلم ومعقوله!؟ وحاشا مثله عن غلط مثله.

وجليّة الحال أنه لمّا اختار القول بالامتناع استدل عليه بوجهين وقال بعد الفراغ عن تقرير الدليل الأول ما نصّه :

« واعلم أنّ هذا الدليل يبتني على أصلين : أحدهما : أن لا تمايز بين الجنس والفصل ولو أحقهما العرضية في الخارج كما هو المعروف ، وأمّا لو قلنا بالتمايز فلا يتمّ الدليل.

الثاني : أنّ للوجود حقائق خارجيّة ينتزع منها هذا الأمر الاعتباري ، كما هو مذهب أكثر الحكماء وبعض محققي المتكلمين. وأما إذا قلنا بأنه مجرّد هذا الأمر الاعتباري ينتزعه العقل من الماهيّات الخارجيّة ولا حقيقة له في الخارج أصلا ، كما هو مذهب جماعة ، فلا يتم الدليل أيضا ، ولكن الأصل الأول مما لا يرتاب فيه أكثر المخالفين في المسألة إن لم يكن كلّهم. وإنما المنازع فيه شاذ ، ومع ذلك فهو من الأمور الجليّة التي أقيم عليه البرهان في محلّه.

٣٤١

وأما الثاني فهو وإن كان عندنا من واضحات علم المعقول ، لكن لا يساعد عليه أكثر المخالفين في المسألة إن لم يكن كلّهم ، فيبتني الاستدلال على تقدير ثبوته ، ولنا أن نقرّر الدليل بوجه لا يبتني على هذا الأصل » (١).

وأخذ بعد ذلك في بيان الدليل على هذا الوجه ، وقرّر بعده الدليل هذا بتقرير آخر على كلّ من الوجهين ، وقال بعده :

« ولا يذهب عليك أنه يمكن إجراء الدليل على الوجه الأول باعتبار الإيجاد أيضا ـ وقال بعد بيانه ـ وكذا يمكن إجراؤه على الوجه الثاني باعتبار الجعل أيضا » (٢) إلى آخره.

وبأول النّظر تعلم أنه لم يجعل أصالة الوجود مبنى مسألة الاجتماع ، بل أحد الدليلين بأحد تقريريه ، وحكم بعده بإمكان إجرائه على القولين باعتبار الإيجاد أو الجعل.

نشدتك والإنصاف أين هذا ممّا قرنه به هذا الأستاذ ومتابعوه من بناء أصل المسألة عليها؟ اللهم غفرا.

ولو أنه كان قد كتب كتابا في إثبات الصانع وذكر فيه الف دليل عليه ، وقال : إنّ الدليل السابع ببعض تقاديره يبتني على وجود الفلك التاسع. لقال المولعون بالاعتراض عليه : إنّ صاحب الفصول يقول بتوقف إثبات الصانع على وجود الفلك التاسع ، والحمد لله الّذي صرفه عن ذلك ، فسلم عن الاعتراض ، وسقط عنّا الدفاع.

ثم إنّه ـ كما علمت ـ جعل الدليل الأول مبتنيا على أصلين ، هذا ثانيهما ، ولا أدري ما السبب في تخصيصه لعنوان الاعتراض دون مسألة التمايز ، فهلا قالوا : إنّ صاحب الفصول يرى ابتناء مسألة الاجتماع عليها أيضا.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٢٦.

٣٤٢

( الأقوال في المسألة )

وبعد ما مهّدناه نقول : إنّ الأقوال في المسألة ثلاثة : أولها : الامتناع مطلقا ، وهو قول أكثر المحقّقين من المتقدّمين والمتأخّرين.

ثانيها : الجواز مطلقا ، ذهب إليه السيد الأستاذ ، ومنه شاع القول به بين المعاصرين.

وثالثها : الجواز عقلا والامتناع عرفا ، نقلوه عن السيد الطباطبائي وجماعة واستضعفوه. وليس بذلك الضعف كما يأتي ، ويمرّ عليك إن قدّر الله وشاء ما يمكن أن يعدّ قولا رابعا.

وربّما نذكر فيها أقوال اخر ، كالتفصيل بين التعبدي والتوصلي ، ونحوه مما يظهر ضعفه للمتأمل من غير احتياج إلى البيان ، ولنقدّم نقل أدلّة المجوّزين ، لأنّ عمدة ما يعتمد عليه المانعون يذكر في طيّها.

فنقول : تخلّص المجوّزون من محذور اجتماع الضدّين من الحكمين وما يلزمهما بأحد أنحاء ثلاثة :

١ ـ منع كون الفرد الخارجي متعلّقا للتكليف.

٢ ـ تحليله إلى فردين.

٣ ـ ادّعاء الوقوع الّذي هو فيما يقال أقوى أدلّة الإمكان.

وربّما عجز بعضهم (١) عن السلوك في إحدى هذه الطرق فسار إلى مخالفة الوجدان والبرهان وأهل العلم عامة من منع تضاد الأحكام أو تجويزه في خصوص المقام.

وينبغي تنزيه صفحات العلم من أمثال هذه الأوهام ، أما النحو الأول

__________________

(١) بعض السادات المدرّسين بأصفهان. ( منه ).

٣٤٣

فأحسن تقريراته ما حقّقه السيد الأستاذ ، وقد فاتني الحضور عليه في هذه المسألة وسماعه منه. ولكن صاحبنا العلاّمة وشريكنا في الحضور عليه قد أخذها من عين صافية وأدّاها بعبارة شافية ، وليت أن أنقله (١) من كتابه بحروفه ، فإنه أثبت في النقل وأقرب إلى ما أتوخّاه من المحافظة على تحقيقاته قدّس سرّه.

أقول : هذا أقصى ما يصل إليه الفكر الصائب والنّظر الثاقب ، ولكنه لا يجدي إلاّ في دفع محذور الاجتماع في مقام جعل التكليف ، على صعوبة تقريره على القول بأنّ الشارع هو الله تعالى.

وأما في مقام الامتثال فالمحذور باق على حاله ، إذ الفرد المأتي به إذا لم ينحلّ إلى موجودين يلزم أن يكون مقرّبا ومبعّدا معا ، وراجحا ومرجوحا ، وذا مصلحة ومفسدة كذلك.

وأرى أن أنصف من نفسي ، وأعترف بعدم وصول فهمي إلى حقيقة مراده طاب ثراه ، وأرى ـ إلى أن يفتح الله سبحانه علي باب فهمه ـ أنه لا بدّ في إكماله إلى الحيلة في حلّ الفرد إلى فردين.

ونقول في بيانه بعد بيان مقدّمة ، وهي أنّ متعلّق التكليف قد يكون من أفعال القلب ، وقد يكون من أفعال الجوارح ، وقد يكون موضوعه شخصيّا كإكرام زيد ، أو كليّا كإكرام العلماء ، وقد يكون فعلا ابتدائيا للمكلّف وقد يكون توليديا ، وقد يكون متعلّقا له بعنوان كالتكلّم ، وقد يكون بانطباق عنوان آخر عليه كالغناء ، وقد يكون مرتبطا بالغير كالضرب ، وقد لا يكون كالقيام ، هذا باعتبار كلّ تكليف مع متعلّقه.

وأما باعتباره مع متعلّق تكليف آخر ، فتارة يكونان من مقولة واحدة كالجرح والقتل ، وتارة يكونان من مقولتين كالصلاة والغصب ، بناء على أنّها من

__________________

(١) وبعد إعداد نسخة الطبع رأيت عدم الفائدة الكثيرة في نقلها لتداول نسخ الكتاب. ( منه ).

٣٤٤

مقولة الفعل ، والغصب من مقولة الأين ، وقد يكونان موجودين بوجود واحد كالصلاة والغصب ، أو بوجودين لكن بإيجاد واحد كإيقاد النار المأمور به ، والتدخين المنهيّ عنه.

وبعد بيان هذه المقدّمة التي لا يتوقف أصل البرهان عليها ، وما أوردتها إلاّ لتوضيح ما يقع فيه النزاع ، نقول :

إنّ الأفعال القلبيّة خارجة عن محل النزاع وإن أمكن دخولها فيه بتبديل الوجود الخارجي بالوجود الذهني كما في الفصول (١).

ومحلّ النزاع من هذه الأقسام كلّ فعل يكون فردا لطبيعتين ومحمولا لكلّ منهما بالحمل الشائع ، أمر بإحداهما ونهي عن الأخرى وإن أمكن دخول غيره ، كإتيان المأمور به في ضمن فرد مستلزم للمنهيّ عنه كالإيقاد والتدخين بناء على أنّ التكليف يتعلّق بالإيجاد.

ونقول في بيان تحليل الفرد ـ بعد ما نذكّرك ما أسلفناه من أنّ مفروض الكلام وجود كلّ من الطبيعتين بهويّتهما فيه من غير نقص ولا سراية لإحداهما إلى الأخرى ، ولا تعرّض من الشارع لحال هذا الفرد بإطلاق أو تقييد ـ : إن الممتنع ما كان الاجتماع فيه على نحو التركيب الاتحادي كالجنس والفصل على المشهور بين المتأخّرين دون التركيب الانضمامي ، والمقام من قبيل الثاني ، فلا محذور في اجتماع التكليفين فيه ، فلا بدّ لنا من بيان كون التركيب انضماميّا أوّلا ، ثم بيان عدم المحذور فيه.

فنقول : إنّ الصلاة والغصب في المثال المعدّ لهذه المسألة هويّتان مختلفتان من مقولتين مختلفتين ، وكلّ منهما موجود بحقيقتها ومتفصّلة بفصلها ، فكما أنّ هذا الفعل الخارجي فرد للغصب بالحمل الشائع كذلك هو فرد للصلاة أيضا بذلك

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٢٦.

٣٤٥

الحمل أيضا ، ولا يعقل اتّحادهما ، لأنه على فرضه إمّا أن يكون منفصلا بكلا الفصلين ، أو بأحدهما ، أو بفصل ثالث ، ويلزم من الأول تفصّل الجنس بفصلين عرضيّين ، وهو محال لما تقرّر في محلّه ، ومن الثاني الترجيح بلا مرجّح ، ومن الثالث وجود ثالث للمركّب وهو محال أيضا ، لما هو المقرّر في فنّه من تباين المقولات ، وعدم كون المركّب من بعضها مع بعض مقولة أخرى ، وإلاّ لزم عدم انحصارها في عدد معيّن تسع أو غيره ، فلا مناص عن الحكم بتعدّدها ، غاية الأمر كونهما موجودين بوجود واحد.

ولا غضاضة لو قلت : ويوجدان بإيجاد واحد ، وليس ببدع من الأمر ، أليس الماتح بدلوين يوجد صعود إحداهما ونزول الأخرى بحركة واحدة أو بتحريك واحد؟ وموقد النار بالحطب الرطب يوجدها مع الدخان بإيقاد واحد ، فلا فرق من هذه الجهة بين وجودهما بوجود واحد أو بوجودين.

والأستاذ في كتابيه وفي مجلس الدرس بنى عمدة مذهبه ـ أعني الامتناع ـ على أنّ متعلّق الأحكام إنما هو الأفعال بهويّاتها وحقائقها ، لا بأسمائها وعناوينها المنتزعة عنها (١).

ولا أدري ـ وإن أطال في بيانه ـ ما الّذي أراد من تعدّد الأسماء ، فإن أراد الألفاظ المترادفة أو ما كان من بابها فذلك أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، ولا يذهب عاقل إلى تعدّد الشيء الواحد إذا سمّي بأسماء متعدّدة.

ولا من العناوين (٢) ، فإن أراد عدم تعدّد الذات باختلاف المبادئ المتصفة بها ، والمشتقات الطارئة عليها ، فهو واضح كسابقه ، بداهة أنّ زيدا لا يختلف حقيقته وهويّته بتعدد العناوين الطارئة عليه من العلم والمال والجمال ، فالعالم حقيقة هو الجميل ، والجميل حقيقة هو ذو مال.

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٥٨ ، فوائد الأصول : ١٤٩.

(٢) عطف على قوله : ولا أدري ما الّذي أراد.

٣٤٦

وإن أراد عدم اختلاف العوارض واتّحادها في الوجود فهو الممنوع أشدّ المنع ، إذ كل مشتق ينتزع من مبدئه القائم به ، ومن المحال انتزاع القائم من العلم ، والعلم من القيام أو اتّحادهما في مورد الاجتماع وهما مختلفان حقيقة ، بل كل من العناوين الطارئة على الذات موجود في الخارج متشخّص بتشخّصاته ، غايته أنّ كلّ عنوان يكون مشخّصا لغيره ، فالصلاة مثلا قد تشخّصت بكونها في المكان المغصوب ، وكذلك الغصب قد تشخّص بها كما تتشخّص بغيرها من الأفعال.

وبالجملة الموجود في الخارج حقيقتان متمايزتان بحسب التشخّص ، وغايته أنّهما موجودان بوجود واحد ، والتركيب انضمامي لا اتّحادي ، إذ الجهتان تقييديّتان لا تعليليّتان.

فما حسبه محالا ـ أعني أن يكون لموجود واحد ماهيّتان ـ هو الممكن ، وما زعمه من الاتحاد هو المحال.

وبعد ذلك فلا مانع من الاجتماع بعد اختلاف المتعلّق كما في سائر التركيبات الانضماميّة ، ولا فرق إلاّ أن كلاّ من المتعلّقين صار مشخّصا لمتعلّق الآخر ، وسبق أنّ المشخّصات لا تتعلّق بها الإرادة التشريعيّة كالتكوينيّة.

وأما الاستدلال على الجواز بالوقوع فهو دعوى اجتماعهما في حكم من توسّط أرضا مغصوبة ، وفي العبادات المكروهة ، واجتماع الأمثال في تداخل الأسباب ، ونحن بحول الله تعالى نلخّص لك القول في هذه المسائل ، ونقول :

( حكم من توسّط أرضا مغصوبة )

وفرض المسألة فيه من باب المثال ، وإلاّ فالكلام يجري في نظائره ممّا لا حصر له ، كنزع الثوب المغصوب ، وإخراج الآلة من عضو الأجنبية ، وردّ

٣٤٧

المغصوب إلى مالكه ، إلى غير ذلك كما في الفصول (١).

والعنوان الشامل للجميع كلّ حرام اشتغل به المكلّف ، وتوقف ترك باقية على ارتكاب بعضه.

نعم للمثال المذكور خصوصيّة ، وهي كونها محلا للبحث عن صحّة العبادة المتّحدة مع حركة الخروج عنها ، وستعرف القول فيه إن شاء الله.

ثم إنّ لفظ الغصب المأخوذ في العنوان يغني عن كون الدخول بالاختيار كما في الكفاية (٢) وغيرها ، إذ هو على وضوحه ، مأخوذ في معناه العدوان ، ولا عدوان إلاّ بسوء الاختيار.

( الأقوال في المسألة )

أولها : أنه مأمور بالخروج ، ومنهيّ عنه ، نقل عن القاضي (٣) ، واختاره الفاضل القمّي ، ونسبه إلى أكثر المتأخرين وإلى ظاهر الفقهاء (٤) ، والنسبة غير صحيحة.

والوجه فيها ما ذكره الشيخ على ما في تقريرات درسه : « قولهم بوجوب الحج على المستطيع وإن فاتته الاستطاعة الشرعية » (٥) فتأمل.

وأولى من ذلك أن يكون قد توهّمه من حكمهم بوجوب الصلاة فيه مع ضيق الوقت ، مع حكمهم بالتحريم ، ولم يمكنه الجمع بين الحكمين بغير ذلك ، كما تمكّن منه غيره.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٣٩.

(٢) كفاية الأصول : ١٦٨.

(٣) نسب هذا القول إلى أبي هاشم الجبّائي كما في قوانين الأصول ١ : ١٥٣ ، وكفاية الأصول : ١٦٨. فلاحظ.

(٤) قوانين الأصول ١ : ١٥٣.

(٥) مطارح الأنظار ١٥٣.

٣٤٨

ثانيها : أنه منهي عنه فعلا ، وليس مأمورا بالخروج ، نقل عن صاحب الإشارات.

ثالثها : عكس ذلك وهو كونه مأمورا بالخروج من غير نهي مطلقا.

رابعها : أنه مأمور بالخروج مطلقا أو بقصد التخلّص ، وليس منهيّا عنه حال كونه مأمورا به ، لكنه عاص به بالنظر إلى النهي السابق ، ذهب إليه صاحب الفصول ، واحتمل أن يرجع إليه ما عزي إلى الفخر الرازي من القول بأنه مأمور بالخروج ، وحكم المعصية جار عليه (١).

خامسها : أنّه منهي بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه ، وعصيانه له ، ولا يكاد يكون مأمورا به ، اختاره في الكفاية ، وتكرّر في كلامه حكم العقل بلزومه إرشادا إلى أقلّ القبحين ، وأخفّ المحذورين (٢).

( تمحيص الأقوال )

أما القول الأوّل ، فمن الواجب القطع بفساده إلاّ أن يكون القائل به ممّن يجوّز التكليف بالمحال ، بل التكليف المحال ، وإلاّ فلا فرق في مناط الاستحالة وحكم العقل بامتناعه ، ولا يعقل الفرق في عدم القدرة بين أن يكون سلب القدرة بسوء اختياره أو بغيره ، وكيف يجوّز العاقل تكليف الأعمي بالاستهلاك ، والمقعد بصعود الجبال إذا كان العمى والإقعاد بسوء اختيارهما!؟

نعم يمكن العقاب على عدم حفظ القدرة إن سبق الأمر به ، على تفصيل مذكور في محلّه.

وما يقال بأنه خطاب تسجيلي لتصحيح العقاب كما في خطاب العصاة ـ فمع أنه خارج عن محل البحث ، لأنّ الكلام في الخطاب البعثي ـ واضح الفساد ،

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

(٢) كفاية الأصول : ١٦٨ و ١٧١.

٣٤٩

لأنه إن صحّ عقاب غير القادر فليكن بلا أمر ، فما فائدة الأمر؟ وإن لم يجز فلا يكون الأمر مصحّحا للعقاب على غير مقدور.

وقياسه بأوامر العصاة غلط واضح ، لأنها أوامر بعثية جدّية وإرادة لوقوع الفعل ، وإلاّ لما وجب عليهم الامتثال ، إذ الواجب بحكم العقل إطاعة الأمر الجدّي المطلوب به وقوع الفعل لا صورة الأمر ، وقد مرّ في محلّه عدم إمكان تقييد الأمر بكلّ من الإطاعة والعصيان.

وأمّا الاستدلال عليه بقولهم : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. فمن عجيب الأمور ، لأنه أجنبي عن المقام ، وما هو إلاّ أمر تذكره العدليّة في جواب المجبرة عن قولهم : إن الأفعال غير اختيارية ، لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وبعد وجوبه يخرج عن الاختيار. وأين ذلك من أنّ بعد اتّصافه بالامتناع يصح التكليف به؟

وهذه العبارة الواردة في جواب شبهة ضعيفة في مسألة جزئية كلامية ، لم يكفها الطفرة عن فنّها إلى فنّ أصول الفقه حتى ارتقت ، وجعلها أحد أعلام العصر (١) ـ بل عالمه ـ قاعدة كلّية ذات مسائل وشروط ، وأطال في بيان تلك الشروط.

ومغزى جميعها إلى الفرق بين متوسط الأرض المغصوبة ، وبين تارك المسير إلى الحج في زمان استحالة وقوعه ، ولأجل ذلك اختار تفصيلا طريقا في هذه المسألة ، وهو اختيار قول الشيخ إن لم ترتبط بقاعدة الامتناع ، واختيار قول صاحب الكفاية إن كانت داخلة فيها.

وأنت جدّ خبير بأنه لا داعي إلى هذه الإطالة من الكلام ، بعد ما عرفت من أنها جواب شبهة غير مرتبطة بالمقام.

__________________

(١) هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني. انظر : فوائد الأصول ـ للكاظمي ـ ٢ : ٤٤٧ ، أجود التقريرات ١ : ٣٧٤.

٣٥٠

وعلى تقدير عدم شمول القاعدة للمقام ، فلا أدري لما ذا تعيّن لديه قول الشيخ ، مع أنه يمكن بناء عليه اختيار قول صاحب الفصول.

ويظهر لك ذلك إذا أوضحنا مراده من قوله : « لكنّه عاص بالنظر إلى النهي السابق » (١) وكلّ ذلك هيّن بالنسبة إلى قوله ـ دام فضله ـ بعد ذلك :

« فتبيّن بهذه الأدلّة امتناع دخول المقام في قاعدة الامتناع ، بل هو داخل في قاعدة أخرى وهي وجوب ردّ مال الغير إلى صاحبه ، فكما أنّ ردّ بقية المغصوبات إلى ملاّكها ممّا ثبت وجوبه عقلا وشرعا ، فكذلك يكون الخروج في المقام أيضا ، لأنّ الخروج محقّق للتخلية التي بها يتحقّق الردّ في غير المنقولات.

ومنه يظهر أنّ ترك كلّي الغصب للداخل في الدار الغصبية بمقدار زمان الدخول وإن لم يكن ممكنا إلاّ أنّ فردين منه ـ وهما : البقاء والمشي زائدا على مقدار الدخول ـ لا إشكال في حرمتهما لأنهما مستلزمان للغصب الزائد.

وأما الخروج فهو واجب بحكم العقل والشرع ، لكونه ردّا للمال إلى مالكه ، فالاضطرار إلى كلّي التصرف في مال الغير الّذي يكون فرد منه واجبا ، وفردان منه حرامين لا يوجب دخول المقام في قاعدة الامتناع » (٢).

كلّ طرف الفكر منّي بعد ما أعطيت حقه في كلام مثله عن وجه ارتباط وجوب ردّ مال الغير إلى قاعدة الامتناع أوّلا ، وإلى أصل المسألة ثانيا ، وكفايته لحلّ جميع فروعها ثالثا ، لأنّ صريحه أنّ قاعدة الامتناع لو شملت المقام تكون مغنية عن قاعدة وجوب الرد ، مع أنّ أقصاها إثبات العقاب لحال الخروج ، أو وجود الأمر مع بقاء النهي ، وأين ذلك من وجود الردّ؟

وأيضا شمولها للمقام إنما يكون بعد فرض وجوب الردّ ، ولو لا وجوبه في الجملة

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

(٢) انظر : أجود التقريرات ١ : ٣٧٨.

٣٥١

لانحل إعضال المسألة من أصلها ، ولم يبق احتياج إلى قاعدة الامتناع وغيرها ، فهل الموجب لتحيّر الأفكار واختلاف الأنظار إلاّ الجمع بين وجوب الردّ وحرمة الغصب؟ وليست بقاعدة أخرى كما ذكره دام فضله.

ثم إنّ توسط الأرض المغصوبة ـ كما عرفت أول المسألة ـ إنّما ذكر من باب المثال ، وإلاّ فمن جزئياتها مسائل كثيرة لا تصلح بهذه القاعدة كالخروج عن مواضع التهمة ومواقع الهلكة وغير ذلك.

اللهم رحماك ، فهل في نزع السهم من صدر المؤمن والآلة من عضو المومسة (١) أمانة تردّ؟ فهب ـ أصلحك الله وأصلحنا ـ بوجوب ردّ المغصوب في المثال وأمثاله. فما تصنع بسائر الموارد؟ أترى أن تخترع لكلّ قاعدة؟ إذن يطول العناء ، والله المستعان.

واعلم أنّ التخلّص عن إشكال التخلّص عن الغصب أسهل من سائر الموارد لأنّ نهي الشارع تابع لعدم رضا المالك ، ولا شك في عدم بقائه في زمن الخروج ، بل انقلابه إلى إرادته ، ويتبعه الحكم الشرعي لا محالة ، وهذا بخلاف الخروج ، عن مواقع الهلكة والتهمة ونحوهما.

ثمّ إنّ من المكرّر في كلام هذا العالم وكلام غيره ، تحديد زمان الخروج بمقدار زمان الدخول ، ولعلّه محمول على الغالب ، وإلاّ فالمناط أقلّ زمان يمكن الخروج فيه ، مساويا كان أو أقل أو أكثر كما لو سدّ الطريق القريب الّذي دخل منه ، أو وجد بعد الدخول طريقا أقرب. ولقد أحسن صاحب الفصول التعبير عنه في عبارته الآتية ، فقال : « الزمن الّذي لا يتمكن من الخروج فيما دونه » (٢).

بل ليس المناط الزمان مطلقا ، وقد تكون السرعة والبطء تختلفان في نظر

__________________

(١) امرأة مومس ومومسة فاجرة جهرا. لسان العرب ٦ : ٢٢٤.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

٣٥٢

المالك ، وربّما يكون الطريق القريب أبغض لديه من البعيد ، والمشي على سرعة أبغض منه على مهل ، فالمناط مراعاة رضا المالك وما هو عنده أقلّ مبغوضيّة ، وقد لا يرضى بالخروج عن ملكه إلى مدّة طويلة لضرر يتوجه عليه ، فيكون المكث حاله حال الخروج ، فلا بدّ من ملاحظة ذلك ، لما عرفت من كون الحكم الشرعي تابعا لرضاه ، وهذا واضح ، ما كنت أتعرض له لو لا احتمال نفعه في توضيح بعض الفروع الآتية ، فليكن منك على بال.

( رجع إلى تمحيص سائر الأقوال )

أما القول الثاني وهو كونه منهيّا عن الخروج غير مأمور به فجدير أن يلحق بسابقه في وضوح الفساد ، وقد تعلّق قائله بحجّة ضعيفة ، ذكرها في التقريرات مع جوابها (١) ، فراجع إن شئت ، ولا يضرّك عدم المراجعة.

وأما القول الثالث وهو قول صاحب الفصول ، وقد عرفت أنه مركّب من أمرين ، وهما : كونه مأمورا بالخروج فعلا ، وعاصيا بالنظر إلى النهي السابق.

وهذا كلامه بلفظه : « والحق أنه مأمور بالخروج مطلقا أو بقصد التخلّص ، وليس منهيّا عنه حال كونه مأمورا به ، لكنّه عاص بالنظر إلى النهي السابق » (٢).

وغيّره الفاضل المقرّر إلى قوله : « إنه مأمور به ، ولكنه معصية بالنظر إلى النهي السابق » (٣).

وأرجو أن يكون ذلك من باب المسامحة سامحه الله ، وأين قوله : « عاص بالنظر إلى النهي السابق » الّذي أوضحه وبيّن مراده منه بقوله بأسطر قليلة :

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٥٥.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

(٣) مطارح الأنظار : ١٥٣.

٣٥٣

« نعم يجري عليه حكم المعصية في تلك المدّة على تقدير الخروج » (١) من قول المقرّر : « مأمور به ولكنه معصية » إلى آخره؟.

ولو لا علمنا بتقاه وتورّعه عن التعمد لتسارع الظنّ إلى أنّه لم يغيّره إلاّ ليكون توطئة للاعتراض الآتي ، وهو عدم إمكان اجتماع الحكمين في زمان واحد.

وأين ـ أيّها المنصف ـ كون الفعل جاريا عليه حكم المعصية من كونه معصية؟ ونحن ـ إن شاء الله وسهّل ـ ننقل من كلامه الّذي يتعلّق بالمقام بألفاظه ، ونثنّيه بملخّص اعتراضات المعترضين ، ونثلّثه بالنظر فيها والجواب عنها.

قال مستدلا على مختاره ما نصّه : « لنا أنّ المكلف في الزمن الّذي لا يتمكن من الخروج فيما دونه لا يتمكن من ترك الغصب مطلقا فلا يصح النهي عنه مطلقا ، إذ التكليف بالمحال محال عندنا وإن كان ناشئا من قبل المكلّف للقطع بكونه سفها.

نعم ربما يجوز أن يؤمر به حينئذ على وجه التعجيز والسخرية ، لكنّه خارج عن المتنازع فيه ، فإذن لا بدّ من ارتفاع النهي عن الغصب في تلك المدّة على بعض الوجوه ، وليس إلاّ صورة الخروج ، إذ لا قائل بغيره ، ولدلالة العقل والنقل على أنه مأمور بالخروج ، وهو يقتضي عدم النهي عنه ، وإلاّ لعاد المحذور من التكليف المحال.

نعم ، يجري عليه حكم المعصية في تلك المدّة على تقدير الخروج بالنسبة إلى النهي السابق على وقوع السبب ، أعني الدخول لتمكنه منه حينئذ.

وهذا حكم كلّي يجري في جميع ذوات الأسباب التي لا تقارن حصولها حصول أسبابها كالقتل المستند إلى الإلقاء من الشاهق.

ومثله ترك الحج عند الإتيان بما يوجبه من ترك المسير ، وغير ذلك ، فإنّ

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

٣٥٤

التحقيق في مثل ذلك أنّ التكليف بالفعل يرتفع عند ارتفاع تمكن المكلّف منهما ، ويبقى حكم المعصية من استحقاق الذمّ والعقاب جاريا عليه.

وكذا الكلام في الأمر فإن التكليف بالمأمور به يرتفع عند الإتيان بالسبب الموجب له ، ويبقى حكم الامتثال والطاعة من استحقاق المدح والثواب جاريا عليه حال حصوله ـ إلى أن قال ـ احتج من قال بأنه مأمور بالخروج ولا معصية عليه بما ذكرناه من استحالة التكليف بالمحال.

وجوابه : أنّ ذلك إنما يقتضي عدم المعصية بنهي مقارن لا عدمها بنهي سابق كما بيّنا ، فإنّ المكلّف منهيّ قبل الدخول عن جميع أنحاء التصرف في ملك الغير بغير إذنه نهيا مطلقا ، غاية الأمر أنّ النهي يرتفع عنه على بعض الوجوه بالنسبة إلى المدّة التي لا يتمكن من الترك فيها ، وذلك لا يوجب عدم كونه عاصيا.

لا يقال : لو صح ذلك لزم أن يكون الخروج طاعة وعصيانا ، وهو محال ، لأنّ الطاعة والعصيان أمران متنافيان بالضرورة ، فيمتنع استنادهما إلى شيء واحد أو تواردهما على محلّ واحد.

لأنا نقول : إن أريد أنّ الطاعة والعصيان متنافيان من حيث نفسهما ، فممنوع ، لأنّ معناهما موافقة الطلب ومخالفته ، ولا منافاة بينهما مع تعدّد الطلب.

وإن أريد أنّهما متنافيان من حيث ما أضيف إليه من الأمر والنهي ، فممنوع أيضا ، لأنهما إنما يتنافيان إذا اجتمعا في الزمان كما هو شأن التضاد ، وقد بيّنا أنّ زمن الأمر غير زمن النهي.

وتوضيح المقام : أنّ ترك الغصب مراد من المكلّف بجميع أنحائه التي يتمكن من تركه إرادة فعليّة مشروطا بقاؤها ببقاء تمكنه منه ، وحيث إنه قبل الدخول يتمكن من ترك الغصب بجميع أنحائه دخولا وخروجا ، فترك الجميع مراد منه قبل دخوله ، فإذا دخل فيه ارتفع تمكنه من تركه بجميع أنحائه مقدار ما

٣٥٥

يتوقف التخلّص عليه ، وهو مقدار خروجه مثلا ، فيمتنع بقاء إرادة تركه كذلك.

وقضيّة ذلك أن لا يكون بعض أنحاء تركه حينئذ مطلوبا ، فيصح أن يتصف بالوجوب ، لخلوّه عن المنافي ، والعقل والنقل قد تعاضدا على أن ليس ذلك إلاّ التصرف بالخروج ، فيكون للخروج بالقياس إلى ما قبل الدخول وما بعده حكمان متضادان : أحدهما مطلق وهو النهي عن الخروج ، والآخر مشروط بالدخول وهو الأمر به ، وهما غير مجتمعين فيه ، ليلزم الجمع بين الضدّين ، بل يتصف بكلّ في زمان ، ويلحقه حكمهما من استحقاق العقاب والثواب باعتبار الحالين.

ولو كانت مبغوضية شيء في زمان مضادّة لمطلوبيّته في زمان آخر لامتنع البداء في حقّنا مع وضوح جوازه ، وإنّما لا يترتّب هنا أثر الأول لرفع البداء له ، بخلاف المقام.

ولا يشكل بانتفاء الموصوف في الزمن السابق لوجوده في علم العالم ولو بوجهه الّذي هو نفسه بوجه ، ولو لا ذلك لامتنع تحقق الطلب إلاّ مع تحقق المطلوب في الخارج وهو محال » (١) انتهى المقصود نقله هنا من كلامه.

ولله درّه من إمام ، فلعمر العلم لقد سلك فيه أعدل محجّة ، وبينها بأوضح حجّة ، ولم يبق في قوس البيان منزعا ، ولا للريب فيه موضعا ، وأرى بادئ بدء أن أبثّك ما أسرّه في هذا وأشباهه من المطالب ، وأبوح لك بمذهبي ـ وللناس مذاهب ـ غير مكترث بعذل (٢) عاذل ، وإنكار جاهل.

ثم أعقبه بذكر اعتراضات المعترضين وانتقادها ، وهو أنّ في ملاحظة الأشباه العرفية والرجوع إلى الفطرة السليمة قبل أن تتلاعب بها الشبهات

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٣٨ ـ ١٣٩.

(٢) العذل : الملامة. مجمع البحرين ٥ : ٤٢٢ ( عذل ).

٣٥٦

وتقع بين مختلفات الآراء والعبارات ما تنزع عن العثرة ، ويقيه في مظانّ الزلّة (١).

ولذلك أقول : لو نهيت عبدك عن السباحة مخافة الغرق عليه فخالف وبعد عن سيف (٢) البحر حتى وصل قبّته أتراك لا تأمره بالخروج وتطلب منه الرجوع ، ويمنعك عنهما هذه العبارات الفارغة ، فتقول : لا يمكنني الأمر به لأني نهيته عنها ، مخالف باختياره ، ولو لا مخالفته اختيارا لأمرته؟

ثم انظر إلى الأمر الّذي توجّهه إليه ، هل هو إرشاد حكم العقل ، وبيان لأقلّ المحذورين قائلا له : إني أقرّر لك حكم العقل بأنّ حركتك نحو الشاطئ أهون من بقائك فيه أو بعدك عنه ، وهو أمر يعرفه العبد ، ولست بأعلم منه به ، أم هو أمر مولوي يشتمل على أحسن الوعد على الفعل ، وأشدّ الوعيد على الترك؟

وربما جعلت عفوك عن مخالفته أولا جزاء لإطاعته ثانيا ، ومحوت تلك السيّئة بهذه الحسنة.

ولا ترى فرقا في الأمر ومقدّماته بين كون الدخول اختيارا أو اضطرارا.

ولو أخرجته بنفسك أو أخرجه غيره ألست معاقبا له على الدخول أولا ، وعدم الخروج ثانيا؟

ولو حاكمك لدى قاضي الوجدان قائلا : إن المولى ليس له إلاّ أن يعاقبني على مخالفة النهي لا على ترك الخروج لأني خالفته في النهي اختيارا ، وتلا صفحة من كفاية الأستاذ ، أترى الوجدان يقبل ذلك منه ، ويحكم له عليك؟ حاشا!.

__________________

(١) وما أحسن ما قاله صاحب الفصول في بحث المفاهيم : « إنّ من يجعل تفاصيل فكره تابعة لمجملات وجدانه أقرب إلى الصواب ممّن يتزاول التفصيل ، ولا يلتفت إلى المجملات ، أو يجعلها تابعة للتفاصيل » ( منه ).

وانظر الفصول الغروية : ١٤٨.

(٢) سيف البحر بكسر السين : ساحل البحر. مجمع البحرين ٥ : ٧٤ ( سيف ).

٣٥٧

بل يرى أنّ تلك المفسدة التي أوجبت النهي أولا ـ وهي ترك حفظ النّفس ـ انقلبت إلى المصلحة التي توجب الأمر ، فحقيقة الطلب واحدة ظهرت بصورة النهي أوّلا ، وبصورة الأمر ثانيا.

ثمّ إذا صحّ عندك عنوان الأمر فانظر إلى عقاب النهي ، فلو كان مقدّرا وموزّعا على ساعات المكث في الماء ، فهل ترى فرقا بين الدقائق التي بعد عن الشاطئ ، والدقائق التي قرب فيها إليه؟ وهل كنت تنقص هذه من تلك مع اشتراكهما في المخالفة العمدية؟ فإذا صحّ حكم وجدانك في المقامين ، وضممت إليه حكم العقل الصريح بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي في زمان واحد ، علمت أنّ ما قرره العمّ ـ طاب ثراه ـ أصحّ من بيض النعام وإن قال المقرّر : « إنه كلام مختل النظام » (١) قال بعد نقل عبارة الفصول ببعض اختصار :

« أقول : أما ما ذكره في الاحتجاج على كون الخروج مأمورا به. مطابقا لما ذكرناه في الاحتجاج على المختار فهو كلام صحيح لا غبار عليه بجميع جزئيّاته ، سيّما منعه عن التكليف بالمحال مطلقا من دون تفصيل بين أن يكون المكلّف هو السبب في الامتناع أو غيره كما تقتضيه قواعد العدليّة » (٢).

قلت : لكن بيان الفصول أقوى وأمتن ، وحجّته أوضح وأبين ، إذ الفاضل المقرّر لم يرد في الاحتجاج على قوله ، أنّ التخلّص عن الغصب واجب عقلا وشرعا ، ولا شك أنّ الخروج تخلّص عنه ، بل لا سبيل إليه إلاّ بالخروج فيكون واجبا على وجه العينية وصاحب الفصول أفاد ما سمعت ، وأين مجرى السيل من مطلع سهيل؟

قال : « وأما ما ذكره من جريان حكم النهي السابق على الخروج فيكون

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٥٥.

(٢) مطارح الأنظار : ١٥٥.

٣٥٨

معصية بواسطة النهي فهو كلام مختل النظام » (١).

قلت : ستعرف أنّ نظام كلامه ما عليه مزيد ، ويفوق حسنا على نظام الفريد.

وقوله : « فيكون معصية » فهو تلك الفرية ذكرها لدى تعداد الأقوال ، وقد نبّهناك عليه ، وحاشا صاحب الفصول عن القول بكون أداء الواجب معصية فيقع في غلط يرتفع عنه صغار المحصّلين ، وإنّما يقول بجريان حكم المعصية عليه ، ولا بدّ لك من الإذعان بصحّة مقاله إذا عرّفناك معنى جريان حكم المعصية.

عاد كلامه : « أما أولا فلأنّ التصرف في مال الغير ليس من العناوين التي لا يتبدل حكمها بلحوق العناوين اللاحقة للأفعال ، ضرورة اتّصافه بالوجوب عند لحوق عنوان حفظ النّفس مثلا بالتصرف المذكور ، فيمكن أن يلحق بالتصرّف عنوان يكون ذلك العنوان مناطا لاختلاف حكم التصرّف المذكور ، مثل كونه تخلّصا عن الغصب على وجه الانحصار ، ولا شك أنّ موضوع التخلّص عن الغصب مما لا يختلف حكمه بعد الدخول وقبله وإن توقف وجود الخروج في الخارج على الدخول بواسطة ترتيب طبيعي بينهما ، ومثل هذا التوقف الوجوديّ لا يعقل أن يكون منشأ لاختلاف حكم ذلك الموقوف ، إذ الحكم تابع لعنوان ينتزع من ذات الفعل تارة بالذات ، وأخرى بواسطة الاعتبارات عند وجوده في الخارج لكونه موردا للحسن والقبح ، ولا مدخل للأمور التي يتوقف وجود العنوان عليها في ذلك ، كما هو ظاهر لدى من له مسكة بالمطالب » (٢).

هذه القطعة من كلامه تحوي بيان أمر واضح لا يحتاج إلى هذه الإطالة ، وكان يكفيه أن يقول : إن التصرف في مال الغير يختلف حكمه باختلاف العناوين.

ومنها : التخلّص ، ولكنّها لا تنفعه فيما يروم ، ولا يضرّ صاحب الفصول ،

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٥٥.

(٢) مطارح الأنظار : ١٥٥.

٣٥٩

بل نفعه الفاضل المقرّر من حيث قدر أنه يضرّه لأن تغيّر الحكم بتغير العنوان هو الّذي ذهب به إلى سقوط النهي ، وحدوث الأمر بالخروج ، فصار الحرام واجبا بانطباق عنوان التخلّص عليه.

وفي آخرها خلط بين قسمي الترتيب الطبيعي في الوجود ، لأنّ منه ما لا يحتاج الذهن إلى تصوّر ما سبقه في الوجود ، ومنه ما لا يتصوّر إلاّ بتصوّره. وما ذكره إنّما يتم في مثل البسر والرطب ، والحصرم (١) والعنب ، لا في مثل الربح والخسارة الذين لا يوجدان في الذهن إلاّ بعد فرض التجارة ، والخروج من القسم الثاني ، إذ الترتيب الطبيعي موجود بينه وبين الدخول ذهنا وخارجا.

وهذا الخلط هو الّذي ولّد عدّة أغلاط ، وصار أساسا لعدّة اعتراضات ، وترتّب عليه الخطأ في قول هذا الفاضل بعد هذه الجملة :

« وإذ قد عرفت ذلك ، نقول : إنّ الحركات الواقعة في ملك الغير ، تارة تكون معنونة بعنوان الغصب ، وأخرى بعنوان التخلّص عن الغصب ، فعلى الأول يكون الأمر المعلوم المتصوّر عند الآمر هو الغصب فيلحقه الطلب على وجه النهي عنه ، وعلى الثاني يكون المتصوّر عنده هو التخلّص ، فيلحقه طلبه على وجه الأمر به من غير مداخلة لأحد العنوانين في الآخر ، فالغصب مبغوض دائما ، والتخلّص مطلوب من غير فرق بين قبل الدخول وبعده ، فلو فرضنا لحوق حكم النهي به يلزم أن يكون موضوع التخلّص طاعة ومعصية وهو محال » (٢).

هذه الجملة أيضا كسابقتها في الوضوح ، وعدم تضرّر مقالة الفصول بها ، لكن فيها مغالطة خفيّة يترتب عليها أغلاط جلية ، وهي جعله فيها التخلّص عنوانا في عرض الغصب ، مع أن مرتبة الغصبيّة محفوظة حتى مع عنوان التخلّص بل هو فرد منها ، لكنّه أقلّ قبحا ، كما يقوله في كلامه الآتي نقله ، أو غصب اضطرّ

__________________

(١) الحصرم : أول العنب ما دام حامضا. مجمع البحرين ٦ : ٤١ ( حصرم ).

(٢) مطارح الأنظار : ١٥٥.

٣٦٠