وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

بقاعدة الوضع أو الطبع أن يستعمل اللفظ المفرد في غير معناه الأصلي إذا كان بينه وبين معناه الأصلي علاقة كذلك يجوز بالقاعدة المذكورة أن يستعمل اللفظ المركّب في غير معناه الأصلي إذا كان بينهما علاقة ، وإن لم يكن بين المفردات علاقة فالمركّب المستعمل في غير معناه الأصلي مجاز بالنسبة إلى وضع مفرداته ».

« فظهر أنه يكفي في مجازيّة المركّب استعماله في غير ما وضع له مفرداته ، كما أنّه يكفي في كونه حقيقة فيه استعمال مفرداته فيما وضعت بإزائه ».

« وأما ما التزموا به من أنّ المركّبات موضوعة بإزاء معانيها التركيبيّة بوضع مغاير لوضع مفرداتها ، ففساده ظاهر إذ بعد وضع المفردات أعني الطرفين والنسبة لا حاجة إلى وضع المركّب ، لحصول المقصود بدونه ، فإنّ وضع الطرفين لطرفي الحكم والنسبة اللفظية للنسبة الذهنية من حيث قصد مطابقتها للواقع وكشفها عنه كاف في إفادة ما هو المقصود قطعا ، فلا يبقى هناك حاجة تمسّ إلى وضع المركّب ».

« وأيضا لو كان المركّب من الطرفين والإسناد موضوعا بإزاء المركّب من مداليلها لدلّ كلّ جملة خبريّة بحسب وضعها على الإخبار بوقوع مدلولها مرّتين تارة تفصيلا كما ذكرناه ، وأخرى إجمالا لما ذكروه ، وعلى قياسها الجمل الإنشائية وغيرها ، وهذا ممّا لا يلتزم به ذو مسكة ».

« نعم لو قيل بأنّ الهيئة التركيبية أو ما يقوم مقامها موضوعة لمجرّد النسبة والربط والمجموع المركّب موضوع لإفادة مطابقتها للواقع لم يلزم منه المحذوران لكنه مع فساده في نفسه بشهادة الوجدان على خلافه ، ومخالفته لظاهر كلماتهم بل صريحها ، غير مجد في المقام إذ لم يقصدوا بالتجوّز في المركّب التجوّز في مثل هذا المعنى » (١).

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٢٧ ـ ٢٨.

١٢١

أقول : ما ذكره ـ طاب ثراه ـ من فساد القول بثبوت القول بثبوت الوضع للمركّبات حقّ لا شك فيه ، وإن أمكن القول بالوضع لها فإنما هو في المعاني التي تستفاد من الكلام ولا تقوم مفرداته بالدلالة عليها ، كالحصر المستفاد من تقديم الضمير على الفعل في قوله تعالى : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )(١) ونحو ذلك ممّا تكفّل علم المعاني بيانه ، وذلك بمعزل عما يرومه القائل بثبوت المجاز المركّب.

نعم ما وضعت المفردات إلاّ لأن يتركّب منها الكلام ، وتفيد فائدة تامة في ضمنه ، كما أنّ حروف الهجاء ما عيّنت إلاّ لأن تتركب منها الكلمات ، ولكن أين يقع هذا مما يرومه هذا القائل من إثبات الوضع للمركّبات وضعا مستقلا مباينا لوضع مفرداته بحيث تكون نسبة الكلمات إلى المركّب كنسبة حروف الهجاء إليها.

وما ذكره من توجيه هذا القول في قوله : « نعم ، لو قيل .... » إلى آخره ، فيردّه ـ زيادة على ما قرره في تضعيفه ـ أنّ الألفاظ لم توضع إلاّ لبيان ما يريد المتكلم إفهامه المخاطب حقّا كان أم باطلا ، صدقا كان أم كذبا ، وليس في وسعها بيان مطابقة الواقع ، وإنما ذلك وظيفة أمور اخر خارجة عنها من العلم بتحرّز المتكلّم عن الكذب وعدم اتّهامه بالخطإ فيما يخبر عنه ، وقد سبق بيان ذلك مفصّلا في بحث الاستعمال.

وأما ما ذكره قبل ذلك لتصوير المجاز في المركّب فغامض جدّاً ، بل لا أعرف لظاهره وجها أصلا ، إذ ليس المركّب إلاّ مجموع تلك المفردات بعينها ، ولا وجود له وجودا مستقلا عنها كما اعترف به في قوله : « فإنّ كلّ مفرد من المفردات ... » إلى آخره ، فإذا انتفى الوضع انتفى الاستعمال لأنه فرع الوضع ، وليس وراء المفردات شيء آخر حتى يستعمل في معنى آخر ، فإذا قلت : زيد قائم ـ مثلا ـ فكلّ من المسند والمسند إليه يدلّ بحكم الوضع على معناه ويدل النسبة اللفظية

__________________

(١) الفاتحة : ٥.

١٢٢

على اتّصاف زيد بالقيام ، وليس هناك شيء آخر كي يدلّ على معنى آخر ويستعمل فيه.

وعليه فقس المثال الّذي ذكره ، وسائر أمثلة الباب ، كقولهم : يد تجرح ويد تأسو (١).

ومن المحال أن تدلّ هاتان الجملتان على غير ما تدلّ عليه مفرداتها.

وأعجب من ذلك قوله ـ بعد عدة سطور ـ : « بل التحقيق أنّ مفردات المجاز المركّب غير مستعملة في شيء من معانيها الحقيقة ولا المجازية ، وإنما المستعمل هو المجموع » (٢).

ولازم ذلك ـ فيما أرى ـ أن تلغو الجملة رأسا ، ولا يكون لها معنى أصلا ، لأن المعنى فرع الاستعمال ، والاستعمال فرع الوضع ـ كما عرفت ـ والمفردات التي لها وضع لا استعمال لها ، والمستعمل أعني المركّب لا وضع له ، فالمستعمل غير موضوع ، والموضوع غير مستعمل.

ولو سلّم ما تقدم من قوله : « إنه يكفي في وضع المركب وضع مفرداته » فلا يكفي في إفادة المعنى مع عدم استعمال مفرداته كما يظهر بالتأمل.

وقال ـ طاب ثراه ـ في بحث الكناية : « إنه ليس شيء من مفرداته مستعملا حينئذ ، وإنما لوحظ معانيها واستعمل المجموع » (٣).

وظاهر أنّ مجرّد اللحاظ لا يكفي في إفادة المعنى ما لم يقصد به إفهام المخاطب ، ومع هذا القصد يتحقق الاستعمال.

وبالجملة لا بدّ ـ إذن ـ من الالتزام باستعمالها إمّا في معانيها الحقيقة كما

__________________

(١) آسى الجرح : داواه. ( منه ).

(٢) الفصول الغرويّة : ٢٨.

(٣) الفصول الغرويّة : ٢٨.

١٢٣

نقله عن التفتازاني (١) ، أو في معانيها المجازية كما نقله عن بعض الناس (٢).

هذا ، على أنه لا معنى للاستعمال إلاّ إرادة الإفهام كما بيّناه سابقا ، ومن الواضح أنّ المتكلم بالمثالين المتقدمين يريد إفهام مخاطبه معنى التقدّم والتأخّر للرجلين ، واختلاف فعل اليدين.

وبالجملة فمرامه ـ طاب ثراه ـ في هذا المقام ملتبس علي جدّاً ، وليس مثلي من يسرع في الاعتراض على مثله ، وقد نقلت كلامه بنصّه طمعا في أن يظهر للناظر الفطن في هذا الكتاب ما خفي علي من الصواب.

وأنت ـ رعاك الله ـ إذا راعيت الأصلين السابقين ، وسرت على منهاجهما الواضح ، رفعت لك أعلام الحقيقة ، وظهر لك أنّ الحال في مركّب المجاز كالحال في مفرده ، وأنّ ألفاظه مستعملة ولم تستعمل إلاّ فيما وضعت له ، وأنّ المتكلّم به لا يريد بالإرادة الاستعمالية إلاّ إفهام المخاطب تلك المعاني الأصلية التي وضعت لها الألفاظ.

وأما إفهامه التردّد في المثال الأول فهو الغرض الداعي إلى الاستعمال وإلى إفهامه هذه الجملة لا أنه المستعمل فيه ، والبعد بين الغرض الداعي إلى التكلّم وبين معنى الكلام بعد شاسع وشوط بطين (٣) ، فمن وعدك بجبّة إذا دخل الشتاء ، وبممطرة إذا مطرت السماء تقول له : جاء الشتاء وجادت السماء ، وليس معنى هذين الإخبارين إنشاء : أعطني جبّة وممطرة ، بل تخبره بهما ليتذكر الوعد فينجزهما لك.

وإذا تأمّلت المحاورات العرفية ظهر لك أنّ الكثير منها ـ إن لم تكن الأكثر ـ من هذا النمط ، بل ربّما ترتّبت الأغراض ، وتسلسلت الدواعي ، وتكثّرت

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٢٨.

(٢) الفصول الغرويّة : ٢٨.

(٣) البطين بمعنى : البعيد. ( منه ). وانظر لسان العرب ١٣ : ٥٧.

١٢٤

الوسائط بين ما يتكلّم به وبين الغرض الأصلي من التكلم.

وبهذا يظهر لك مواقع النّظر في كلام الجدّ الأعظم ـ قدّس سرّه ـ حيث قال في أثناء كلام له ، وهذا لفظه :

« هذا إذا كان المقصود إسناد تلك المحمولات إلى موضوعاتها على سبيل الحقيقة ، وأما إذا لم يكن إسنادها إلى موضوعاتها مقصودا في ذلك المقام ، بل كان المقصود بيان ما يلزم ذلك من التخضّع ونحوه كقولك : أنا عبدك وأنا مملوكك. فلا ريب إذن في الخروج عن مقتضى الوضع إذ ليس المقصود في المقام بيان ما تعطيه [ من ] (١) معاني المفردات بحسب أوضاعها ، فحينئذ يمكن التزام التجوّز في المفردات كأن يراد بعبدك أو مملوكك لازمه ، أو في المركّب بأن يراد من الحكم بثبوت النسبة المذكورة لازمها ، وعلى كل حال فالتجوّز حاصل هناك » (٢) انتهى.

وقد عرفت الفرق بين المقصود من التكلّم ، وبين المقصود من الكلام ، وبين الاستعمال وبين الداعي إليه ، والتخضّع هو الداعي إلى أن يقول لمن يريد الخضوع له : أنا عبدك ، لا أنه معنى للكلام ، ويقوله هذا كما يقوله المملوك واقعا من غير فرق من جهة الاستعمال أصلا.

ومثله الجمل التي تستعمل في مقام التخويف والتهديد والمدح والدعاء وغير ذلك ممّا لا يدع وضوح الأمر فيها سبيلا إلى تعداد الأمثلة لها.

ومن هذا القبيل الجمل الخبرية التي تورد في مقام الطلب فهي مستعملة في معانيها ، لكن لا بداعي الاعلام بل بداعي البعث بنحو آكد كما بيّنه الأستاذ في الكفاية (٣) وأحسن ما شاء ، بل وكذلك جميع الجمل الخبرية التي لا يراد منها

__________________

(١) الزيادة من المصدر.

(٢) هداية المسترشدين : ٣٥.

(٣) كفاية الأصول : ٧٠ ـ ٧١.

١٢٥

الإخبار ، لا كما زعمه التفتازاني في شرح التلخيص (١) ، وحروف الاستفهام الواردة لغير طلب الفهم كالتقرير والتوبيخ والإنكار ، وليس كما زعمه صاحب مغني اللبيب (٢).

فقال : « قد تخرج الهمزة من معناه الحقيقي فترد لثمانية أوجه » (٣).

ومن المضحك عدّه الاستبطاء منها ، وتمثيله له بقوله تعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ )(٤) (٥) إذ من الواضح أنّ ليس معنى الهمزة وحدها ، بل هو معنى حرف الاستفهام الوارد على حرف الجحد ، الداخل على فعل يدلّ بمادته على القرب.

فإذا كان جميع ذلك معنى الهمزة فما ذا حبسه عن الجري على ذلك إلى آخر الآية ، ويجعل معنى الهمزة استبطاء خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى؟ وبالجملة جميع ذلك وأشباهه الكثيرة قد نشأ عن الخلط بين الداعي إلى الاستعمال وبين نفس الاستعمال.

__________________

(١) انظر المطوّل : ٤٣.

(٢) هو الأستاذ جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام المصري الأنصاري الحنبلي النحوي المشتهر بـ ( ابن هشام ) صاحب كتاب مغني اللبيب المتداول بين أهل العلم في هذا الزمان المشتمل على ثمانية أبواب ، ولقد قال في وصف هذا الكتاب أحد الشعراء قصيدة بليغة لا مجال لنا في ذكرها بتمامها منها هذا [ البيت ] :

وما هي إلاّ جنّة قد تزخرفت

ألم تنظر الأبواب منها ثمانية

ولد في ذي القعدة سنة (٧٠٨) وتوفّي في ذي القعدة سنة (٧٦١) فكان عمره ثلاث وخمسين سنة.

( مجد الدين )

(٣) مغني اللبيب ١ : ٢٤.

(٤) الحديد : ١٦.

(٥) مغني اللبيب ١ : ٢٧.

١٢٦

وإذا كان في الأنابيب حيف

وقع الطيش في صدور الصعاد (١)

( المجاز في الإسناد )

ويسمّى مجازا عقليّا ، ومجازا حكميّا (٢) ، ومجازا في الإثبات. وقالوا في حدّه : إنه إسناد الفعل أو ما هو بمعناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأوّل ، وجعلوا منه قولهم : فتح الأمير البلد ، وهزم (٣) الجند ، وضربه التأديب ، وسرّتني رؤيتك ، وكذا قول الموحد : شفى الطبيب المريض ، وأنبت الربيع البقل ، لأنّ شفاء المريض وإنبات البقل من فعل الله تعالى ، فيقوله الموحّد بتأوّل ، بخلاف الجاهل لأنه يعتقد ظاهر النسبة فلا تأوّل فيه ، إلى غير ذلك من الأمثلة التي تجدها في كتب علماء البلاغة والأصول.

وقد بالغوا في أمر هذا المجاز ، وحكموا بأنه كثير في القرآن الكريم ، وعدّوا منه قوله تعالى : ( وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ) (٤) وقوله تعالى : ( يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ) (٥) ( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) (٦) ( يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ ) (٧) قالوا : لأنّ زيادة الإيمان وجعل الولدان شيبا ، وإخراج أثقال الأرض من فعل

__________________

(١) البيت من قصيدة لأبي الطيّب المتنبي ، انظر ديوانه ج ٢ ص ٣٤ وفيه : خلف ، بدل حيف.

(٢) بضم الأوّل وسكون الثاني وكسر الثالث وتشديد الرابع ، منسوبة إلى الحكم أي مجازا في الحكم. وقيل : بكسر الحاء منسوبة إلى الحكمة. أمّا بفتح الأوّل والثاني وكسر الثالث وتشديد الرابع منسوبة إلى الحكيم فلا مناسبة لها في هذا المقام إلاّ ببعض التأويلات التي لا يقبلها إلاّ ذوو الأسقام.

( مجد الدين ).

(٣) بصيغة المعلوم ، أي : هزم الأمير الجند.

(٤) الأنفال : ٢.

(٥) المزمل : ١٧.

(٦) الزلزلة : ٢.

(٧) القصص : ٤.

١٢٧

الله تعالى ، وقد نسبت إلى الآيات والزمان والأرض ، وذبح الأبناء من فعل جيش فرعون وقد نسب إليه (١).

أقول : ليس في جميع هذه الأمثلة وأمثالها إسناد إلى غير ما هو له حتى يلزم هذا المجاز ، بل الإسناد فيها إلى ما هو له حقيقة ، ولكن الاختلاف في جهات الإسناد وأقسامه ، ولكلّ انتساب إلى الفعل حقيقة ولكن بجهة تخالف جهة الآخر ، فإذا أساء الأدب رجل بحضرة الملك ، فأمر الشرطي بقتله فضرب رقبته بالسيف ، فلهذا القتل استناد إلى كلّ من الملك والشرطي والسيف وسوء الأدب ، فيصحّ أن يقال : قتله الملك ، وقتله الشرطي ، وقتله السيف ، وقتله سوء أدبه ، وكلّ جهة من هذه الجهات نسبة حقيقية ، وليست إحدى تلك الجهات أحقّ من غيرها بالحقيقة ، فتخصيص إحداها بها حيف في الحكم ، وترجيح بلا مرجّح ، بل قد يسند الفعل إلى الله تعالى ، لأنه يقع بعلمه وإرادته وقضائه ومشيئته.

وكذا الحال في قول القائل : أنبت الله البقل ، أو أنبت الربيع البقل ، فكلّ من نسبتي الإنبات نسبة حقيقية من غير فرق بين صدوره من المؤمن أو المعطّل ، وإنما الفرق خطأ المعطّل في تعطيله الجهة الإلهيّة ، وزعمه أنّ نسبة الخلق والإيجاد إلى الربيع.

وكما تصح النسبة الحقيقية إلى الربيع كذلك تصحّ نسبة الإنبات إلى الماء والتراب والزارع والآمر به ، ولقد خالطت هذا لخبط نزغات أشعرية ، ومزج لقواعد العربية بدقائق مسائل كلاميّة.

فقالوا في مثل قول القائل : سرّتني رؤيتك ، إنّ المعنى سرّني الله عند رؤيتك ، وفي قول الشاعر :

يزيدك وجهه حسنا

إذا ما زدته نظرا

__________________

(١) أي إلى فرعون.

١٢٨

إنّ المعنى يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه فيه من دقائق الحسن والجمال ، وقالوا بمثل ذلك في الآيات السابقة لزعمهم أنّ زيادة الإيمان ، وجعل الولدان شيبا ، وإخراج أثقال الأرض من فعل الله سبحانه ، وقد نسبت إلى الآيات والزمان والأرض ، وحكموا في قولهم : أنبت الربيع البقل. بالتفصيل بين أن يكون القائل مؤمنا أو معطّلا ـ كما سبق ـ وتوقّفوا في قول الشاعر :

أشاب الصغير وأفنى الكبير

كرّ الغداة ومرّ العشيّ

حتى يعلم معتقد القائل ، فهو مجاز عقلي إن علم أو ظنّ أنّ قائله لم يعتقد ظاهره ، وما دعاهم إلى هذه التكلّفات إلاّ زعمهم أنّ نسبة التأثير في الوجود إلى غيره تعالى ينافي التوحيد ، ولو بني على هذا الاعتقاد وعلى منافاته للقواعد اللفظيّة ، لم تبق نسبة حقيقية بين موضوع ومحمول قطّ إلاّ ما شذّ.

ولكن عهدي بأهل التحقيق منهم وهم يفرّقون بين الخالق للفعل وبين من نسب الفعل إليه.

وإذا اعترض عليهم خصمهم بأنّ لازم معتقدكم صحة اشتقاق اسم الفاعل من الزنا والسرقة لله ـ تعالى الله عن ذلك ـ أجابوا بأنّ الفاعل العبد وهو ـ سبحانه ـ خالق لفعل العبد ، فهلا جروا على هذه السنّة وقالوا : إن الله تعالى خالق زيادة الحسن ، وتركوا نسبتها إلى الوجه على حالها ، ولم يخلقوا بهذا الاختلاق ديباجة حسنة ، إذ نسبة زيادة الحسن إلى الوجه هي الوجه في زيادة حسن البيت ، وما هذا التأويل البارد سوى معول يهدم به بنيان حسنه وأساس رونقه ، وهب تأتي لهم هذا التكلّف في قوله : أشاب الصغير ( البيت ) والقول بأنّ المراد أشاب الله هذا ، وأفنى ذاك ، فما ذا يكون قولهم في مثل « فلان خانه الدهر » و « غدر به الزمان » و « ظلمته الأيام » فهل يحكم بالغلط في هذه الاستعمالات أديب أو يتجاسر على أن يفوه بتلك المقالة من له من الدين أقلّ نصيب؟.

وقد أنكر السكاكي هذا النوع من المجاز ، وجعله من قبيل الاستعارة

١٢٩

بالكناية على مذهبه ولكن وقع فيما هو أدهى وأمرّ ، فإنه قال ـ على ما في التلخيص وشرحه ـ : إنّ المراد بالربيع الفاعل الحقيقي للإنبات يعني القادر المختار بقرينة نسبة الإنبات إليه (١) ، وردّه في التلخيص (٢) (٣) بوجوه :

منها : أنّ لازم ذلك أن يتوقف نحو أنبت الربيع البقل على السمع لأن أسماء الله تعالى توقيفيّة ، مع أنّ هذا الاستعمال صحيح شائع ، ورد في الشرع أم لا (٤).

ولقد أكثر العلماء من الردّ على هذا القول والاعتراض عليه ، ومن الانتقاد والانتصار له ، والتعرض لذلك خروج عن موضوع الرسالة بأكثر ممّا يسمح به الاستطراد.

ويكفي ـ فيما أرى ـ ردّا عليه انّ إطلاق الربيع في مثل المقام على ذلك المقام الرفيع سمج قبيح ، لا يقبله الذوق الصحيح بأيّ وجه كان ، مجازا كان أم حقيقة ، كناية أم استعارة من غير فرق بين أن تكون أسماؤه تعالى توقيفيّة أم قياسيّة.

__________________

(١) تلخيص المفتاح بشرح المختصر للتفتازاني : ٥٩.

(٢) وهو ملخّص القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي. ( مجد الدين ).

(٣) وهذا الكتاب للإمام العلاّمة أبي المعالي قاضي القضاة محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد العجلي جلال الدين القزويني الشافعي المشتهر بالخطيب الدمشقي.

هذا ، وذلك الكتاب مشهور بين الأنام ، ومعتبر عند الأعلام ، وشرحه المولى الإمام مسعود بن عمر ابن عبد الله التفتازاني الشافعي الخراسانيّ المعروف بـ ( العلاّمة التفتازاني ) ـ المتولّد سنة (٧١٢) وقيل : سنة (٧٢٢) المتوفّى سنة ٧٩٢ ـ بشرحين معروفين المشتهر أحدهما بـ ( المطوّل ) وثانيهما بـ ( المختصر ).

هذا ، وولد الخطيب سنة (٦٦٦) وتوفّي سنة (٧٣٩) فكان عمره ثلاث وسبعين سنة.

( مجد الدين )

(٤) تلخيص المفتاح بشرح المختصر للتفتازاني : ٦٠.

١٣٠

وكما يقال : أنبت الربيع البقل ، يقال : صوّحه (١) الخريف ، وأذاب الصيف الثلج ، فهل يخصّص السكاكي مقالته بالمثال من غير مخصّص ، أم يجري طلق العنان في المثالين وفيما لا تحصى من أمثالهما ، ولا يبالي بما يصيبه من أهل الأدب والآداب؟.

والعجب من العلاّمة صاحب الفصول حيث وقع في مثل ما وقع فيه السكاكي ، فقال وهذا لفظه : « اعلم أنّ في مثل قولهم : أنبت الربيع البقل وجوها :

أحدها : أن ينزّل الربيع منزلة الفاعل ، ويدلّ عليه بإثبات بعض لوازمه من إسناد الإنبات إليه فيكون الربيع حينئذ استعارة بالكناية فيكون الإنبات أو إسناده إليه استعارة تخييليّة ، ولا تجوّز حينئذ فيه ، أمّا في طرفي الإسناد فظاهر ، وأمّا في الإسناد فلأنّ المراد منه معناه الحقيقي على ما مرّ ، ولا يلزم الكذب لابتنائه على التأويل في أحد طرفيه ، بخلاف الكذب فإنه لا يبتنى على التأويل.

الثاني : أن يكون إسناد الإنبات إليه مبنيّا على دعوى كونه فاعلا له نظرا إلى كونه سببا إعداديّا له ، فحينئذ يكون المجاز عقليّا حيث أعطي ما ليس بفاعل حكم الفاعل وأثره ، وأقيم مقامه.

والفرق بين هذا الوجه والوجه المتقدم أنه لا تأويل هنا في نفس الربيع بخلاف الوجه السابق.

الثالث : أن ينزل تسبّبه الإعدادي منزلة التسبّب الفاعلي فيعبّر عنه باللفظ الدالّ عليه ، وحينئذ يكون الإسناد مجازا لغويّا لأنه غير موضوع في مثل أنبت ، للتعلّق بالسبب الإعدادي ، بل الفاعلي ـ ثم قال ـ : هكذا ينبغي تحقيق المقام » (٢).

__________________

(١) تصوّح البقل إذا يبس. الصحاح ١ : ٣٨٤ ، القاموس المحيط ١ : ٢٣٥ ( صوح ).

(٢) الفصول الغرويّة : ٢٩.

١٣١

وأقول (١) والأجدر بأن يكون تحقيقا للمقام أن يقال ـ وهو فذلكة جميع ما تقدّم ـ : إنّ جهات النسبة مختلفة ، ولكلّ فعل عدّة منها ، والهيئة الدالّة على النسبة لم توضع لواحدة معيّنة منها ، بل هي موضوعة للجميع على سبيل الاشتراك المعنوي ، وتعيين تلك الجهة موكولة إلى مناسبة الحكم والموضوع ، أو سائر القرائن الخارجيّة ، فربّما اتّضح وجه النسبة كقولك : خلقه الله ، وربّما خفي الوجه كقولك : قتله الملك ، فإنه يصحّ السؤال هل قتله بأمره ، أو باشر قتله بيده؟

فإذا أمر الطيب المريض بشرب الدواء فشربه وأبلّ (٢) من الداء يصحّ أن ينسب الشفاء إلى الله تعالى ، وإلى الطبيب ، وإلى الدواء ، فيقال : شفاه الله ، وشفاه الطبيب ، وشفاه الدواء ، والكلّ نسبة حقيقية على اختلاف جهاتها.

ويؤيد ما نقول ترتّب الأثر شرعا وعرفا على كلّ من السبب والمباشر.

ومن هذا الباب ما يذكره الفقهاء في أبواب الضمان والقصاص وغيرهما من تقديم الأقوى من السبب والمباشر تارة ، أو تضمينهما معا تارة أخرى ، ولو لا أنّ النسبة حقيقية لما كان وجه لترتيب الأثر على غير المباشر إذ النسبة المجازيّة لا يترتب عليها أثر قطعا ، فتأمّل.

فعلى ما حقّقناه نسبة الإثبات إلى الربيع حقيقة بلا احتياج إلى هذه الوجوه التي فيها مواقع للنظر لا تخفى على أهله.

__________________

(١) لا يقال : إنّ ملاحظة جميع كلامه في هذا المقام يعطي أنه لا فرق بين المباشرة وغيرها من الأسباب ، وسيأتي في أواخر مسألة اعتبار المباشرة ما يخالفه.

لأنّا نقول : إنّ كلامه هنا لا يعطي إلاّ عدم الفرق بين المباشرة وغيرها في أنّ كلا منهما نسبة حقيقيّة ، وما في أواخر مسألة اعتبار المباشرة غير مناف لهذا.

على أنّ ما في أواخر المسألة المذكورة حكم صورة الشك ، فلا اختلاف بين الكلامين ، فتأمّل

( مجد الدين )

(٢) البلّ بالكسر : الشفاء. الصحاح ٤ : ١٦٣٩ ، القاموس المحيط ٣ : ٣٣٧ ( بلل ).

١٣٢

نعم قد يجري في الإسناد نظير ما يجري في المفرد والمركّب من المخالفة بين الإرادة الجدّية والاستعمالية ، والاختلاف بين الداعي إلى التكلّم وإلى المقصود من الكلام ، كقولك لبخيل خامل متهكّما به : أنت الّذي أطعمت الوفد وبلغت ذروة المجد.

وبما قرّرناه في المجازين السابقين تظهر لك الحقيقة ، وقد أدّينا الواجب من البيان فلا يلزمنا الإعادة.

هذا ، وقد يعدّ من قبيل هذا المجاز مثل قوله تعالى : ( فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ )(١) وقولهم : نهاره صائم ، وليله قائم وشعر شاعر وظلّ ظليل ، وغير ذلك ، ولكن ليس جميع ذلك ـ فيما أرى ـ من باب واحد ، بل لكلّ وجه ، بل وجوه في قواعد العربية ، ومخارج في فنون البلاغة ، وبيانها يفضي إلى الإطالة ، والإطالة مظنة الملالة.

( مجاز الحذف )

عدّوا منه قوله تعالى : ( وَجاءَ رَبُّكَ )(٢)( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ )(٣) وقالوا : إن التقدير : جاء أمر ربك ، وسئل أهل القرية ، وربّما يعدّان من باب المجاز في الإسناد.

أقول : لا ينكر أمر الحذف كأخويه : الإضمار والتقدير ، وكثرته في اللغة ، ولكن عمدة البلاغة الموجودة في الآيتين الكريمتين قائمة بإبقائهما على ظاهرهما من نسبة المجيء والسؤال بالإرادة الاستعمالية إلى الله تعالى ، وإلى القرية ، إذ

__________________

(١) الحاقة : ٢١.

(٢) الفجر : ٢٢.

(٣) يوسف : ٨٢.

١٣٣

الّذي يحكم الشرع والعقل بامتناعه هو نسبة المجيء إليه سبحانه بالإرادة الجدّية لا الاستعمالية ، ولهذا لو ذكر هذا المحذوف وقيل : جاء أمر ربك ، فقد من الكلام جانب من حسنه ، ولم يناسب عطف الملك (١) عليه.

والظاهر أن أكثر الألفاظ التي ورد في الشرع إطلاقها عليه تعالى ممّا لا يليق بمقدّس ذاته من هذا القبيل ، وما وقعت المجسّمة والمشبّهة فيما وقعوا فيه ، إلاّ لجهلهم بالفرق بين الإرادتين.

وكذلك سؤال القرية فإنّ سؤال الجماد محال واقعا لا استعمالا ، ولا زالت العرب تخاطب الربوع (٢) والديار ، وتكثر من سؤال الأطلال (٣) والآثار وهي قفر ليس فيها ديار ، والقرآن الكريم نزل على محاورات العرب ، فإذا كان هذا دأبهم في موارد لا يمكن فيها تقدير الإرادة الجدّية والسؤال الحقيقي ، فكيف في هذه الآية وما يجري مجراها ، والقرية مأهولة عامرة! نعم في مثل جرى النهر والميزاب يحتمل كلّ من الحذف والاستعمال على هذا النمط ، والثاني هو الأولى ، وأما احتمال المجاز في الكلمة بأن يكون المراد من النهر والميزاب الماء بعلاقة الحالّ والمحلّ فقبيح لا يقبله الذوق الصحيح.

هذا ، والوجه في عدّ هذا الباب من أقسام المجاز لا يخلو عن خفاء ، إذ ليس فيه استعمال في غير ما وضع له لأنّ المفروض في قوله تعالى : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ )(٤) أنّ المفردات مستعملة في معانيها ، وإلاّ كان المجاز في المفرد ، وكذلك المركّب ـ على القول بالوضع له ـ وإلاّ كان المجاز فيه ، وهكذا النسبة وإلاّ كان المجاز فيها ، فإذن لا فرق بينه وبين سائر الكلام إلاّ حذف بعض ألفاظ الجملة ،

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى : ( وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) الفجر : ٢٢.

(٢) الربوع جمع الرّبع : الدار بعينها حيث كانت. الصحاح ٣ : ١٢١١ ( ربع ).

(٣) أطلال جمع طلل : ما شخص من آثار الدار. الصحاح ٥ : ١٧٥٢ ( طلل ).

(٤) يوسف : ٨٢.

١٣٤

ذلك الأمر الشائع في موارد لا تحصى كثرة ، فمجاز الحذف لا يجري على الاصطلاح في المجاز ، بحيث يعدّ قسيما للأقسام المتقدّمة ، إلاّ أن يكون مجازا في لفظ المجاز.

( إطلاق اللفظ على اللفظ )

قال في الفصول ما لفظه : « قد يطلق اللفظ ويراد به نوعه مطلقا أو مقيّدا كما يقال : ( ضرب ) موضوع لكذا ، أو فعل ، أو أنه في قولك : زيد ضرب. خبر إذا لم يقصد به شخص القول ، وقد يطلق ويراد به فرد مثله كقولك : زيد ـ في قولك : ضرب زيد ـ فاعل إذا أريد به شخص القول ، وربّما يرجع هذا ـ كسابقه ـ إلى القسم الأول إذا كانت الخصوصية مستفادة من خارج ».

« وأما لو أطلق وأريد به شخص نفسه كقولك : زيد لفظ ، إذا أردت به شخصه ففي صحّته بدون تأويل نظر لاستلزامه اتّحاد الدالّ والمدلول ، أو تركيب القضية من جزءين مع عدم مساعدة الاستعمال عليه » (١).

أقول : وبالتأمل فيما سبق في أصلي الوضع والاستعمال يظهر أنّ هذا الإطلاق ليس على نحو الاستعمال أصلا ، وذلك لأن الوضع هو تعهّد الاستعمالات بمعنى تعهّد المتكلّم بأنه لا ينطق بلفظ زيد قائم ـ مثلا ـ إلاّ إذا أراد إثبات صفة القيام لهذا الشخص ، وبعبارة أخرى : لا يسمعه اللفظ إلاّ إذا أراد إفهام شيء آخر ، وبعبارة ثالثة : يحكم على اللفظ ويحكم به لا بما هو لفظ ، بل بما هو مرآة للغير.

فإذا أراد به إثبات تلك الصفة له فقد حصل الاستعمال وتمت الدلالة بواسطة الوضع.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٢٢.

١٣٥

وأما إذا قال : زيد موضوع أو ثلاثي ، فإنه لا يريد بلفظ زيد إفهام شيء به ليتحقق الاستعمال ، بل يريد إفهام نفسه ، ولا الحكم على شيء بواسطة اللفظ ، بل يريد أن يحكم عليه بذاته.

وبالجملة ، اللفظ قد يلاحظ بما هو حاك للشيء ، وكاشف عنه من غير نظر إلى ذاته أصلا ، ولا داع للتلفظ به إلاّ إراءة الغير ، وهذا مرحلة استعماله ، وهو في هذه المرحلة ليس بمحكوم ولا بمحكوم عليه بحسب الواقع ، وإنما الحكم لذلك الغير.

وقد يلاحظ بما هو لفظ فيحكم عليه بما هو من صفاته كقولك : زيد موضوع وثلاثي ، وهو في هذا الحال ليس بمستعمل أصلا ، ولا يحتاج إلى الوضع أيضا إذ الوضع إنّما يحتاج إليه لدلالة شيء على شيء آخر ، ولا دلالة هنا ، ولا استعمال ، ولا وضع ، وما هو إلاّ كالمرآة قد يلاحظ بلحاظ حكايتها عن ما يرى فيها فيترتب عليها أحكام المرئي فيقال : هذا زيد ، وهذا عمرو ، وقد ينظر إليها بذاتها فتنسب إليها صفاتها فيقال : هي صافية أو هي ثمينة ، وهذا كله تطويل ألجأنا إليه حبّ إيضاح الحقّ ، وإلاّ فمن الواضح لدى الفطن اللبيب استحالة اتحاد المستعمل والمستعمل فيه ، ضرورة أنّ الحاكي غير المحكيّ ، والدالّ غير المدلول ، ولا يرفع هذا الخرق بما ذكره الأستاذ ـ طاب ثراه ـ في الكفاية في تصحيح الاستعمال في القسم الثالث من قوله :

« يكفي تعدّد الدال والمدلول اعتبارا وإن كانا متحدين ذاتا فمن حيث إنه لفظ صادر عن لافظه كان دالا ، ومن حيث إنّ نفسه وشخصه مراده كان مدلولا » (١) انتهى.

وذلك لأن المدلول من حيث إنّه مدلول مقدّم رتبة على الدالّ فلا يعقل

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٤ ـ ١٥.

١٣٦

إيجاد المدلول بنفس الدالّ عليه كما يظهر بالتأمل ، وهذا المحذور أعني اتّحاد الدالّ والمدلول لا يختص بهذا القسم ، بل يعم الأقسام الثلاثة ، ولا مناص عنه إلاّ بما قلناه من أنّ ذلك ليس من باب الاستعمال ، ولقد ألمّ به هذا الأستاذ في قوله ـ بعد العبارة المتقدم نقلها ـ :

« مع أنّ حديث تركّب القضية من جزءين ـ لو لا اعتبار الدلالة في البين ـ إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه وإلاّ كان أجزاؤها الثلاثة تامة ، وكان المحمول [ فيها ] (١) منتسبا إلى شخص اللفظ ونفسه ، غاية الأمر أنه نفس الموضوع لا الحاكي عنه ، فافهم فإنه لا يخلو عن دقّة ».

« وعلى هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشيء ، بل يمكن أن يقال : إنه ليس أيضا من هذا الباب ما إذا أطلق اللفظ وأريد به نوعه أو صنفه ، فإنه فرده ومصداقه حقيقة ، لا لفظه وذاك معناه كي يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى ، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا قد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك ، وقد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلا ، لا لفظه ، كما لا يخفى ، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى ، بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلّي اللفظ لا بما هو خصوص جزئيّة » (٢). انتهى.

ولقد أحسن كلّ الإحسان ، وليته قطع عليه ولم يذكر بعده ما يوهم إمكان الاستعمال على هذا النحو ، ولم يقل قبل هذا البحث : « إنّ صحة استعمال اللفظ في نوعه أو في مثله بالطبع » (٣).

وبالجملة ، فكلّ من لفظي ( زيد ) و ( ضرب ) في قولك : زيد ثلاثي ، وضرب فعل ماض ، موضوع محكوم عليه بلا احتياج إلى كاشف عنه لظهوره كالمرآة

__________________

(١) الزيادة من المصدر.

(٢) كفاية الأصول : ١٥.

(٣) كفاية الأصول : ١٤.

١٣٧

التي لا تحتاج في ملاحظة حسنها وصفائها إلى مرآة أخرى ، فإن شئت تكلّفت وقدرت وقلت : لفظ ( زيد ) ثلاثي ، ولفظ ( ضرب ) موضوع لكذا ، وإن شئت تركت الجملة على حالها لظهور المراد منها.

وعلى أيّ حال ، ليس المراد منها أن لفظ ( ضرب ) فعل بالحمل الشائع ليتّجه الاعتراض بأنه ليس بفعل في هذا المقام قطعا وإلاّ لما صحّ الإخبار عنه ، ويلتجأ إلى أنه مستعمل في جنسه أو نوعه ، بل المراد ما عرفت ، وبالله التوفيق.

ومن ذلك يظهر ما في باقي كلام صاحب الفصول ـ طاب ثراه ـ ممّا تركنا نقله بلفظه مخافة التطويل ، وحاصله : « البحث عن الوجه في هذه الدلالة ، واختياره أنّها بالقرينة بعد استدلاله على أنه لا يمكن أن تكون وضعيّة ولا طبعيّة ولا عقلية ، وحكمه بخروج هذا الاستعمال عن حدّي الحقيقة والمجاز » فراجع (١) كلامه إن شئت وإن كنت في غنى عن هذه التكلّفات بما عرّفناك.

ومن الطريف ما نقله عن التفتازاني من أنّ هذه الدلالة نشأت من الاصطلاح والاتفاق حيث جرت طريقتهم على إطلاق اللفظ وإرادة نفسها (٢) ، فتأمل فيه فإنه من العجائب.

( الحكاية )

قد يتوهّم أنّ الجملة المحكية بألفاظها لا استعمال لمفرداتها ، وهذا وهم واضح الفساد ، لأن لازمه أن لا تكون لتلك الجمل معان أصلا ، وأن لا يفهم شيء منها إذ المعنى فرع الاستعمال ، ولا يعقل الإفهام إلاّ بالاستعمال.

والحقّ أنّ ألفاظها مستعملة كسائر الجمل ، ولكن المستعمل ليس هو

__________________

(١) راجع الفصول الغرويّة : ٢٢ ـ ٢٣.

(٢) الفصول الغرويّة : ٢٣.

١٣٨

الحاكي ، بل المحكي عنه هو الّذي استعمل الألفاظ وألقى معانيها إلى السامع بواسطة الحاكي عنه من غير أن يكون بما هو حاك قاصدا لمعنى أو مريدا للإفهام الّذي عرفت أنه معنى الاستعمال ، بل ربّما لا يعرف معاني تلك الألفاظ ، ولا يدري فيما استعملت ، ولا لما ذا وضعت.

ولهذا استشكل شيخ مشايخنا (١) المرتضى ـ طاب ثراه ـ على ما نقل لنا عنه ، في قصد الدعاء من الآيات الدعائية كقوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )(٢) في قراءة الصلاة لأنّ قراءة القرآن التي جعلت جزءا للصلاة معناها الحكاية وهي منافية لقصد المعنى.

ويمكن الجواب عنه بمنع التنافي بين الحكاية وإنشاء المعنى ، وتجويز اجتماع اللحاظين معا على حذو ما سبق في بحث استعمال المشترك في معنيين ، ومع الغض عن ذلك ، نقول : يكفي في صدق القراءة الدعاء بألفاظ القرآن بقصد أنه من القرآن كما تمدح الملك ـ مثلا ـ بشعر غيرك فتقول : أنت كما قال فلان : « فانك شمس والملوك كواكب ».

وتكون حينئذ قد أنشأت مدحة الملك وأنشدت شعر غيرك.

وإن شئت تركت قراءة الآيات على حكايتها ، وجعلت الدعاء داعيا على الحكاية ، وذلك كاف في تحقّق الدعاء.

وفذلكة القول في المقام : أنّ الحكاية تنزيل الحاكي صوته منزلة صوت غيره فما هو إلاّ كناقلة الصوت (٣) المتعارفة في هذا الجيل ، أو كالصدى المسموع

__________________

(١) الشيخ مرتضى الأنصاري ، وقد عبّر عنه المصنّف في غير هذا المقام بـ ( الشيخ الأعظم ). ( مجد الدين ).

(٢) الفاتحة : ٦.

(٣) وهي آلة لهويّة متعارفة بين جمع من أبناء الزمان ، والظاهر أنها مسمّاة في اللغة الأروبائية بـ ( فنوگراف ) وفي اللغة العربية المباركة بـ ( حفظ الصوت ) و ( حافظة الصوت ) وغيرهما كمّا تركنا ذكره. ( مجد الدين ).

١٣٩

عن صفحة الجبل ، وعلى ذكر الصدى وبمناسبة (١) لا تخفى إلاّ على الغبيّ (٢) نختم الرسالة بقول المتنبي :

ودع كلّ صوت غير صوتي فإنّني

أنا الصائح المحكيّ والآخر الصدى (٣)

اللهم يا رحمان يا رحيم اهدنا الصراط المستقيم ، كما هديتنا إلى دينك القويم ، وبلّغ روح نبيك محمد وآله عنّا أفضل الصلاة والتسليم.

( اعتذار )

التفتنا بعد إتمام نسخة الطبع إلى أنّ جمع اللؤلؤ على اللئال ممّا لا يساعد عليه ظاهر اللغة ، ولكنّا تبعنا في ذلك عدّة من أهل العلم والأدب كأبي ذر الحلبي ، فقد سمّى كتابه ( عقد اللئال فيما يقال في السلسال ) والسيوطي حيث سمّى كتابه في وصف الهلال بـ ( رصف اللئال ) ولغيرهما ( نظم اللئال في مدح النبي والآل ) فهذا على فرض عدم الصحة من الغلط المشهور الّذي قيل فيه : إنه لا يقصر عن الصحيح المأثور ، وكيف لا يكون من أفصح المقال بعد قول الله الكبير المتعال.

__________________

(١) إشارة إلى أنه سلك في هذا الكتاب ما هو أهدى إلى الصواب ، فيجب على كل ذي مسكة موافقته ولا يجوز مخالفته ، وأن يتمسّك بقوله ويدع قول غيره. ( مجد الدين ).

(٢) الغبي : قليل الفطنة. الصحاح ٦ : ٢٤٤٣ ، القاموس المحيط ٤ : ٣٦٨ ( غبا ).

(٣) البيت من قصيدة لأبي الطيب المتنبي. ديوان المتنبي ١ : ٢٩١.

١٤٠