وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

اتصاف ذلك الفعل بالوجوب ، لوجوب ما هو المناط في انتزاعه عن محلّه » (١).

وحاصل هذا الجواب على اختلاف عبارات الذاهبين إليه ، وإسهابهم في بيانه : أنّ الطلب المشروط بشيء لا يوجب تحصيل ذلك الشيء ـ كما سبق بيانه ـ ولكن بعد العلم بحصوله له يؤثر في المكلّف ، ويلزمه بإيجاد المقدّمات ، مقدّمة كانت على وقت الفعل أو مقارنة معه.

الوجه الثالث : ما تقدّم نقله عن العلاّمة ـ الجدّ ـ وحرّره أخوه البارع ، فقال : « وينقسم الواجب باعتبار آخر إلى ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف ، ولا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له ، وليسمّ منجّزا.

وإلى ما يتعلّق وجوبه به ويتوقف حصوله على أمر غير مقدور له ، وليسمّ معلّقا كالحج ، فإنّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ، ويتوقّف فعله على أمر غير مقدور.

والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط ، هو أنّ التوقف هناك للوجوب ، وهنا للفعل » (٢).

ثم أورد على نفسه ـ بعد كلام له ـ بما حاصله :

« إنّ التكليف لا بدّ أن يكون مشروطا ببلوغ المكلّف إلى الوقت الّذي يصحّ وقوعه منه ، وإلاّ لزم التكليف بالمحال ، ولازم الاشتراط عدم الوجوب قبل البلوغ ».

وأجاب عنه بما حاصله : « أنّ الشرط ليس نفس البلوغ ، بل كونه ممّن يبلغ ذلك الزمان ونحوه من الاعتبارات اللاحقة بالقياس إليه وهو حاصل فعلا ، والبلوغ كاشف عن وجوده ـ إلى أن قال ـ الفرق بين الواجب المعلّق والمشروط أنّ الموقوف عليه في المشروط شرط الوجوب ، وفي المعلّق شرط الفعل ، فلا

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٥٣.

(٢) الفصول الغروية : ٧٩.

٢٨١

تكليف في الأول بالفعل ولا وجوب قبله ، بخلاف الثاني ، ففرق ـ إذن ـ بين قول القائل : إذا دخل وقت كذا فافعل كذا. وبين قوله : افعل كذا في وقت كذا.

فإن الأولى جملة شرطية مفادها تعلّق الأمر والإلزام بالمكلّف عند دخول الوقت ، وهذا قد يقارن وقت الأداء فيه لوقت تعلّق الوجوب كما في المثال ، وقد يتأخر عنه كقولك : إن زارك زيد في الغداة فزره في العشي.

والثانية جملة طلبية مفادها إلزام المكلّف بالفعل في الوقت الآتي.

وحاصل الكلام أنه ينشئ في الأول طلبا مشروطا حصوله بمجيء الوقت ، وفي الثاني ينشئ طلبا حاليا ، والمطلوب فعل مقيّد به.

ومن هذا النوع كلّ واجب مطلق توقّف وجوده على مقدّمات مقدورة غير حاصلة ، فإنه يجب قبل وجوب المقدّمات إيجاد الفعل بعد زمن يمكن إيجادها فيه ، وإلاّ لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا ، أو التكليف بما لا يطاق » (١) انتهى.

وأورد عليه بوجوه ، أعجبها : ما ذكره المقرّر ـ وتبعه غيره فيه ـ « من عدم الفرق بين كواشف الطلب من اللفظ ، وأنه لا فرق بين أن يجعل الزمان بحسب القواعد النحويّة قيدا للحكم ، أو قيدا للفعل ، كأنّ الخطب في الواجب المعلّق منحصر في الفرق بين التعبيرين فأتعب نفسه وضيّع نقسه (٢) وملأ أكثر من صفحة في عدم الفرق بين العبارتين ، وظنّ أنّ مرامه يظهر غاية الظهور فيما لو تجرّد الطلب من الكواشف اللفظية ، وثبت تحقّقه بدليل لبّي.

ثم قال : فهل تجد من نفسك فرقا فيما علمت بوجوب شيء في زمان بين الوجهين؟ كلاّ ، فلا فرق في محصّل المعنى بين قول القائل : إذا دخل وقت كذا

__________________

(١) الفصول الغروية : ٨٠.

(٢) النقس ـ بكسر النون ـ المداد. الصحاح ٣ : ٩٨٦ ، القاموس المحيط ٢ : ٢٥٦ ( نقس ).

٢٨٢

فافعل كذا ، وبين قوله : افعل كذا في وقت كذا » (١) إلى اخر كلامه.

وهذا الفاضل كما ترى قد استراح من حيث تعب غيره.

ومنها : أنّ كلّ قيد يفرض للمأمور به لا يخلو من أن يكون داخلا في حيّز الإرادة ولازما تحصيله ، أو خارجا عنها ، والأول هو المطلق ، والثاني هو المشروط ، ولا يعقل لهما ثالث كي يثلّث به القسمان ، وقد سبق بيانه في بحث أقسام الواجب.

ولا يخفى على المتأمل أنّ هذا الاعتراض إنما يتّجه على صاحب الفصول لو كان المعلّق عنده قسيما للقسمين لا قسما لأحدهما وليس كذلك ، بل هو قسم للواجب المطلق ، كما صرّح به فيما مرّ من كلامه وفيما حذفناه منه ، فكيف يورد عليه مثل ذلك ، ويقال : إنّ الواجب عنده ينقسم إلى ثلاثة أقسام : مطلق ، ومشروط ، ومعلّق!؟.

وهل هذا الاعتراض إلاّ كالاعتراض على من قال بأنّ الموجود ينقسم إلى واجب وممكن ، والثاني إلى جوهر وعرض بأنه لا يتصوّر قسم ثالث للواجب والممكن وينعى عليه بأنك جعلت الأقسام ثلاثة؟.

ومن الطريف أنّ المعترضين بهذا الاعتراض هم المجيبون عن الإشكال بالجواب الثاني ، وأنت إذا نضيت (٢) عن المعاني ثياب الألفاظ وجدته في غاية القرب إلى الواجب المعلّق ، بل وجدته عبارة أخرى.

بيانه : أنّ الوجوب كسائر الأحكام لا يعقل فيه ـ بحسب ذاته ـ معنى لتقدّمه على الوقت ، ولا لمقارنته معه ، والمعنى المعقول أن يلاحظ بالنسبة إلى لزوم تحصيل مقدّمات الفعل قبل الوقت وعدم لزومه ، فما وجب فيه منهما قبل الوقت ، عبّر عنه بتقدّم الوجوب على وقت الفعل ، وما لم يجب فيه عبّر عنه بمقارنته معه.

وهذا المعنى الّذي لا يتصوّر غيره عبّر عنه صاحب الفصول بتعلّق

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٥١ ـ ٥٢.

(٢) نضا ثوبه. أي : خلعه. الصحاح ٦ : ٢٥١١ ( نضا ).

٢٨٣

الوجوب بالمكلّف قبل وقت الفعل ، وسمّاه بالواجب المعلّق.

وعبّر عنه الشيخ والسيد الأستاذ ـ طاب ثراهما ـ بلزوم تحصيل مقدّمات الواجب المشروط إذا علم حصول شرطه أو بتأثير الإرادة فيها ، لدخولها في حيّز الإرادة.

وعليه أيضا لا بدّ من الالتزام بتقدّم الوجوب ، وإلاّ كيف تجب المقدّمة وليس وجوبها إلاّ غيريّا تبعيّا متأخرا عن وجوب ذيها طبعا تأخّر المعلول عن علّته ، ولهذا اعترف به الفاضل المقرّر ، على أنه من ألدّ خصوم الواجب المعلّق ، وصرّح في كلامه ـ المتقدّم نقله ـ باتّصاف الفعل به قبل وقته ، فلم يبق ـ إذن ـ فرق يؤبه به ، إلاّ أنّ هذا يجعل هذا القسم من الواجب من المطلق ، وهؤلاء من المشروط.

ولا شك في أنّ الأول أقرب إلى كلمات القوم ، وأبعد من اللوازم البعيدة لأنّ مقدّمات المشروط خارجة عن حمى النزاع في وجوب المقدّمة فهي غير واجبة إجماعا كما نقله المقرّر عن جماعة ، واللازم من مقالتهم أن يطرد الحكم في جميع الواجبات المشروطة ، فتجب مقدّماتها قبل أوانها إذا علم بحصول شروطها ، فيجب الغسل ليلة أول شعبان لصوم أول يوم من شهر رمضان والسفر مع الرفقة متسكّعا (١) في صفر (٢) إذا علم بحصول استطاعة الحج في ذي الحجة ، إلى غير ذلك من اللوازم البعيدة بل الفاسدة ممّا ليس في تعدادها فائدة.

وقد تنبّه له المقرّر الفاضل ، فقال : « إن قلت : ذلك يلازم القول بوجوب جميع المقدّمات قبل الوقت مع العلم بعدم تمكنه منها بعد الوقت ، مع أنّ الظاهر عدم وجوب بعض المقدمات وإن أدّى إلى ترك ذيها ».

__________________

(١) حجّ متسكّعا : أي : بغير زاد ولا راحلة. مجمع البحرين ٤ : ٣٤٦ ( سكع ).

(٢) أي في شهر صفر.

٢٨٤

وأجاب عنه بما حاصله : « أنه إذا دلّ الدليل على عدم الوجوب نقول : إنّ شرط الوجوب فيه هو القدرة على ذلك الواجب ، وشرائطه في زمان وجوبه ، فيكون من الشروط الشرعيّة ، وليس ذلك تخصيصا لحكم العقل ، إذ القدرة المعتبرة قدرة خاصة بحكم الشرع » (١).

أقول : من الظاهر لدى من عرف طريقة الفقهاء ، أنّ الأصل عندهم عدم وجوب المقدّمات قبل وقت الفعل ، والحكم بسقوط الواجب عن فاقدها في الوقت وإن تمكّن منها قبله وتركها عمدا ، وإذا ثبت عندهم خلاف ذلك ـ ولم يثبت إلاّ في موارد قليلة لا تبلغ عدد أصابع الكف ـ عمدوا إلى تأويلها ، بل إلى الاقتصار على اللازم فيها ، فراجع ـ إن أحببت ـ كلماتهم في مسألة الغسل قبل الفجر ، تجد المنسوب إلى المشهور عدم الوجوب إلاّ في آخر وقت يمكن وقوعه فيه.

حتى أنّ الفاضل المقرّر نقل عن الشيخ الأعظم اعتماده على أنّ ما دلّ على وجوب المقدّمة لا يدلّ على أزيد من ذلك (٢) ، وأوضحه بما زاده خفاء على خفاء ، وضغثا على إبّالة (٣) ، وظنّي أنّ كلام الشيخ لا يمكن توجيهه إلاّ على القول بالتعليق ، ولو لا مخافة الإطالة لفصّلت القول فيه.

وبالجملة ، القول بوجوب مقدّمات الواجب المشروط مطلقا يفتح بابا لا يمكن سدّه ، وأيّ فقيه يلتزم بوجوب الكسب على الغلام أوّل يوم بلوغه إذا علم بأنه يولد له ولد بعد خمسين سنة يجب عليه نفقته ، أو يوجب عليه شراء الراحلة إذا علم بأنه يحصل له من المال فيه بمقدار يستطيع الحجّ به.

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٥٤.

(٢) مطارح الأنظار : ٥٥.

(٣) وهو من الأمثال المشهورة. قال في مجمع الأمثال ( ١ : ٤١٩ ـ ٢٢٠٢ ) : الإبالة : الحزمة من الحطب ، والضغث قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس ، ومعنى المثل : بليّة على أخرى.

٢٨٥

هذا ، على أنّ اللازم من ذلك جواز الوضوء قبل الوقت بنيّة الوجوب لمن علم بقاء قدرته إلى بعد الوقت مع أنهم لا يقولون به.

وقد أجابوا عنه بأنّ الواجب إقدام المكلّف بقدرته الموجودة في الوقت ، إذ المصلحة مختصة بالقادر بالوقت ، فتأمّل فيه فعسى أن يظهر لك المراد منه.

وأمّا على التعليق ، فظاهر أنّ وجوب المقدمات قبل الوقت تابع لوجود الدليل عليه ، فإن وجد فذاك ، وإلاّ فالأصل البراءة عن ذلك الواجب النفسيّ ، كما أنه تابع له في مقدار الزمان الّذي يجب قبله وفي سائر الخصوصيات ، لأنه في الحقيقة من قبيل التوسعة والتضييق في الواجب النفسيّ ، وهو راجع إلى الشرع لا العقل حتى لا يقبل التخصيص.

هذا ، وقد أورد على الواجب المعلّق إشكالان آخران :

أوّلهما : أنّ الواجب المعلّق لا بدّ من رجوعه إلى المشروط ، لاشتراطه بالوقت المستقبل ، فلا تجب مقدّمته ، وقد مرّ الجواب فيه في كلام صاحب الفصول من أنّ الشرط ليس الوقت ، بل الاعتبار المنتزع منه كالتعقيب ، ويأتي له مزيد توضيح عند بيان الشرط المتأخّر ، ويأتيك قريبا أنّ الوقت ظرف للفعل لا شرط له.

نعم هذا الإشكال ممّا لا مخلص عنه لمن جعل المقام من الواجب المشروط إلاّ بإنكار الواضح من تبعيّة وجوب المقدّمة.

ثانيهما : أنّ الطلب والإيجاب إنما يكون بإزاء الإرادة المحرّكة نحو المراد فكما لا تنفك الإرادة عن المراد لا ينفك الإيجاب عن متعلّقة ، فكيف يتعلّق بأمر مستقبل.

وقد كفانا صاحب الكفاية مئونة الجواب ، فقال : « إنّ الإرادة تتعلّق بأمر متأخّر استقبالي كما تتعلّق بأمر حالي ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل ، فضلا عن فاضل ، ضرورة أنّ تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كانت المقصود

٢٨٦

بعيدة المسافة وكثيرة المئونة ليس إلاّ لأجل تعلّق إرادته ، وكونه مريدا له ـ إلى أن قال ـ إنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به ، ولا يكون إلاّ بعد البعث بزمان ، فلا محالة يكون البعث إلى أمر متأخّر عنه بزمان ، فلا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب.

ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه ، والإطناب إنما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاّب » (١) انتهى كلامه.

ولكن الإنصاف عدم ورود أكثر ما أورده عليه ، ويظهر ذلك من التأمل في كلامه ، وهذا بعضه ، قال :

« محبوبية الفعل ومطلوبيّته الباعثة على صدور الخطاب إن كان حاصلا فعلا في المأمور به من غير توقف على أمر غير حاصل فهذا واجب مطلق ، ومقتضاه وجوب البدار إلى الامتثال بارتكاب المقدمات ولو كانت محتاجة إلى طول زمان.

وإن كان موقوفا على حدوث أمر غير حاصل ، وعاريا عن المصلحة فعلا ، ولغوا صرفا قبل وجوده ، كان هذا واجبا مشروطا مقيّدا ولو تأخر لحظة ، ومن الواضح عراء الفعل الموقّت عن المصلحة رأسا قبل الوقت ».

« والحاصل : أنّ مفاد الكلام إن كان هو مطلوبيّته ومحبوبيّته من غير انتظار شيء غير حاصل فهو واجب مطلق أي غير متوقف وجوبه على شيء حال الخطاب ، وإن كان هو عدم مطلوبيّته فعلا ، بل بعد تحقّق شيء آخر زمانا كان أو لا فهو مشروط ، وهذا هو المناط في إطلاق الوجوب واشتراطه ».

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٠٢ ـ ١٠٣.

هذا جواب صاحب الكفاية على صاحب تشريح الأصول الشيخ علي أكبر النهاوندي ( قدس سره ) على ما صرّح به المشكيني في حاشيته على الكفاية ، فراجع هامش كفاية الأصول ١ : ١٦١.

٢٨٧

« وبما حقّقنا تعرف أنّ إطلاق الطلب لا ينافي توقّف الامتثال على مضي زمان طويل أو قصير عقلا ، كما أنّ تقييده واشتراطه لا ينافي عدم توقف الامتثال على مضي الزمان ».

« ووجه ذلك أنّ مضيّ الزمان في المطلق مقدّمة للامتثال ، وفي المشروط مقدّمة لأصل الوجوب ولو توقف عليه الامتثال عقلا » (١) انتهى.

وهذا الكلام وغيره ممّا حذفناه حذار الإطناب صريح في أن هذا الأستاذ لا ينكر إمكان تأخّر زمان الامتثال عن زمان الطلب المطلق ، ولا تعلّقه بالمستقبل طال الزمان بين الطلب وبين وقت الامتثال أم قصر ، وإنما يرى في حدّ المطلق وجود المصلحة حال الطلب ، وما سواه يعدّه من المشروط ، فإذن أكثر ما أورده عليه أجنبي عن مقصوده ، والسبب فيه أنه لم يراجع الكتاب ، وإنما روي له ذلك كذلك ـ وما آفة الأخبار إلاّ رواتها ـ.

نعم هو تفصيل بديع تفرّد به صاحب البدائع فيما أظنّ.

والحق في جوابه هي الجملة التي ذكرها في أول كلامه بعد أن يزاد فيها دعوى الضرورة ولو فيما لم تكن المصلحة موجودة حال الطلب ، بل ولو كانت فيه المفسدة حال الطلب فالعاقل يأمر بشراء المحشو من الثياب في الصيف ليلبسها في الشتاء ، والكتان في الشتاء للبسه في الصيف ، والممطرة حال الصحو والمظلّة يوم الغيم ، وبشراء الفرس للسفر بعد سنة ، وهذا الكلام وأمثاله من هذا الأستاذ وأمثاله لم يصدر إلاّ من الظنّ بأنّ القائل بالواجب المعلّق يجعله قسيما لقسمي المطلق والمشروط ، وقد صرّح به في مواضع من كتابه.

وإذا اتضح لديك ـ بما أسلفناه ـ أنّ معنى تقدّم الوجوب على الوقت ـ وهو الّذي سميناه بالمعلّق ـ هو وجوب تحصيل المقدّمات قبله ، وتأثير الإرادة فيه

__________________

(١) بدائع الأفكار : ٣١٦.

٢٨٨

فليجعله من شاء من المشروط أو المطلق مطلقا ، ومن شاء فليفصّل فيه بجعله من المطلق إذا كانت المصلحة موجودة وقت الأمر ، ومن المشروط الّذي وجبت مقدّماته قبل حصول الشرط ، فإنما همّنا المعاني ، فإذا سلّمت فليصطلح من شاء ما شاء.

ثم نعيد النّظر فيما جعلوه المستند في إنكار المعلّق ، وهو : أنّ القيد لا يخلو من أن يكون خارجا عن حيز الإرادة ، وإمّا أن يكون داخلا فيه ، ولا ثالث لهما عقلا ، والقيود الخارجة عن قدرة المكلّف من قبيل الأوّل قطعا.

ونقول ـ زيادة على ما سلف ـ : إنّ ما ذكروه من عدم تثليث الأقسام ممّا لا ريب فيه ، إذ عدم الواسطة بين النقيضين من أجلى الواضحات ، وإنما الخطب في إدخالهم القيود الخارجة عن القدرة في التقسيم ، لأنه تعبير فاسد ، وربّما يسري فساده إلى المعنى ، إذ الإرادة لا يتحقق مفهومها في غير المقدور ، فهو خارج عن المقسم أصلا ، وفرق ظاهر بين ما يمكن تعلّقها به وبين غيره ، والتعبير بالخروج عمّا ليس من شأنه الدخول ممّا تأباه قواعد الصناعة ، ولعلّ هذا هو الوجه فيما نقله في البدائع عن بعضهم من أنّ الوقت ليس شرطا في الوجوب بل هو ظرف له (١).

قال في الفصول ـ بعد بيان التعليق بالوقت ـ ما لفظه : « واعلم أنّه كما يصح أن يكون وجوب الواجب على تقدير حصول أمر غير مقدور ـ وقد عرفت بيانه ـ كذلك يصح أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر مقدور ، فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله ، وعلى تقدير حصوله يكون واجبا قبل حصوله ، كما لو توقّف الحج المنذور على ركوب الدابّة المغصوبة » (٢) إلى آخر ما ذكره.

__________________

(١) بدائع الأفكار : ٣١٥.

(٢) الفصول الغروية : ٨٠.

٢٨٩

وجعل من ثمرات ذلك : جواز الأمر وصحّة العبادة فيما إذا كانت المقدّمة المحرمة حاصلة أثناء الاشتغال بالواجب كالاغتراف من الآنية المغصوبة في الطهارة الحدثيّة مع الانحصار (١).

وأورد (٢) عليه ـ زيادة على ما مرّ ـ بوجهين :

أولهما : أنّ التكليف بالحجّ في الفرض المذكور ، والوضوء مع انحصار المقدّمة في الحرام تكليف بالمحال ، لأنّ النهي عن الاغتراف باق بحاله حال التوضّؤ ، ومجرّد العلم بالعصيان لا يوجب زوال النهي.

وثانيهما : اجتماع الأمر الغيري والنهي النفسيّ في شيء واحد ، إذ الاغتراف مأمور به لكونه مقدّمة للواجب ، ومنهي عنه لكونه غصبا ، وهذا محال حتى لدى مجوّزي اجتماع الأمر والنهي ، لأنه من قبيل الآمري (٣) الّذي لا يجوّزه المجوّزون له.

أقول : ظنّي أنّ صاحب الفصول كان في غنى بما عنونه أوّلا عن هذا العنوان ، إذ التعليق في كليهما تعليق على غير المقدور إلاّ أنّ ذلك غير مقدور عقلا ، وهذا غير مقدور شرعا ، ومن المقرّر أنّ العذر الشرعي كالعذر العقلي فيشملهما معا عنوان التعليق على غير المقدور.

وأما الاعتراضان ، فقد أجاب ـ طاب ثراه ـ عن أوّلهما بقوله : « والّذي يدل على المذهب المختار أنّ ما دلّ على عدم وجوب الواجب عند حرمة مقدّمته المتعيّنة هو لزوم التكليف بالمحال ، ولا ريب أنه إنما يلزم ذلك لو كلّف بالواجب مطلقا على تقدير الإتيان بالمقدّمة المحرّمة وعدمه ، وأما لو كلّف به مطلقا على تقدير الإتيان بها خاصة فلا ، فيبقي إطلاق الأمر بحاله ، فيرجع حاصل التكليفين إلى مطلوبيّة

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٨٠.

(٢) المورد : المحقّق الرشتي في بدائع الأفكار : ٣٢٤.

(٣) أي : أنّه من قبيل اجتماع الأمر والنهي في مرحلة الإنشاء ويقابله : المأموري. أي : الاجتماع في مرحلة الامتثال.

٢٩٠

ترك الحرام مطلقا لا على تقدير حصوله ، ومطلوبيّة فعل الواجب على تقدير حصوله » (١) انتهى.

وهذا الجواب لا ينبغي فيه الارتياب بناء على إمكان الترتّب ، لأنه إن لم يكنه بعينه فهو ( أخوه غذته أمّه بلبانه ) فمن كان من هؤلاء المعترضين منكرا للترتّب فلا كلام لنا معه هنا ، وموعده المسألة الآتية إن شاء الله.

وأمّا من يقول به كسيّدنا الأستاذ ، فما أدري ما الّذي يريبه منه؟ وما هو إلاّ تعبير جيّد واضح عن الترتّب ، لا يتأتّى للقائلين به أجود منه ولا أوضح ، ولا تكاد أن تجد فرقا بين مقالة هذين الإمامين إلاّ في التسمية فقط ، فصاحب الفصول يجعل ذلك من قبيل المطلق ويسمّيه المعلّق ، والسيد الأستاذ يجعله من المشروط الّذي يؤول إلى المطلق ، ويأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ في موضعه.

وسمعت من السيد الأستاذ في مجلس الدرس ما حاصله : « إنّ صحة الوضوء في هذا الفرض مناف لذوق الفقاهة ، وأيضا لا تجري قاعدة الترتّب إلاّ فيما يعلم بقاء المصلحة ، والمقتضي في الفعل وهو غير معلوم في هذه الصورة ، بل جعل البدل له كاشف عن عدم المقتضي له والصلاح فيه ، بل يمكن دعوى الإجماع على أنّ التيمم متى كان مشروعا لا يشرع الوضوء ».

أقول : أما الاستبعاد فليس بأوّل مستبعد فقهي اقتضته قاعدة أصولية ، وأنت تعلم أنّه يترتب على قاعدتي الترتب وجواز اجتماع الأمر والنهي ـ اللّتين هو المشيّد لهما والمدافع عنهما ـ ما هو أبعد من صحّة هذا الوضوء ، وعلى العالم بالفنّين أن يجري في أمثال هذه المسائل على ما أصله في الأصول حتى يصدّه نصّ أو إجماع فيرفع اليد عنه في ذلك المورد خاصة ، ولا نصّ على البطلان قطعا ، وتعرف حال دعوى الإجماع قريبا إن شاء الله.

وأمّا استكشاف عدم المقتضي والمصلحة فيه من جعل البدل له فنحن

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٨٠.

٢٩١

نطالب بالوجه في ذلك ، إذ جعل البدل لا ينحصر في مورد لا تبقى مصلحة في المبدل عنه ولا مقتض له ، فكم في الشرع والعرف موارد نعلم وجودهما في المبدل عنه على نحو أتمّ وأكمل ، لكن جعل البدل عنه للإرفاق أو لغيره من المصالح.

ومع الشك فيهما فالعمومات كافية في إثباتهما ، على كلام تسمعه إن شاء الله في مسألة الترتب ، بل نقول : إنّها كما دلّت على مشروعية التيمّم مع عدم التمكّن دلّت كذلك على عدم مشروعيته مع التمكن وبعد فرض العصيان وتحقّقه بالاغتراف متمكن من الوضوء ، فلا تشمله أدلّة التيمّم ، فيخرج عنها خروجا موضوعيّا ، فالأمر في المقام ـ إن تأمّلت وأنصفت ـ أهون منه في مسألة تزاحم الأهمّ والمهم.

وبالجملة فهذا الاستكشاف موهون جدّاً ، إلاّ أن يرقع خرقه بالإجماع الّذي ادّعاه ، وأوّل ما فيه منعه.

ومن راجع كتب الفروع يلف (١) موارد حكم فيها غير واحد بالتخيير بين الطهارتين ، وموارد صرّحوا فيها بمشروعيّة الترابية للمتمكن من المائية ، وسمع من جماعة منهم التصريح بصحّة الوضوء مع ضيق الوقت ، ورأى من المحقّقين منهم الحكم بثبوت الحكم فيه على مسألة اقتضاء الأمر النّهي عن ضدّه ، فمن حكم بفساد الوضوء إنما يحكم لذلك لا لعدم المقتضي فيه.

ثم نقول على تقدير تسليمه : إنّ الإجماع إنما قام على عدم التخيير بينهما تخييرا بدويّا بمعنى تعلّق الأمر المطلق بكلّ منهما ، كما في التخيير بين القصر والإتمام في المواطن الأربع ، ونحن لا ندّعي ذلك هنا ونسلّم أنّ الأمر المطلق لم يتعلّق إلاّ بالتيمّم فقط ، ولكن نقول : إنّ الوضوء تعلّق به أمر مشروط ، أو معلّق ـ كما سمّاه ـ مشروط بعصيان الأمر الأوّل ، وفي صورة حصول الاغتراف يحصل

__________________

(١) ألفيت : وجدت. المفردات في غريب القرآن : ٤٥٢ ، الصحاح ٦ : ٢٤٨٤ ( لفا ).

٢٩٢

الشرط فيتنجّز الأمر به ، كما يقوله رحمه الله في الترتّب بين الضّدين ، فتجب مقدّماته ، كما نقول بمثله في تلك المسألة ، ونحكم بوجوب مقدّمات الصلاة من الوضوء ، وتطهير البدن ، وتحصيل الساتر ، وغير ذلك على من علم من نفسه عصيان الأمر بالإزالة.

ولا بدّ للسيد الأستاذ من الالتزام بوجوب هذه المقدمات المتقدّمة ، لأنّ المقام من مصاديق الواجب الّذي علم بحصول شرطه فيما بعد ، فتؤثر الإرادة فيها ، ويجب بحكم العقل تحصيلها على مبناه الّذي سبق بيانه.

وممّا قررناه يظهر لك أنّ الحال في هذه المسألة كالحال في مسألة الترتّب بين الضدّين ، بل الأمر فيها أوضح من تلك ، وهي بالصّحة أحقّ وأجدر ، لأنّ الاغتراف الّذي هو شرط الوضوء مقدّم بحسب الزمان على أجزاء الواجب بخلاف صلاة المكلّف بالإزالة (١).

ومن ذلك كلّه يظهر الجواب عن الاعتراض الثاني ، أعني لزوم اجتماع الأمر والنهي ، ويزيده توضيحا ما حقّقه أخوه العلاّمة ـ الجدّ ـ من أنّ المقدّمة الوجوديّة إنما تكون واجبة إذا لم تكن مقدّمة الوجوب أيضا ، وأما إذا كانت مقدّمة لهما معا فلا تجب بالاتّفاق (٢).

أقول : والوجه في ذلك ظاهر ممّا عرفت سابقا من معنى مقدّمة الوجوب من أنه لا وجوب على تقدير عدم وجودها ، فوجوب إيجادها بوجوب الواجب دور صريح ، ومناقضة ظاهرة ، ومستلزم لخروج الواجب المشروط عن كونه مشروطا وانقلابه إلى الواجب المطلق.

ومن الغريب خفاء هذا الواضح على مثل الأستاذ صاحب البدائع ، حيث زعم أنّ سبب عدم وجوب المقدّمة الوجوبيّة عدم وجود المقتضي للوجوب ،

__________________

(١) أي المكلّف بإزالة النجاسة عن المسجد.

(٢) انظر : هداية المسترشدين : ١٩٨.

٢٩٣

فإذا صارت مقدّمة الوجود أيضا وجد المقتضي فتجب كسائر المقدّمات ، وجعل هذا الزعم مبنى الاعتراض على العلاّمة الجدّ فقال ما بعضه بلفظه :

« وفيه ، أن عدم وجوب مقدّمة الوجوب إنما هو لعدم المقتضي لوجوبها ، ولو فرض لها مقتضي الوجوب غيريّا أو نفسيا فلا مانع حينئذ لوجوب مقدّمة الوجوب ، وليس معنى عدم وجوب مقدمة الوجوب أنّ هناك ما يقتضي عدم وجوبها ، حتى يعارض ما لو وجد لوجوبها شيء من المقتضيات ، وفرق واضح بين عدم المقتضي ومقتضي العدم ، والّذي يمتاز به مقدّمة الوجوب عن مقدّمة الوجود هو الأوّل دون الثاني » (١) انتهى.

وفي تأمّلك في تعريف مقدّمة الوجوب ما يغنيك عن إطالة الكلام في وجوه النّظر فيه.

( الشرط المتأخر )

لا شك في وجوب تقدّم العلّة بجميع أجزائها وشرائطها على المعلول ، وأنّه لا يجوز تأخّر شيء منها عنه ، وقد وقعت عدّة موارد يتوهّم فيها تأخّر الشرط عن المشروط كالإجازة اللاحقة للبيع الفضولي ، والأغسال الليليّة المعتبرة في صحّة صوم المستحاضة ، وغيرهما من المسائل المتّفقة عليها والمختلفة فيها ، ومنها المسألة السابقة.

وقد عرفت أنّ صاحب الفصول تخلّص عن إشكال تأخّر شرط البلوغ بالتعقّب ، وقد وعدتك بيان ذلك.

وإجمال القول فيه : أنّ الفعل قد تعتريه إضافة إلى شيء متقدّم عليه أو متأخر عنه ، وتلك الإضافة تحدث له عنوانا موجودا وصفة موجودة فعلا يوجبان الصلاح أو الفساد فيه ، والحبّ أو البغض له.

__________________

(١) بدائع الأفكار : ٣٢٤.

٢٩٤

أمّا حدوث العناوين الفعلية للأشياء بها ففي غاية الظهور فإنّ القمر ليل التمام متّصف فعلا بعنوان أنه بعد الهلال وقبل المحاق ، كما هو متّصف بالإبدار ، وكذلك عروض الصلاح والفساد ، والحبّ والبغض ، فإذا علمت بقدوم الملك بعد أيّام وأنه يعطي مستقبلية المال والجزيل ، وينكل القاعدين عنه أشدّ تنكيل فلا شك أنّ الاستقبال الّذي ليس إلاّ صفة منتزعة عن القدوم المتأخّر فيه الصلاح فعلا ، وفي تركه الفساد.

وإذا علمت أنّ رجلا يدفعك في مطمورة بعد سنة ، وينقذك منها رجل آخر ، تجد من نفسك حبّ هذا ، ومن عقلك حسن الإحسان إليه ، كما تجد بغض الدافع فيها.

وبالتأمل في هذه الأمثلة وأمثالها يتّضح لديك أنّ الأثر للصفة الفعلية الموجودة بالإضافة إلى المعدوم لا للمعدوم حتّى يلزم المحال من كون العدم معطيا للوجود ، وهذا نظير العلّة الغائية ، فكون الشجر ممّا يثمر بعد سنين هو الّذي يدعو إلى غرسه ، ويدعو الفلاّح في إيجاد مقدّماته ، لا نفس الثمر الّذي لم يوجد بعد حتى يلزم المحال المذكور ، وهذا مراد العلاّمة ـ العمّ ـ من أنّ الشرط هو التعقّب ونحوه ، لا ما فهمه بعض من حكم عليه بالفساد ، وأورد عليه أبرد إيراد ، فقال : إنّ التعقّب أمر اعتباريّ ، فلا يكون منشأ للآثار.

( اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه )

الظاهر أنّ الخلاف في هذه المسألة واقع في كلّ من دلالة لفظ الأمر على النهي عنه ، ومن الملازمة العقلية بين الأمر به وبين النّهي عنه ، على حذو ما سبق في المسألة السابقة.

والمراد من الاقتضاء ما يعمّ العينيّة واللزوم ، كما أنّ المراد من الضدّ هنا مطلق المعاند فيشمل الترك المعبّر عنه بالضدّ العامّ ، لا خصوص الضدّ

٢٩٥

اصطلاحا ، وهو الأمر الوجوديّ الّذي يمتنع وروده مع غيره على محلّ واحد امتناعا ذاتيّا ، وذلك ليكون العنوان جامعا للأقوال المنقولة في الكتب المفصّلة.

وحيث إنّ المهمّ في هذه المسألة البحث عن تشخيص جزئي من جزئيّات المسألة السابقة أعني مقدمية الضدّ فلا علينا إذا قصرنا الكلام عليها وجعلنا العنوان « مقدّمية الضدّ فعلا وتركا لترك الضد وفعله » (١).

وقد اختلف أنظار أهل العلم فيها ، فمن قائل بها مطلقا ، ومنكر لها كذلك ، ومفصّل بين الفعل والترك يرى مقدّمية الترك للفعل دون الفعل للترك ، وآخر يرى التفصيل بين الضدّ الموجود ، وبين غيره ، فيخصّها بالأول.

والّذي يذهب إليه مشايخنا من هذه المذاهب هو منع المقدمية مطلقا ، ودليله الوجدان ، إذ من الواضح أنّ البياض مثلا لا يتوقف وجوده على عدم السواد ، ولا عدمه على وجوده ، بل كلّ منهما يوجد بوجود علّته التامة ، وينتفي بانتفائها من غير تأثير لأحدهما في الآخر وجودا وعدما ، فإذا انتفى الأسود مثلا ، فما بياضه إلاّ لوجود تمام علّته ، وتصرّم علّة ضدّه ، أو مغلوبيّتها عن علّته.

ولو لا أنّ القول بالمقدّمية هو المشهور بين المتقدمين ، وإليه يذهب جمع من محقّقي المتأخّرين كان لقائل أن يقول : إنّ الذاهب إلى القول بالمقدّمية رأى التمانع بين الأضداد ، وسمع أنّ عدم المانع من أجزاء العلّة التامة فولد منهما المقدّمية ، وخفي عليه أنّ مجرّد التمانع وعدم إمكان الاجتماع لا يقتضي بالتوقف الّذي هو معنى المقدّمية ، وما يذكره علماء المعقول من شرطيّة عدم المانع فإنما يعنون بها المانع من تأثير المقتضي.

هذا ، مضافا إلى ما يرد على القائل بالمقدّمية من الدور الواضح (٢) على

__________________

(١) معنى العبارة : مقدّميّة الضد فعلا لترك الضد الآخر وتركا لفعله. ( مجد الدين ).

(٢) إذ عدم كل واحد من الضدّين مقدّمة لوجود الآخر ، وبعبارة أخرى وجود كلّ منهما متوقف على عدم الآخر. ( مجد الدين ).

٢٩٦

ما هو مقرّر في مفصّلات كتب الفنّ بوجوه شتّى ، وتقريرات مختلفة ، ولا أرى إطالة الكلام في مقام يغني فيه الوجدان عن البرهان.

والمهمّ بيان الثمرة الوحيدة التي ذكروها لهذه المسألة ، بل وللسابقة عليها وهي بطلان الضدّ إذا كانت عبادة إن قلنا بالاقتضاء ، لاجتماع الأمر والنهي فيها حينئذ ، بل تبطل وإن قلنا بجواز اجتماعهما لاقتضاء النهي الفساد في العبادات ، بل تبطل ولو قطع النّظر عن النهي بإنكار المقدّمية ، أو إنكار وجوب المقدّمة ، وذلك لامتناع الأمر بالضدّين ، فتبطل لعدم الأمر بها.

وبهذا يظهر لك الضعف في عدّ ذلك ثمرة لهذه المسألة ولسابقتها ، لأنه معضلة يلزم حلّها على جميع التقادير ، ويصعب الالتزام به إذ اللازم منه بطلان جميع العبادات الصادرة من المديون بفلس واحد لغريم مطالب ، فلا يصحّ حجّه ، وصلاته ، واعتكافه ، وغير ذلك من العبادات التي تضادّ الأداء ، وقلّ من يسلم منه أو من نظائره ، وهذا مخالف لضرورة الفقه ، بل الدين ، كما قال بعض الأساطين (١) ، واقتصر في الجواب على قوله : « إنّ ذلك شبهة في مقابلة البديهة » وإن كان الإنصاف أنّ فساد الشبهة ليس في الوضوح بهذه المرتبة ، كيف وقد ذهب جماعة من شيوخ المذهب وعليّة (٢) الفقه ، القائلين بفوريّة القضاء (٣) إلى بطلان غيره حتى الأداء إذا كان في سعة الوقت.

قال العلاّمة في القواعد : « من كان عليه دين ، أو خمس ، أو زكاة ، أو شيء من الحقوق الماليّة لا تصح صلاته في سعة الوقت » (٤) انتهى. ومثله أو ما يقارنه

__________________

(١) الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء. ( مجد الدين ).

(٢) بفتح الأوّل وكسر الثاني وتشديد الثالث أي أكابر الفقه وصاحب المقامات العالية. ( مجد الدين ).

(٣) أي كيف يكون فساد الشبهة بهذه المثابة من الوضوح وقد ذهب جماعة من شيوخ المذهب أصحاب المراتب السامية في الفقه ـ القائلين بفوريّة قضاء الصلوات ـ إلى بطلان غير القضاء من العبادات حتى أدائها في سعة الوقت. ( مجد الدين ).

(٤) قواعد الأحكام ١ : ١٥٦.

٢٩٧

كلام غيره (١).

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ المنكر لوجوب المقدّمة أو لمقدّمية الضدّ في راحة من ناحية النهي ، ولا يبقى عليه إلاّ تصحيح العبادة من ناحية الأمر وأمّا القائل بهما فلا بدّ له من علاج النهي أوّلا ، وتكلّف الأمر أو إقامة الدليل (٢) على عدم لزومه ثانيا.

أمّا علاج النهي من جهة اجتماعه مع الأمر فالقائل بجوازهما في راحة عنه أيضا.

وأمّا بناء على الامتناع فقد يلتزم بجواز اجتماع الأمر النفسيّ مع الحرام الغيري ، وقد اشتهر نقل ذلك عن العلاّمة ـ الجدّ ـ وقد أكثر المتأخرون (٣) عنه من الاعتراض عليه ، ولكن من تأمل كلامه اتضح لديه أنّه لا يجوّزه (٤) مطلقا وإن اقتضاه إطلاق عنوان كلامه ، بل يجوّزه في التكليفين المترتبين.

وقد تنبّه لهذا الإشكال الّذي يتشدّق (٥) به المعترضون من لزوم التكليف بالمحال ، وأجاب عنه بما أزاح عنه كل علّة ، ولم يبق للاعتراض مجالا ، وهذا بعضه بلفظه :

« لا مانع من تعلّق التكليف بالفعلين المتضادّين على الوجه المذكور ، ولا مجال لتوهم كونه من قبيل التكليف بالمحال ، إذ تعلّق الطلب بالمتضادّين إنما يكون من قبيل التكليف بالمحال إذا كانا في مرتبة واحدة ، بأن يكون الآمر مريدا

__________________

(١) كابنه فخر المحقّقين. ( مجد الدين ).

(٢) كصاحب الكفاية حيث يقول بكفاية ملاك الأمر في ذلك. ( مجد الدين ).

(٣) كالشيخ ، وصاحب الكفاية ، وغيرهما. ( مجد الدين ).

(٤) يعني أنّ من يتأمّل كلام الشيخ صاحب الهداية يتضح لديه أن الشيخ لا يجوّز اجتماع الأمر والنهي مطلقا ، سواء كان من قبيل اجتماع الأمر النفسيّ مع الحرام الغيري أو غيرها أي ولو كان أحدهما نفسيّا والآخر غيريّا ، بل يقول به على نحو الترتّب. ( مجد الدين ).

(٥) التشدّق : نوع من التكلّم فيه الحدّة والشدّة من التكلّم بحيث يكون فمه مملوءا. ( مجد الدين ).

٢٩٨

لإيقاعهما معا نظرا إلى استحالة اجتماعهما في الوجود بالنسبة إلى الزمان المفروض.

وأما إذا كانا مطلوبين على سبيل الترتيب بأن يكون مطلوب الآمر أولا هو الإتيان بالأهمّ ، ويكون الثاني مطلوبا له على فرض عصيان للأول وعدم إتيانه بالفعل ، فلا مانع منه أصلا ، إذ يكون تكليفه بالثاني حينئذ منوطا بعصيانه للأول ، والبناء على تركه ولا يعقل هناك مانع من إناطة التكليف بالعصيان ، فلا منافاة بين التكليفين نظرا إلى اختلافهما في الترتيب ، وعدم اجتماعهما في مرتبة واحدة ، ليكون من التكليف بالمحال ، لوضوح عدم تحقق الثاني في مرتبة الأول ، وتحقق الأول في مرتبة الثاني لا مانع منه بعد كون حصوله مترتّبا على عصيان الأول » (١) انتهى المقصود ـ الآن ـ من كلامه.

وهذا ممّا لا ينبغي الريب فيه ، بل يجب الإذعان به ، بعد تسليم إمكان الترتب.

وتخلّص عنه أخوه البارع (٢) بما شيّده من تخصيصه المقدّمة الواجبة بالموصلة ، إذ ترك الضدّ حينئذ لا يكون واجبا على تقدير عدم الإيصال ليكون فعله محرّما ، وهذا ظاهر لدى المتأمل الذكي ، وقد فصّله وأوضحه في كتابه ، ومن أراد زيادة التوضيح له فعليه بمراجعته ، وهذا حقّ ، ومن حقّه أن لا يقابل إلاّ بالقبول.

ولكن الفاضل المقرّر (٣) رحمه الله جرى على عادته من التحامل عليه ، فأنكر ذلك حتى على المعنى المذكور ، ودعاه التحامل إلى إمكان ادّعاء ضرورة العقل بأنّ قضيّة إيجاب الشيء حرمة موانعه مطلقا ، فلا يتّجه التفصيل بين

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٢٤٣.

(٢) صاحب الفصول. ( مجد الدين ).

(٣) الشيخ أبو القاسم الكلانتري الطهراني تلميذ الشيخ الأنصاري رحمه الله ومقرّر بحثه. ( مجد الدين ).

٢٩٩

الموصلة وغيرها في خصوص الموانع وإن قلنا به في غيره من المقدّمات ، والفرق بين الموانع وغيرها يظهر بالتأمل في مواردهما عرفا (١) انتهى ملخّصا.

وهذا ونظائره الكثيرة الواقعة في هذه التقريرات ممّا يريب الخبير بمقام الشيخ (٢) في كون جميع ما فيها مأخوذا عنه ، وكيف يظنّ بمثله (٣) مثل هذا التفصيل (٤) في حكم العقل الّذي لا يقبل التخصيص ، فضلا عن دعوى الضرورة عليه ، ثم التمسك بالعرف في مسألة عقلية محضة ، ولم يكتف بذلك حتى أخذ في التمنطق (٥) على المشّائين بتعداد ألفاظ منطقية من السلب والإيجاب والنقيض ، ثم لم تكن النتيجة إلاّ تسليم أنّ نقيض الترك الخاصّ له فردان ، وهذا كاف لما يرومه (٦) صاحب الفصول وإن قال هذا الفاضل : إنّ ذلك لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده (٧).

وكيف لا يوجب الفرق مع أنّ أقصى ما يلزم هذا الفرد مقارنته للحرام ، وظاهر أنّ حرمة الشيء لا تسري إلى ما يلازمه فضلا عمّا يقارنه ، كما أوضحه في الكفاية (٨) ، فراجعها إن شئت ففيها لعمري الكفاية.

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٧٨.

(٢) الشيخ مرتضى الأنصاري صاحب المتاجر والفرائد وغيرهما. ( مجد الدين ).

(٣) أي بمثل الشيخ. ( مجد الدين ).

(٤) من المقرّر لدى أهل العلم عدم إمكان التفصيل في حكم العقل ، فالتفصيل بين المانع والمقتضي كما قاله المقرّر ممّا لا ينبغي نسبته إلى مقام الشيخ ، فالعقل الّذي يحكم بأن قضيّة إيجاب الشيء حرمة موانعه مطلقا من غير فرق بين الموصلة وغيرها يحكم بأن قضيّة إيجاب الشيء إيجاب مقدّماته من غير فرق بين الموصلة وغير الموصلة ، فالتفكيك بين الموانع وغيرها من المقدّمات ممّا لا وجه له. ( مجد الدين ).

(٥) مثل عربي علمي. وغير خفي أن الحكماء كانوا على قسمين : إشراقيّين ومشّائين ، والمشائيين منهما هم أهل الاستدلال والمنطق ، فالتمنطق عليهم يذهب إدراج الرياح. ( مجد الدين ).

(٦) أي يقصده. ( مجد الدين ).

(٧) مطارح الأنظار : ٧٨.

(٨) كفاية الأصول : ١٢١.

٣٠٠