وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

وجودي ، وفي الندب عدميّ ، وليس هذا أولى من العكس ، بأن يقال : إن الوجوب طلب الفعل مع عدم الإذن في الترك ، والندب طلبه مع الإذن في تركه ، وقد يجعل الفصل في الحدّين وجوديّا ، فيؤخذ المنع في حدّ الأول ، والإذن في حدّ الثاني.

ويرد على التقريرين معا أنّ الطبع السليم يشهد ببساطة مفهومي الوجوب والندب ، وظاهر هذين التقريرين تركيبهما.

وأيضا لا يعقل طلب الفعل مع عدم المنع من الترك مطلقا ، بل هما مثل كفّتي الميزان ، فبأي مرتبة فرض رجحان الفعل وطلبه كان الترك مرجوحا وممنوعا بتلك المرتبة بعينها ، وحسبك شاهدا عليه حكم الوجدان بعدم الفرق عند اللبّ بين قولك : افعل. وبين قولك : لا تترك.

وبالجملة لا يعقل طلب الفعل مع عدم تحقق المنع عن الترك أصلا ، ولا رجحانه مع عدم مرجوحية تركه أصلا ، فهما متلازمان ، بل هما عبارتان عن معنى واحد ، إلاّ أن يراد بالمنع مرتبة خاصة منه ، وتلك المرتبة غير بيّنة ولا مبيّنة في الحدّين.

وقد يقال : إنّ الواجب ما اشتمل فعله على المصلحة وتركه على المفسدة ، والمندوب ما اشتمل فعله على المصلحة فقط من غير مفسدة في تركه.

ويرد عليه أنّ الوجدان يشهد بأنّ تأكد المصلحة كثيرا ما يوجب إيجاب الفعل من غير أن تكون في الترك مفسدة أو محذور أصلا سوى فوت المصلحة ، وبأنه كثيرا ما يوجد في ترك المندوب مرتبة من مراتب المفسدة.

وقد يقال : إنّ الواجب ما يستحق فاعله الثواب ، وتاركه العقاب ، والمندوب ما استحق فاعله الثواب فقط ، وبين هذا القول وبين ما ترومه من بيان حقيقة هذين مراحل كثيرة.

وذهب بعض مشايخنا إلى أن الواجب ما وعد الشارع على فعله ، وأوعد على تركه ، والمستحب ما وعد على فعله فقط ، وهذا مبني على ما يذهب إليه من

١٨١

إنكار حكم العقل باستحقاق العاصي العقوبة ، بل قبح عقاب العاصي ، إلاّ بعد جعل الوعيد دفعا للأفسد بالفاسد ، وله بيان مسهب ليس هنا موضع ذكره ، ولعلّنا نذكره في بعض المباحث الآتية.

ويكفينا هنا أن نقول على هذا وعلى ما قبله : إنّ الفرق بين الطلب الإلزاميّ وبين غيره ما نشاهده في طلب غير القادر على العقاب ، بل وغير من تجب طاعته ، حتى انّا نرى هذا الفرق بين مسمّى طلب الملتمس ، والسائل ، ونحن نعلم بعدم الفرق في حقيقة الطلب باختلاف الطالبين ، وليس كلامنا إلاّ معرفة الحقيقة لا اللفظ.

ولعلّك لا تجد في الفرق بين قسمي الطلب عبارة أوضح ولا أصح ممّا كان يذكره السيد الأستاذ طاب ثراه من أن الواجب ـ وإن شئت قلت ـ إن الطلب الإلزاميّ ما لم يوطّن الطالب نفسه على عدم وقوعه ، وغير الإلزاميّ ما وطّن نفسه عليه.

وهذا التفسير وإن كان لا يناسب الأوامر الشرعية إلاّ أنك بعد معرفة حقيقة المراد منه ، يسهل لك التعبير عنه بما يناسب ذلك المقام الرفيع ، كما قال : ( فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ )(١) فإنه أحسن عبارة في حقّه تعالى ، والله العالم.

( الطلب والإرادة )

والكلام فيهما يقع في مقامين : أولهما في حقيقة الإرادة ، وأقسامها ، وسائر ما يتعلق بها ، وثانيهما في نسبتها إلى الطلب ، وأنها هل هي عينه أو غيره؟

المقام الأول : اختلفوا في حقيقة الإرادة على أقوال ثلاثة : الأول : إنها

__________________

(١) الزمر : ٧.

١٨٢

الاعتقاد بالنفع مطلقا.

والثاني : أنها صفة نفسانية مطلقا ، وهذا القول منسوب إلى الأشاعرة.

والثالث : التفصيل بين إرادة الله سبحانه وبين إرادة غيره ، فالأولى هي الاعتقاد بالنفع ، والثانية صفة نفسانية غير الاعتقاد.

وقد جرى الاصطلاح على التعبير عن إرادة الله سبحانه بالعلم بالأصلح ، وعن إرادة غيره باعتقاد النّفع.

والوجه في العدول عن لفظ الاعتقاد إلى لفظ العلم واضح لأن الاعتقاد قد يخالف الواقع وهو مستحيل في حقه سبحانه ، بخلاف غيره.

والعدول عن لفظ النّفع إلى لفظ الأصلح ، فقد بيّنه بعض مشايخنا بما لا يخلو عن نظر ، بل منع ، ولعلّ في لفظ النّفع ظهورا مّا في الاحتياج والاستكمال المستحيلين في حقّه سبحانه ، فكان التعبير بالصلاح أقرب إلى التأدّب.

وكذلك الوجه في التعبير بصيغة التفضيل فقد بيّنه الأستاذ المذكور بما لا يخلو عن نظر أيضا ، والأمر في الاصطلاح سهل.

والحق هو القول الأول كما صرّح به المحقق الطوسي (١) ، والدليل عليه الوجدان ، فإنك إذا تأملت في أفعالك الاختيارية لا ترى نفسك قادمة على شيء منها إلاّ بعد اعتقادك النّفع فيه ، وبعد حصول الاعتقاد به لا ترى نفسك قادمة على شيء منها إلاّ وأنت مشغول بمقدّمات إيجاده من غير أن يفصل بين ذلك الاعتقاد وبين التشبّث بالمقدمات شيء مؤثر في حصول الفعل ، بل ولا تجد حاجة إلى ما تسمّيه صفة نفسانية ، إذ مجرّد ذلك الاعتقاد كاف في تحصيل الفعل ، وهو مقارن له من غير أن يفصل بينهما زمان ، أو يحتاج إلى شيء آخر ، صفة نفسيّة

__________________

(١) سلطان المحققين الخواجة نصير الحق والحقيقة والدين ، صاحب التجريد وشرح الإشارات وغيرهما من المصنفات. ( مجد الدين ).

١٨٣

كانت أو غيرها ، فإذا كنت في مفازة أعوزك الماء ، وبلغ بك العطش مرتبة خشيت منها على نفسك ، ثم ظفرت بعين عذبة صافية ، فهل ترى نفسك بعد الاعتقاد بأنّ في ورودها رواء غلّتك (١) متوقّفا عن ورودها ، ومحتاجة في الاغتراف منها إلى شيء آخر تزعمه صفة نفسانية ، وتسمّيه إرادة ، أو ترى اعتقادك علة تامة كافية ، ولا تشعر بنفسك إلاّ وكفّاك ممدودتان نحو الماء ، أو مملوءتان منه.

وما قد يصحب هذا الاعتقاد من الشوق المؤكّد وتشتغل نحوه مما تزعم أنه الإرادة بنفسها أو هو من مبادئها فالتأمل يشهد بأنها من لوازم الاعتقاد بالنفع أعني الإرادة ، لا أنه مؤثّر في حصول الفعل ، فضلا عن كونه هي الإرادة بعينها نظير ارتعاد الفرائض ، وخفقان القلب عند الهرب من السبع ، فإنهما من لوازم الخوف ، لا أنهما علّتان للهرب ، وكذلك تحرّك العضلات نحو الفعل ، فإنه ليس من مبادئ الإرادة كما توهّم ، بل هو فعل اختياري ، فهو مسبوق بالإرادة قطعا.

نعم هو أول مقدمة يأتي به المريد بعد اعتقاده النّفع.

هذا وقد ذكر بعض مشايخنا لإثبات المطلوب وجوها أخر ، وهي على طولها لا تخلو من مواقع للنظر فيها ، وفي إنصاف المنصف ، ورجوعه إلى وجدانه غنى منها.

وإذا اتضح عندك ما قرّرناه ، فاعلم أنّ مطلق ذلك الاعتقاد ليس بإرادة ، بل هي الاعتقاد بنفع أمر ممكن فعلا تحصيله ، غير مترقّب بغير تحصيله حصوله ، فإن تعلّق بأمر مستحيل فهو التمنّي ، أو بأمر ممكن حصوله ، غير ممكن تحصيله أبدا فهو الترجّي ، وإن كان ممكن التحصيل في زمان متأخر فهو العزم ، أو كان معلوم الحصول من غير احتياج إلى التحصيل فهو الرضا.

__________________

(١) الغلّة : حرارة العطش. الصحاح ٥ : ١٧٨٤ ( غلل ).

١٨٤

وبالجملة هذه العناوين متّحدة مع الإرادة حقيقة ، ولكنها مختلفة معها بحسب المتعلّق ، ولهذا ورد : إنّ الراضي بفعل قوم منهم (١). لأنه شريك مع الفاعل في الشقاوة والسعادة ، وحسن الفطرة وقبحها ، وحقيقة الإرادة التي هي العلّة التامة للفعل ، وعليها يقع المدح والذم ، والثواب والعقاب ، ولا يختلف معها إلاّ في ترتب الفعل على الإرادة ، وعدم ترتبه على الرضا الموجبين للحسن والقبح الفعليّين لا الفاعليّين.

هذا وبعض مشايخنا لا يسمّيها الإرادة إلاّ بعد الإشراف على الفعل ، والاشتغال به ولو بإتيان بعض مقدّماته ، وأما بدون ذلك فتارة لا يسمّيها إرادة أصلا ، وتارة يسمّيها إرادة شأنية ، وهذا على أنه ممّا لا أرى داعيا إليه ، يلزمه حصول أول المقدّمات للفعل من غير إرادة مع أنه اختياري قطعا ، وليس الفاصل بين الاختياري والاضطراري إلاّ الإرادة ، وسيأتي تمام الكلام فيه في خلال المباحث الآتية.

ويظهر من عدّة مواضع من كلامه اشتراط ترتّب الفعل عليها أيضا ، وأنّ عنوان الإرادة يحدث من قبل تحقّق الفعل ، وهذا أيضا مما لا يساعده الاعتبار والاصطلاح ، فمن مشهور الكلام ـ إن لم يكن من مأثوره ـ أردت أمرا وأراد الله أمرا. وقال الخارجي القاتل لخارجة : أردت عمراً وأراد الله خارجة. فتأمل جيّدا ، والله العالم.

واعلم أنه تنقسم الإرادة إلى أقسام ، أهمها إلى التكوينية والتشريعية ، والمراد من الأولى ما لا يتوقف الصلاح في متعلّقها إلى توسط إرادة الغير ، كما إذا علم الصلاح في مباشرة ضرب زيد بنفسه ، والثانية ما توقف على توسّطها ، كما إذا رئي الصلاح في ضرب زيد عمراً اختيارا.

__________________

(١) نهج البلاغة بشرح محمد عبده ٢ : ١٩١ والوسائل ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ، الحديث ١٢.

١٨٥

والأمر في الأولى واضح سهل إذ مريد الشيء بهذه الإرادة يشتغل بمقدّماته غير الحاصلة ، حتى تجتمع أجزاء علّته التامة ، ويوجد الفعل بعده.

وأما الثانية فمتعلّقها غير مقدور للمريد ابتداء ، فلا بدّ له من إيجاد الإرادة له ، أي يجعله عالما بالصلاح كما هو عالم به ليتحقق منه الفعل ، وذلك إمّا بإعلامه عين الصلاح الّذي يعلمه كقول الطبيب : اشرب هذا الدواء فإنه شفاؤك من الداء. أو بنفس إرادته إن كان المأمور ممّن يرى صلاحه في إطاعة الآمر ، لحبّ ونحوه ، وإمّا بجعل الثواب على امتثاله ، والعقاب على تركه ، إذ الفعل بهما يصير ذا صلاح عنده.

وبالجملة لا بدّ لوقوع الفعل في هذا القسم من اجتماع الإرادتين ، بمعنى إرادة الآمر وإرادة المأمور ، فالفعل مستند إليهما ، واختياري لهما معا ، لكن إحدى الإرادتين في طول الأخرى ، أراد الآمر فأراد المأمور ، ولعلّه بذلك يفتح لك الباب إلى فهم قوله عليه السلام : ( لا جبر ولا تفويض ) (١) وتفصيل ذلك لا يناسب المقام.

المقام الثاني : في أن الإرادة هل هي عين الطلب أو غيره؟

فنقول : المنسوب إلى الأشاعرة هو الثاني ، وإلى العدلية (٢) هو الأول ، وربّما نسب إلى ـ الجدّ ـ العلاّمة ، وستعرف ما فيه إن شاء الله.

__________________

(١) بحار الأنوار ٥ : ١٧ ـ ٢٧ ، التوحيد للشيخ الصدوق : ٣٦٢ ـ ٨ ( تصحيح وتعليق السيد هاشم الحسيني الطهراني وطبع جماعة المدرسين بقم المشرفة ).

(٢) قوله : وإلى العدلية إلى آخره. أقول : المراد بالعدلية في هذا المقام بل في كل موضع مع الإطلاق هم الإماميّة والمعتزلة لأنّهم هم القائلون بالعدل لله تعالى ، وأنّ لازم مذهب الأشاعرة نفي العدالة عنه تعالى لأنهم هم الجبرية المستلزم مذهبهم هذا نفي العدل عنه تعالى ، وتفصيل ذلك لا يناسب المقام. ( مجد الدين )

١٨٦

وملخّص الكلام فيه أنّ الأشاعرة إن أرادوا إثبات صفة نفسانية أخرى غير الإرادة ، فهو واضح الفساد ، ضرورة إنّا لا نجد في أنفسنا عند الطلب غير الإرادة ـ بالمعنى الّذي عرفت ـ شيئا آخر.

وإن أرادوا أنّ الطلب معنى ينتزع عن الإرادة في مرتبة الكشف والإظهار ، فهو غير الإرادة المجرّدة مفهوما وإن اتّحدا ذاتا ، وبعبارة أخرى : إنه إظهار الإرادة ، وإعلام الغير بها ، وإلزامه بإيجاد متعلّقها منه ، ونحو ذلك من التعبير فهو حقّ لا محيص عنه ، إذ الوجدان يشهد بتفاوت الحال بين الإرادة المجرّدة والإرادة المظهرة ، واختلاف حكمهما ، والهيئات إنما وضعت لبيان تلك الصفة النفسيّة وإظهارها فقبل إظهارها لا يسمّى طلبا ولا أمرا ، ولا يقال : إنه طلب كذا أو أمر كذا.

وأنت إذا تأمّلت في أدلّة الفريقين واطّلعت على ما احتجّ كلّ منهما على ما ذهب إليه واعترض الآخر عليه ، علمت أنّ الّذي أثبته الأشاعرة ، ونفاه العدليّة ، هو إثبات صفة أخرى غير الإرادة ، هذا آية الله العلاّمة (١) احتجّ على الاتحاد بأنّا لا نجد في الآمر أمرا آخر مغايرا للإرادة ، إذ ليس المفهوم منه إلاّ إرادة

__________________

(١) هو آية الله في العالمين وأستاذ الخلائق أجمعين حسن بن سدين الدين يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي المشهور بالعلاّمة أعلى الله مقامه وعلوّ درجته ، غير محتاج إلى البيان وأشهر من أن يقام عليه البرهان ، وهو قدّس الله رمسه صاحب تصانيف كثيرة ومؤلفات جليلة ، بل هو أكثر العلماء تأليفا وأجلّهم تحقيقا وتصنيفا حتى قال بعض العلماء ما معناه : « إنّ مؤلّفاته في الكثرة على حدّ بحيث انّها قد حوسبت ، فصار بإزاء كلّ يوم من أيام عمره ألف بيت من المصنفات ».

ولد صاحب الترجمة في التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ٦٤٨ ووفاته (ره) يوم السبت الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة ٧٢٦. فكان عمره الشريف ثمانية وسبعين سنة. وقد تلمّذ ـ طاب ثراه ـ عند والده سدين الدين ، وخاله صاحب الشرائع ، والمحقق الطوسي وغيرهم رحمة الله تعالى عليهم أجمعين إلى يوم الدين. ( مجد الدين ).

١٨٧

الفعل من المأمور ، ولو كان هناك معنى آخر لا ندركه فلا شك في كونه أمرا خفيّا في غاية الخفاء إلى آخره ، إلى غير ذلك من كلام الفريقين.

والعلاّمة ـ الجدّ ـ لم يخالف العدليّة في ذلك ، ولم يجنح إلى قول الأشاعرة قطّ ، بل هو من ألدّ أعداء هذه المقالة ، وأشدّ من خاصمهم ، وقد قال في بحث مقدمة الواجب بعد ما بيّن مذهب العدليّة من أنّ حقيقة الطلب عندهم هي الإرادة المتعلّقة بفعل الشيء أو تركه ، ما نصه : « وقد خالف في ذلك الأشاعرة ، فزعموا أنّ الطلب أمر آخر وراء الإرادة ، وجعلوه من أقسام الكلام النفسيّ المغاير عندهم للإرادة والكراهة.

وقد عرفت أنّ ما ذكروه أمر فاسد غير معقول ، مبني على فاسد آخر ، أعني الكلام النفسيّ » (١) انتهى.

فلينظر المنصف إلى هذا الإمام كيف يجعل مقالة الأشاعرة أمرا فاسدا غير معقول مبنيا على فاسد آخر.

ثمّ ليعجب ممّن نسب إليه موافقتهم ، ويخالف في كلامه سنّة الأدب ، وهو لم يعرف صحيح مرامه من صريح كلامه ، مع أنه ـ طاب ثراه ـ لم يأل في إيضاح ما يرومه جهدا ، ولم يبق لمتأمل فيه عذرا فقال ما لفظه :

« والّذي يقتضيه التحقيق في المقام ، أنّ هناك إرادة لصدور الفعل من الغير بحسب الواقع ، واقتضاء له بحسب الخارج ، لإيقاعه الفعل بإلزامه به وندبه إليه ، ومن البيّن أنّ الثاني لا يستلزم الأول وإن كان الظاهر صدور الاقتضاء على طبق الإرادة الواقعية ، لظهور إلزام المأمور بالفعل مثلا في كون ذلك الفعل محبوبا للآمر ، ومرادا له بحسب الواقع إلاّ أنه مع العلم بالتخلّف لا يخرج عن حقيقته »

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١٣٣.

١٨٨

إلى آخره (١).

وأنت إذا أعطيت التأمل حقّه في هذا الكلام ، وأضفت إليه سائر ما أورده في المقام ، عرفت براءة هذا الإمام من هذه الوصمة ، وأنه لا يريد إلاّ ما يحكم به كل عقل سليم ، من أنّ الاقتضاء الخارجي والإلزام بفعل الشيء أو تركه غير الإرادة النفسيّة المتعلّقة بأحدهما ، كما قال في بعض كلامه ، وهذا لفظه :

« وأنت خبير بأن المعنى المذكور يعني الإرادة الواقعية ليس معنى إنشائيّا حاصلا بالصيغة ، حتى يندرج من جهته الأمر في الإنشاء ، لظهور كون ذلك أمرا قلبيّا حاصلا قبل أداء الصيغة ، وإنما يحصل لها بيان ذلك وإظهاره » (٢) إلى آخره.

وبالجملة من الواضح أن الاقتضاء وهو الطلب غير الإرادة أعني الصفة النفسيّة ، بل الطلب مسبّب عنها ، وإظهار لها ، وإفهام للغير بها ، وهو متأخر عنها رتبة تأخر المعلول عن العلّة ، والطلب من مقولة الفعل أو ما يقاربه ، وما أشدّ تغايرهما وأبعد ما بينهما.

وقال الشيخ الأستاذ طاب ثراه في الكفاية ما لفظه : « الظاهر أن يكون الطلب الّذي هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقي الّذي يكون كليّا بالحمل الشائع الصناعي ، بل الطلب الإنشائيّ الّذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا ، بل طلبا إنشائيّا ، ولو أبيت إلاّ عن كونه موضوعا للطلب فلا أقلّ من كونه منصرفا إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه ، كما هو الحال في لفظ الطلب أيضا ، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ ، كما أنّ الأمر في لفظ الإرادة على عكس لفظ الطلب ، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقة ، واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من المغايرة بين

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١٣٥.

(٢) هداية المسترشدين : ١٣٥.

١٨٩

الطلب والإرادة ، خلافا لقاطبة أهل الحق ، والمعتزلة من اتحادهما » (١) انتهى.

وتراه في ظاهر كلامه ، قسّم الطلب إلى قسمين حقيقي وإنشائي ، ثم جعل الحمل في أحدهما شائعا صناعيّا ، وصرّح بعدمه في الآخر ، ولا أدري لأي مكرمة فاز أحدهما بهذا الحمل ، ولأي ذنب حرم الآخر منه ، وكيف يعقل أن يكون شيء مصداقا لمفهوم ، ولا يحمل عليه بهذا الحمل! وهل هذا إلاّ كقولك : إن الحيوان له نوعان : ناطق ، وصامت ، ثم يجعل حمل أحدهما على مصاديقه صناعيّا دون الآخر؟

وقد فسّره بعض من زوال (٢) هذا الكتاب مدة طويلة ، وهو يعاني اليوم تدريسه (٣) ، بأنّ المراد : أنّ لفظ الطلب المطلق مجاز في الإنشائيّ ، وحقيقي في الحقيقي.

وهذا على بعده من اللفظ ، وغموض في معناه لا يوجب الاختلاف في ناحية الحمل أصلا ، فلو قلت : مررت بأسد في الآجام ، ورأيت أسدا في الحمام ، فالحمل في قوليك معا شائع صناعي قطعا.

وبالجملة معنى هذا الكلام ملتبس علي جدّاً ، ولعل عند غيري فيه ما يزيح (٤) الإشكال.

وأما قوله : واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة ، إلى آخره ، فهو يريد به العلامة ـ الجدّ ـ وبه كان يصرّح في مجلس الدرس اللهم غفرا ، وحاشا مقدّم الفن ، وشيخ الصناعة أن يلجئه هذا الاختلاف

__________________

(١) كفاية الأصول : ٦٤.

(٢) أي مارس. ( مجد الدين )

(٣) هو السيّد محمّد النجف آبادي مدرس الكفاية في أصفهان ، وكنت حاضرا حين مذاكرات المصنف معه في هذا الباب وأنا في ريعان الشباب ، ونسأل الله تعالى حسن العاقبة والمآب. ( مجد الدين )

(٤) أي يزيل. ( مجد الدين ).

١٩٠

اللفظي الطفيف (١) ، إلى الغلط في مسألة عقلية كلامية ، ويفارق ما عليه عامة الإمامية.

وقد عرفت بما بيّنا من صحيح مرامه ونقلنا من واضح كلامه ، أنّ الّذي حققه في المقام مما لا يسع أحدا إنكاره ، مجبرا كان أو عدليّا ، إماميّا كان أو معتزليّا.

وإذا انتهيت إلى كلام شيخنا صاحب تشريح الأصول في الاعتراض على هذا الإمام ، وتأمّلت في تلك الإشكالات السبعة المملّة ، وأضفت إليه ما أورده غيره عليه ، علمت أنّ العلامة ـ الجدّ ـ بواد ، وهؤلاء في واد ، وأنّه يحق له أن يتمثل بقول القائل :

سارت مشرّقة وسرت مغرّبا

شتّان بين مشرّق ومغرّب

وبالجملة المسألة كما عرفت عقلية كلامية ، لا لفظية لغويّة ، وإن أوهم خلافه ظاهر الكفاية ، حيث فسّر اتحاد الطلب والإرادة بقوله : بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد ، إلى آخره ، وهي في نفسها واضحة ليست بذات أهمية ، ولكنّ الدفاع عن العلاّمة ـ الجدّ ـ ألجأنا إلى التطويل ، أداء لبعض حقوقه ، حذار عقوقه ، والفضل بيد الله ، وللكلام تتمة تقف عليها قريبا إن شاء الله.

( معنى الإنشاء والفرق بينه وبين الإخبار )

قال الشيخ الأستاذ (٢) ـ طاب ثراه ـ في الفوائد ، ما نصه : « إنّ الإنشاء هو القول الّذي يقصد به إيجاد المعنى في نفس الأمر ، لا الحكاية عن ثبوته وتحقّقه في موطنه من ذهن أو خارج ، ولهذا لا يتصف بصدق ولا كذب ، بخلاف الخبر ،

__________________

(١) الخفيف. ( مجد الدين )

(٢) الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ صاحب الكفاية. ( مجد الدين )

١٩١

فإنه تقرير للثابت في موطنه ، وحكاية عن ثبوته في ظرفه ومحلّه ، فيتصف بأحدهما لا محالة » (١).

أقول : ما ذكره في معنى الإنشاء من إيجاد المعنى بالقول أمر لا نتعقّله لأن الألفاظ لا علّيّة لها بأنفسها لإيجاد المعاني ، ولا يمكن جعل العلّية لها ، لما تقرّر في محلّه من عدم قابليتها للجعل ـ وقد سبق بيانه في مبحث الوضع ـ ولا وظيفة للّفظ إلاّ الدلالة على المعنى بالوضع ، ومرتبة المعنى مقدمة على اللفظ فكيف يعقل إيجاده به!

وأيضا يشهد الوجدان بأنّ القائل : اضرب فلانا. لا يريد به إيجاد أمر معدوم باللفظ ، بل يريد إفهام المخاطب معنى اللفظ على حذو ما يريده في الإخبار ، ولا فرق بين الإخبار وبينه من هذه الجهة ، وإن كان ثمّة فرق فهو في ناحية المعنى المفهوم منهما.

وكان يذهب بعض مشايخنا إلى أنّه موضوع للدلالة على وجود الإرادة في النّفس ، وأنه يشارك الإخبار في قبوله الكذب المخبري ، بمعنى أنه يمكن أن يخبر عن وجودها في نفسه مع عدم وجودها فيها ، ويفارقه في عدم قبوله الكذب الخبري ، إذ لا يعقل خطأ الإنسان في إرادة نفسه ، ولا يمكن أن تكون له إرادة ولا يعلمها ، بخلاف الإخبار.

والّذي يظهر لي في المقام هو أنّ الهيئة موضوعة للدلالة على الإرادة بضميمة معنى حرفيّ يعبّر عنه بالاقتضاء والبعث ، فإن كانت موجودة في النّفس فهي مستعملة في معناها بالإرادة الجدّية والاستعمالية معا ، وإلاّ فهي مستعملة فيه بالثانية فقط ، ولكن الظاهر منهما عند الشك هو انبعاثها عن الإرادة الجديّة ، ووجودها في النّفس على حذو ما سبق في مبحث المجاز ، فمفاد هيئة افعل هو

__________________

(١) فوائد الأصول : ١٧.

١٩٢

مفاد إني مريد منك الفعل ، ولا تخالفه إلاّ في أمرين :

أحدهما : أنّ دلالة الهيئة بسيطة ، ودلالة الجملة الخبرية حاصلة من عدّة دوالّ ومدلولات.

والثاني : اشتمالها على المعنى الحرفي المتقدم ، وبمثله نقول في التمني ، والترجّي ، ونحوهما ، ويمكن أن يعدّ ما ذكرناه شرحا لكلام العلاّمة ـ الجدّ ـ فراجع.

هذا ، وقد ذكر صاحبنا (١) العلاّمة ـ أدام الله أيامه ـ في المقام ، ما حاصله ـ بعد تنقيحه وتوضيحه ـ : إنّ الإرادة وما شابهها من الصفات النفسانيّة قد يتحقق في النّفس بتحقق مبانيها ، كاعتقاد النّفع الموجب لحصول الإرادة ، أو التمني ، أو الترجي على اختلاف مواردها ، وقد توجدها النّفس لمصلحة في نفسها ، واستشهد عليه بأن المسافر قد يتعلّق غرضه بالصوم في بلد ، وإتمام الصلاة فيه ، ويتوقف ذلك على إرادة الإقامة عشرة أيام لا على نفسها ، ولهذا يحصل الغرض بحصول ذات الإرادة ، وإن لم يمكث فيه غير يوم واحد مع الشرط المذكور في محلّه من كتب الفروع ، فتوجد النّفس الإرادة من غير أن تكون مصلحة في متعلّقها ، وكذلك التمني ونحوه ، وإذا تحقق هذا نقول : إن استعملت الألفاظ الدالة على هذه الصفات مع وجودها في النّفس ولو بإيجادها لها تكون مستعملة في معانيها ، ونلتزم بعدم ذلك مع عدمها مطلقا (٢). انتهى.

وببالي أنه ـ دام إفضاله ـ نقل لي هذا عن سيدنا الأستاذ ـ طاب ثراه ـ مع مثال آخر ، وهو أنه لو فرض أنّ من يمكنه الاطّلاع على الضمائر قال لرجل : إذا أردت الحج أعطيتك فرسا وألف دينار حججت أم لم تحج. فإنه لا إشكال في

__________________

(١) الحاج شيخ عبد الكريم اليزدي دام ظلّه العالي. ( المصنف )

(٢) درر الفوائد ١ : ٤٠.

١٩٣

تحقق الإرادة من الرّجل لتحقق الصلاح فيها مع عدمه في متعلّقها ، ولكن هذا لا يلائم ما سلف ـ في مبحث الإرادة ـ من أنها العلم بالصلاح في متعلّق الإرادة ، والجواب عنه على ذلك المبنى لا يخلو عن صعوبة.

( ما تدل عليه الهيئة )

صيغة افعل تدل بمادّتها على الطبيعة المجرّدة عن جميع الاعتبارات حتى الوجود والعدم ، وبهيئاتها على الطلب ، ومفاد الأمرين معا هو تعلّق الطلب بتلك الطبيعة اللابشرط ، وحيث لا يمكن أن تكون ذلك متعلّقة للإرادة عقلا يجب اعتبار وجود ما زائدا على ما يقتضيه وضع المادة والهيئة. والوجود يمكن اعتباره على أنحاء :

أحدها : الوجود الساري في جميع الأفراد نظير ( أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ )(١).

ثانيها : الوجود المقيد بقيد مّا ، كالمرة والتكرار ، والفور والتراخي ، ونحو ذلك.

ثالثها : صرف الوجود في مقابلة العدم الأزلي من دون لحاظ أمر آخر معه ، وكان السيد الأستاذ يعبّر عن هذا النحو من الوجود تارة بانتقاض العدم الأزلي ، وتارة بطرد العدم ، وحيث لا يوجد دليل على تعيين أحد هذه الأقسام يجب حمل الأمر على هذا النحو الثالث لأنه المتيقن ، وغيره يشتمل على زيادة مدفوعة بالأصل.

وبهذا يظهر لك أنّ الفور والمرة ونحوهما مما توهّم دلالة الأمر عليه ، جميعه خارج عن مفاد الصيغة ، فلا يصار إلى أحدها إلا بدليل ، وبعد وروده لا ينافيها لا مادّة ولا هيئة.

__________________

(١) البقرة : ٢٧٥.

١٩٤

وبهذا يظهر لك الوجه في الاكتفاء بالمرة ، وأنه لو أتى بأفراد متعددة دفعة واحدة سقط الأمر ، وكان الجميع مصداقا للواجب.

( الأمر عقيب الحظر ) (١)

ورود (٢) الأمر عقيب الحظر ، بل عقيب توهمه ، قرينة (٣) غالبية على عدم كونه للوجوب ، فلا يحمل عليه إلاّ بدليل أو قرينة معارضة قويّة ، ويكون مفاده حينئذ رفع الحظر السابق ، وفرضه كالعدم ، ولازم ذلك غالبا رجوع الحكم الأول ، فيجب إن كان قبل واجبا ، كقوله تعالى : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ )(٤) ويجوز إن كان جائزا مثل : ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا )(٥)( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ )(٦).

وبهذا يظهر لك ما في القول المشهور من المسامحة ، وهو كونه للإباحة وتستغني به عن التفصيل الّذي اختاره في الفصول ، وهو أنّ حكم الشيء قبل الحظر إن كان وجوبا أو ندبا كان الأمر الوارد بعده ظاهرا فيه ، فيدل على عود الحكم السابق ، وإن كان غيره كان ظاهرا في الإباحة ، فكلام المشهور صحيح فيما إذا كان الحكم السابق الإباحة ، ولكنه ليس لكون الأمر للإباحة ، ولا يصحّ في غيره ، وما ذكرناه جامع لكلا شقّي التفصيل.

ولا يخفى أنّ هذا لا يختص بالأمر ، بل يشاركه فيه النهي الوارد بعد الأمر ،

__________________

(١) أي المنع : ( مجد الدين )

(٢) مبتدأ. ( مجد الدين )

(٣) خبر. ( مجد الدين )

(٤) التوبة : ٥.

(٥) المائدة : ٢.

(٦) البقرة : ٢٢٢.

١٩٥

فإنه لا يدلّ غالبا إلاّ على رفع الأمر السابق ، كما لو أمر الطبيب بملازمة شرب الدواء كلّ يوم ، ثم قال بعد مدة : لا تشربه. فإنه لا يدلّ على أزيد من عدم لزوم شربه ، فتأمّل جيّدا.

( الإجزاء )

اختلفوا في أنّ إتيان المأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟.

وليعلم أوّلا أنّ الأمر قد لا يلاحظ فيه إلاّ ذات المكلّف ، مع قطع النّظر عن العناوين الطارئة عليه من اضطرار ، أو خوف ، أو جهل ، ونحو ذلك ، وقد يلاحظ بعضها معها.

وعلى الثاني إمّا أن يكون معه حكم آخر في غير مرتبته أم لا ، والأول يسمّى بالواقعي الأوّلي ، والثاني بالحكم الظاهري ، والثالث بالواقعيّ الثانوي ، سمّي واقعيا ، لعدم وجود حكم آخر معه ، وثانويّا لأجل تقييد موضوعه ببعض الأحوال الطارئة المتأخرة عن ملاحظة المكلّف بنفسه.

وبهذا يظهر الوجه في تسمية الأول بالواقعي الأولي ، والثاني بالظاهري.

ثم إنّ إجزاء كل أمر عن نفسه إذا أتي به على وجهه أي مستجمعا لجميع الشرائط والأجزاء المأخوذة في موضوعه ينبغي أن يعدّ من البديهيّات ، ضرورة حصول متعلّقة ، فطلبه مع ذلك طلب الحاصل ، ولا يشك في امتناعه العاقل ، ولو فرض صدور الأمر ثانيا ، يعني ما امر به أوّلا ، فما هو إلاّ أمر آخر بفرد آخر من تلك الطبيعة ، وكلّ منهما إذا أتي به على وجهه سقط التعبّد به ، وليس كلامنا في إمكان الأمر بفردين أو أكثر من طبيعة واحدة.

ومن ذلك يظهر للمتأمّل أنّ القول بأن الأمر للتكرار لا ينافي القول بالإجزاء.

وما نقل عن القاضي عبد الجبار من أنه لا يمتنع عنده أن يأمر الحكيم ،

١٩٦

ويقول : إذا فعلته أثبت عليه وأدّيت الواجب ، ويلزم القضاء مع ذلك (١) ، فكأنه كلام في غير مسألتنا هذه ، ولا يهمّنا تحقيق كلامه ، وعلى فرض إنكاره الإجزاء فليس أوّل عالم أنكر واضحا.

وكذلك لا ينافي الإجزاء ما سيأتي من إمكان تبديل الفرد الممتثل به ، وعدم سقوط الأوامر التعبديّة بالإتيان بها إلاّ مع قصد القربة بناء على عدم كونها شطرا للمأمور به ، ولا شرطا فيه لأن القائل بعدم حصول الغرض بدونه يقول بعود الأمر ثانيا لا سقوط الأمر الأول ، كما سيأتي تحقيقه.

وما ذكرناه لا يختص ببعض الأقسام المتقدمة ، بل يعمّ جميعها ، فمن كان فرضه الصلاة مع التيمم أو مع الطهارة المستصحبة إذا أتى بهما على وجههما فلا شك أنه لا يجب أن يأتي بهما ثانيا ، مع عدم تغيّر عنوان الحكم ، أعني ما دام غير متمكن من الماء ، أو شاكّا في بقاء الطهارة ، وإنما الكلام في كفاية كل من القسمين الأخيرين عن الأمر الواقعي بعد ارتفاع العنوان الّذي تقيّدا به ، كارتفاع الاضطرار فيما إذا أتى بالحكم الواقعي الثانوي ، أو ارتفاع الشك فيما لو أتى بموجب الحكم الظاهري ، فهاهنا مقامان :

الأول في إجزاء الحكم الواقعي الثانوي.

والثاني في كفاية الأمر الظاهري.

ولك التكلم في مقام ثالث : وهو كفاية الإتيان بالواقعي الأوّلي عن كل من الأخيرين ، إذ الحكم تختلف في مواردها ظهورا وخفاء ، بل إثباتا ونفيا.

وفي مقام رابع : وهو كفاية ما أتى به بمقتضى بعض الأصول العقلية عن الأحكام الواقعية.

وبالجملة فحاصل الكلام في المقام الأول يقع أولا في الأقسام المتصورة ،

__________________

(١) المستصفى من علم الأصول ١ : ٣٩٣ ، والإحكام في أصول الأحكام ١ : ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

١٩٧

وثانيا في حكم كل صورة صورة منها ، وثالثا فيما يستفاد من الأدلة ، ورابعا في بيان الأصل الجاري في المقام.

فنقول : أما الأول ، فقد يكون المكلّف به عند الخوف ، أو الاضطرار ، ونحوهما من العناوين الطارئة مشتملا على عين تلك المصلحة التي في الواجبات الأولية وبمقدارها كالصلاة مع الطهارة الترابية ، لو فرض أنّ مصلحة الصلاة معها مصلحة الصلاة مع الطهارة المائيّة ذاتا ومقدارا.

ولا فرق بين هذا القسم وبين تنويع الموضوع ، كالمسافر والحاضر ، إلاّ أنّ الملحوظ فيه عدم القدرة وشبهه ، بخلاف المسافر والحاضر مثلا.

وقد يكون مشتملا على مصلحة ملزمة ، لكنها من غير نوع تلك المصلحة الموجودة في الفعل الاختياري ، لكنها مثلها في كونها متعلقة بغرض الآمر في تلك الحالة.

وقد يكون مشتملا على مرتبة نازلة من المصلحة القائمة بالفعل الاختياري ، وهذا أيضا على قسمين ، لأن المقدار الفائت يمكن أن يكون بمرتبة يلزم تداركها مع إمكان التدارك ، وقد لا يكون بتلك المرتبة.

هذا ، ولازم الأول الإجزاء ، لمساواته مع الفعل الاختياري في المصلحة كيفا وكمّا ، وحصول تمام الغرض منه ، بل لازمه جواز تحصيل الاضطرار اختيارا إلاّ أن يفرض تقييد المصلحة بالاضطرار الّذي لا يرجع إلى القصد.

ولازم الثاني عدم الإجزاء لأن الفعل الاضطراري وإن كان كالاختياري في الاشتمال على المصلحة الملزمة ، لكنها مغايرة معها ، فلا يجزي دركها عن تلك ، إلاّ أن يفرض بينهما التمانع ، أعني عدم قابلية من أدرك المصلحة الاضطرارية لدرك الاختيارية.

ولازم القسم الأول من الثالث عدم الإجزاء إن كان يمكن التدارك ، واستحباب التدارك في القسم الثاني منه والإجزاء مع عدم إمكان التدارك.

١٩٨

ثم إن التدارك قد يكون بإتيان ما وجب على المختار لدى التمكن منه ، وقد يكون بفعل آخر يجبر به تلك النقيصة ، وقد يحصل بهما معا ، ولازمه التخيير بينهما.

ثم إنّ التدارك قد يختص بالوقت ، فلا يمكن في خارجه ، وقد يمكن فيهما معا ، ولازم الأول لزوم الإعادة فقط ، ولازم الثاني لزوم الإعادة والقضاء معا ، بل ومن الممكن ـ وإن كان بعيدا ـ إمكان التدارك في خارج الوقت فقط ، فيجب القضاء دون الإعادة.

وما يقال : من أنّ ما لا يجب إعادته لا يجب قضاؤه بالأولى ، فالأولوية على إطلاقها ممنوعة.

ولو شك في أصل الحكم بحسب الأدلة ، فالمرجع أصالة البراءة مطلقا ، كما قيل.

ويمكن التفصيل بين الموارد ، والقول بجريان قاعدة الاشتغال في بعضها ، كما لو مضى من الوقت مقدار الفعل الاختياري فلم يفعل ، وطرأ عليه العذر بعد ذلك ، فيقال : بأن التكليف بالفعل التام الوافي بتمام الغرض قد لزم المكلّف ، ولا يعلم بقيام غيره مقامه في جميع مراتب الغرض ، فيحكم بالاشتغال إلى أن تثبت البدليّة التامة.

ويمكن الجواب عنه بأن الّذي علم وجوبه أولا ليس خصوص الفعل التام ، بل الفعل الواحد المردّد كمّا وكيفا بين ما يؤتى في الحالتين ، نظير القصر والإتمام ، فبدخول وقت الظهرين مثلا يلزم صلاتان كيفيّتهما التمام إن بقي حاضرا ، والقصر إن سافر في أثنائه وصلاّهما في السفر بناء على أنّ الاعتبار بوقت الأداء لا الوجوب ، لا أنه يجب التمام أوّلا ثم ينسخ ذلك بوجوب القصر.

ويناسب هذا ، حكم بعض (١) أساتيذنا بأنّ من كان حاضرا في بعض

__________________

(١) هو السيد الأستاذ السيد محمد كاظم اليزدي (ره) ( منه ).

١٩٩

الوقت ، ومسافرا في بعض وفاته الفرض يتخيّر في القضاء بين التمام والقصر ، لأنّ الواجب صلاة واحدة في مجموع الوقت ، تختلف كيفيتها بحسب حالي السفر والحضر ، فمتى فاتت صدق الفوت في جميع الوقت ، وآخر الوقت محقّق للفوت ، لا أنه يختص به الفوت ، وبيانه مفصّلا موكول إلى محلّه (١).

وهذا البيان إن تمّ فجريانه مشكل في بعض الصور المتقدمة ، كالصورة الثانية ، أعني ما كانت المصلحة في الفعل الثانوي من غير نوع الواقعيّ الأوّلي ، فتأمل جيّدا.

هذا ، وأما الحكم بحسب الأدلة فهو يختلف باختلاف الموارد وضوحا وخفاء بل وجودا وعدما ، والظاهر منها الإجزاء في الصلاة مع التيمم ، وفي حال التقية.

وكفاية مثل صلاة المضطجع والغريق عن صلاة المختار لا يخلو عن خفاء ، بل منع ، فإطلاق الإجزاء كما عن الشيخ الأعظم طاب ثراه لا يخلو عن إشكال.

وأما جواز البدار مع رجاء زوال العذر ، فهو يتبع العذر المأخوذ في موضوع الحكم ، فإن كان هو العذر المستوعب لتمام الوقت فلازمه عدم الإجزاء لو ارتفع العذر في الأثناء ، وإلاّ فالإجزاء.

نعم لا مانع من القول بصحة العمل في أوّل الوقت ـ على الأوّل ـ لو انكشف استيعاب العذر ، لو لا احتمال لزوم الجزم بالأمر ونحوه مما تبيّن ضعفه في محلّه.

قلت : وبهذا يذلّ لك الصعب من هذه المسألة ، ويتضح لك الطريق إلى اختصار القول فيها ، بأن نقول : إنّ إجزاء هذه الأحكام عن الواقعيّات الأوّلية تابع لما يستفاد من الأدلّة من أمر العذر الّذي أخذه الشارع في موضوعاتها ، فإن

__________________

(١) العروة الوثقى ، صلاة القضاء مسألة ١٣.

٢٠٠