وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

وقاية الأذهان والألباب

ولباب أصول السنّة والكتاب

١٤١
١٤٢

ترجمة مختصرة

لسيدنا الأستاذ السيد محمد الفشاركي رحمه الله (١).

هو من أسرة كريمة النجار ، عريقة في الفخار ، أصلها من الشرفاء الطباطبائية القاطنين ببلدة ( أزوارة ) (٢) هاجر منها جدّه الأعلى أعني الأمير شريف ، وأخوه الأمير مشرّف ابنا الأمير أشرف ، إلى ( قهپاية ) من نواحي أصبهان ، فتوطّن الأمير مشرّف قرية ( وير ) والأمير شريف قرية ( فشارك ) وولد بها صاحب الترجمة سنة ١٢٥٣ ، وكان عمره لمّا توفّي والده الحاج الأمير أبو القاسم ، ستّ سنين ، وسافر إلى العراق وهو ابن إحدى عشرة سنة ، وجاور الحائر الشريف ، وكفله هناك أخوه العالم السيد إبراهيم المعروف بـ ( الكبير ) فكمّل العربيّة والمنطق ، ثم اشتغل بالفقه وأصوله على عدّة من علمائه كالعالم الشهير السيد ابن المجاهد الطباطبائي ، والأستاذ المعروف بـ ( الفاضل الأردكاني ).

ولمّا قدم إليه رئيس المذهب وطراز (٣) شرفه المذهّب ، آية الله في الزمن الحاج ميرزا محمد حسن الشيرازي ، انقطع إليه ، واقتصر في الحضور عليه ، وسافر معه إلى سامراء وتوطّنها معه ، فآثره على جلّ أصحابه حتى صار عيبة سرّه المصون من العيب ، وخزانة علمه المنزّه من الريب ، ولمّا كثرت أشغال العلاّمة المذكور ، لتحمّله أعباء الإمامة ، وتفرّده بالرئاسة العامّة ، فوّض أمر التدريس إليه ، واعتمد في تربية الأفاضل عليه ، فقام بتلك الوظيفة بهمّة دونها العيّوق (٤) ،

__________________

(١) الترجمة بقلم المصنّف طاب ثراه.

(٢) وهو معرّب ( زوارة ) التي تكون قربية من أصبهان. ( مجد الدين ).

(٣) الطراز : حاشية الثوب ، وجمال الثوب بجمال حاشيته.

(٤) العيّوق من نجوم السماء. والعبارة إشارة إلى علوّ همّة المترجم.

١٤٣

وأقام للعلم بها أنفق سوق حتى صارت كعبة العلم ومطاف أصحابه ، ومنتجع وفد الفضل ومراد طلاّبه.

ولمّا أصابت أمّة العلم فيها عين الزمان ، وشتّتت شملها يد الحدثان ، وهاجر أستاذه العلاّمة إلى دار الكرامة ، هاجر بأهله وأولاده إلى الغريّ الشريف ، والغريّ إذ ذاك مجمع شيوخ الطائفة وسدنة العلم ، ومختلف ذوي الفضل والفهم ، فتهافتت عليه الطلاّب تهافت الفراش على الشمع ، وضربوا إليه أكباد الإبل ما بين بصر الأرض والسّمع ، فوردت الأفهام لديه من علوم الشريعة أعذب منهل وأصفى شريعة ، وشرع في الدرس العمومي في داره الشريعة ، ثم وضع له منبر التدريس في القبّة التي فيها قبر أستاذه (١) ، فدرس هناك مدّة ، ثم في الجامع المعروف بـ ( الجامع الهندي ) وربّما كان له مجلس درس آخر في داره يحضره خواصّ أصحابه ، وكنت ـ والحمد الله ـ منهم ، وقد حضرنا عليه فيها قطعة صالحة من كتاب البيع ومسألتي المشتق واللباس المشكوك وغيرها.

وكان ـ سقى الله رمسه ـ قد فرّغ نفسه الشريفة للعلم والعبادة وتحامى الرئاسة ، ولو شاء أن يكون مرجعا للتقليد لرميت إليه منها المقاليد ، ولكنّه لفظ الدنيا لفظ النواة ، ورماها رمي الحجيج الحصاة ، ورأى الاجتناب عنها أولى ، وأنّ الآخرة خير له من الأولى ، فسلك مسلك أجداده الأمجاد ، وعاش فيها عيش الزهّاد ، ما بنى فيها دارا ، ولم يخلّف عقارا ، حتى أنّه لم يكن له لمّا أدركناه خادم يخدمه ، بل كان يذهب إلى السوق بنفسه لشراء حوائجه والطلبة حافّون به يسألونه عمّا أشكل عليهم من درسه وهو واقف على باب بعض الحوانيت.

وكان مع ما منحه الله من الطبع الحرّ والإباء المرّ ـ وذلك منه شنشنة هاشمية لا أخزميّة ، وسجيّة علويّة فاطميّة ـ في أقصى درجات حسن الخلق والتواضع

__________________

(١) السيد محمد حسن الشيرازي المتقدّم ذكره. ( مجد الدين ).

١٤٤

والتعطّف على طلبة العلم ، وكانوا يختلفون إليه على اختلاف طبقاتهم واختلاف مراتبهم ومآربهم ، حتّى أنّ الأصاغر منهم يقصدونه للسؤال عن بعض عبارات الكتب الابتدائية فيسمح لهم بالجواب ، ويلاطفهم في الخطاب وهو جالس في صحن داره على التراب.

ولم يزل لأبناء العلم كالوالد الشفيق ، وبيته كالبيت يحجّون إليه من كلّ فجّ عميق ، إلى أن وقف عمره على ثنيّة الوداع ، وأذنت مزنة (١) الفض بالإقلاع ، فظهرت في كفّه الشريفة قرحة أقرحت منّا القلوب والأكباد ، ووددنا أن نفديه منها بأرواحنا لا الأجساد ، وتولّدت منها عوارض أخرى ، إلى أن لزم داره ، واستمرّ به المرض مدّة تقرب من شهر حتى قضى نحبه ، وجاور ربّه في شهر ذي القعدة الحرام من شهور سنة ١٣١٦ ولا تسأل عمّا جرى في جنازته من العويل والبكاء ، وقد جرت عن العيون بدل الدموع الدماء ، ودفنّاه في إحدى حجرات الصحن الشريف من جهة باب السوق الكبير على يسار الداخل إليه.

وكان قليل التصنيف جدّاً ، على أنّي سمعت منه في الدرس يقول : إنّي لم أباحث قط من غير مطالعة ، بل ولا من غير كتابة.

والموجود ـ الآن ـ ممّا خطّه بقلمه : قطعة في شرح أوائل رسالة البراءة من رسائل الشيخ الأعظم ، ورسالة في الدماء الثلاثة ، ورسالة في خلل الصلاة.

وخلّف من الذكور أربعة :

أوّلهم : الشاب العالم الفاضل السيد محمد باقر ، وكان وضيّ الطلعة ، دمث الأخلاق ، محبوبا عند أهل العلم.

وكان صهر أعزّ أصدقاء والده ، العلاّمة الآقا ميرزا محمد تقي آية الله الشيرازي الثاني ، وكان مدبّر أمره ومستودع سرّه ، ولكنّه أدركه المحاق قبل

__________________

(١) المزنة : السحابة الممطرة [ الصحاح ٦ : ٢٢٠٣ مزن ] وإقلاعها كناية عن انتهاء عمره.

١٤٥

الإبدار (١) ، وقضى ـ وعمره من أقصار الأعمار ـ حدود سنة ستّ أو سبع وثلاثين.

وثانيهم : العالم الفاضل الكامل السيد عباس ، وهو ـ على ما يبلغني عنه ـ قد جمع بين طريف المجد وتالده ، وسلك في سبل المكارم طريق والده ، وهو اليوم قاطن أرض الغريّ ، مجدّ في الاشتغال ، ويزداد كلّ يوم في الكمال كالهلال ، وسوف يلوح في سماء العلم بدرا ( ولا بدّ لابن الصقر أن يشبه الصقرا ).

إنّ الهلال إذا رأيت نموّه

أيقنت أن سيصير بدرا كاملا

وثالثهم : السيد العالم الفاضل السيد علي أكبر ، وقد استوطن عاصمة طهران ، وهو الآن أحد علماء تلك البلدة ووجوهها.

ورابعهم : الشاب المهذّب الصفيّ السيد أبو طالب ، وكان (٢) رحمه الله يحبّه حبّا شديدا ، وقد انقطعت عنّي أحواله ببعد الديار وانقطاع الأخبار.

هذا ، وأمّا وصف محاسن خلاله ومحامد أقواله وأحواله وأفعاله وما منحه الله من العلم والتقوي وحسن البيان وطلاقة اللسان فإنّه يدع سحبان وائل وهو أعيا من بأقل.

وهذا أمر أعترف بعجزي عنه ، فليعذرني الناظر ، وما أساء من اعتذر ، ولو لا خوف تسرّع القرّاء إلى الإنكار لذكرت بعضها ، ولكن صدور الأحرار قبور الأسرار ، وحسبك منها ما تراه في خلال هذا الكتاب من غرر فوائده ، ومن رأي من السيف أثره فقد رأى أكثره.

وأسأل الله أن يجزيه عنّا أفضل جزاء المحسنين ، ويحشره مع أجداده الطاهرين ، وأنا أعبّر عنه بـ ( السيّد الأستاذ ) أو بـ ( سيّدنا الأستاذ ).

__________________

(١) أي : مات شابا كالقمر لم يصل منتصف الشهر.

(٢) أي : وكان والده ....

١٤٦

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي

أما بعد حمد الله الّذي جعل الحمد أول كتابه (١) ، وآخر دعوى (٢) ساكني دار ثوابه (٣) ، والصلاة على محمد والطاهرين من ولده ، والصالحين من أصحابه.

فإنّه لمّا ظهرت الفتن في بلاد العراق ، وقامت الحرب فيها على ساق ، تحكّم الدهر الجائر ، لا ، بل حكم عليّ القدر القاهر ، بالمهاجرة عن بلاد عقّ تمائمي (٤) فيها الشباب ، وأول أرض مسّ جلدي منها التراب.

أرض الغري وبوركت أرضا

أرضى ولست بغيرها أرضى

__________________

(١) أي أوّل القرآن الكريم في سورة فاتحة الكتاب. ( مجد الدين ).

(٢) أي وجعل الحمد آخر دعوى ساكني. ( مجد الدين ).

(٣) أي الجنة ، وهذه إشارة إلى قوله تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ). ( مجد الدين )

(٤) التمائم : جمع التميمة ، وهي ما يعلّق على الطفل لأجل الحفظ. ( مجد الدين ).

١٤٧

ففارقت معاهد أنسي ولذاتي ، ومواطن إخواني ولداتي ، وسرت (١) عام (١٣٣٣) إلى بلاد الأمن والإيمان ، أعني بلاد إيران ، وألقيت عصا التسيار في سيّدة أمصارها ، ضرّة رياض الجنان : أصفهان.

فهناك أحاطت بي أفاضل حملة العلم وطلاّبه إحاطة الهالة (٢) بالقمر المنير ، وحاموا حولي كما يحوم الصادي (٣) حول العذب النمير ، وكثيرا مّا كنت أكتب ما أقرّره لهم من مسائل أصول الفقه بعد الفراغ من التدريس ، في قطع متفرقة من أسحية القراطيس ، من غير أن أفصّل شذورها في ضمن فصول وأبواب ، لأنّي لم أقصد به تأليف رسالة في ذلك الفن ، ولا تصنيف كتاب ، ولكن بعض الأفاضل (٤) من الأصحاب عرف قدرها ، فجمع شملها ، ثم عرضها علي ، وحثّني على إعادة النّظر فيها ، وتهذيبها ، وطلب منّي ترتيبها ، وتبويبها ، فأجبته إلى ذلك خوفا على تلك الأعلاق النفسيّة من الضياع ، وطمعا في أن يعمّ بها الانتفاع.

فهاك أيها الطالب لحقائق هذا الفن ، ولباب هذا العلم ، وما كنت تبتغيه ، وأرجو أن يكون ـ إن شاء الله ـ كما ترتضيه ، فقد مخضت لك الرغوة عن الصريح ، وميّزت السقيم من الصحيح ، وفرّقت بين الدرّ والمخشلب (٥) ، وأخلصت

__________________

(١) وكان المسير أيام الحرب العموميّة ( بين الملل ) وكثرة الخوف والتعب ، وكيف والقائد العثماني ( حسين رءوف ) يقتل الطلبة الشيعي فكيف العالم ، وكان من منّ الله تعالى أنّ الليلة التي أردنا المسير ليومها وصل إلينا خبر انعزاله. ( مجد الدين )

(٢) الهالة : الدائرة المنعقدة حول القمر وهو تشبيه حسن لحلقة الدرس. ( مجد الدين ).

(٣) الصادي : طالب الماء ، أو العطشان. ( مجد الدين ).

(٤) وهذا البعض هو الشيخ محمد رضا البافراني من خواص المصنّف. ( مجد الدين )

(٥) المخشلب بضم الأول وسكون الثاني وفتح الثالث والرابع ، وهي الدرر الجعليّة ، ومعناها بالفارسية ( خر مهره ). ( مجد الدين ).

١٤٨

عن المموّه (١) صافي الذهب ، وجمعت فيه خلاصة ما وصل إليه الفكر ، وما تلقّيته عن مشايخ العصر ، لا سيّما ما استفدته عن سيدي ومولاي وأستاذي ومن عليه استنادي وعنه إسنادي ، الإمام العلاّمة أبي المكارم السيد محمد الفشاركي الأصفهانيّ ، ثم الحائري النجفي ، أعلى الله تعالى في غرف الجنان رتبته ، وسقى بصيّب الغفران تربته ، فقد حرصت على أن لا يشذّ عني شيء منه ، فجعلت جمعه وكدي (٢) ، بعد ما بذلت في فهمه جهدي ، وأنا أعلم أنه قد فاتني منه الكثير ، وأنّ مثلي لا يخلو في فهم مقاصد مثله عن قصور وتقصير ، فما وجدت فيه من السفاسف فذلك من نقصان هذا العبد ، والكمال للربّ سبحانه وحده ، وقد يتكهّم العضب الصيقل ، ويضلّ الخريت عن لاحب السبيل ، ولكن رجائي منك لحسن ظني بك ، أن لا تسارع في الانتقاد ، وأن تحكم قبل قيام البينة بالفساد ، ولك الحكم بعده إن ألزمت نفسك الإنصاف ، الّذي هو من أشرف الأوصاف.

هذا ، وقد سبق من هذا الكتاب جزء في مسألتي الوضع والاستعمال ، جعلته كالمدخل إليه ، وأفردته عنه لعذر بيّنته فيه ، وأنا أشرع بتوفيق الله تعالى في بيان سائر مباحث الألفاظ ، وأجعل عناوين المسائل غالبا ما هو المصطلح عليه لدى أهل العلم في هذا الزمان.

( الحقيقة الشرعية )

قال في الفصول ، ما لفظه : « الحقيقة الشرعية : هي الكلمة المستعملة في معناها الشرعي بوضع شرعي فخرج بقولنا : في معناها الشرعي. ما استعمل في غيره ولو بوضع شرعي كإبراهيم ، وبقولنا : بوضع شرعي. الكلمة المستعملة في

__________________

(١) المموه بضم الأول وفتح الثاني وفتح الثالث مشدّدة : الذهب المزيف فهي مرادف المطلى. ( مجد الدين ).

(٢) وكدي أي همي ومرامي. ( مجد الدين ).

١٤٩

معناها الشرعي بوضع لغوي ، أو عرفي ، أو بوضع شرعي لمعنى آخر ، فإنّ المتبادر منه أن يكون بمقتضاه الأوّل ، أو لأنّ الظاهر منه أن يكون الوضع سببا مستقلا في صحة الاستعمال ، وليس الأمر في المجاز كذلك ».

« وينبغي أن يعتبر قيد الحيثية في الوضع الشرعي ، فيخرج مثل لفظ الحسن والحسين عليهما السلام فإنه وإن كان لمسمّاهما تعلّق بالشرع لحكم الشارع بوجوب اتّباعهما ، والاعتراف بإمامتهما ، إلاّ أنه لم يضع اللفظين من حيث كونهما شارعا بمعنى أن لا مدخلية لكونه شارعا في التسمية ، بخلاف مثل لفظ الصراط والميزان والجنة والحساب ، بناء على أنها حقائق في معانيها الشخصية ، أو المخصوصة ، فإنّ لجهة الشرع مدخلا فيها ، لأنّ الغرض الداعي إلى وضعها ، إنما هو بيان آثارها الشرعية » (١) إلى آخره.

قلت : لعلّ الوجه في أخذه قيد الاستعمال في الحدّ ، ما قرّروه من أنّ اللفظ قبل الاستعمال لا يسمّى حقيقة ولا مجازا ، وفيه بحث ليس هذا موضع بيانه ، ولكن يمكن أن يحرّر البحث في وضع الشارع لهذه الألفاظ وعدمه.

فيقال : الحقيقة الشرعيّة هي الكلمة التي وضعها الشارع لمعانيها الشرعية ، ثم ينازع في ثبوتها وعدمه ، فيستغنى عن هذا القيد ، فيتأتّى النزاع ولو فرض عدم الاستعمال أصلا ، إلاّ أن يقال بعدم تحقق الوضع إذا لم يلحقه الاستعمال ، وقد مرّ القول فيه.

ثم إنّ ما ذكره في لفظ الصراط وغيره لا يتم إلاّ إذا كان المراد من الشرع جميع ما أتى به الشارع ولو في الأمور التي أخبر بها من المغيبات التي كشف عنها ، ولفظ الشرع لا يساعد عليه إلاّ أن يكون حقيقة شرعية ، ولا أعرف أثرا شرعيا ابتدائيا لهذه الألفاظ ، إلاّ أن يكون وجوب التصديق بمسمّياتها ،

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٤٢.

١٥٠

فهي ـ إذن ـ كلفظي الحسن والحسين ، وقد حكم بخروجهما عن حدّ البحث ، ولو اكتفى في الأثر الشرعي ولو بوسائط لاتّسع المجال ، ودخل في حريم الجدال ألفاظ الملائكة والحور والقصور ، إلى غير ذلك.

ومع الغض عن جميع ذلك ، لا شك في أنّ النزاع يختص بما يتعلّق به الأحكام الشرعية ابتداء إذ لا يتعلّق غرض الباحث عن أصول الفقه إلاّ به.

اللهم إلاّ بجعل الكلام فيها ، كما في الأوامر والنواهي والعموم والخصوص ونحوها ممّا يبحث فيه عن عموم الألفاظ وإن اختص غرض الأصولي بخصوص الوارد منها في الكتاب والسنة ، وفيه بعد.

والأخصر الأولى ، أن يقال : إنّ الحقيقة الشرعية هو اللفظ الّذي وضعه الشارع لمعنى شرعي من حيث إنّه شارع ، بل لك أن تترك قيد الحيثيّة لما مرّ ، فإن الحسن والحسين ليسا بمعنى شرعي بالمعنى الّذي عرفت.

والشارع هو النبيّ صلّى الله عليه وآله على المشهور ـ أو هو الله تعالى ـ على قول ـ ويؤيده قوله تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً )(١) الآية الكريمة ، أو كلّ منهما شارع ـ في وجه آخر ـ وأيّا كان تخرج عن النزاع الألفاظ الواردة في غير كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلّى الله عليه وآله.

وبهذا يظهر قلّة الجدوى في هذه المسألة عند أصحابنا لأن أكثر أخبار الأحكام عندهم مروي عن الصادقين ومن بعدهما من الأئمة على جميعهم السلام.

فهي ـ على هذا ـ حقائق متشرعية ، ولو تكلّف لشمول النزاع لها فلا شك في أن هذه الألفاظ المبحوثة عنها قد وصلت إلى حدّ الحقيقة في زمانهم فتقلّ الفائدة أيضا.

__________________

(١) الشورى : ١٣.

١٥١

اللهم إلاّ في ألفاظ نبويّة قد وردت من طرقهم ، وعلم نقلهم لها بألفاظها.

إذا عرفت ذلك كلّه ، فاعلم أنهم قد اختلفوا في استعمال الشارع لهذه الألفاظ ، فقال قوم : إنه استعمال حقيقي لأنه وضعه لهذه المعاني ، وقال آخرون : إنه مجاز ، وفصّل آخر بين ألفاظ العبادات والمعاملات ، فأثبتها في العبادات ، ونفاها في المعاملات.

ونقل عن الباقلاني إنكار استعماله في غير معانيها اللغوية ، وأنّ الزيادات شروط للصحة أو القبول (١).

ورماه القوم بالضعف والوهن بقوس واحدة ، وليس عندي بذلك البعد ، بل هو الحقّ في الجملة (٢) لما ستعرف.

والواجب أولا ، معرفة ما لهذه الألفاظ المتداولة بين الفقهاء من الأقسام ليظهر الحال في كلّ منها ، إذ منها ما نعلم بأنها اصطلاحات علميّة لم تحدث إلاّ بعد تدوين علم الفقه ، وذلك بعد عصره صلّى الله عليه وآله بل وعصر التابعين ، كلفظ طبقات الإرث ومناسخاته ، فما كان من هذا القبيل فسبيله سبيل سائر الاصطلاحات المتداولة في سائر العلوم ، وهو عن هذا النزاع بمراحل (٣).

ومنها ألفاظ لمعان معروفة يعلم استعمال الشارع لها ، ولكن لا على سبيل النقل والوضع ، بل على سبيل متابعة اللغة وإن جعل لها حدودا وزادها موانع وشروطا ، وهذا لا يلزم وضعا جديدا ، كما يظهر بالتأمل ، وذلك كالنكاح ، والطلاق ، والظهار ، والعتق ، وهذا القسم كثير جدّاً ، بل منه ـ فيما أرى ـ الشطر الأكثر ،

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٤٣ ، هداية المسترشدين : ٩٤.

(٢) في بعض الأقسام الآتية. ( مجد الدين ).

(٣) أي بعيد عن محل النزاع بمسافة كثيرة ، إذ الكلام في الألفاظ الواردة في كلام الشارع ، لا الألفاظ والمعاني التي حدثت بعده صلّى الله عليه وآله ، بل بعد عصر التابعين ، وحاصله : أنّ النزاع في الحقيقة الشرعية لا المتشرعة. ( مجد الدين )

١٥٢

حتى أنّ الباقلاني جعل جميع هذه الألفاظ منه ، وأنكر استعماله في غير المعاني اللغوية ولو مجازا (١).

ومن هذا القبيل ألفاظ العبادات التي كانت معروفة قبل الشارع كالحج والطواف ، بل الصلاة ـ في وجه ـ كما لعلّه الظاهر من قوله تعالى : ( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً )(٢).

ومنها ألفاظ لمعان دينية ، لا عهد للعرب بها ، وهي ألفاظ قليلة ، ومهما وردت عنه فالغالب كونها مقرونة بقرائن تعيّن المراد منها ، وهذا أيضا ممّا يوجب قلّة النّفع في هذا البحث ، ويحطّ من قدره.

وبالجملة ، ذكر القوم هذا النزاع فيها ، وسكتوا عمّا لها من الأقسام ، بل أدخل بعضهم في حريمه جميع الألفاظ المتداولة في ألسن المتشرّعة الكائنة حقيقة عندهم في المعاني الشرعية.

وقد تنبّه لوضوح فساده صاحب الهداية (٣) ، ووضع للتي تدور مدار البحث عليها شروطا ملخّصها : كون الألفاظ متداولة في ألسنة المتشرعة من قديم الأيام ، وأن تكون بالغة حدّ الحقيقة عند المتشرّعة في ذلك الزمان ، وأن تكون تلك الألفاظ هي التي يعبر بها الشارع عن تلك المعاني غالبا ، وحكم بشمول النزاع لجميع ما اجتمعت فيه هذه الشروط من هذه الألفاظ ، واستظهر ذلك من القائلين بثبوت الحقيقة الشرعية ، ثم اختار القول بالإثبات ، واستدلّ له بوجوه عرف مواقع النّظر (٤) فيها ، فاعتذر بأنّ من ضمّ بعضها إلى بعض تحصل المظنة

__________________

(١) الفصول الغروية : ٤٣.

(٢) الأنفال : ٣٥.

(٣) الشيخ محمد تقي صاحب ( هداية المسترشدين ) جدّ المصنّف طاب ثراهما. ( مجد الدين )

(٤) عرف ضعفها ، وورود الإشكال عليها. ( مجد الدين )

١٥٣

وهي كافية في المقام (١).

أقول : ومع مراعاة ما ذكره من الشروط فالقول بثبوتها في جميع هذه الألفاظ صعب جدّاً.

نعم لا ينبغي الريب في ثبوتها في الجملة ، فالحقّ مع المثبت إن قنع بالإيجاب الجزئي في مقابل السلب الكلّي ، ولا سيّما لو جعل الوضع أعم من التعييني والتعيّني ، لأنّا نعلم أنّ مثل لفظ الصلاة الّذي كان لا يقرع أسماع الصحابة في كل يوم وليلة أقلّ من عشرين مرّة ، كانوا يفهمون هذه العبادة من اللفظ من غير احتياج إلى قرينة ، ولكن الظاهر عدم الوضع تعيينا ، بل حصوله تعيّنا في صدر الإسلام.

وكان بعض مشايخنا رحمه الله يذهب إلى ثبوت الوضع على النحو الأول ، ويقول : إنّ قوله عليه السلام : « إنّ الصلاة ثلث طهور ، وثلث ركوع » (٢) وقوله : « لا يضر الصائم إذا اجتنب أربع خصال » (٣) ونحو ذلك بمنزلة ما يقوله مخترع بعض المعاجين : إن الإطريفل (٤) أجزاؤه كذا وكذا ، فإنه بيان للوضع وإعلام به بلسان بيان أجزائه الموضوع له ، وهذا استحسان حسن ، مأخوذ من كلام العلاّمة ـ الجدّ ـ في الهداية ، ولكن هذه الروايات لم ترد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله ، بل وردت في أزمنة لا يحتاج إثبات الحقيقة فيه إلى دليل.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٩٣ ـ ٩٤.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢ ـ ٦٦ ، الكافي ٣ : ٢٧٣ ـ ٨ ، التهذيب ٢ : ١٤٠ ـ ٥٤٤ والحديث مروي عن الصادق عليه السلام ، ونصّ الحديث هكذا : « الصلاة ثلاثة أثلاث ، ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود ».

(٣) الفقيه ٢ : ٦٧ ـ ٢٧٦. وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام.

(٤) بكسر الهمزة وسكون الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء وكسر الفاء : معجون معروف ودواء مشهور في الطب القديم. ( مجد الدين )

١٥٤

واعلم أنّ الشيخ الأستاذ (١) بعد أن استقرب الوضع التعيّني في الألفاظ المتداولة على لسان الشارع ، قال ما لفظه :

« هذا كلّه بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا ، وأما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة ، كما هو قضية غير واحد من الآيات ، مثل قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ )(٢) إلى آخره ، وقوله : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ )(٣) وقوله تعالى : ( وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا )(٤) إلى غير ذلك ، فألفاظها حقائق لغويّة لا شرعيّة ، واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهيّة ، إذ لعلّه كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا » (٥) انتهى.

واعترض عليه بعض الأعلام (٦) دام توفيقه بقوله : إنّها حكايات معان بألفاظ دالّة على تلك المعاني في عرف المخاطب بهذا الكلام ، ولا يدلّ على كونها دالّة على تلك المعاني في العرف السابق ، وهذا واضح.

أقول : لو اقتصر في بيان هذا المدّعى بهذا المقدار من البيان لكان ورود هذا الاعتراض واضحا كما ذكره ، إذ الآيات الكريمة تدلّ على ثبوت تلك الماهيّات في تلك الشرائع ، لا على أنّها كانت تسمّى بهذه الألفاظ ، كيف ولغات

__________________

(١) الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ صاحب الكفاية طاب ثراه في الكفاية. ( مجد الدين )

(٢) البقرة : ١٨٣.

(٣) الحج : ٢٧.

(٤) مريم : ٣١.

(٥) كفاية الأصول : ٢١ ـ ٢٢.

(٦) وهذا البعض ، الشيخ عبد الكريم اليزدي. ( مجد الدين ) وانظر درر الفوائد ١ : ١٦ ـ ١٧.

١٥٥

أهلها لم تكن عربيّة ، وما أرسل الله رسولا إلاّ بلسان قومه (١) ، وهذه لغات عربية قطعا ، ومرادفاتها في تلك اللغات معروفة ، وما هي إلاّ كسائر ألفاظ الآية التي نقلت معانيها بألفاظ العرب.

ولكن هذا الكلام ـ فيما أرى ـ مقتطع أصلا ودليلا من كلام صاحب الفصول ، ولو أنّ هذا الأستاذ كان نقله بجملته لم يتّجه عليه هذا الاعتراض ، وكان قد برئ من عهدته ، وهاك كلام الفصول بنصّه ، قال :

« فالذي يقوى عندي ، أنّ جملة من تلك الألفاظ قد كانت حقائق في معانيها الشرعية في الشرائع السابقة كالصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج » (٢).

ثم قال بعد ذكر الآيات المتقدمة : « وإذا ثبت أنّ هذه الماهيّات كانت مقررة في الشرائع السابقة ثبت كون هذه الألفاظ حقيقة فيها في لغة العرب في الزمن السابق لتديّنهم بتلك الأديان ، وتداول ألفاظها بينهم ، وعدم نقل لفظ آخر عنهم بإزائها ، ولو كان لقضت العادة بنقله ، ولا يقدح وقوع الاختلاف في ماهياتها بحسب اختلاف الشرائع ـ إلى أن قال ـ فيكون الاختلاف في المصاديق لا في نفس المفهوم ، كاختلاف مصاديق مهيّاتها المعتبرة في شرعنا باختلاف الأحوال تمكنا وعجزا ، تذكّرا ونسيانا ، وغير ذلك ، فكما لا يوجب هذا الاختلاف تعدّد الوضع مع تفاحشه في البعض كالصلاة ، فليكن الاختلاف المذكور كذلك » (٣) انتهى.

فتراه ـ طاب ثراه ـ قد سدّ طريق هذا الاعتراض بقوله : « لتديّنهم بتلك الأديان » إلى آخره.

نعم في كلامه اختلال من جهة أخرى ، وهي أنّ الظاهر من آخر كلامه أنّ هذه الألفاظ بأعيانها كانت موضوعة لتلك الماهيّات في تلك اللغات حيث قال

__________________

(١) مضمون الآية (٤) من سورة إبراهيم.

(٢) الفصول الغروية : ٤٣.

(٣) الفصول الغروية : ٤٣.

١٥٦

بعد ما مرّ نقله :

« ثم على تقدير تحقق هذه الحقائق في الشرائع السابقة فهل هي بوضعه تعالى لها فيها ، أو بوضع أول نبي شرعت تلك الماهيات في شرعه ، أو بغلبة الاستعمال في لسانه ، أو لسان متابعيه ، أو الجميع » (١) انتهى.

وهذا لا يثبت بهذه الحجة ، إذ وجود هذه الماهيّات في لغة العرب لا يستلزم أن تكون أسماؤها عندهم تلك الأسماء الموضوعة لها في اللغة الأخرى ، هذه الفرس تديّن بدين العرب ، وللعبادات المقررة فيه كالصلاة والصوم ألفاظ في لغتهم (٢) غير تلك الألفاظ ، وقد عرفت سابقا معلومية لغات تلك الشرائع ، وأنّها غير هذه اللغات.

وقد ذكره أخوه ـ الجدّ ـ طاب ثراه هذا الوجه في عداد الوجوه الدالّة على ثبوت الحقيقة الشرعية ، وتنبّه لما يقرب من هذا الإشكال ، ودفعه بما ملخّصه : « أن العرب كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ ، ولذا وقع التعبير بها في الكتاب العزيز ، فكانت تلك الألفاظ معروفة عندهم وإن كان المعبّر عنها في أصل شرعهم من غير اللغة العربية » (٣).

وبالجملة يكفي فيما يرومه صاحب الفصول من كونها حقائق لغويّة وجودها في لغة العرب قبل زمان الشارع ، واستعماله لها في تلك المعاني من غير حاجة إلى كونها هي تلك الألفاظ الموجودة في أصل ذلك الشارع ، فتكون ألفاظا عربية أصلية لا عبرية دخيلة في لغة العرب.

هذا ، وثمرة النزاع تظهر في حمل ما ورد في كلام الشارع من هذه الألفاظ

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٤٣.

(٢) كما ترى أنّهم يقولون للصلاة ( نماز ) وللصوم ( روزه ) ونحو ذلك. ( مجد الدين )

(٣) هداية المسترشدين : ٩٨.

١٥٧

على معانيها الشرعية على القول بثبوت الحقيقة الشرعية (١) ، ولكنه يتوقف على ثبوت تأخّر الاستعمال عن الوضع ، ولا طريق إليه غالبا ، وأما الأصل فهو إمّا مثبت أو معارض.

( المشتق )

وهو كما في الفصول : « هو اللفظ المأخوذ من لفظ ويسمّى الأول فرعا ، والثاني أصلا ، ولا بدّ بينهما من مناسبة لتحقق الأخذ والاشتقاق.

وأقسامه ثلاثة لأن الفرع إمّا أن يشتمل على أصول حروف الأصل وترتيبه أولا ، والأول هو المشتق بالاشتقاق الصغير ، ويقال له : الأصغر أيضا والثاني إما أن يشتمل على حروف الأصل أولا ، والأول هو المشتق بالاشتقاق الكبير ، ويقال له : الصغير أيضا كجبذ وجذب ، والثاني هو المشتقّ بالاشتقاق الأكبر كثلم وثلب ، وحيث يطلق المشتق هنا فالمراد منه القسم الأول.

وحدّه : لفظ وافق أصلا بأصول حروفه ولو حكما مع مناسبة المعنى وموافقة الترتيب ـ إلى أن قال ـ وقولنا بأصول حروفه. احتراز عن المشتق بالاشتقاق الأكبر ، وعن دخول مثل الاستعمال (٢) والاستخراج حيث يتوافقان في الحروف الزوائد ، وعن خروج مثل الخروج والاستخراج حيث لا يتوافقان في الحروف الزوائد ، وقولنا : حكما. لدخول مثل ( قول ) و ( قال ) لأن الألف المقلوبة ، واو حكما ، وكذلك ( عد ) من ( وعد ) فإنّ الفاء المحذوفة بحكم المذكور ، وقولنا : مع مناسبة المعنى. احتراز عن مثل ( اضرب ) بمعنى ( أعرض ) بالنسبة إلى الضرب بمعناه المعروف ـ إلى أن قال ـ مع موافقة الترتيب احتراز عن المشتق بالاشتقاق

__________________

(١) وعلى معانيها اللغوية على القول بعدم ثبوتها ، لكن ذلك كلّه عند عدم القرينة. ( مجد الدين )

(٢) في المصدر : ( الاستعجال ).

١٥٨

الكبير ، فإنه وإن اشتمل على حروفه الأصلية لكنه لا يشتمل على ترتيبه ».

ثم قال رحمه الله : « ولا بدّ في الاشتقاق من تغيير في اللفظ تحقيقا للأصلية والفرعية ، والأخصر أن يقال : ليتحقق الأخذ ، وهو أعم من الحقيقي والحكمي ، فيدخل نحو ( فلك ) مفردا وجمعا » (١).

هذا ، وبيان المهمّ من مسائل هذا البحث يتم برسم أمور :

الأول : قد عرفت أنه لا بدّ في الاشتقاق من مبدأ وأصل ، وذلك المبدأ لا بدّ أن يكون كالطبيعة السارية في الأفراد موجودا بتمامه في تمام المشتقات ، ويكون تمايز أفراده بتمايز تشخّصاته الخارجة عنه ، ويكون مع كلّ فرد متلبّسا بصورته ، متشخصا بتشخصاته من غير أن يكون له تشخصا وصورة ، بل يكون قائما بحقيقة ووحدته النوعية أو الجنسية ، وإلاّ فلا يكون مبدأ ، بل يكون فردا كسائر الأفراد ، فالمصدر الّذي يقال إنّه المبدأ ليس موجودا في جميع المشتقات بما هو هو ، فلا يمكن أن يكون مبدأ لجميعها ، لا بحسب المعنى ، ولا بحسب اللفظ.

أما الأول ، فلأنّ المبدأ لا بدّ أن يكون معرّى عن الهيئة في مرحلة ذاته لكي يكون قابلا لأن تعتريه أيّ هيئة أريد اشتقاقها منه ، فهو كالهيولى التي لا صورة لها في حدّ ذاتها وإن احتاجت إليها في مرحلة فعليّتها ، أو كالقسم الّذي لا يمكن أن تكون له خصوصية في قبال سائر الأقسام ، وإلاّ كان قسما ، لا مقسما كالكلمة ، فإنها بذاتها ليست مشخّصة بتشخص أحد أقسامها الثلاثة ، وإلاّ كان أحدها ، ولا يتشخّص آخر في قبالها وإلاّ كان قسما رابعا لا مقسما ، بل هي في مرحلة ذاتها عريّة عن جميع الصور ، وتظهر مع كلّ من الاسم والفعل والحرف بصورته المختصة به.

إذا تقرّر ذلك ، نقول : إنّ المصدر له خصوصية زائدة على الذات كسائر

__________________

(١) الفصول الغروية : ٥٨ و ٥٩.

١٥٩

المشتقات ، فهو إذن يعدّ أحدها لا مبدأ لها ، اللهم إلاّ أن يعتبر في حدّ ذاته ، ويجرّد عن صورته ، ويكون بعد ذلك قابلا لأن تعتوره أيّ هيئة كانت من هيئات المشتقات ، ولكن هذا ليس بأمر يختص بالمصدر ، بل يشاركه فيه جميع المشتقات ، وما من مشتق إلاّ ويمكن اعتباره مبدأ لجميع المشتقات التي من بابه كذلك ، وذلك لأنّ كل شخص إذا جرّد عن تشخصه كان نوعا ، وإذا جرّد عنه النوع كان جنسا ، وهكذا هلمّ صاعدا إلى جنس الأجناس.

وبالجملة لا يمكن أن يكون المصدر مبدأ مع بقائه على صورته ، ويمكن ذلك مع تجريده عنها ، ولكنه لا يكون حينئذ مصدرا ، ويشاركه في ذلك جميع المشتقات التي من بابه.

وأما الثاني أعني عدم صلاحية المصدر لذلك بحسب اللفظ ، فلأنّ له أوضاعا نوعيّة ، وما له وضع نوعي لا يصلح لأن يكون أصلا ومبدأ.

أما الأول فلأنّ له أصنافا وأنواعا مختلفة ، وكل صنف ونوع منه مشتمل على أفراد متماثلة ، ولا يمكن ذلك عادة إلاّ بالوضع النوعيّ ، بل صرّح علماء العربية بقياسيّة عدّة منها ، كـ ( فعل ) للمصدر المعدّى الثلاثي ، وغيره ، ولا معنى لكونه قياسيّا إلاّ عدم توقفه على السماع في كل مادّة مادّة ، ولو كان شخصيّا ليتوقّف عليه فصحّته من غير سماع حتى في الجوامد كالتحجّر والتطيّن آية نوعيّة الأوضاع فيها.

وأما الثاني فلأنّ الوضع النوعيّ يحتاج إلى مبدأ سابق عليه إذ الواضع إذا وضع فعلا ـ مثلا ـ للماضي من كلّ مادة ، فلا بدّ أن تكون موادّ تلك الألفاظ ، وطبائع تلك المعاني معيّنة قبل ذلك ، وتكون مادّة كلّ لفظ بإزاء طبيعة معنى ، وهذا البرهان هو الّذي أحوجنا إلى الالتزام بأصل لزوم المادة في المشتقات ، ولولاه لكنّا في مندوحة من الالتزام به رأسا ، وذلك لأنه لمّا علمنا من تتبّع المشتقّات أنّ هيئة واحدة شخصيّة في موادّ لا تحصى كثرة تدل على الماضي مثلا ، والمضارع أو

١٦٠