نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

بالاعتبار ، والمراد به الاعتبار الموافق للواقع ، كاعتبار الاجمال والتفصيل في حمل الحدّ على المحدود ، فان ذات الانسان والحيوان الناطق ـ مثلا ـ ، وإن كانت واحدة إلا أن هذه الحقيقة الواحدة ـ المركبة مما به الاشتراك وما به الامتياز ـ ملحوظة بجهة الوحدة والجمع في الانسان ، وبجهة الكثرة والفرق في الحيوان الناطق ، وجهة الوحدة في الانسان كجهة الكثرة ، وانطواء المعاني في المركب موافقة للواقع. ومن الواضح : أنّ هذه الحقيقة بتلك الجهة غيرها بتلك الجهة الاخرى غيرية واقعية لا بالفرض ، وإلاّ لجاز حمل الشيء على نفسه بمجرّد فرض أنه غير نفسه.

ومن غريب الكلام ما عن بعض الأعلام من مقاربي عصرنا (١) (رحمه الله) ؛ حيث دفع الإشكال : بأن مفاد الحمل اتحاد الحيوان الناطق مع مفهوم مسمّى الإنسان ، أو ما وضع له الإنسان فيتغايران بالمفهوم ، ومرجع الحمل إلى حمل العام على الخاصّ.

وهو إنكار للحمل الذاتي مطلقا ، مع رجوعه الى تنصيص أهل اللسان ، لا إلى الحمل بما هو ، مع أن الغرض في الحمل الذاتي شرح الماهية ، لا شرح الحقيقة ، وانما يستفاد المعنى الحقيقي بسبب تجرد اللفظ بضميمة الاتحاد ، مع أن اعتبار المسمى ونحوه مصحح للحمل كما سمعت ، لا أنه مأخوذ في المحمول.

ومنه تعرف : أن الغرض هنا مجرّد إثبات اتحاد المعنيين ذاتا ، لا بما لهما من الحيثيات الاعتبارية ، فإنها مصحّحة للموضوعية والمحمولية ، لا مأخوذة في المحمول والموضوع ، وإن كان مقتضى وحدة اللفظ والوضع اعتبار المعنيين بنحو الجمع هنا ، فافهم واستقم.

٣٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وبالحمل الشائع الصناعي الذي ملاكه

__________________

(١) هو المحقّق الرشتي في بدائع الأفكار : ٨٤.

٨١

الاتحاد وجودا ... الخ ) (١).

تحقيقه : أن الحمل : إما أن يكون حمل الكلي على الفرد ، أو كليين متساويين ، أو أعم وأخص ، وعلى أيّ حال فالمقصود في الحمل الشائع اتحاد المفهومين في الوجود ؛ بأن يكون وجود واحد وجودا لهما بالذات أو بالعرض ، أو لأحدهما بالذات وللآخر بالعرض.

فإن كان الحمل من قبيل حمل الكلي على الفرد ، فصحته كاشفة عن كون اللفظ حقيقة في المعنى الموجود بوجود الفرد ، فيلاحظ ـ مثلا ـ معنى الحيوان الخاص الموجود بوجود زيد ، ويحمل عليه لفظ الانسان بماله من المعنى عرفا أو ارتكازا ، فان وجد صحة الحمل عرفا أو تفصيلا ، كشف عن اتحاد المعنى الموجود بوجود زيد ، مع ما للإنسان من المعنى ، وإلا فلا.

وما عن بعض الأعلام (٢) ـ قدّس سرّه ـ من إرجاعه إلى الحمل الأوّلي ؛ نظرا إلى أن الفرد مع قطع النظر عن الخصوصية عين الكلي.

مدفوع : بأن قطع النظر عن الخصوصية في مرحلة استعلام الحقيقية والمجازية ، لا دخل له بقطع النظر عن الخصوصية في مرحلة الحمل.

وبعبارة واضحة : ليس الغرض في مقام الاستعلام كون معنى زيد ـ بما هو هو ـ عين معنى الانسان ، بل الغرض اشتمال لفظ زيد على معنى هو متحد مع ما للانسان من المعنى ، لتقرّر حصة من ماهية الانسان في مرتبة ذات زيد ، ففي هذه المرحلة لا يلاحظ إلا ذلك المعنى المتقرر في مرتبة ذات زيد ، لاتمام معناه.

وأما ملاك صحة الحمل في مثل ( زيد إنسان ) ، فليس قطع النظر عما به زيد يكون زيدا ، بل زيد ـ بما هو زيد ـ إنسان ، بمعنى أن هذين المعنيين موجودان بوجود واحد ، وهذا الوجود ينسب إلى كليهما بالذات : أما إلى زيد

__________________

(١) الكفاية : ١٩ / ١٠.

(٢) هو المحقّق الرشتي في بدائع الأفكار : ٨٤.

٨٢

فواضح ، وأما إلى الانسان فلما سمعت من تقرر حصة منه في مرتبة ذات زيد ، وليس ملاك الحمل الشائع إلا كون النظر في الحمل إلى الاتحاد في الوجود. هذا كله فيما إذا كان المحمول والمحمول عليه من قبيل الكلي والفرد.

وأما إذا كانا كليين متساويين ، أو أعمّ [ و ] (١) أخصّ ، فلا يثبت الحقيقية والمجازية مطلقا ـ ولو في الجملة ـ بمجرد الحمل والتساوي في الصدق أو الأعمّية والأخصّية ؛ لما عرفت أن كون الحمل علامة ليس لمجرّد الحمل ، بل لأن الحمل : تارة بحسب نفس المفهوم والذات ، فاتحادهما دليل قطعي على الحقيقية ، كما أن عدمه دليل قطعي على المجازية ؛ إذ الشيء لا يسلب عن نفسه. واخرى بحسب اتحاد المعنى الموجود بوجود زيد ، مع ما لمحموله من المعنى. ومثل هذين الأمرين لا يجري في الكليين المتساويين ، والأعمّ والأخصّ ، ففي قولنا : ( الناطق ضاحك ، والناطق حيوان ) لا اتّحاد مفهومي ؛ كي يكون الحمل ذاتيا ، كما أنه ليس وجود الناطق ـ بما هو وجود الناطق ـ وجودا للضاحك كزيد وإنسان ، بل متصادقان في وجود واحد. والفرق : أن زيدا لا وجود له إلا وجود الانسان متشخّصا بالمشخصات ، فيعلم منه : أن المعنى الموجود بوجود زيد معنى الانسان ، بخلاف الذاتيات ـ كالناطق والحيوان مثلا ـ فإنّ مبدأ الفصل غير مبدأ الجنس وإن كان التركيب بينهما اتحاديا على التحقيق. ولذا لا إشكال عند المحققين : أن حمل ذاتي على ذاتي أو على ذي الذاتي ، حمل شائع ، لا ذاتي ، فلا محالة ليس وجود الناطق ـ بما هو وجود الناطق ـ وجود الحيوان.

نعم ، يستثنى من الأعم والأخص حمل الجنس على نوعه ، فإنه كالكلي على فرده ، إذا كان النظر إلى المعنى الموجود في ضمن النوع. كما يستثنى من المتساويين في الصدق حمل الفصل على نوعه ، إذا كان النظر إلى المعنى المميز لهذا النوع من غيره.

__________________

(١) في الأصل : ( أعمّ أو أخص ).

٨٣

وبالجملة : ففي كليهما يكون المحمول متقرّرا في مرتبة ذات الموضوع ، فيكون الحكم باتحادهما مفيدا.

وأما في غير هذه الأقسام المسطورة ، فلا يفيد الحمل إلا إذا رجع إلى أحدهما ، كحمل الأبيض على الجسم ، فانه لا شك في معنى هيئة أبيض ، بل في مفاد مادّته ، وحيث إن كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات ، فلا محالة ينتهي الأمر إلى الحمل على تلك الصفة القائمة بالجسم ، وهو من حمل الكلّي على فرده ، وبتبعه يعلم أن الأبيض معناه ما له تلك الصفة المسماة بالبياض.

وأما السلب : فان كان في قبال الحمل الشائع ـ بمعنى مجرد اتحاد الموضوع والمحمول في الوجود ، بحيث يصح حمل الانسان على البشر أيضا بهذا الحمل ؛ نظرا إلى أن المتغايرين بالاعتبار ، كما أنهما متحدان ذاتا متحدان وجودا ـ فلا محالة يكون السلب دليلا على أن المسلوب لا عين ذات المسلوب عنه ، ولا متقرر في مرتبة ذاته.

وإن كان في قبال الحمل الشائع ـ بمعنى كون الموضوع مطابق مفهوم المحمول ومندرجا تحته ـ فلا محالة لا يكون السلب علامة المجازية ؛ لصحة سلب الانسان بهذا الوجه عن الحيوان الناطق مع اتحادهما ذاتا ، وبهذا الاعتبار يقال : الجزئي ليس بجزئي بل كلي ، مع أن مفهوم الموضوع والمحمول واحد ، فتدبّر جيّدا.

٣٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( قد ذكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز ... الخ ) (١).

ليس الغرض تكرر استعمال لفظ في معنى وعدمه ، بل مورد هاتين العلامتين ما إذا اطلق لفظ باعتبار معنى كلّيّ على فرد يقطع بعدم كونه من حيث الفردية من المعاني الحقيقية ، لكنّه يشكّ أنّ ذلك الكلي كذلك أم لا ، فاذا وجد صحة الاطلاق مطّردا باعتبار ذلك الكلي ، كشف عن كونه من المعاني الحقيقية ؛

__________________

(١) الكفاية : ٢٠ / ٤.

٨٤

لأنّ صحة الاستعمال فيه ـ وإطلاقه على أفراده مطردا ـ لا بد من أن تكون معلولة لأحد أمرين : إما الوضع ، وإما العلاقة. وحيث لا اطراد لأنواع العلائق المصححة للتجوز ، ثبت الاستناد إلى الوضع ، فنفس الاطراد دليل على الحقيقة ، وإن لم يعلم وجه الاستعمال على الحقيقة.

كما أن عدم الاطراد في غير مورد ، يكشف عن عدم الوضع له ، وإلا لزم تخلّف المعلول عن العلة ؛ لأن الوضع علة صحة الاستعمال مطردا ، وهذه العلامة علامة قطعية لو ثبت عدم اطراد علائق المجاز ، كما هو المعروف والمشاهد في جملة من الموارد.

فإن قلت : هذا بحسب العلائق المعهودة ، وأما بحسب الخصوصية الواقعية المصححة للاستعمال ، فالمجاز مطرد كالحقيقة ؛ لعدم إمكان تخلّف المعلول عن العلة التامة.

قلت : الكلام في عدم اطراد المعاني المجازية المتداولة بين أهل المحاورة ، وان كان المعنى المجازي المناسب للحقيقي واقعا أخصّ مما هو المتداول ؛ لتخلّفه في بعض الموارد ، فاذا اطرد استعمال لفظ في معنى بحدّه ، فهو علامة الوضع ؛ إذ ليس في المعاني المتداولة بحدها ما هو كذلك إلا في الحقائق ، فافهم جيّدا.

نعم لو فرض التناسب بين معنيين من جهات عديدة لم يكن الاطراد دليلا ، وان لم تكن العلائق مطردة ؛ لإمكان الاطلاق في كل مورد بجهة من تلك الجهات ، لا بجهة واحدة ؛ حتى يقال : إنها غير مطردة ، ولعله فرض محض.

٤٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وهو أن الوضع التعييني كما يحصل بالتصريح ... الخ ) (١).

قد سمعت في تحقيق حقيقة الوضع : أن الوضع ليس إلا نحو اعتبار من الواضع ، والاعتبار أمر مباشري للمعتبر لا تسبيبي إنشائي.

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ٣.

٨٥

٤١ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( كذلك يحصل باستعمال اللفظ فى غير ما وضع له ... الخ ) (١).

لا يخفى عليك : أن الحكاية ـ والدلالة والمرآتية وأشباهها ـ مقصودة في الاستعمال على الوجه الآلي دون الاستقلالي ، من دون فرق بين الاستعمال الحقيقي والمجازي.

وما به يمتاز الوضع عن الاستعمال كون الحكاية مقصودة على وجه الاستقلال ؛ إذ الوضع ليس فعلية حكاية اللفظ عن المعنى ، بل جعل اللفظ بحيث يحكى به عن المعنى عند الاستعمال. ومن البين أن الجمع بينهما في لحاظ واحد جمع بين اللحاظين ، وهو محال ، وعلى هذا فلا يتخصص اللفظ بالمعنى بمجرد الاستعمال ، بل لا بد من إنشائه بالاستقلال.

والتحقيق : أن إنشاء الوضع حقيقة ـ بمعنى جعل اللفظ بحيث يحكي بنفسه بجعل لازمه ، وهو جعله حاكيا فعلا بنفسه ـ معقول. فالحكاية وإن كانت مقصودة وملحوظة آليّا في الاستعمال ، إلا أنها مقصودة بالاستقلال في مرحلة التسبّب إليها بإنشاء لازمها وجعله ، فتدبر.

وأما على ما عرفت ـ من أن حقيقة الوضع نحو اعتبار من الواضع ـ فيكفي في حصول الاختصاص مجرد سبق الاستعمال بالبناء على اختصاص اللفظ بالمعنى ، وهو وإن كان خفيف المئونة ـ بل أخفّ مئونة من قصد حصوله بالاستعمال ؛ حيث إنه لا حاجة إلى التسبّب إلى حصوله بوجه من الوجوه ـ إلا أنه يحتاج إلى دليل.

فان قلت : بعد ما كان الحكيم في مقام إفادة المراد ـ دون التوصل إلى مزايا المجاز ـ فلا محالة يبني على التخصيص ويستعمل ، ولا يتكلف نصب القرينة.

قلت : لو سلم ذلك لا يقتضي ترجيح التخصيص على التجوز ؛ لأنّ مجرد

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ٤.

٨٦

الوضع لا يقتضي سقوط كلفة نصب القرينة ؛ لعدم هجر المعنى الأصلي بمجرد طروّ وضع آخر ، غاية الأمر أن القرينة في المجاز تتصف بعنوانين من الصارفية والمعيّنيّة ، وفي المشترك بالأخير فقط ، وهو غير فارق قطعا ، فتأمل.

٤٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة ... الخ ) (١).

هذا بناء على ما هو المشهور من أن الوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه إخراجا بالقيد الأخير للمجاز ؛ حيث إن الدلالة فيه بالقرينة. فاذا استعمل الشارع ـ مثلا ـ اللفظ في غير ما وضع له قاصدا به الحكاية عنه بنفسه ، فقد خصصه به ؛ حيث لا حقيقة للوضع إلا ذلك.

ويمكن أن يقال : إن نحو حكاية اللفظ عن معناه الحقيقي والمجازي واحد.

توضيحه : أن الدلالة كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى ، وهذه الحيثية مكتسبة : تارة من الوضع بمعنى أن وضع الواضع يوجب كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى إن التفت إلى الوضع. واخرى من القرينة ، فاللفظ (٢) المستعمل في معناه المجازي بحيث يفهم منه ذلك المعنى إن التفت إلى القرينة.

فكما أن وضع الواضع يوجب تحيث اللفظ بهذه الحيثية ، وهو واسطة لثبوتها له ، كذلك القرينة توجب تحيث اللفظ بهذه الحيثية ، وهي واسطة في ثبوتها له ، وإلا فالدلالة ـ على أيّ حال ـ قائمة باللفظ المستعمل في المعنى ، لا به وبالقرينة معا في المجاز ، كما لا قيام لها باللفظ والوضع في الحقيقة.

والتحقيق : أن تعيين اللفظ لمعنى يوجب تعينه ـ تبعا ـ لما يناسبه ، فان مناسب المناسب مناسب ، فاللفظ بواسطة الوضع له صلوح الحكاية به عن

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ٥.

(٢) لا تخلو العبارة من غضاضة ، ولعلّ الأولى ( كاللفظ ) بدل ( فاللفظ ) والأصوب فيها هكذا ؛ واخرى من القرينة ؛ أي أنها توجب فهم المعنى المجازي من اللفظ المستعمل فيه إن التفت إليها.

٨٧

المعنى الموضوع له بالاصالة ، وعما يناسبه بالتبع ، وحيث إن فعلية دلالته على الأصل لا مانع لها ، فلا محالة لا تصل النوبة إلى الدلالة على المعنى المجازي ، إلا بعد نصب القرينة المعاندة لإرادة المعنى الحقيقي ، فالقرينة المعاندة حيث إنها رافعة للمانع عن فعلية الدلالة على المعنى المجازي فهي موجبة لفعلية الدلالة عليه. فيصح ان يقال حينئذ : إن الوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه ، بخلاف المجاز ، فان التعيين فقط لا يكفي في فعلية دلالة اللفظ بنفسه ، بل فعلية الدلالة متوقفة على ضم الضميمة ، وإن كان ذات الدال هو اللفظ دائما ، فتدبّر.

٤٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فلا يكون بحقيقة ولا مجاز ... الخ ) (١).

إن قلنا : بأن الاستعمال عين الوضع ـ كما هو ظاهر المتن ـ فحقيقة الاستعمال حقيقة الوضع.

أو قلنا : بأنّ الوضع يتحقق مقارنا للاستعمال من باب جعل الملزوم بجعل لازمه ، فلا مانع من كونه حقيقة ؛ لأن غاية ما يقتضيه الحقيقية عدم تأخر الوضع عن الاستعمال ـ لا تقدمه عليه زمانا ـ فيكفي مقارنة الوضع مع الاستعمال زمانا ، فضلا عن عينيته له ؛ حيث لا تقدّم للاستعمال ـ حينئذ ـ ولو بالعلية ، فتدبّر.

٤٤ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( فأيّ علاقة بين الصلاة والدعاء (٢) ... الخ ) (٣).

هذا بناء على ما هو المعروف من كونها بمعنى الدعاء لغة يصح جدلا وإلزاما. (٤)

وأما على ما هو الظاهر بالتتبّع في موارد استعمالاتها من كونها بمعنى

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ٩.

(٢) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : بين الصلاة شرعا والصلاة بمعنى الدعاء ..

(٣) الكفاية : ٢١ / ١٥.

(٤) هذا المطلب الشريف من تحقيقات أفضل المتأخّرين الشيخ الهادي الطهراني ـ قدّس الله نفسه الزكية ـ كما في هامش نسخة ( ق ).

٨٨

الصلاة بمعنى العطف والميل ، فإطلاقها على هذا المعنى الشرعي من باب إطلاق الكلي على الفرد ؛ حيث إنه محقق لطبيعي العطف والميل ، فإن عطف المربوب إلى ربه والعبد إلى سيده بتخضّعه له ، وعطف الرب على مربوبه بالمغفرة والرحمة ، لا أن الصلاة بمعنى الدعاء في العبد ، وبمعنى المغفرة فيه تعالى.

وعليه فلا تجوز حتى يجب ملاحظة العلاقة ، بل تستعمل في معناها اللغوي ، ويراد محققه الخاص بقرينة حال أو مقال.

٤٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا ... الخ ) (١).

ربما يعبر عن هذه المعاني بالماهيات الجعلية والمخترعة ، فيظن الغافل تعلق نوع جعل واختراع بها ، مع قطع النظر عن جعلها في حيّز الطلب ، مع أن تعلق الجعل البسيط بها في ذاتها محال ، فإن الماهية في حد ذاتها لا مجعولة ولا لا مجعولة.

وتعلق الجعل التأليفي التركيبي بين الماهية ونفسها كذلك ؛ لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري ، وتحصيل الحاصل محال ، وان قلنا بتعلق الجعل التكويني بالماهية ـ دون الوجود ـ فان الجاعل بهذا الجعل هو المصلي دون الآمر والشارع.

وأما جعل الهيئة التركيبية معنونة بعنوان الصلاة ـ بمعنى جعلها عطفا من المربوب إلى الرب وتذلّلا منه إليه ـ قياسا بجعل الشارع للشيء (٢) مالا أو ملكا (٣).

فمدفوع : بأن كون الشيء تذلّلا وعطفا وتعظيما ـ مثلا ـ وإن كان مما يتفاوت فيه الأنظار ـ كما هو المشاهد من أنحاء التذلّلات والتعظيمات في الرسوم

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ١٧.

(٢) اللام هنا للتعدية لا للاختصاص.

(٣) أي بجعل الشارع الشيء مالا أو ملكا. أو بجعل الشارع للشيء مالية أو ملكية.

٨٩

والعادات ـ لكن التفاوت بالخصوصيات الملحوظة لطائفة دون طائفة ، فحقيقة التعظيم كون الفعل بحيث يمكن أن يقصد به إعظام الغير ، وإن كان تلك الحيثية مختلفة باختلاف الأنظار ، فهذه الحيثية بإزاء الجهة الباعثة على اعتبار المالية والملكية ، لا بإزاء نفس اعتبارهما.

فلا معنى ـ حينئذ ـ لجعل الهيئة التركيبية معنونة بعنوان الصلاة ، بل هذه الهيئة التركيبية ، كما أن لها خواصّ وآثارا واقعية ، وليست بجعل جاعل ، كذلك ذات خصوصية في نظر الشارع ـ بحيث يمكن أن يتذلل العبد بهذا العمل لمولاه ، وأن يعظمه به ـ فيأمر به الشارع ، بخلاف المالية والملكية ، فان كون الفعل ذا خصوصية مقتضية لاعتبار الملكية ، لا يوجب اتصافه بعنوان الملك قبل اعتبار المعتبر للملكية.

٤٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( واما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة ... الخ ) (١).

مجرد الثبوت في الشرائع السابقة ، لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصة ، والتعبير بها عنها لاقتضاء مقام الإفادة ، كما هو كذلك بالإضافة إلى جميع القصص والحكايات القرآنية ، مع أن جملة من الخطابات المنقولة كانت بالسريانية أو العبرانية.

ودعوى : تديّن العرب بتلك الأديان ، وتداول خصوص هذه الألفاظ ؛ إذ لو تداول غيرها لنقل إلينا ؛ ولأصالة عدم تعدد الوضع.

مدفوعة : بعدم لزوم النقل لو كان ؛ لعدم توفر الدواعي على نقل تعبيرات العرب المتدينين بتلك الأديان ، وأصالة عدم تعدد الوضع لا تثبت الوضع لخصوص هذه الألفاظ لا تعيينا ولا تعينا.

٤٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فالإنصاف أنّ منع حصوله في زمان

__________________

(١) الكفاية : ٢١ / ١٩.

٩٠

الشارع ... الخ ) (١).

حتى على ما احتملناه : من استعمال الصلاة ـ مثلا ـ في العطف والميل ، وإرادة محقّقه الخاص ، نظير إطلاق الكلي على الفرد ، وإرادة الخصوصية بدالّ آخر.

وكذا على قول الباقلاّني ؛ إذ التحقيق ـ كما في محله ـ إمكان النقل في المطلقات ، مع أنها مستعملة في الماهية المهملة ؛ إذ لا ريب في أن كثرة إفادة الخاصّ بدالّين ـ في مقام الطلب وبيان الخواصّ والآثار والحكاية والمحاورات المتعارفة ـ توجب اختصاص اللفظ بالمعنى الخاص في أيام قلائل ، ومنع بلوغ الكثرة في لسان الشارع ومتابعيه إلى حد يوجب الاختصاص ، مكابرة واضحة.

٤٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( نعم حصوله في خصوص لسانه ... الخ ) (٢).

لكنه لا حاجة إلى الالتزام به مع ترتب الأثر على تحققه في لسانه ولسان متابعيه ، وتسميته حقيقة شرعية مع تحقق الوضع باستعمال الجميع بملاحظة تبعية تابعيه في الاستعمال ، فيصح تمام الانتساب إليه.

٤٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وأما الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظ ... الخ ) (٣).

الأنسب أن يقرر الثمرة هكذا : وهو لزوم حمل الالفاظ الواقعة في كلام الشارع على معانيها الشرعية بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية ، وعدمه بناء على عدمه ؛ لأنها وإن لم تبلغ مبلغا يوجب الوضع تعيّنا ، إلا أن معانيها من المجازات الراجحة جزما.

والمشهور في المجاز المشهور هو التوقّف ، بل الأمر كذلك على ما ينسب إلى الباقلاّني ، أو على ما احتملناه ؛ إذ كما أن كثرة الاستعمال في معنى خاص ربما

__________________

(١) الكفاية : ٢٢ / ٩.

(٢) الكفاية : ٢٢ / ١٠.

(٣) الكفاية : ٢٢ / ١٢.

٩١

توجب التردّد ، كذلك غلبة إفادة الخاصّ باللفظ والضميمة ربما توجب التردّد ، كما ربما تبلغ حدا يكفي نفس اللفظ لإفادة ذاك الخاص ، ولذا يعقل النقل فيما لا يستعمل فيه اللفظ ، كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في محلّه.

٥٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وفي جريانه على القول بالعدم إشكال ... الخ ) (١).

لا شبهة في قصور عنوان البحث وادلة الطرفين عن الشمول ، إلا أن تسرية النزاع لا تدور مدار العنوان والأدلة ، بل ربما يجب تسريته مع عموم الثمرة لغيره ـ كما في ما نحن فيه ـ فإنه لو ثبت أصالة الاستعمال في الصحيحة أو الأعمّ لترتّب عليه ثمرة النزاع من التمسك بالاطلاق على الأعم ، وعدمه على الصحيحة.

٥١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( في أن الأصل في هذه الألفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع ... الخ ) (٢).

تقريبه على ما في تقريرات بعض الاعاظم (٣) (رحمه الله) : أن اللفظ قد

__________________

(١) الكفاية : ٢٣ / ٦.

(٢) الكفاية : ٢٣ / ٨.

(٣) مطارح الأنظار : ٣ وهو تقرير بحث الشيخ الانصاري (قدس سره) في الاصول ـ مباحث الألفاظ ـ : والشيخ مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري النجفي ينتهي نسبه إلى جابر ابن عبد الله الانصاري ( رضي الله عنه ). ولد في دزفول سنة (١٢١٤) ه.

قرأ أوائل أمره على عمه الشيخ حسين ، ثم خرج مع والده إلى زيارة مشاهد العراق المقدسة وهو في العشرين من عمره ، بقي في كربلاء آخذا عن الاستاذين السيد محمد المجاهد وشريف العلماء أربع سنوات ، ثم عاد إلى وطنه ، ثم رجع إلى العراق ، وحضر عند الشيخ موسى نجل الشيخ جعفر سنتين ، التقى بالمولى النراقي (رحمه الله) في كاشان ـ وهو في طريقه إلى زيارة مشهد الإمام الرضا عليه‌السلام ـ وتتلمذ عليه نحو ثلاث سنين ، ثم رجع إلى دزفول سنة ( ١٢٤١ ه‍ ) ، ثم عاد إلى النجف الأشرف سنة ( ١٢٤٩ ه‍ ) ، فاختلف إلى مدرسة الشيخ علي ابن الشيخ جعفر ، ثم شرع في التدريس والتأليف ، ووضع أساس علم الاصول الحديث.

٩٢

استعمل عند الصحيحي في الصحيحة لعلاقة بينها وبين المعنى اللغوي ، وفي الفاسدة لا لعلاقة بينها وبين المعنى الأصلي ، ولا للمشاكلة بينها وبينه أو بين الصحيحة ، بل من جهة التصرّف في أمر عقلي ، وتنزيل المعدوم من الأجزاء والشرائط منزلة الموجود ؛ لئلا يلزم سبك المجاز من المجاز ، فلا مجاز أصلا من حيث المعنى ، إلا في استعمال اللفظ في الصحيحة ، وحيث إن الاستعمال دائما في الصحيحة من حيث المفهوم والمعنى ، فمع عدم القرينة على التصرف في أمر عقلي يحمل على الصحيحة ، ويترتّب عليه ما يترتب على الوضع للصحيحة من الثمرة.

__________________

تخرج عليه السيد المجدّد الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي والمامقاني وابو القاسم الكلانتري وغيرهم.

وأشهر مؤلفاته (قدس سره) : ( الرسائل ) في الاصول و ( المكاسب ) في الفقه.

انتهت إليه رئاسة الإمامية بعد الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره).

توفي في (١٨) جمادى الآخرة سنة ( ١٢٨١ ه‍ ) ودفن في المشهد الغروي.

( أعيان الشيعة ١٠ : ١١٧ ) بتصرف.

أما مقرّر درس الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في الاصول ـ مباحث الألفاظ ـ أي مصنف ( مطارح الأنظار ) فهو الميرزا أبو القاسم ( ابن الحاج محمد علي ) بن الحاج هادي النوري الطهراني الشهير بكلانتري.

ولد في (٣) ربيع الثاني سنة ( ١٢٢٦ ه‍ ). لم يبلغ العشر سنوات حتى صار يفهم علوم المقدمات فهما جيدا ويحلّ العبارات ، سافر لطلب العلم إلى أصفهان ، ثم رجع الى طهران ، ثم الى العراق ، ثم عاد إلى طهران ، فسكن مدرسة الخان مروي ، وقرأ على ملا عبد الله الزنوزي ، وهاجر إلى كربلاء فحضر عند السيد ابراهيم القزويني ، ثم سافر إلى اصفهان ، ثم إلى النجف ، فحضر درس الشيخ مرتضى الأنصاري لمدة عشرين سنة ، وكان يقرّر درس الشيخ لبعض طلبته ، حتى صرح الشيخ الأنصاري مرارا باجتهاده ، وأوصاه بإقامة الجماعة وأن يصنّف ويدرس.

وفي سنة ( ١٢٧٧ ه‍ ) سافر إلى طهران ، فكان مرجع العامّ والخاصّ ، وتوفّي بها في ربيع الثاني سنة ( ١٢٩٢ ه‍ ) ، ودفن بمشهد عبد العظيم ( رضي الله عنه ) في مقبرة أبي الفتوح الرازي (رحمه الله) في ظهر قبر حمزة بن موسى عليه‌السلام.

( أعيان الشيعة ٢ : ٤١٣ ) بتصرف.

٩٣

وأما الأعمّي فهو ـ على ما ذكره المقرّر (قدس سره) ـ يدّعي تساوي الصحيحة والأعم في المجازية ، إلا أن لازمه التوقف ، وهو ينافي غرضه.

بل الصحيح في تقريب مقالة الأعمّي : أن اللفظ دائما مستعمل في الأعم ، وإفادة خصوصية الصحيحة والفاسدة بدالّ آخر ، فمع عدم الدالّ الآخر يحمل اللفظ على ظاهره ويتمسك باطلاقه.

وعلى هذا البيان لا يرد شيء إلا عدم الدليل على ملاحظة العلاقة ابتداء بين الصحيحة أو الأعم والمعنى اللغوي. ولا حاجة إلى إثبات أن عدم نصب القرينة على إرادة ما عدا الصحيحة دليل على إرادة الصحيحة ، وذلك لأن المفروض على الصحيحة استعمال اللفظ في الصحيحة بحسب المفهوم والمعنى دائما. والظهور اللفظي حجة على المراد الجدّي ، ما لم تقم حجة اخرى على خلافها ، وكذا بناء على استعماله في الأعم.

وأما ما في المتن ـ من الحاجة إلى إثبات استقرار بناء الشارع في محاوراته على إرادة ما لوحظ العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي عند عدم نصب قرينة معيّنة للمعنى الآخر ـ فإنّما يتّجه على وجه آخر ، لا على ما مر ، وذلك بأن يكون المستعمل فيه ـ على تقدير إرادة الفاسد أو الأعمّ ـ غير ما هو المستعمل فيه ، على تقدير إرادة الصحيحة ، فإنّ مجرّد وجود القرينة ـ الصارفة عن المعنى اللغوي ، لا يكفي في إرادة خصوص الصحيحة ؛ لإمكان إرادة ما يناسبها ، لا ما يناسب اللغويّ ، ولا ظهور في مرحلة المراد الاستعمالي ؛ كي يكون حجة على المراد الجدي ، فتدبّر.

فظهر أنّ ما يرد على التقريب المزبور : عدم الدليل على ملاحظة العلاقة بين الصحيحة والمعنى الأصيل ، مضافا إلى : أن الاستعمال في الأعم ممكن ، مع أن الجامع (١) ـ بما هو جامع ـ غير فاقد لشيء حتى ينزل منزلة الواجد ، فلا بد من

__________________

(١) قولنا : ( مع أنّ الجامع .. الخ ).

٩٤

أن يلتزم باعتبار العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي ، وهو خلف.

ودعوى الغلبة تغني عن أصل هذا التكلّف ، أو يلتزم باعتبار العلاقة بينه وبين الصحيحة ، فيلزم سبك المجاز من المجاز ، وهو مما يفرّ عنه هذا المقرّر ، فراجع وتأمل. إلا أن يلتزم بأن الحقيقة الادعائية لا تتوقف على ادعاء دخول المراد الجدي في جنس المراد الاستعمالي ؛ حتى لا يعقل دخول الجامع تحت الصحيح ، بل يمكن مع ادعاء الاتحاد بينهما. واتحاد الجامع والصحيح مما لا ريب فيه.

٥٢ ـ قوله [ قدس سره ] :

[ ( إن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد وهو التمامية ]

... الخ ) (١).

لا إشكال في ذلك ، إلا أن حيثية إسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ، ليست من لوازم التمامية بالدقّة ، بل من الحيثيات التي يتمّ بها حقيقة التمامية ؛ حيث لا واقع للتمامية إلا التمامية من حيث إسقاط القضاء أو من حيث موافقة الأمر ، أو من حيث ترتب الأثر ، إلى غير ذلك ، واللازم ليس من متمّمات معنى ملزومه ، فتدبّر (٢).

ثم إن المهم في هذا الأمر تحقيق أن الصحة والفساد ـ المبحوث عنهما في هذا البحث ـ هل التمامية وعدمها ، من حيث موافقة الأمر ، أو من حيث إسقاط

__________________

هذا إذا كان الجامع صادقا على الواجد والفاقد بحدهما ، كما يقال : بنظيره في الماهيات التشكيكية من أن الماهية الواجدة : تارة شديدة ، واخرى ضعيفة. وأما إذا كان الجامع من الماهيات المهملة ـ التي يقتضي لا بشرطيتها صدقها على الواجد والفاقد ـ فلا ، كما لا يخفى. ( منه عفي عنه ).

(١) الكفاية : ٢٤ / ٤.

(٢) إشارة إلى أن اللازم إن كان من لوازم الوجود صح ما ذكر ، وإن كان من لوازم الماهية فلا ؛ إذ لا منافاة في لازم الماهية وعارضها بين اللزوم وكونه محققا لها ؛ كالفصل بالإضافة إلى الجنس فإنه عرض خاص له مع أنّ تحصّل الجنس بتحصّله. ( منه عفي عنه ).

٩٥

القضاء ، أو من حيث استجماع الأجزاء والشرائط ، أو من حيث ترتب الثمرة إلى غير ذلك؟

والتحقيق : عدم كونهما ـ من حيث موافقة الأمر واسقاط القضاء ـ محلاّ للبحث ، لا من حيث إن موافقة الأمر وإسقاط الاعادة والقضاء لا يكونان إلاّ مع الإتيان بداعي الأمر ، ومثله كيف يقع في حيّز الأمر ، فإنّ هذا الإشكال مختصّ بالتعبديات ، ولا يعمّ التوصّليّات ، بل من حيث إن الشيء لا يتّصف بأحد العنوانين ـ من كونه موافقا للأمر ، ومسقطا للإعادة والقضاء ـ إلاّ بعد الأمر به وإتيانه ـ تعبّديّا كان أو توصّليّا ـ ومثله لا يمكن أن يقع في حيّز الأمر. ومن البين أن المراد من الوضع للصحيح أو للأعمّ ـ بهذا المعنى وغيره ـ هو الوضع لما هو صحيح بالحمل الشائع.

فان قلت : الصحيح ـ بهذا المعنى بالحمل الشائع ـ لا تحقّق ولا ثبوت له حقيقة ، إلا بعد الأمر وإتيانه ، فلا ثبوت للموضوع له بما هو طرف للعلقة الوضعية في مرتبة الوضع ، فلا يعقل الوضع له ؛ إذ لا بدّ في كل نسبة من ثبوت طرفيها على ما هما عليه ـ من القابلية للطرفية ـ في مرحلة ثبوت النسبة ، وهذا بخلاف الوضع لعنوان ( موافق الأمر ) ولعنوان ( المسقط للإعادة والقضاء ) ، وسائر عناوين المشتقات ، فان العنوان ـ في مرتبة العنوانية ـ لا يستدعي ثبوت الذات وفعلية التلبّس بالمبدإ.

قلت : كما يمكن ملاحظة الشيء بالحمل الأوّلي ، كذلك يمكن ملاحظة الشيء بالحمل الشائع بنحو المحاكاة لما في الخارج ، سواء كان موجودا حال لحاظه أو لا.

وأما الصحيح بمعنى التام ـ من حيث ترتّب الأثر ـ فربما يتوهم عدم إمكان الوضع له ؛ نظرا إلى أنه عنوان منتزع عن الشيء بعد ترتّب الأثر عليه ، والأثر ـ حيث إنه خارج عن حقيقة ذات مؤثّرة ـ لا يعقل أخذه فيه.

٩٦

نعم يعقل الوضع للحصة الملازمة للأثر ـ كما بيّنّا نظائره سابقا ـ فاللفظ على القول بالصحيح بهذا المعنى ، كما لم يوضع لمفهوم التام كذلك لمصداقه ، بل هو موضوع لما يلازم التمامية من حيث ترتب الأثر.

وهذا توهم فاسد ؛ لأن خروج الأثر عن مرتبة ذات المؤثر ووجوده ، واستحالة دخله فيه ، لا يوجب استحالة دخله في التسمية بأن يكون اللفظ موضوعا للفعل القائم به الأثر ، كما إذا وضع لفظ الصلاة لما هو ناه عن الفحشاء بالحمل الشائع. نعم لا يعقل أخذ الصلاة ـ بهذا المعنى ـ موضوعا في قضية ( الصلاة تنهى عن الفحشاء ) للزوم حمل الشيء على نفسه ، وعروض الشيء لنفسه ، فيكون نظير الاشكال المتقدم في جعل الصحيح ـ بمعنى موافق الأمر ـ في حيز الأمر ، من دون لزوم الاستحالة في مرحلة الوضع. مع أن التمامية ـ من حيث ترتب الأثر ـ لا تنتزع عن الشيء المرتّب عليه الأثر بهذا القيد ؛ ليكون نظير عنوان المؤثر أو عنوان الكلي والجزئي ، فان التام ـ بالحمل الشائع ـ متقوّم بالتمامية بلحاظ ترتب الأثر ، فالمبدأ القائم بذات التام ـ المصحّح لانتزاع عنوانه ـ حيثية التمامية ، لا حيثية الأثر ـ كما في عنوان المؤثّر بزعم هذا المتوهم ـ وإن كان التمامية ـ من حيث ترتب الأثر ـ لا تنفكّ عنه كالعلة والمعلول ، فان عنوان العلة منتزع من ذات العلة حيث بلغت حدّا يجب بها ذات المعلول ، لا من العلة المترتب عليها المعلول.

وكون حقيقة التمامية متعينة بلحاظ ترتب الأثر مثلا ـ نظير تعين الجنس بفصله ـ لا يقتضي دخول الأثر وترتّبه في حقيقة التمامية ، كما أن تعيّن الجنس وتحصّله بفصله ، ومع ذلك فحقيقة الجنس غير حقيقة الفصل ، ومبدأ الجنس الطبيعي غير مبدأ الفصل الطبيعي.

ومنه تبيّن أن مصداق الصحيح ـ بمعنى التام من حيث ترتّب الأثر ـ ذات ما يترتب عليه الأثر ؛ أي هذه الحصة لا بوصف الترتب حتى يقال : إنه لم

٩٧

يوضع اللفظ لمصداق الصحيح ، بل لما يلازمه.

إذا عرفت هذا فاعلم : أن ما تضاف إليه التمامية يختلف باختلاف الأقوال :

فمن ذهب إلى الوضع للمرتبة العليا والتوسّع في البواقي ، فغرضه التمامية من حيث استجماع جميع الأجزاء والشرائط.

ومن ذهب إلى الوضع لجامع يجمع جميع المراتب ، فان صحح دخول القربة في متعلق الأمر ، فغرضه التمامية من حيث فعلية ترتب الأثر مطلقا وإلا فالترتب بشرط ضم القربة.

ومن ذهب إلى التفصيل بين الأجزاء والشرائط ، فغرضه التمامية من حيث ترتّب الأثر بضم الشرائط ، والوجه في الجميع واضح فلا تغفل.

٥٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لا بد على كلا القولين من قدر جامع ... الخ ) (١).

وجه اللابدّيّة : أن الأعمّيّ غرضه التمسك بالاطلاق ، وينافيه الاشتراك اللفظي ، والصحيحي يدّعي الإجمال من حيث المفهوم لا من حيث المراد ، مضافا إلى محاذير أخر يأتي الإشارة إليها في طيّ الكلام إن شاء الله تعالى.

٥٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة وإمكان الإشارة إليه بخواصّه وآثاره ... الخ ) (٢).

تحقيق المقام يستدعي زيادة بسط في الكلام ، فنقول :

الجامع : إما أن يكون جامعا ذاتيا مقوليا ، أو جامعا عنوانيا اعتباريا ، والالتزام بهما مشكل.

أما الجامع العنواني ـ كعنوان الناهي عن الفحشاء ، ونحوه ـ فالوضع بإزائه وإن كان ممكنا لإمكانه ، إلا أن لازمه عدم صحة استعمال الصلاة ـ مثلا ـ

__________________

(١) الكفاية : ٢٤ / ١٣.

(٢) الكفاية : ٢٤ / ١٤.

٩٨

في نفس المعنون إلاّ بعناية ؛ لأنّ العنوان غير المعنون ، وليس كالجامع الذاتي بحيث يتحد مع جميع المراتب ، مع أن استعمال الصلاة في نفس الهيئة التركيبية بلا عناية صحيح. مضافا إلى سخافة القول بوضع الصلاة لعنوان ( الناهي عن الفحشاء ) كما لا يخفى.

وأما الجامع المقولي الذاتي فهو غير معقول ؛ لأن الصلاة مؤلّفة وجدانا من مقولات متباينة ـ كمقولة الكيف والوضع ونحوهما ـ ولا تندرج تحت مقولة واحدة لأن المقولات أجناس عالية ، فلا جنس لها ، ولا يمكن أن يكون المركب مقولة برأسها لاعتبار الوحدة في المقولات ؛ وإلا لما أمكن حصرها ، ولذا يسمى هذا المركب وشبهه بالمركب الاعتباري ، وإذا لم يكن جامع ذاتي مقولي لمرتبة واحدة من الصلاة فعدم الجامع للمراتب المختلفة ـ كمّا وكيفا ـ بطريق أولى.

ومنه يظهر أنه لو فرض ظهور دليل في ترتب أثر واحد بسيط على الصلاة ـ بحيث يكشف عن جهة جامعة ذاتية ـ لزم صرفه إلى بعض الوجوه للبرهان القطعي على أن المقولات المتباينة لا تندرج تحت مقولة واحدة ، مضافا إلى أن وحدة الأثر وبساطته تكشفان (١) كشفا قطعيا عن وحدة المؤثر وبساطته ، والحال أن اتحاد البسيط مع المركب محال ، ولو كان جميع الأجزاء من أفراد مقولة واحدة وإمكان التشكيك في الماهية لا يصلح اتحاد البسيط مع المركب.

وبالجملة : يمكن أن يكون للبسيط شدة وضعف ، وتفاوت في أفراده طولا وقصرا ، ولكن لا يعقل أن يكون المركب فردا للبسيط. وقيام الكم المنفصل بالكثير ـ من باب قيام العرض بموضوعه ـ لا دخل له باتحاد البسيط مع المركب من باب اتحاد الطبيعي وفرده ، والكلام في الثاني.

وائتلاف حقيقة الكمّ المنفصل من الوحدات مخصوص به ، فلا يتصور في

__________________

(١) في الأصل : ( يكشف .. ) ، والصحيح ما أثبتناه.

٩٩

مقولة اخرى حتى يجعل طبيعة الصلاة كذلك. ووضع لفظ الصلاة للكم المنفصل القائم باجزاء الصلاة لا يتفوّه به عاقل ؛ ضرورة أن الصلاة أمر متكمّم ، لا أنّ حقيقتها حقيقة الكم المنفصل.

وأما حديث تأثير الصلاة بمراتبها المختلفة ـ كمّا وكيفا ـ في الانتهاء عن الفحشاء ، فلا يكشف عن وحدة حقيقية ذاتية بين مراتب الصلاة ؛ لأنّ جهة النهي عن الفحشاء والمنكر واحدة بالعنوان ، لا واحدة بالذات والحقيقة ، والواحد بالعنوان لا يكشف إلا عن واحد بالعنوان ، وهو عنوان ( الناهي عن الفحشاء والمنكر ) ، وإن كان ذات المنكر في كل مرتبة مباينا للمنكر الذي تنهى عنه مرتبة اخرى.

وأما تصور كيفية تأثير مراتب الصلاة في الانتهاء عن الفحشاء ، فيمكن توجيهه وتقريبه بما لا ينافي البراهين القاطعة ؛ بأن يقال : إن مجموع الأجزاء بالأسر مؤثرة في صرف النفس عن جملة من المنكرات ، أو في استعداد النفس للانتهاء عنها ، لمكان مضادة كل جزء لمنكر بإزائه ، وما دون المرتبة العليا تؤثر في صرف النفس عن جملة أقل من الاولى. هذا في المراتب المختلفة بالكمية.

وأما المختلفة بالكيفية فيمكن الالتزام بتأثير إحداها في صرف النفس عن جملة ، وتأثير الاخرى في جملة اخرى. وعلى هذا فلا حاجة إلى الالتزام بجامع ذاتي في مرتبة فضلا عن المراتب : أما في مرتبة واحدة ؛ لأن (١) أثر كل جزء غير ما هو أثر الآخر ، واما في المراتب المختلفة كمّا وكيفا ، فلاتحاد طبائع الاجزاء في الأولى ، واختلاف الآثار ـ كالمؤثرات ـ في الثانية ، ومع هذا صحّ أن الصلاة بمراتبها تنهى عن المنكر والفحشاء. كما يمكن أن يجعل كل مرتبة ناهية عن منكر خاص ، من دون الالتزام بتأثير كل جزء في النهي عن منكر.

وبالجملة : الاتحاد بالعنوان لا يكشف عن الاتحاد في الحقيقة.

__________________

(١) كذا في الأصل ، والأصوب : فلأنّ ..

١٠٠