وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

طاب ثراه ، إذ النيابة كافية في إسقاط الحقّ ولو مع عدم رضاء الميّت وامتنانه من النائب كما في الديون الدنيويّة.

على أنه من أين يعلم أنّ جميع الأموات يطّلعون على فعل النائب ، ويرضون به؟ ولو فرض اطّلاعهم عليه فهل ترى من نفسك التوقف في كفاية النيابة ، والحكم بلزوم التكرار حتى يأتي من عالم الآخرة خبر رضاء الميت ، وامتنانه؟ ولعلّ ما ذكرته يصلح لأن يكون شرحا لما أفادنا السيد الأستاذ.

وأما حصول القرب الفعلي فغير مأخوذ في مفهومه ، ولا لازم له وإن كانت العبادات موضوعة لأن يتقرّب بها ، ولا ملازمة بين حصول القرب وسقوط الأمر ، فكثير من العبادات التي يباشرها المكلّف بنفسه لا يعلم بحصول القرب فيها ، بل لعلّ منها ما هي مبعّدة لا مقرّبة ، وإنما قصاراها سقوط الأمر ، والأمن من العقاب ، كما ذكره المحقق القمي على ما ببالي ، ولهذا امتازت (١) شرائط الصحة عن شرائط القبول ، فربّ عبادة صحيحة تردّ ، ويضرب بها وجه صاحبها كما دلّ عليه صريح الكتاب ، ومتواتر السنة.

وبالجملة قد اتّضح بما بيّناه عدم لزوم حصول القرب الفعلي في التعبّديات ، وأنّه لا فرق بينها وبين التوصّليّات إلاّ لزوم حصول قصد القربة فيها ، وأين قصد القربة من التقرّب معنى وإن تشابها لفظا.

هذا ، ولو شكّ في لزوم المباشرة فمقتضى ظهور الصيغة لزوم المباشرة قطعا ، وهل هذا الظهور مستند إلى الوضع ، فيكون مجازا فيما علم بكفاية التسبّب فيه ، أو النيابة عنه ، كما قال المفسرون (٢) في قوله تعالى : ( يا هامانُ ابْنِ لِي

__________________

(١) خلافا لبعض أساتيذنا ، فانه زعم أن كل عبادة صحيحة مقبولة ، وبالعكس. ( مجد الدين ).

(٢) إذ نسبة البناء إلى هامان ـ مع كونه غير مباشر لهذا العمل وليس إلاّ التسبيب ـ مجاز. ( مجد الدين ).

٢٤١

صَرْحاً )(١) ويظهر ذلك من الشيخ الأعظم (٢) ، أو أنه مستند إلى غيره؟

ومقتضى الأصل العملي عدم وجوب المباشرة وكفاية كلّ من التسبّب والاستنابة لأنها كلفة زائدة يدفعها الأصل كما ثبت في محلّه.

( الواجب النفسيّ والغيري ، والأصلي والتبعيّ )

أما الأول فقد عرّف بما امر به لنفسه ، والغيري بما امر لأجل غيره.

وأورد عليه بأنّ اللازم من ذلك كون جميع الواجبات ، أو ما سوى الشاذ منها واجبات غيرية ، لأنّ كلّها أو جلّها مطلوبات لأجل الغايات الخارجة عن حقيقتها.

وأجاب عنه في الهداية بما حاصله : « الفرق بين طلب الشيء لثمرة مترتّبة عليه ، وبين طلبه من جهة كونه وسيلة إلى مطلوب آخر ، والواجب الغيري هو الثاني » (٣).

وتبعه في ذلك الشيخ (٤) فأجاب بمثله ، بل زاد في الحدّ ، فقال : « إنّ الواجب الغيري ما أمر به للتوصّل إلى واجب آخر ، والنّفسي ما لم يكن كذلك » (٥).

قلت : الأمر النّفسي بغرض التوصّل إلى نفسيّ آخر بمكان من الإمكان ، بل واقع كثيرا (٦) ، وعليه أو على ما يقرب منه حمل صاحب الهداية رحمه الله

__________________

(١) غافر : ٣٦.

(٢) مطارح الأنظار : ٥٩.

(٣) هداية المسترشدين : ١٩٣.

(٤) الشيخ مرتضى الأنصاري طاب ثراه. ( مجد الدين ).

(٥) مطارح الأنظار : ٦٦.

(٦) كالوضوء مثلا فإنه واجب نفسي بغرض التوصّل إلى نفسي آخر وهو الصلاة ، والأمثلة لذلك كثيرة.

( مجد الدين ).

٢٤٢

المقدّمات الواجبة قبل وجوب ذيها (١).

فالأولى أن يقال : إنّ الواجب الغيري هو الواجب بالغير ، والنفسيّ ما لم يكن كذلك وإن كان واجبا للغير.

وبيانه : أن الغيري ما لا وجوب له بذاته ، ولا تتعلق به الإرادة والإنشاء والبعث ابتداء ، وإنما يجب بوجوب غيره ، ويكون مرادا ومنشأ بنفس إرادة الغير وإنشائه ، فهو نظير لوازم الماهيّات الّتي تجعل بنفس جعل ملزوماتها ، وهذا بخلاف النفسيّ الّذي هو متعلّق الإرادة بذاته ، وملحوظ للآمر ابتداء ، وقد بعث إليه ووعد وأوعد عليه وإن كانت المصلحة الداعية إلى الأمر به أمرا آخرا حاصلا بسببه حتّى التوصّل إلى واجب نفسي مثله.

وبالجملة الفرق بينهما بالفرق بين نحوي الجعل الابتدائي والتبعي ، لا بالفرق بين نحوي المصلحة ، حتى ينتقض الطرد والعكس لكل من الحدّين ، ويجاب عنه بما لا يخفى التكلّف فيه لذي عينين.

فاستبان ممّا حققناه : أنّ كل مقدمة للمطلوب يمكن أن يريدها بنفسها ، ويبعث عليها ، فيترتب على إطاعتها الثواب ، وعلى مخالفتها العقاب ، فتكون واجبة لذاتها.

ويمكن أن يجعل الأمر الآخر مصبّا لطلبه فقط ، فتكون واجبة بوجوبه ، ومرادة تبعا لإرادة الغير ، ويكون ذلك بحسب نظر الآمر ، وملاحظة المرجّحات الخارجة عن ذات المقدّمات ، فربّما اتفق الآمران في مطلوب ، واختلف طلبهما لمقدمة شخصيّة باختلاف حالي مأموريهما ، هذا.

فلو رأيت المصلحة اللازمة في مباشرة عبدك ـ الّذي لا يعرف الكتابة والحساب ـ دفاتر حسابك ، فتارة تأمره أوّلا بتعلّم الحساب والخطّ ، وتثيبه وتعاقبه

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٢١٧.

٢٤٣

على التعلّم وعلى تركه ، ولا مصلحة لك فيه إلاّ أن ترشّحه لمباشرة الدّفاتر ، ثم تأمره بها ، وتارة تأمره بها ابتداء فيجب عليه التعلّم لوجوبها ، والغرض في الصورتين واحد ، والأمران مختلفان ، وما نشأ الاختلاف إلاّ من الّذي نبّهناك عليه.

وأما التقسيم إلى الأصلي والتبعي فإن كان لا بدّ منه (١) ، فليكن الأصلي ما فهم وجوبه بخطاب مستقل ، والتبعي ما فهم وجوبه تبعا لخطاب آخر ، والفرق بين هذا التقسيم وبين التقسيم الأول : أنّ هذا تقسيم في مقام الإثبات ، والأول في مقام الثبوت.

وعليه (٢) فيتصوّر القسمان في الواجب النفسيّ ، ويختص الغيري بالتبعي إلاّ أن يكون الخطاب بالمقدّمة أصليّا لغرض الإرشاد ، وبيان المقدّمية.

هذا ، ولكن الّذي يظهر من الشيخ الأعظم تفسير الأصلي بما فسّرنا به الغيري ، والظاهر المصرّح به في كلام بعض الأساطين (٣) أنه لم يثبت اصطلاح لهم في هذا التقسيم ، فلا ينبغي صرف الوقت في الاصطلاح الّذي لا مشاحّة فيه.

وبما عرّفناك من حقيقة الأمر في الأمر الغيري ، تعرف أنه لا يمكن أن يكون محرّكا نحو الفعل ، ولا داعيا إليه ، لأنه إن كان مريدا لذي المقدّمة فهو مريد لها بالضرورة وإن لم يتعلّق بها أمر أصلا ، وإلاّ فلا يعقل إتيانه ولو تعلّق بها ألف أمر.

ولهذا (٤) وقع الإشكال في المقدّمات العباديّة بناء على تفسير القربة بقصد الأمر ، وانحصر التخلّص عنه بالالتزام بكونها محبوبات ذاتية ، أو بقصد الأوامر

__________________

(١) إشارة إلى عدم لزوم هذا التقسيم ، وعدم ترتب فائدة مهمة عليه. ( مجد الدين ).

(٢) أي بناء على هذا. ( مجد الدين ).

(٣) الظاهر أنّ هذا البعض هو الشيخ حبيب الله الرشتي صاحب البدائع تلميذ شيخنا الأنصاري المتقدم ترجمته. ( مجد الدين ).

(٤) أي ولأجل عدم إمكان كون الأمر الغيري محرّكا نحو الفعل ، ولا داعيا إليه. ( مجد الدين ).

٢٤٤

المتعلّقة بمشروطاتها.

وأيضا لا يستحق فاعلها الثواب ، ولا تاركها العقاب ، وإن شئت قلت : لا إطاعة لها ، ولا عصيان إلاّ بإطاعة ذي المقدمة وعصيانه.

وما ورد في الكتاب والسنة من الثواب على بعض المقدّمات كالآيتين الشريفتين من أواخر سورة التوبة (١) والأخبار الواردة في الثواب على الأقدام الّتي تخطى بها إلى زيارة سيّدنا الحسين عليه السلام ، ونحو ذلك ، فلا يخلو الأمر فيها من أن يكون ذلك لمجرّد الفضل من الله سبحانه لا للاستحقاق العقلي ، والفضل بيده تعالى لا يعدّ ولا يحدّ ، أو يكون على ذي المقدمة ولكن بيّن ذلك بتوزيعه على المقدّمات.

والسّبب فيه أنّ الثواب على الفعل يختلف باختلاف صعوبة المقدّمات ، وسهولتها ، وكثرتها ، وقلّتها ، فكلّما كانت المقدّمات أكثر أو أصعب كان الثواب على نفس الفعل أكثر ، إذ ( أفضل الأعمال أشقّها ) (٢) ولا يمكن بيان هذا بأحسن من التوزيع المذكور ، أو تكون تلك المقدّمات مأمورة بها نفسا دعت إليها أهميّة الغرض الحاصل منها كما عرفت إمكانها ، ولهذا ورد الثواب على الأقدام عند الرجوع من الزيارة ، مع أنها ليست بمقدّمات مقرّبة إلى المطلوب ، بل هي مبعّدات عنه.

هذا ، ولا يخفى أنّ أكثر المذكورات في الآيتين ليس من باب الثواب على

__________________

(١) الآية الأولى : ( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ، والآية الثانية : ( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ التوبة : ١٢٠ و ١٢١ ] ( مجد الدين ).

(٢) النهاية لابن الأثير ١ : ٤٤٠ ، مجمع البحرين ٤ : ١٦ ( حمز ).

٢٤٥

المقدّمة ، كما ذكره ، بل هو إمّا من قبيل الواجبات النفسيّة ، كقوله [ تعالى ] : ( لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ) (١) إذ هو معنى الجهاد الواجب ، أو من قبيل الآثار المترتّبة على ما يصيب الإنسان من التعب والنصب.

وقد ورد نظيره كثيرا فيما يصيب الإنسان من غير اختياره ، لتمحيص الذنوب ، كالأجر على الحمى ونحوها.

وأما العقاب على الحرام الغيري فلا أذكر اليوم موردا له ، وإن كان فهو من باب التحريم النفسيّ لبعض مقدّمات الحرام ، نظير تحريم النّظر إلى الأجنبيّة ، والخلوة معها ، لصرف مصلحة عدم الوقوع في الزنا ، ونحو ذلك (٢).

( وجوب المقدّمة من أيّ هذه الأقسام؟ )

وجوب المقدمة (٣) يحتمل فيه وجوه ثلاثة :

أوّلها : أن تكون واجبة بوجوب غيري تبعي مترشّح من الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة ، فيكون في كلّ واجب له مقدّمة وجوبان يختلفان في النوع.

ثانيها : أنه ليس إلاّ وجوب واحد ، إن نسب إلى المقدمة كان غيريا ، وإن نسب إلى ذيها كان نفسيّا.

ثالثها (٤) : وجوبها نفسا بمعنى عدم تعلّق الأمر النفسيّ حقيقة إلاّ بها.

أما الاحتمال الأوّل فهو المنسوب إلى المشهور ، ويبعّده صعوبة تصوّر أمر لا يوجد فيه شيء من خواص الأمر ولوازمه من ثواب أو عقاب ، بل وطاعة

__________________

(١) سورة التوبة : ١٢٠.

(٢) الظاهر كونه معطوفا بتحريم النّظر إلى الأجنبيّة ، ويمكن أن يكون معطوفا بالزنى ، أي : وفي نحو الزنا كالقبلة. ( مجد الدين ).

(٣) المراد من المقدمة في هذا المقام هو المقدمات الخارجيّة لا الداخلية. ( مجد الدين ).

(٤) عليك بالتأمل في هذا الاحتمال بناء على أنّ المراد المقدّمة الخارجية. ( مجد الدين ).

٢٤٦

وعصيان ، ولا يعقل أن يكون داعيا إلى الفعل ومحرّكا نحوه ، فليس فيه أيضا ما هو حقيقة الأمر وثمرته ، أعني كونه باعثا وداعيا.

واما الاحتمال الثاني ، فقد ذكره الشيخ الأعظم في أثناء الكلام على المقدّمة الموصلة ، ودونك عبارة مقرّر درسه ، قال في أثناء كلام له ، ما لفظه :

« وأمّا بناء على أنّ الطلب المتعلّق بالمقدمات ليس طلبا برأسه ، بل الموجود هو طلب واحد ، فإن قيس إلى نفس الواجب كان طلبا نفسيّا ، وإن قيس إلى ما يتوقف عليه وجود الواجب من المقدمات يكون طلبا غيريا » (١) ثم ردّه بقوله : « وذلك خروج عمّا هو المفروض من وجوب المقدّمة ، إذ الطلب الواحد ممّا لا يعقل أن يتعلّق بمطلوبين مع اختلاف مراتبه بالنفسية والغيرية » (٢).

قلت : هذا الاحتمال إن كان زيّفه وما ارتضاه ، فليس بذلك البعيد ، بل ولعلّه أحسن الوجوه ، إذ هو النمط الأوسط بين التفريط والقول بالنفي المطلق ، والإفراط وهو القول بتعلّق الوجوب النفسيّ بها ابتداء ، وعدم وجوب ذيها أصلا.

وستعرف أنّ الدليل على وجوب المقدّمة منحصر عنده في الوجدان ، وهو لا يساعد على أكثر من وجود البعث إلى المقدّمات عند الأمر بذيها في الجملة ، بل لعلّ الوجه أن يكذّب وجود الطّلبات المتعددة ، وأوامر عديدة مع اتّحاد المطلوب ، وكفاية الطلب الواحد ، بل ولغويّة الزّائد ، فتأمل.

وأيضا ليس الواجب إلاّ إتيان المأمور به ، إذ ذات الوجود مع عدم لحاظ الإتيان ليس من فعل المكلّف ، ولا معنى لإتيان الشيء إلاّ إتيان مقدّماته ، وهل تجد معنى لقول القائل : اشتر اللحم. إلاّ دخول السوق ، والحضور لدى القصّاب وإعطاء الثمن ، أو لا ترى أنّ الأمر بجميع هذه المقدمات ولو ظهرت

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٧٧.

(٢) مطارح الأنظار : ٧٧.

٢٤٧

بصور أوامر عديدة ليس إلاّ أمرا بشيء واحد هو الشراء ، فليس في الذهن إذن إلاّ طلب واحد ، إن لوحظ نسبته إلى ذات الشيء كان طلبا لنفسه ، أو إلى مقدّماته كان طلبا لغيره ، وسيأتي توضيحه ، ولا أخالك تحتاج إلى زيادة توضيح بعد هذا البيان في بحث مقدمة الموصلة.

ومن العجب أنّ هذا المقرّر قد ذكر في بيان الدليل على وجوب المقدمة ، ما فيه جنوح (١) إلى هذا الوجه الّذي زيّفه ، بل قول به على أظهر الوجوه في كلامه.

هذا ، وأما ما أورد عليه من أنّ الطلب الواحد لا يتعلّق بمطلوبين ، إلى آخره. ففيه أنه ليس من الباب الّذي توهّمه ، بل هو من باب نسبة الشيء الواحد إلى شيئين ، والاختلاف فيه بحسب اختلاف طرف النسبة ، وهذا أمر غير عزيز (٢) ، فمن ضرب عمراً بأمر زيد ، فهناك فعل واحد نسب إلى الفاعل مباشرة ، وإلى زيد تسبّبا ، ومثله ما لو قيل : احترام الملك في احترام خادمه ، فما هو إلاّ احترام واحد نسب إلى الخادم ، ويكون احتراما له بالحمل الشائع ، ولكنه تبعي ناشئ عن إرادة احترام الملك.

وأمّا الاحتمال الثالث (٣) ، فبيانها : أنّ التكليف لا بدّ أن يتعلّق بالمقدور ، وليس المقدور إلاّ المقدّمة.

وما يقال : إنّ المقدور بالواسطة مقدور ، فهو أحجيّة (٤) ، معناها أنّ الواسطة مقدورة ، فلا بدّ أن يتعلّق الوجوب النفسيّ ابتداء بأوّل مقدمة ممكنة للواجب ،

__________________

(١) الجنوح كركوع ، الميل. وجنح الشيء أي مال. ( مجد الدين ).

(٢) أي غير قليل. ( مجد الدين ).

(٣) وبهذا الاحتمال قال صاحب تشريح الأصول. ( مجد الدين ).

(٤) الأحجية بضم الهمزة ، وسكون الحاء مهملة ، وكسر الجيم معجمة ، وفتح الياء مشدّدة ، ومعناها اللغز. ( مجد الدين ).

٢٤٨

وبعد إتيانها يتعلّق بالمقدّمة التي بعدها ، وهكذا حتى يستوفي المكلّف جميع المقدّمات الممكنة ، ويأتي بالجزء الأخير من العلّة التامة التي يكون الفعل بعده واجبا.

ولمثل هذه الشبهة ذهب من ذهب إلى أنّ الأمر بالمسبّبات لا بدّ من إرجاعها إلى الأسباب ، لأن المقدور ليس إلاّ السبب ، بل والمسبّب ليس من فعل الإنسان ، فالحرق والغرق مثلا من فعل النار والماء ، وإنما يكون من فعله الإلقاء مثلا.

والجواب (١) أنه ليس مرجع قولهم : المقدور بالواسطة مقدور. إلى ما ذكره ، بل إلى أنّ الشيء مقدور بمقدوريّة واسطته ، والمسبّب فعل الإنسان بنفس كون أسبابه من فعله ، وإلاّ لسرت الشبهة حتى إلى جلّ الأسباب ، بل كلّها ، فتأمل (٢).

( الدليل على وجوب المقدّمة )

قد استدلّوا على وجوب المقدمة بوجوه : أقواها : الوجدان ، وعليه اعتمد مشايخنا القائلون بوجوبها.

وتقريره : أنّ المنصف إذا رجع وجدانه رأى من نفسه الملازمة بين طلب الشيء وطلب مقدّماته ، ووجد أيضا حالة نفسانية طلبية نحوها مترشّحة عن طلب ذيها ، ولا ينافي ذلك غفلة الآمر عن كثير من المقدّمات حال الأمر ، أو عدم

__________________

(١) قوله : والجواب ـ إلى قوله ـ بمقدوريّة واسطته ، جواب عمّا بيّن به الاحتمال الثالث ، وقوله : والمسبّب ـ إلى قوله ـ بل كلّها. جواب عمّا استدلّ به على أنّ الأمر بالمسبّبات لا بدّ من إرجاعه إلى الأسباب ، لكن جميع ما استدلّ به عليه ، بل خصوص قوله : « بل والمسبّب ليس من فعل الإنسان » إلى آخره ، فتأمل.

( مجد الدين ).

(٢) إشارة إلى عدم صلاحية هذا الاعتراض لإبطال مذهبه لإمكان التزامه به بل ظاهر كلامه ، بل صريح مرامه التزامه بذلك فتدبّر. ( مجد الدين ).

٢٤٩

علمه بمقدّميّتها لأنّ المدّعى أنه لو علم والتفت أراد المقدّمات.

ومثل هذا الفرض أعني الغفلة وعدم العلم قد يكون في الواجبات النفسيّة ، كما لو غرق ولد المولى وهو لا يعلم ، أو لا يعلم أنّ الغريق ولده ، فإن الطلب الفعلي وإن لم يكن متحقّقا لتوقفه على الالتفات المفروض عدمه ، ولكن من المعلوم أنه يكفي في ترتب جميع آثار الأمر من الثواب والعقاب على العلم بأنه لو التفت لأمر.

هذا ، وقد استدلّ بغير هذا من الوجوه الكثيرة المذكورة في المطوّلات ، ولا يخلو جميعها عن خلل وفساد ، ولنذكر من باب النموذج وجها واحدا منها هو كالأصل لغيرها ، بل هو الأصل في هذه المسألة ، وسائر الوجوه عبارات شتّى عنه ، وتقريرات مختلفة له ، وهو ما ذكره أبو الحسين البصري (١) ، وملخّصه :

أنّ المقدمة لو لم تكن واجبة لجاز تركها فحينئذ (٢) إن بقي الواجب على وجوبه لزم التكليف بالمحال ، وإلاّ خرج الواجب عن كونه واجبا مطلقا.

والجواب عنه أنّ ما أضيف إليه الظرف بقوله : وحينئذ. إن كان الجواز نختار بقاء الواجب على وجوبه ، ولا يلزم منه التكليف بالمحال ، لأنّ تأثير الوجوب في القدرة غير معقول ، وإن أراد الترك مع كونه جائزا ، فنختار الثاني ، ولا يلزم منه خروج الواجب عن كونه واجبا ، لأنّ أمر الآمر يسقطه العصيان ، كما يسقطه الإطاعة.

وإلى هذا الوجه يرجع ما ذكره السبزواري من أنّ المقدّمة إن لم

__________________

(١) قد ذكرنا ترجمته وكتبه ووفاته مفصلا في كتابنا المسمّى بالفوائد الرضويّة في شرح الفصول الغروية. ( مجد الدين ).

(٢) ذهب صاحب المعالم وغيره إلى أنّ قوله : وحينئذ. أي حين الجواز ، وذهب السبزواري رحمه الله وغيره إلى أنّ قوله : حينئذ. أي حين الترك ، وذهب الشيخ رحمه الله بأن المراد هما معا أي حين الترك على وجه الجواز. ( مجد الدين ).

٢٥٠

تكن واجبة لزم عدم استحقاق تارك الواجب المطلق للعقاب أصلا ، فإن الجالس في بيته التارك للخروج مع الرفقة إلى الحج إمّا أن يكون مستحقا له في زمان ترك الخروج ، أو في زمان الحج ، لا سبيل إلى الأول لأنه لم يترك واجبا ، ولا إلى الثاني ، لأنه تكليف بالمحال.

والجواب عنه أنه يمكن القول بكلّ من الاحتمالين ، فإن قلنا بالأول ، نقول : إنه يستحق العقاب على ترك الحج ، لا على ترك مقدّمته ، لأنّ ترك الشيء يصدق بترك آخر مقدّماته الممكنة ، وإن قلنا بالثاني ، نقول : إنه يعاقب على تركه الواجب الّذي كان متمكنا منه ، ولا يلزم مقارنة القدرة مع زمان العصيان.

( في اعتبار الإيصال أو قصد التوصّل في المقدّمة )

وجوب المقدمة يتبع وجوب الواجب من حيث الإطلاق ، والاشتراط ، والتعيين ، والتخيير ، وغير ذلك (١) ، فمقدّمات الواجب المطلق واجبة مطلقا ، ومقدّمات الواجب المشروط مشروطة بشرط الواجب بعينه ، ولا يعقل اشتراطها بغيره.

وليس التخيير بين أنواع المقدّمات للواجب التعييني إلاّ كالتخيير بين أفراده فلا يتوهّمن المخالفة بين الواجب ومقدّمته من هذه الجهة ، ولا يعقل أن يكون شرطا في وجوبها ، إلاّ ما هو محقّق لمفهومها أعني توقف وجود الواجب عليها.

فما نسب إلى صاحب المعالم من توقف وجوب الواجب الغيري على إرادة الغير ، وإلى صاحب الفصول من توقف وجوب المقدّمة على الإيصال ، فهو ناش من عدم التأمل في كلامهما ، ومقام هذين الفحلين المبرّزين أسمى من ذلك

__________________

(١) إشارة إلى غير ما ذكره نحو العينيّة والكفائية وغيرهما. ( مجد الدين ).

٢٥١

وأرفع.

والتأمل الصحيح يشهد بأنهما يعتبران في وقوع الواجب الغيري على صفة الوجوب بحيث يكون مصداقا له ، إرادة الغير ، أو إيصاله إليه (١) كما يتضح لك قريبا ، وتعرف إن شاء الله أن ما ذهبا إليه هو الصحيح ، ومرادهما واحد وإن اختلف التعبيران ، وكيف يخفى عليهما أنّ لازم ما نسب إليهما أن يعود الأمر بالمقدّمة إلى ضرب من العبث والمجون ، إذ معناه حينئذ افعل المقدّمة إن كنت تفعل ذا المقدمة ، وباللازم افعل المقدمة إن كنت تفعلها ، لأنّ فاعل الواجب فاعل لمقدّمتها بالضرورة ، وأن لا يكون العصاة مكلّفين بالمقدّمات أصلا ، إلى غير ذلك من ضروب الفساد المترتبة على هذا الوهم.

وأمّا وقوعها على صفة الوجوب فهل يشترط فيه داعي التوصّل بها إلى الغير أو ترتبه عليها وكونها موصلة إليه أو لا يشترط فيها شيء منها؟ وجوه نسب الأول إلى الشيخ الأعظم.

وليست هذه النسبة بثابتة عندي ، وإن كان يوهمها عنوان مقرّر بحثه ، ولكنّ التأمل في سائر ما نقل عنه يقضي بغير ما ذكره في العنوان.

وحاصل ما يستفاد منه أنه ـ طاب ثراه ـ يرى توقف خصوص المقدّمات العبادية على قصد الغير ، لا من حيث مقدّميّتها كما هو مفروض البحث ، بل من حيث كونها عبادة ، وقد بنى ذلك على مقدمات ، فرغ من إثباتها في مواضعها ، من أنّ المقدمات العبادية ليست مقدّمات بذواتها ، كما هو الشأن في التوصّليات ، بل وصف المقدّمية ثابت لها باعتبار كونها عبادة ولا عبادة إلاّ بالامتثال ، ولا امتثال إلاّ بقصد الأمر بحيث يكون الأمر باعثا نحو الفعل ، فلا بدّ في قصد الأمر

__________________

(١) وقد صرّح بذلك صاحب الفصول ـ طاب ثراه ـ عند الكلام على هذا المقام في التنبيه الأوّل من تنبيهاته التسعة في مبحث مقدّمة الواجب. ( مجد الدين ).

٢٥٢

الغيري من قصد العنوان إذ لا يعقل بعث الأمر على عنوان آخر غير ما تعلّق به ، فلا بدّ ـ إذن ـ من قصد عنوان المقدّمة على وجه يكون الداعي إلى إيجادها ملاحظة المنفعة التي فيها ، وهذا لا يعقل بدون قصد الغير ، إذ لا يعقل القصد إلى شيء تترتب عليه فائدة لأجل تلك الفائدة بدون أن تكون تلك الفائدة مقصودة ، لكونه تناقضا.

ولعلّ ذلك مراد كل من حكم بوجوب قصد الاستباحة في الوضوء ، إلى آخر ما نقله عنه هذا المقرّر ، وما ذكرناه أخيرا نموذج منه.

وأنت إذا تأمّلت في مجموعه ، وحملت مجمله على مبيّنه ، عرفت أنّا قد أصبنا المحزّ ، ولم نخط المرمي في فهم مرامه ، واتّضح لديك أنّه ـ قدس سره ـ لا يرى توقف المقدّمات العبادية على قصد الغير ، ليكون تخصيصا لقسم من المقدّمة بهذا الحكم ، وتقييدا لحكم العقل بالملازمة بين طلب الشيء وبين طلب مقدّماته ، بل يرى أنّها لا تكون مقدّمة إلاّ بوصف العبادية ، ولا تكون عبادة إلاّ بقصد الغير ، وما أبعد ما بين دخل القصد في تحقق معنى المقدّمية ، وما بين وقوعها على صفة الوجوب بعد تحقق مفهومها وكونها مقدّمة بالحمل الشائع.

ولا أدري كيف خفي ذلك على مثل الأستاذ صاحب الكفاية قدس سرّه فنسب أولا إلى الشيخ اعتبار داعي التوصّل في مطلق المقدّمات ، ثم أخذ في بيان أمر واضح ما كاد يخفى على أقلّ تلامذته من : « أنّ الوجوب لم يكن بحكم العقل إلاّ لأجل المقدّمية والتوقف ، وعدم دخل قصد التوصّل فيه واضح » (١).

ثم ردّ بضاعته إليه في صورة الاعتراض عليه قائلا : « ولذا اعترف بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية » (٢).

__________________

(١) كفاية الأصول : ١١٤.

(٢) كفاية الأصول : ١١٤.

٢٥٣

ولم يقنع بذلك حتى جعله تخصيصا بلا مخصّص ، وأخذ بعده فيما لا مساس له بالمقام أصلا من الثواب بأشقّ الأعمال ونحوه مما أطال به المقال.

وأقول توضيحا لمراد الشيخ (١) وإن كنت في غنية عنه بما قدّمناه : أنّه لا شك في عدم مدخلية القصد في مناط حكم العقل بوجوب المقدمة بعد ثبوت عنوان المقدمية ، وهذا ممّا لا ينكره الشيخ ، بل يعترف به كما فصّله المقرّر في أول كلامه ، ولكنه يرى أنّ المقدّمات العبادية لا يثبت لها هذا العنوان ، ولا تكون مقدّمة بالحمل الشائع ، إلاّ بقصد الامتثال الملازم لقصد العنوان ، وقصد العنوان فيها لا يعقل بغير قصد الغير ، وقد سبق بيانه ، وما ذاك إلاّ مثل ما لو فرض أخذ الالتفات أو حضور القلب في مقدّمية الوضوء مثلا بحيث لا تكون مقدمة إلاّ بذلك ، أو فرض اعتبار الموالاة فيه مثلا ، فهل ترى من نفسك الاعتراض عليه بمثل قوله : « إنّ الوجوب لم يكن بحكم العقل إلاّ لأجل المقدّمية ، وعدم دخل الالتفات أو حضور القلب فيه واضح » (٢).

وأعجب من ذلك تعجّبه من شدّة إنكار الشيخ للمقدّمة الموصلة مع قوله بقصد الإيصال ، وأنّ جميع ما اعترض به على الموصلة وارد عليه (٣) ، وقد عرفت البعد الشاسع بين اعتبار الشيء في حقيقة المقدّمة وبين اعتباره في اتّصافها بالوجوب ، وما أوقع هذا الأستاذ ـ وهو من علمت ـ إلاّ قصور تقرير هذا المقرّر ، وقلّة تحصيله لمراد أستاذه ، وطالما (٤) أوقع بذلك أمثاله في أمثاله.

وبالجملة ما ذكره الشيخ (٥) حق بعد ثبوت المقدّمات المتقدمة ، ولكنك قد

__________________

(١) الأنصاري رحمه الله. ( مجد الدين ).

(٢) كفاية الأصول : ١١٤.

(٣) كفاية الأصول : ١١٥.

(٤) أي وطالما أوقع المقرر بقصور تقريره وقلّة تحصيله لمراد أستاذه هذا الأستاذ في أمثال المقام. ( مجد الدين ).

(٥) الأنصاري رحمه الله. ( مجد الدين ).

٢٥٤

عرفت فيما سبق أنّ معنى العبادة ليس قصد الأمر ، وعلى فرضه فالمقدّمات العباديّة في أنفسها مستحبة أو واجبة ، وأنّ الأمر الغيري لا يعقل أن يكون باعثا نحو الفعل وداعيا إليه ، بل ينبعث المكلّف نحو المقدّمة بعين الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة فتذكّر وراجع.

ويناسب المقام ما كان يذكره السيد الأستاذ ـ طاب ثراه ـ من أنّ القول بوجوب ذات المقدّمة من غير مدخلية لقصد الإيصال فيه لا ينافي الالتزام به في بعض الموارد لجهة خارجية كما لو توقف إنقاذ الغريق على التصرف في الأرض المغصوبة ، فإنه يختص جواز التصرف فيها بما كان للإنقاذ ، لأنّ إذن الشارع في الغصب مع حرمته ذاتا لم يكن إلاّ لأهمية مصلحة الإنقاذ والإذن في المبغوض من الضرورات التي تقدّر بقدرها ، فيكفي الإذن في خصوص التصرّف بقصد الإنقاذ ، ولا يتجاوزه إلى غيره ، وبهذا كان يدفع الإلزامات التي يوردها القائل بوجوب خصوص المقدمة الموصلة ، كما ستعرفها إن شاء الله.

أقول : هذا حقّ ، لو كان وجوب المقدّمة ممّا تناله يد الجعل والتصرف ، وأمّا بناء على ما يذهب إليه المحقّقون ـ وهو سيّدهم ـ من أنه لازم لوجوب ذي المقدّمة بحيث يستحيل انفكاكه عنه بحكم العقل ، ولا مناط في حكمه سوى التوقف من غير مدخلية شيء فيه غيره ، فلازمه أن يكون الحرام المهم إذا كان مقدّمة للواجب الأهمّ كالمباح ، إذ القصد لا مدخلية له في التوقف الّذي هو مناط حكم العقل ، والحكم العقلي لا يقبل التخصيص.

وأيضا إذا كان من الممكن عقلا تخصيص الوجوب بنوع من المقدّمة لجهة أخرى ، فلما ذا نقموا على صاحب الفصول قوله بوجوب خصوص الموصلة ، واعترضوا عليه بمثل ما اعترضنا على هذا القول؟ فراجع.

ولا ينبغي للمتأمّل أن يقيس المقام بما لو كانت للواجب مقدّمة مباحة ، إذ حكم العقل هناك بلزوم إتيان خصوص المباحة ليس إلاّ بمناط الجمع بين

٢٥٥

الغرضين ، وأين ذلك من المقام الّذي لا يمكن نيل الأهم ، إلاّ برفع اليد عن المهمّ.

( القول في المقدمة الموصلة )

لا شك في أنّ الإيصال كيف ما اعتبر ، لا دخل له في مقدّمية المقدّمة ، وإلاّ لزم الدور الواضح (١) ، إذ الإيصال عنوان ينتزع من تأثيرها في ذي مقدّمتها ، فيتوقف إذن على مقدّميّتها ، ولو توقفت المقدّمية على الإيصال لزم المحال (٢) المذكور ، وهذا لوضوحه في غنية عن البيان ، فضلا عن الإطالة في الكلام عليه ، كما صنعه مقرّر الشيخ (٣).

وأيضا لا شك في أن الإيصال لا يمكن اعتباره في الوجوب ، لما عرفت من أنّ مقدمات الواجب تابعة له إطلاقا واشتراطا ، وهذا أيضا من الوضوح بمكان ، فلا داعي إلى جعله من محتملات القول بوجوب خصوص الموصلة ، والإسهاب (٤) في ردّه كما صنعه صاحبنا (٥) العلاّمة أدام الله أيامه (٦).

وقد صرّح مشيّد صرح (٧) الموصلة صاحب الفصول بوضوح فساده ، فالتعب في ردّه يذهب إدراج (٨) الرياح (٩).

__________________

(١) لأنّ المقدّمية تتوقف على الإيصال ، لأنّ ذلك هو المفروض ، والإيصال يتوقف على المقدّمية ، لأنّ الإيصال ـ كما بيّنه ـ عنوان ينتزع من تأثير المقدّمة في ذيها ، فتدبّر وتأمّل ، فإنّ المقام من مزال الأقدام. ( مجد الدين ).

(٢) يعني الدور المتقدم. ( مجد الدين ).

(٣) انظر مطارح الأنظار : ٧٧.

(٤) الإسهاب مصدر من باب الأفعال ومعناها : الإطناب. ( مجد الدين ). وانظر لسان العرب ١ : ٤٧٥.

(٥) وهو الشيخ عبد الكريم اليزدي الحائري ، وصنع ذلك في كتابه المسمّى بالدرر الفوائد. ( مجد الدين ).

(٦) درر الفوائد ١ : ٨٢.

(٧) أي : القصر. ( مجد الدين ) وانظر مجمع البحرين ٢ : ٣٨٤ ( صرح ).

(٨) بفتح الهمزة. ( مجد الدين ).

(٩) مثل عربي يضرب في مقام الإشارة إلى عدم الفائدة لمناسبة معناه. ( مجد الدين ).

٢٥٦

وأمّا اعتباره في وقوع الواجب على صفة الوجوب فقد ذهب إليه العلاّمة ـ العمّ ـ وبيّنه في مواضع من كتابه ، وملخّص ما ينبغي أن يقال في هذا البحث :

أنّ اعتبار الإيصال المذكور قد يكون على نحو التقييد إمّا بالإيصال الخارجي على نحو الشرط المتأخر بالمعنى المتقدم ، أن بالعنوان المنتزع منه ، كالتعقّب مثلا على نحو الشرط المقارن ، وقد يكون المعتبر لحاظ الإيصال من غير تقييد للمقدّمة به أصلا.

أما التقييد به بتقريريه ، فأعظم ما يرد عليه أنّ القيد لا بدّ أن يكون في مرتبة المقيّد بحيث يتمكن الآمر من ملاحظتهما معا ، كالإيمان مع الرقبة ، وأمّا ما كان متأخرا عنه فلا يعقل التقييد به كما لا يصح إطلاق لفظ الإطلاق عليه ، فالأمر بالنسبة إلى أمثال هذه الصور ليس بمطلق ولا بمقيّد ، ولهذا امتنع تقييد الأمر بكل من الإطاعة والعصيان ، والحكم (١) بكونه مشكوكا فيه أو مقطوعا به ، بل وامتنع إطلاقه بالنسبة إليها ، لأنّ ما لا يصح إطلاقه لا يصح تقييده ، وهذا أصل شريف يبتنى عليه مسائل مهمة ، وتنحلّ به عقد مشكلات جمة ، وستعرف بيانه ـ إن شاء الله ـ في مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي.

إذا عرفت ذلك ، نقول : إنّ الإيصال من القيود المتأخرة عن مرتبة ذات المقدّمة ، فلا يعقل أن يكون قيدا لها ، وأيضا يلزم منه أن يعود الأمر بالمقدمة إلى طلب الحاصل ، إذ لا معنى للإيصال إلاّ إتيان الواجب ، والّذي

يأتي بالواجب آت بمقدّمته ضرورة ، وإلاّ خرجت عن كونها مقدّمة ، فيكون حاصل الأمر بالمقدّمة ، إرادة المقدّمة إن كان يأتي بالمقدّمة ، وقد مرّ ذلك.

وبالجملة ، لا يعقل أن يكون الإيصال منوّعا للمقدّمة في لحاظ الآمر أوّلا ،

__________________

(١) في هذه العبارة ثلاث احتمالات ، الأوّل : أن يكون الحكم معطوفا على التقييد ، فيكون مرفوعا. الثاني : أن يكون معطوفا على مضاف إليه التقييد أعني الأمر ، فيكون مجرورا. الثالث : أن يكون معطوفا على الكلّ فيكون مجرورا أيضا ، والأوّل أولى ، والثاني أوسط ، والثالث أضعف. فتأمل. ( مجد الدين ).

٢٥٧

لكي يأمر بنوع خاص منها ، كما أنّ الإطاعة ليست منوّعة للأمر ، فالآمر بالمقدّمة يأمر بها بغرض الإيصال ، لا بقيد الإيصال ، كما أنّ الآمر بالشيء يأمر به بغرض الإطاعة ، لا بقيد الإطاعة.

هذا وقد أورد عليه بوجوه قابلة للدفع.

منها : أنّ اللازم منه عدم حصول الطهارات الثلاث (١) إلاّ بعد إتيان الصلاة ، وهذا مع وضوح فساده ، يلزم منه عدم الصلاة أيضا ، إذ ( لا صلاة إلاّ بطهور ) (٢) فالصلاة ـ إذن ـ متوقفة على الطهور ، والطهور متوقف عليها ، وهذا هو الدور الصريح.

قلت : هذا الإيراد يبتنى على تفسير القربة بقصد الأمر ، وقد عرفت منعه سابقا ، وعلى فرضه فالطهارات الثلاث حتى التيمم مستحبّات في أنفسها ، أو واجبة ، فيكفي في حصولها قصد الأوامر النفسيّة المتعلّقة بها ، بل لا يعقل غير ذلك ، لما عرفت سابقا من عدم إمكان كون الأمر الغيري محرّكا نحو الفعل وداعيا إليه.

هذا ، على أنّ الاعتراض لا يتوجّه إلاّ على احتمال كون القيد نفس الإيصال ، وأما بناء على احتمال كونه الصفة المنتزعة منه كالتعقب ، فلا مساس لهذا الاعتراض به أصلا ، لأنّ الشرط على تقدير حصول الإيصال حاصل فعلا.

هذا ، على أنّ لمانع أن يمنع توقف الصلاة على امتثال الأمر المقدّمي بل يجعلها متوقفة على تلك الأفعال الخاصة كالغسلتين والمسحتين في الوضوء مع قصد الإيصال وإن لم يتوصّل به أصلا ، فتأمل (٣).

__________________

(١) الوضوء والغسل والتيمم. ( مجد الدين ).

(٢) التهذيب ٢ : ١٤٠ ـ ٥٤٥ ، من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٢ ـ ٦٧.

(٣) لعلّ وجه التأمّل أنّ ذلك يتمّ إذا كان المعتبر قصد الإيصال ، كما ذهب إليه في المعالم ، لا الإيصال الخارجي كما هو المطلوب. ( مجد الدين ).

٢٥٨

ومنها : أنّ الإيصال لا يتحقق إلاّ بوجود ذي المقدّمة ، وعلى القول بوجوب خصوص الموصلة يلزم أن يكون ذو المقدمة واجبة لمقدّمته ، ويترشّح عليه الوجوب من مقدّمته التي لم تجب إلاّ بترشّح وجوبه عليها.

قلت : لمانع (١) أن يمنع قابلية الواجب الغيري لإيجاب الغير نظرا إلى نقصانه في مرتبة الوجود وعدم تأصّله ، بل هو كذلك لدى ذي النّظر الدّقيق ، ولهذا تجب مقدّمات المقدّمات ولو بوسائط كثيرة بنفس وجوب ذي المقدمة ، ويترشّح الوجوب على جميعها منه دفعة واحدة ، لأنّ مقدّمة مقدمة الواجب مقدّمة لنفس الواجب ، والجميع داخل في موضوع ما لا يتمّ الواجب إلاّ به ، فيجب جميعا بوجوبه ، لا أنّ كل مقدمة توجب مقدّمتها ، وتلك أيضا كذلك ، وهلمّ جرّا.

وإذا كان الأمر كذلك فيها ، فبالأجدر أن لا يسري وجوبها إلى ما لم تجب إلاّ به ، فتكون علّة لعلّتها.

على أنه (٢) لا محذور في الالتزام به ، لأنه ليس من الدّور الباطل ، ولا من التسلسل المحال ، كما لا يخفى على المتأمل.

ومنها : ما ذكره المقرّر من أنّ القول بوجوب المقدّمة الموصلة يرجع إلى القول بوجوب مطلق المقدّمة (٣) ، وأطال في بيانه إطالة مملّة ، وتبعه فيه جماعة.

وحاصل ما ذكره : « أنّ تقييد المأمور به قد يكون بما لا يكون مغايرا في الوجود مع المقيّد ، كالفصول اللاحقة للأجناس وقد يكون مغايرا معه في الوجود ،

__________________

(١) هذا ليس بجواب في الحقيقة لأنّ المورد لم يقل ذلك في مقام الارتضاء به ، بل قاله معترضا على القول بوجوب خصوص الموصلة ، كما يتضح ذلك بالتأمّل في كلامه ، بل هو عند التأمل صريح مرامه ، على أنّ ذلك لو لم يكن فاسدا لم يكن اعتراضا وإيرادا ، فتأمل. ( مجد الدين ).

(٢) هذا هو التحقيق في الجواب لأن الدور المحال هو الّذي يتوقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه بحيث يلزم تقدّم الشيء على نفسه ، وكذلك التسلسل المحال هو الّذي يلزم منه وجود أشياء غير متناهية ، والمقام ليس بذلك الإبرام ، فتأمل فإنه مختلف الأفهام. ( مجد الدين ).

(٣) مطارح الأنظار : ٧٧.

٢٥٩

كما لو أمر بإتيان زيد فجاء مع عمرو ، والواجب على الأول أمر واحد لا معنى للقول بأنه يجب المطلق مقدّمة للمقيد ، بخلاف الثاني ، فيجب إيجاد ذات المطلق ثم إيجاد القيد ، ليتصف به المقيّد ، وقيد الإيصال من القسم الثاني فيجب إيجاد المطلق أعني ذات المقدّمة ، ثم إيجاد القيد ليتصف به المقيّد » (١) انتهى.

ويمكن أن يقال (٢) : إنّ قيد الإيصال وإن كان من القسم الثاني ولكنه فرق بينه وبين المثال المذكور في كلامه ، إذ المقدّمة ليست مقيّدة بغيرها من أخواتها ، بل كلّ مقدّمة مقيّدة بنفس الواجب ، فلنفرض لإيضاحه واجبا ليست له إلاّ مقدّمة واحدة ، أو المقدّمة الأخيرة لأحد الواجبات ، فتلك المقدّمة واجبة بنفسها بالوجوب الغيري ، وقيدها واجب بالوجوب النفسيّ ، والإيصال ليس بقيد مستقلّ مغاير مع إتيان الواجب ، إذ لا معنى له إلاّ إتيان الواجب ، فليس المقيّد ـ إذن ـ إلاّ ذات المقدمة بقيد لحوق الواجب به.

فحينئذ ، نسأل هذا المعترض عن الفساد الّذي يترتّب على ذلك ، فإن كان لزوم كون الواجب مقدّمة لمقدّمته فقد عرفت الجواب عنه ، وإن أراد غيره فهو عين مدّعى القائل بوجوب خصوص الموصلة ، إذ المقيّد وهو ذات المقدّمة واجب بالوجوب الغيري ، وقيده واجب بالوجوب النفسيّ ، فيجب الإتيان بها بالوجوب الغيري مقدّمة لحصول القيد ، أعني الواجب ، وهذا عين ما يدّعيه ، فأين الاعتراض عليه؟ وهذا المقام يحتاج إلى مزيد تأمّل.

وأما اعتبار لحاظ الإيصال في وقوعها على صفة الوجوب من غير أن يكون قيدا فيها فهو الحقّ الّذي لا معدل عنه ، ولا مناص عن الذهاب إليه ، وكان السيد الأستاذ ـ طاب ثراه ـ يعتمد عليه ، وينقله عن والدي العلاّمة.

__________________

(١) مطارح الأنظار : ٧٧

(٢) أي : ويمكن أن يقال في الجواب ( مجد الدين ).

٢٦٠