نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ما نحن فيه ، فان عدم تقييد متعلّق الأمر والإرادة معلوم بالبرهان. وأمّا دخله في الغرض وفي الخروج عن عهدة الأمر ، فلا والإطلاق النظري القابل لدفع الشكّ ممتنع ، وعدم التقييد مع تسليم امتناعه لا يكشف عن عدم دخله فيما ذكر ، ولا برهان ـ كما في تلك المسألة ـ على امتناع دخل داع إلهيّ في الغرض.

فإن قلت : إطلاق الهيئة عرفا يدلّ على أن المتعلّق تمام المقصود ، وهو متعلّق الغرض ، فيفيد التوصلية ، فحمله على التعبدية ـ وأن الأمر تمهيد وتوطئة لتحقيق موضوع الغرض ـ خلاف الظاهر.

قلت : هذا ، وإن نسب إلى بعض الأجلة (١) ( قده ) ، لكنه مبتن على تخيّل أخصيّة الغرض ، وحيث عرفت (٢) أن ذات الفعل واف بالغرض ، وأن الشرائط دخيلة في ترتب الغرض على ما يقوم به ، تعرف عدم أخصية الغرض ، وعدم كون الأمر تمهيدا وتوطئة (٣).

__________________

(١) هو المحقّق السيّد محمّد الفشاركي رحمه الله. ولد سنة ١٢٥٣ ه‍ في قرية « فشارك » من توابع اصفهان. سافر الى العراق وهو ابن إحدى عشرة سنة وجاور الحائر الشريف وكفّله هناك أخوه العالم السيد إبراهيم المعروف بالكبير ، فكمّل العربية والمنطق ثم اشتغل بالفقه وأصوله على عدّة من علمائه كالعالم الشهير السيد ابن المجاهد الطباطبائي والشيخ الأردكاني. ثم هاجر الى النجف الأشرف حدود سنة ١٢٨٦ ه‍. وحضر بحث السيّد المجدّد الشيرازي وسافر معه الى سامراء وتوطّنها معه ، ثم بعد وفاة السيّد المجدّد هاجر بأهله وأولاده الى الغري الشريف ، فشرع في التدريس بحيث أكبّ على الاستفادة منه الأفاضل.

توفي ـ رحمه الله ـ في شهر ذي القعدة الحرام سنة ١٣١٦ ه‍ ودفن في إحدى حجرات الصحن الشريف من جهة باب السوق الكبير على يسار الداخل اليه.

مقدمة وقاية الاذهان : ١٤٣ ومقدمة الرسائل الفشاركية.

(٢) وذلك في التعليقة : ١٧٤.

(٣) قولنا : ( وعدم كون الأمر تمهيدا .. الخ ).

٣٤١

فإن قلت : إطلاق الهيئة يقتضي التعبدية لان الوجوب التعبدي هو الوجوب لا على تقدير خاص ، بخلاف الوجوب التوصلي فانه وجوب على تقدير عدم الداعي من قبل نفس المكلف.

قلت : الايجاب الحقيقي جعل ما يمكن أن يكون داعيا ، لا جعل الداعي بالفعل ، حتى يستحيل مع وجود الداعي إلى الفعل من المكلّف ، ولذا صحّ تكليف العاصي وان كان له الداعي إلى خلافه.

١٧٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فاعلم أنه لا مجال هاهنا إلاّ لأصالة الاشتغال ... الخ ) (١).

تقريب الاشتغال بأحد وجهين :

الأوّل ـ أنّ البعث ليس إلا لجعل الداعي إلى تحصيل الغرض القائم بالمبعوث إليه ، وذلك لما عرفت في المباحث السابقة (٢) : أن فعل الغير إذا كان ذا فائدة عائدة إلى الشخص ، فلا محالة ينبعث إليها شوق ، وينبعث من هذا الشوق شوق إلى فعل الغير. وحيث إن فعل الغير ليس تحت اختيار الشخص إلاّ بتسبيب وتحريك يوجب انقداح الداعي في نفسه إلى فعله ، فلا محالة ينبعث من الشوق إلى فعل الغير شوق إلى جعل الداعي بالبعث والتحريك ، فالبعث

__________________

مع أن جعله بعنوان التمهيد لا يجدي في التوصّل إلى غرضه ، وهو إتيان الفعل بداعي لأمر ، أو الإنشاء السابق لم يكن بداعي التحريك ، بل بداعي التمهيد ، وأما إذا كان التمهيد داعيا للداعي ، فهو وإن كان مجديا ، إلا أنه ليس خلاف الظاهر ؛ إذ المقدار المسلّم هو كون الإنشاء بداعي جعل الداعي ، لا كونه منبعثا عن غير داعي التمهيد ، بل دائما يكون جعل الداعي بداع آخر غير جعل الداعي قطعا. فتدبّره ، فإنه حقيق به. ( منه عفي عنه ).

(١) الكفاية : ٧٥ / ١٦.

(٢) وذلك في التعليقة : ١٥١ عند قوله : ( توضيحه : أنّ فعل الغير ... ).

٣٤٢

والتحريك معلول لما ينتهي إلى أصل الغرض القائم بالمبعوث إليه ، وهو علة العلل بالنسبة إلى البعث. وهكذا إذا كان لفعل الغير فائدة عائدة إلى نفسه ، وكان المولى ممن يجب عليه إيصالها إلى ذلك الغير ، فإنّ البعث حينئذ لإيصال تلك الفائدة ، فهي علّة العلل بالإضافة إلى البعث ، والمعلول يدور مدار علته حدوثا وبقاء ، فاذا علم أصل الغرض ، وشكّ في سقوطه : إما للشك في أصل الإتيان بما يقوم به ، أو للشك فيما له دخل فيه ـ كما فيما نحن فيه ـ فلا محالة يجب عقلا القطع بتحصيل الغرض بإتيان جميع ما يحتمل دخله فيه.

والتحقيق : أن كبرى لزوم (١) تحصيل الغرض عقلا لا شبهة فيها ، لكن الصغرى غير متحقّقة بمجرّد الأمر ؛ إذ اللازم عقلا هو تحصيل الغرض المنكشف بحجة شرعية أو عقلية.

__________________

(١) قولنا : ( والتحقيق : أنّ كبرى لزوم .. الخ ).

ربما يقال (أ) : إن الغرض : إن كان من قبيل الفعل التوليدي بالنسبة إلى ما يترتّب عليه ، فيصح الأمر بتحصيله ، كما يصح الأمر بمحصّله. وان كان من قبيل المعدّ له بالنسبة إلى معدّه ـ بحيث يتوسط بينهما امور غير اختيارية للمكلف سواء كانت الواسطة في نفسها من الامور القهرية أو من الامور الاختيارية لغير المكلّف ـ فلا يصحّ الأمر بتحصيله.

والواجبات الشرعية غالبا بالإضافة إلى أغراضها من قبيل الثاني لتوسّط امور أخر قائمة بالشارع أو بغيره بين الواجب والغرض منه ، وإلاّ لكان الأمر بتحصيلها أولى من الأمر بمحصّلها ، فمن عدم الأمر بها بوجه يستكشف أنها من قبيل المعدّ له المترتّب على المعدّ بواسطة أو وسائط ، ولذا قد امر بها فيما كان من قبيل المسبّبات بالإضافة إلى أسبابها ، كما في الطهارة الحدثية والخبثية ؛ حيث امر بهما ، كما امر بمحصّلهما ، وعليه فكبرى لزوم تحصيل الغرض موقوفة على إحراز أن الغرض من قبيل المسبّب بالنسبة إلى سببه لا مطلقا. هذا.

قلت : أوّلا ـ من أين علم أن النهي عن الفحشاء لا يقوم بنفس الصلاة ، بل متوسّط بينه

__________________

(أ) القائل هو المحقق النائيني (رحمه الله) ـ على ما جاء في هامش ( ق ) ـ أجود التقريرات ١ : ٣٩ و ١١٢.

٣٤٣

والأمر بمركب يصلح (١) للكشف عن غرض يفي به المأمور به ، ولا يصلح للكشف عما لا يفي به ، فالغرض الواقعي إن كان مما يفي به المأمور به فقد قامت عليه الحجة ، وإن لم يكن مما يفي به المأمور به فلم تقم عليه الحجة ، ولا يجب عقلا تحصيل الغرض الذي لم تقم عليه الحجة لا شرعا ولا عقلا.

فالغرض الواقعي وإن كان مرددا بين ما يفي به المأمور به وما لا يفي ، إلا أنه لا حجة إلاّ على ما يفي به ، بخلاف باب الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، فإن

__________________

وبين الصلاة امور خارجة عن الاختيار؟ وعدم الأمر به لا يكشف عن ذلك ، بل الغالب حيث إنّ ترتّب الأغراض الواقعية على محصلاتها غير معلوم للعامة ، فلذا امر بمحصّلها.

وثانيا ـ إن الغرض الباعث على الأمر بشيء نفس تلك الخصوصية القائمة به ، فلو فرض أن الصلاة معدّة للنهي عن الفحشاء ، كان الغرض الباعث على الأمر بالصلاة حيثية إعدادها ، والمعدّ له غرض من الغرض ، والغرض الواجب هو إيجاد المعدّ حينئذ ، وعليه فالواجبات بالإضافة إلى الخصوصيات القائمة بها دائما من قبيل الأسباب ، وان كانت بالإضافة إلى غرض آخر من قبيل المعدّات. فتدبر.

واما الغرض من نفس الأمر ، فقد مرّ أنه أجنبيّ عن ملاك التعبدي والتوصلي ، لأن الحكم الحقيقي حقيقته الإنشاء بداعي جعل الداعي ، وهو يحصل بمجرد الإنشاء بداعي البعث.

واما فعلية الدعوة في نفس المكلف ، فهي أجنبية عن الغرض القائم بفعل المولى.

فتوهم أن الأمر إذا كان بهذا الغرض يجب جري العبد على وفق هذا الغرض.

مدفوع : بالفرق بين ما هو ملاك جعل الداعي من قبل المولى ، وفعلية الدعوة من قبل العبد ، ولا معنى للجري على وفق غرض المولى إلاّ على الوجه الثاني الذي لا يعقل أن يكون غرضا من فعل المولى. [ منه قدّس سرّه ].

(١) قولنا : ( والأمر بمركب يصلح .. إلخ ).

إن قلنا : إن الأمر لم يتعلّق إلاّ بما عدا القربة أوّلا وآخرا ، فمقتضى انبعاث الأمر عن الغرض بنحو انبعاث المعلول عن العلة ، هو أن الأمر يكشف عن غرض مساو للمأمور به ، ولا يعقل انبعاثه عن غرض أخصّ ، فلم يبق إلاّ احتمال غرض أخصّ ، لا احتمال انبعاث الأمر عن غرض أخصّ ، فلا حجّة على الغرض الأخصّ.

٣٤٤

متعلّق الأمر الشخصي حيث إنه مردّد بين الأقل والأكثر ، والغرض كذلك مردّد بين ما يقوم بالأكثر وما يقوم بالأقل ، فالأمر المعلوم حجة على الغرض المردّد ، فيجب تحصيله. فالأمر في باب الاشتغال ـ هنا وهناك ـ على العكس مما هو المعروف. وسيجيء ـ إن شاء الله تعالى ـ تتمة الكلام (١).

الثاني ـ أنّ مرجع الشك هنا إلى الشكّ في الخروج عن عهدة ما قامت عليه الحجة ، وهو التكليف بالصلاة ـ مثلا ـ إذ مفروض الكلام عدم كون قصد القربة من قيود المأمور به ، بخلاف الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، فإنه ربما يقال فيه بانحلال التكليف ، فلا تكليف بالزائد ، فيكون العقاب على تركه عقابا بلا بيان.

وبالجملة : نحن وإن أغمضنا النظر عن وجوب تحصيل الغرض ، وقلنا بلزوم إسقاط الأمر المعلوم ، والخروج عن عهدته ، فاللازم الاشتغال ـ هنا ـ للعلم بالتكليف ، والشك في أنّ الخروج عن عهدته هل يحصل بمجرد مطابقة المأتي به لذات المأمور به ، أم لا ، إلاّ بإتيانه بقصد الامتثال؟ والعقل بعد إحراز التكليف يحكم بالقطع بالخروج عن عهدته بإتيانه بقصد الامتثال.

__________________

وإن قلنا : بأنّ الأمر يتعلّق بقصد القربة مستقلا ، بل الشرائط كلها مبعوث إليها ببعث مقدّمي ، فالغرض الداعي إلى الأمر النفسي وإن كان مساويا لذات المأمور به ، إلا أن حصول هذا الغرض المساوي في الخارج ـ بإتيان ذات المأمور به بشرائطه ما عدا القربة ـ غير معلوم ، مع تمامية الحجة على الغرض المساوي ، لكن حيث إنّ قصد القربة قابل لتعلق الأمر به مستقلا ، فمع عدمه يكون العقاب على عدم تحصيل الغرض المعلوم ـ من ناحية عدم قصد القربة المحتمل دخله في فعلية الغرض ـ عقابا بلا بيان ، فيكون مؤمنا من ناحية عدم فعلية الغرض المساوي لعدم إتيان قصد القربة. ( منه عفي عنه ).

(١) وذلك في تعليقته (رحمه الله) ـ في الجزء الرابع : ٢٩٩ رقم ٨٨ ـ على قول الآخوند (رحمه الله) : ( مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز ... ) الكفاية : ٣٦٤.

٣٤٥

والتحقيق : أن الشكّ إن كان في الخروج عن عهدة ما تعلّق به التكليف فواضح العدم ؛ إذ لا شكّ في إتيانه بحدّه ، وإن كان في الخروج عن عهدة الغرض الداعي إليه فلا موجب له ، إلاّ عمّا قامت الحجّة عليه ـ كما عرفت آنفا ـ فليس هذا وجها آخر للاشتغال. مع أنّ رجوع الشكّ ـ هنا ـ إلى الشكّ في الخروج عن عهدة ما قامت الحجة عليه ، دون الشكّ في التكليف ، إنما يصحّ إذا لم يصحّ التكليف بقصد القربة مطلقا ، لا في ضمن الأمر بالصلاة ، ولا في ضمن أمر آخر ، مع أن التكليف به بأمر آخر لا مانع منه ، فاذا شكّ فيه كان العقاب عليه بلا بيان ، والمؤاخذة عليه بلا برهان ، فيمكن القول بالبراءة هنا ، وإن قلنا بالاحتياط في الأقلّ والأكثر الارتباطيين ؛ للقطع بأن التكليف بالصلاة لم يتعلّق بالمقيّد بالقربة لاستحالته ، فيتمحّض الشكّ فيه في التكليف بأمر آخر. بخلاف غير القربة من الأجزاء والشرائط ، فإنّ تعلّق التكليف المعلوم بما يشتمل عليه غير مقطوع بعدمه ، فيقال : التكليف النفسي الشخصي معلوم ، ومتعلّقه مردّد بين الأقلّ والأكثر ، فيجب الاحتياط.

نعم ، ما يمكن أن يبحث عنه ، ويجعل مانعا عن التكليف بالقربة هو : أن التكليف بالقربة لا يكشف عن تعلّق التكليف النفسي بالصلاة المتقيّد بها لاستحالته كما عرفت ، والتكليف المقدمي لا عقاب على مخالفته ، فلا يكون هذا البيان مصحّحا للعقوبة كي يقال : حيث لا بيان فالعقاب على تركه عقاب بلا بيان.

ومنه يعلم : أن الإخبار عن الدخل في الغرض ـ أيضا ـ كذلك ؛ حيث لا يكشف عن المطلوبية بالطلب النفسي الذي يعاقب على مخالفته.

والجواب عنه : أن إرادة الشرائط ـ مطلقا ـ إرادة مقدمية منبعثة عن إرادة ذات ما يقوم بالغرض ، ولا يعقل تعلّق الإرادة بالمقدّمة في عرض تعلّقها بذيها. وفي مقام البعث وإن أمكن البعث إلى الفعل المقيّد بالشرائط ، إلا أنه لا يجب

٣٤٦

على الباعث تقييد مطلوبه بالقيود الدخيلة في التأثير في الغرض ، بل له الأمر بذات المطلوب ، والأمر بكل قيد مستقلاّ.

وملاك الشرطية الحقيقية المقابلة للجزئية ، أن يكون المطلوب بما هو متقيّد بأنحاء التقيّدات ، مؤثّرا فعليّا فيما له من الأثر ، فما يقوم به الغرض ينتزع منه أنه بعض ما يفي بالغرض ، وما هو حالة وخصوصية فيما يفي بالغرض ينتزع منه أنه دخيل في وفاء المركّب بالغرض ؛ سواء كان اعتبار هذه الخصوصية والحالة بالأمر المتعلق بذات ما يفي بالغرض ـ بأن يقول : ( صلّ عن طهارة أو متطهرا ) ـ أو كان بأمر آخر ـ بأن يقول بعد الأمر بالصلاة : ( وليكن صلاتك عن طهارة ) مثلا ـ والعقاب على ترك الشرط حينئذ ليس لمخالفة الأمر المقدّمي مطلقا ، بل لمعصية الأمر النفسي ، حيث إنه لم يأت بما تعلّق به على نحو يؤثّر فيما له من الأثر. فالغاية الداعية إلى إرادة ذيها أولا وبالذات ، وإلى إرادة ما له دخل فيها ثانيا وبالعرض ، قد انكشفت بالأمرين فيجب تحصيلها ، وإلاّ لا يكاد يسقط الأمر النفسي ، كما عرفت وجهه سابقا.

هذا ، ومن جميع ما ذكرنا ظهر أنه لا مجال للاشتغال.

نعم استصحاب الوجوب المعلوم إلى أن يقطع بانتفائه بإتيان جميع ما يحتمل دخله في الخروج عن عهدته لا مانع منه ، وهو يكشف بطريق ( الإنّ ) عن (١) أن الغرض سنخ غرض لا يفي به ذات المأمور به. وإلاّ فبقاء شخص الأمر ـ مع إتيان متعلّقه بحدوده وقيوده ـ غير معقول ، فلا يعقل التعبّد به إلاّ إذا كشف عن كون علته سنخ غرض لا يفي به المأمور به.

والتحقيق : أنّ الاستصحاب لا مجال له هنا ؛ لأن الغرض منه : إن كان التعبّد بوجوب قصد الامتثال شرعا ، فهو على فرض إمكان أصله غير مترتّب

__________________

(١) في الأصل : ( على أنّ ) والأصحّ ما أثبتناه من نسخة ( ط ).

٣٤٧

على بقاء الأمر شرعا (١) ؛ حتى يكون التعبّد بأحدهما تعبدا بالآخر ، وإن كان التعبّد بدخله في الغرض فأوضح بطلانا ؛ لأن دخله فيه واقعي لا جعلي ، وإن كان التعبّد به محقّقا لموضوع الحكم العقلي بإسقاط الغرض ، لكشفه عن بقائه ففيه :

أولا ـ أن إسقاط الغرض المنكشف بحجة شرعية أو عقلية لازم ، ولذا لم نحكم بالاشتغال ابتداء ، فليس الأمر بوجوده الواقعي موضوعا لذلك فضلا عن وجوده التعبدي.

وثانيا ـ أنّ ما ذكر من أن التعبّد ببقائه كاشف عن أخصّية الغرض من المطلوب إنما يسلّم في البقاء الحقيقي لا التعبدي ؛ لأن الغرض من جعل الحكم المماثل بقاء شيء آخر ، لا ذلك الغرض الواقعي ، واحتماله لا يجدي شيئا.

١٧٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( نعم يمكن أن يقال : إن كلّ ما ربّما يحتمل (٢) دخله في الامتثال ... الخ ) (٣).

الفرق بينه وبين الوجه المتقدّم سابقا : أنّ الوجه السابق موقوف على إحراز مقام البيان ، وهذا من مقدّماته لزوم القيام مقام البيان لأجل التنبيه وحصول الالتفات ؛ إذ لا يحتمل دخل الوجه ـ مثلا ـ في الغرض ، حتى يجب إتيانه عقلا.

__________________

(١) قولنا : ( غير مترتب على بقاء الأمر .. إلخ ).

كيف؟ ولو كان كذلك لما شكّ في بقاء الأمر ، مع أنه ليس الترتب على فرض إمكان أخذ قصد القربة في المأمور به ، إلاّ من باب ترتب الوجوب المقدمي المعلولي على وجوب ذي المقدمة ، وهو ترتب قهري لا شرعي جعلي ، وأما الحكم بوجوب المقدمة إذا ثبت وجوب ذيها تعبدا ، فليس بالتعبد ، بل لأن موضوع وجوب المقدمة هو الأعم من الواقع والظاهر ، وأما لو قلنا بأن الأمر بقصد القربة بأمر آخر ، فليس هناك ترتّب أصلا ، بل معلولان متلازمان منبعثان عن غرض واحد بلحاظ مرتبة الفعلية. فتدبر جيدا. ( منه عفي عنه ).

(٢) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : يحتمل بدوا دخله ..

(٣) الكفاية : ٧٥ / ٢٤.

٣٤٨

١٧٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فإنّ دخل القربة (١) ونحوها في الغرض ليس بشرعي ... الخ ) (٢).

قد عرفت آنفا : أن قصد القربة مما يمكن الأمر به ، وإن لم يكن تقييدا للمأمور به في ضمن الأمر الأول.

والأمر المقدّمي وإن لم يكن مصحّحا للعقوبة مطلقا ، ولا موجبا لتقييد المأمور به بالأمر الأول هنا ـ بحيث يكون المطلوب النفسي بالأخرة الصلاة بداعي أمرها النفسي ـ إلاّ أنّ اعتبار هذه الخصوصية في الصلاة ـ بقوله : وليكن الصلاة عن داعي أمرها ـ يوجب انتزاع الشرطية (٣) في مقام الجعل والبعث ؛ إذ لا نعني بالشرطية إلا اعتبار الشيء في المأمور به بنحو يكون التقييد به داخلا والقيد خارجا ، والأمر بقصد القربة على النهج المزبور بعد الأمر بالصلاة يصحح انتزاع الشرطية.

__________________

(١) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : دخل قصد القربة.

(٢) الكفاية : ٧٦ / ٨.

(٣) قولنا : ( يوجب انتزاع الشرطية .. الخ ).

لا يخفى عليك : أن الأمر إذا تعلق بمركّب يصحّح انتزاع الجزئية في مقام الطلب من كلّ واحد من أجزاء ذلك المركب ، وإذا تعلّق بشيء متقيّد بقيد ينتزع الشرطية في مقام الطلب عن ذلك القيد ، والمفروض أن الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة لا يعقل أن يكون متعلّقه متقيّدا بقصد القربة ، فيستحيل انتزاع شرطية القربة بلحاظ الأمر النفسي ، كما إنه لا يعقل استكشاف تقيده بها بدليل آخر ؛ لأن الاستحالة في مقام الثبوت تمنع عن تعقّل الكاشف ، وأما انتزاع الشرطية من أمر آخر ، فإن كان الأمر بالصلاة المتقيدة بقصد القربة فهو غير معقول ؛ لأن الصلاة بعد تعلّق البعث بها بذاتها لا يعقل البعث الحقيقي نحوها بأمر آخر ، وإن كان الأمر الآخر أمرا بإيجاد قصد القربة في الصلاة ، فقصد القربة تمام المطلوب بهذا الطلب لا قيده ، فيستحيل انتزاع الشرطية بلحاظ أمر آخر.

نعم حيث تعلّق الأمر بالصلاة ، وتعلّق الأمر بإيجاد قصد القربة فيها ، ينتزع من الوجوبين وجوب جامع بالصلاة بقصد القربة ؛ فينتزع الشرطية بلحاظ هذا الوجوب الجامع الانتزاعي ،

٣٤٩

.....................................

__________________

ولا بدّ من حمل ما ذكرناه في الحاشية على هذا الوجه ، دون الوجهين الأولين لاستحالتهما ، إلاّ أن رفع مثل هذه الشرطية ـ المنتزعة من جامع انتزاعي ، لا م مجعول شرعي ـ بحديث الرفع مشكل جدا.

وربما ينسب إلى بعض الأساطين ـ قدّس سرّه ـ (أ) الفرق بين المحصّلات العادية والمحصّلات الشرعية ، كما إذا أمر بالإحراق ، فلا بدّ من الاحتياط في محصّله ، دون ما اذا أمر بالطهارة ، فان محصلها شرعي ، فاذا شك في دخل شيء فيه جرى حديث الرفع فيه ، وعليه فحيث إن قصد القربة ليس دخلها شرعيا ، بل واقعيا ، فلا يعمّه حديث الرفع ، دون سائر الشرائط ، فإنّ دخلها شرعي فيعمها حديث الرفع ، فلا بد من تحصيل الغرض بإتيان الصلاة بقصد القربة الذي لا يعمه حديث الرفع دون غيره.

__________________

(أ) هو العلامة الثاني الميرزا الشيرازي ـ قدس سره ـ كما في هامش ( ق ) و ( ط ).

وهو السيد محمد حسن بن محمد الحسيني الشيرازي النجفي أعظم علماء عصره وأشهرهم ؛ حتى عرف بالمجدد الشيرازي (ره).

ولد بشيراز في ( ١٥ ـ جمادى الأولى ـ ١٢٣٠ ه‍ ) ، ودرس فيها ، وفي الخامس عشر من عمره المبارك أتقن معظم العلوم وأخذ بتدريس ( شرح اللمعة ) ، ثم سافر إلى أصفهان ودرس عند صاحب الحاشية ، ثم عند السيد حسن المدرّس ، ثمّ أخذ يدرس حتى عدّ من مدرسي اصفهان ، ثم سافر الى النجف ( ١٢٢٩ ه‍ ) ، وحضر على الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والشيخ حسن كاشف الغطاء وشيخ الطائفة المرتضى الأنصاري الذي كان يعظم المترجم له ويشير إليه من بين تلاميذه بالاجتهاد غير مرة ولما مضى الشيخ الانصاري ـ قدس سره ـ سنة ( ١٢٨١ ه‍ ) توجهت الناس إليه ، وقدموه على زملائه ، فأصبح المرجع الوحيد للإمامية في عصره ، وله فتوى ( تحريم التنباك ) الذي هزّ بها عرش الشاه القاجاري.

حجّ سنة ( ١٢٨٧ ه‍ ) ، ثم زار الإمام الرضا عليه السلام وعاد إلى كربلاء ، وسافر سنة ( ١٢٩١ ه‍ ) إلى سامراء واستوطنها والتحق به كثير من الأعلام ، وبنى فيها مدرستين وجسرا على دجلة ، وسوقا للمدينة ، وغيرها من المصالح.

توفي (ره) في سامراء سنة ( ٢٤ / شعبان / ١٣١٢ ه‍ ) وحمل على أكتاف الناس إلى النجف ودفن فيها بمقبرته قرب الصحن في آخر ليلة من شعبان.

( طبقات أعلام الشيعة في القرن الرابع عشر : ١ / ٤٣٦ رقم : ٨٦٥ ) بتصرف.

٣٥٠

...................................

__________________

ويرد عليه : أن المراد إن كان دخل القربة في الغرض ، فدخل جميع الشرائط في الغرض واقعي ، فيجب الاحتياط في الجميع ، وإن كان المراد دخل القربة في المطلوب بما هو مطلوب ، فالفرق بين القربة وغيرها صحيح من حيث شمول حديث الرفع وعدمه ، إلا أنه لا مقابلة بين المحصلات العادية والشرعية لا في الغرض ، ولا في المطلوبية ؛ لأن المحصّلات بالإضافة إلى الغرض كلها واقعية ، غاية الأمر أن الشارع كشف عن محصّلية بعضها للغرض ، لا أن محصليته شرعية.

وأما بالاضافة إلى المطلوبية مع أنه لا يستحق عنوان المحصّلية ، فيندفع (أ) بأن كل أمر أمكن أخذه في متعلق التكليف كان دخيلا في المطلوبية ، سواء كان من المحصلات العادية أو الشرعية للغرض ، وكل ما لا يمكن أخذه في متعلق التكليف لم يكن دخيلا في المطلوبية.

وربما يورد عليه بوجه آخر (ب) وهو أن المرفوع بحديث الرفع لا بدّ من أن يكون حكما مجعولا مجهولا في رفعه المنة ، ومن البيّن أنّ وجود الاعتبار الشرعي عند مجموع ما يقطع بدخله ، وما يحتمل دخله مقطوع به لا مجهول حتى يرفع ، ووجوده عند المجرّد عن المحتمل دخله وإن كان مجهولا ، إلا أنّه لا منّة في رفعه.

ويندفع : بأنّ وجود الاعتبار عند المجموع ـ الذي هو إمّا تمام السبب ، أو مشتمل عليه ـ وإن كان معلوما إلا أنّ ترتّب الاعتبار شرعا على المجموع بما هو مجهول ، فهو المرفوع ، مثلا : إذا صدر عقد عربي ماضوي ، لا شك في حصول الملك عنده ، إلا أنّ ترتّب الملك شرعا على العقد العربي الماضوي بما هو عقد عربي ما ضوي مجهول ، فلا مانع من شمول حديث الرفع له ، والمنة في رفعه واضحة.

نعم لا يثبت برفع الاعتبار عنه ثبوته للعقد المجرّد عن العربية والماضوية إلا بالملازمة العقلية ، فإن المفروض إهمال الدليل من حيث ترتب الاعتبار على الخاصّ بما هو خاص ، أو على ذات الخاص ، كما أوضحناه في باب البيع من الفقه (ج)

__________________

(أ) في الأصل : ( يندفع ) وما أثبتناه من نسخة ( ط ) هو الأصوب.

(ب) المورد هو المحقق النائيني ـ قدّس سرّه ـ كما في هامش ( ق ) و ( ط ) راجع اجود التقريرات ١ : ١١٩.

(ج) راجع حاشيته (رحمه الله) على كتاب المكاسب للشيخ الأعظم قدس‌سره / باب البيع / في خصوصيات ألفاظ عقد البيع / ص : ٦٦ ـ ٦٧ عند قوله : ( .. فهل هناك أصل ثانوي يقتضي الصحّة ... أما مثل حديث الرفع .. إلخ ).

٣٥١

وكلّ ما كان قابلا للجعل والوضع ، فهو قابل للنفي والرفع ، وان لم يكن مصحّحا للعقوبة ، أو موجبا لتقييد الأمر النفسي.

١٨٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فافهم ... الخ ) (١).

يمكن أن يكون إشارة إلى أن اختصاص الأمر الفعلي بما عدا المشكوك مشترك بين المقامين ، غاية الأمر أنه هنا بحكم العقل ، وهناك بضميمة الأصل. فإن اكتفينا في الخروج عن العهدة بمجرّد إتيان المتعلّق ، كان المقامان على حدّ سواء. وإن قلنا : بلزوم إتيان كلّ ما يحتمل دخله في الغرض في الخروج عن

__________________

فإن قلت : على هذا لا يجدي حديث الرفع لرفع الشرطية في باب التكاليف أيضا ، فإن مقتضاه عدم تعلق التكليف بالخاص بما هو خاص ، وهو لا يجدي في تعلّقه بذات الخاص إلا بالملازمة العقلية ، والمفروض إهمال دليل الواجب من حيث كونه الخاص بما هو خاص أو ذاته.

قلت : الخصوصية على قسمين : أحدهما ـ ما يكون مقوما للواجب فالواجب أمر خاص ، وما يقوم به الغرض ذاتا كذلك والمراد بالذات كذلك ، وحاله حينئذ حال الاعتبارات في باب العقود والإيقاعات والأسباب.

ثانيهما ـ ما يكون دخيلا في فعلية الغرض من الواجب وهو الذي يستحق إطلاق الشرط عليه ، وقد مرّ مرارا : أنّ مثله لا يعقل أن يكون مقوّما للمراد بالإرادة النفسية المنبعث منها الإيجاب النفسي ، فإن الإرادة تتعلق بما يفي بالغرض ، وأمّا ما له دخل في فعليته ، فهو متعلّق لغرض تبعيّ مقدّمي فينبعث من هذا الغرض التبعيّ إرادة تبعية ينبعث منها وجوب غيري ، وعليه فتعلّق الوجوب النفسي بذات المشروط مقطوع به ، وإنّما المشكوك وجوب شيء آخر تبعا لدخله في فعلية الغرض ؛ وأما أخذه في متعلّق الأمر النفسي مع فرض شرطيته حقيقة ، فليس إلاّ لأجل تقييد الواجب النفسي به خطابا لتقيّده به واقعا من حيث الغرض ، فالواجب النفسي متقيّد به ، لا أن المتقيّد به واجب نفسي. وتمام الكلام في محله.

ومنه يتضح : أنّ حديث الرفع لمثل ما نحن فيه أعني شرائط الواجب صحيح نافع ، غاية الأمر أن قصد القربة لا شرطية له ، وأما إيجابه للغير استقلالا فهو معقول ، وشمول حديث الرفع للتكليف المجعول المجعول الموافق للامتنان ، لا مانع منه أصلا. [ منه قدس سره ].

(١) الكفاية : ٧٦ / ١٣.

٣٥٢

العهدة ، كان المقامان كذلك أيضا ؛ إذ المفروض عدم دليل على عدم دخل المشكوك في الغرض.

وجوابه : أن نفي الجزئية والشرطية ـ جعلا ـ يوجب تفويت الغرض من الشارع لو كان المشكوك دخيلا فيه ، بخلاف ما لو لم يكن نفي الجزئية والشرطية منه بل بعدم إمكان أخذ المشكوك في المتعلق.

١٨١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لكون كل واحد مما يقابلها ... الخ ) (١).

لا يخفى عليك : أن النفسية وما يماثلها قيود للطبيعة نحو ما يقابلها لخروجها جميعا عن الطبيعة المهملة ، إلاّ أنّ بعض القيود كأنه لا يزيد على نفس الطبيعة عرفا ، كالنفسية وما يماثلها دون ما يقابلها.

والتحقيق : أن النفسية ليست إلا عدم كون الوجوب للغير ، وكذا البواقي ، وعدم القرينة على القيود الوجودية دليل على عدمها ، وإلاّ لزم نقض الغرض ، لا أن النفسية والغيرية قيدان وجوديان ، وأحدهما ـ وهو الاطلاق من حيث وجوب شيء آخر مثلا ـ كأنه ليس بقيد ، بل أحد القيدين عدمي ، ويكفي فيه عدم نصب القرينة على الوجودي المقابل له.

فمقتضى الحكمة تعيين المقيّد بالقيد العدمي ، لا المطلق من حيث وجوب شيء آخر كما هو ظاهر المتن ؛ إذ المفروض إثبات الوجوب النفسي ـ وهو الوجوب لا لغيره ـ لا الوجوب المطلق الذي وجب هناك شيء آخر ، أو لا ؛ إذ ليس الوجوب الغيري مجرّد وجوب شيء مع كون الشيء الآخر واجبا مقارنا معه ، بل الوجوب المنبعث عن وجوب آخر.

ومن الواضح أن إطلاق الوجوب من حيث انبعاثه عن وجوب آخر وعدمه غير معقول ، وكذا الوجوب التخييري هو الوجوب المشوب بجواز الترك إلى بدل ، وإطلاق الوجوب من حيث الاقتران بجواز الترك وعدمه غير صحيح ،

__________________

(١) الكفاية : ٧٦ / ١٥.

٣٥٣

بل المراد بالإطلاق المعيّن للنفسية وأقرانها هو عدم التقييد بما يفيد الغيرية والتخييرية والكفائية ، كما صرح به (قدس سره) في آخر المطلق والمقيد (١). فتدبّر جيّدا.

وتوهّم : أنّ الحكمة لا تقتضي الوجوب التعييني ؛ حيث لا يلزم من عدم نصب القرينة على فرد آخر نقض الغرض.

مدفوع : بأن المراد من الغرض ما دعاه إلى القيام مقام بيان نحو الوجوب وكيفيته لا الغرض الباعث على التكليف مع لزوم نقض الغرض من التكليف ـ أيضا ـ عند تعذّر ما اقتصر عليه في مقام البيان.

١٨٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والتحقيق : أنه لا مجال للتشبّث بموارد الاستعمال ... الخ ) (٢).

نعم ، ربّما يتشبث بذيل دليل الحكمة لتعيين بعض المحتملات بملاحظة كونه قدرا متيقّنا بتقريب :

أن المورد إذا لم يكن عباديا ، واحتمل الإباحة الخاصة كانت هي المتيقن ؛ لأنّ الإذن معلوم والإباحة الخاصة هو الإذن الساذج ـ أي الإذن الذي ليس فيه اقتضاء طلبي ـ فالقيد عدميّ يكفي في عدمه عدم القرينة على ثبوته بخلاف غيرها.

وإذا كان المورد عباديا ، ولم يحتمل الإباحة الخاصة كان المتيقّن هو الاستحباب ؛ لأن أصل الاقتضاء معلوم لخروج الإباحة الخاصّة على الفرض. وحدّ الاستحباب عدميّ يكفي فيه عدم نصب القرينة عليه.

والفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم ـ في حمل الصيغة على الوجوب بمقدمات الحكمة ـ هو : أن الصيغة ظاهرة وضعا في الطلب ، والوجوب لا يزيد على

__________________

(١) الكفاية : ٢٥٢ عند قوله : ( فالحكمة في إطلاق صيغة الأمر ... ).

(٢) الكفاية : ٧٧ / ٤.

٣٥٤

الطلب ـ بما هو ـ بشيء ، بخلاف ما نحن فيه ، فإن أصل الاقتضاء علم من الخارج حسب الفرض ، وخصوصية الندب ـ حيث كانت عدمية ـ لا تحتاج إلى دليل ، فلذا صار الاستحباب متيقّنا من بين المحتملات.

نعم ، يرد عليه : أن القدر المتيقّن ـ الذي يصحّ الاتكال عليه عرفا ـ هو المتيقن في مقام التخاطب والمحاورة ، لا المتيقن في مقام المرادية ، مع أن الاقتضاء بعد خروج الإباحة الخاصة غير معلوم لاحتمال الكراهة الغير المنافية للإذن والرخصة. فافهم.

١٨٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والاكتفاء بالمرّة فإنما هو لحصول الامتثال ... الخ ) (١).

إذ المتكلّم لو كان في مقام البيان ، وأمر بالطبيعة مقتصرا عليها من دون تقييد ، فالحكمة تقتضي إرادة المرّة ، فإنّها كأنّها لا تزيد على وجود الطبيعة بشيء.

وأما مع قطع النظر عن مقدمات الحكمة ، فلا وجه للاكتفاء بالمرة ؛ إذ الامتثال فرع كيفية البعث ، والبعث إلى الماهية المهملة جدّا لا معنى له ، ولا مطابقة للمأتي به مع المأمور به حينئذ.

١٨٤ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( لا يوجب كون النزاع هاهنا ... الخ ) (٢).

بل لا يعقل (٣) ؛ إذ ليس النزاع في وضع الصيغة للطلب المكرّر أو الدفعي ،

__________________

(١) الكفاية : ٧٧ / ١٢.

(٢) الكفاية : ٧٧ / ١٥.

(٣) قولنا : ( بل لا يعقل .. إلخ ).

لأنّ الإنشاء إن كان بداعي جعل الداعي الواحد ، فلا تعدّد حتى يكون الطلب مكرّرا أو يكون له وجودات دفعية. وإن كان بداعي جعل الداعي نوعا وسنخا فهو وإن كان بحسب التحليل العقلي يتعلّق كلّ فرد من طبيعيّ الطلب بفرد من طبيعي متعلّقه ، إلاّ أن هذا الطلب النوعي أيضا موجود وحداني بوحدة نوعية طبيعية ، فهو دفعي بالدفعية اللازمة لذات الموجود الواحد لا بلحاظها في مرحلة الطلب ( منه عفي عنه ).

٣٥٥

بل في وضعها لطلب الشيء دفعة أو مكرّرا ، فالمرّة والتكرار من قيود مفاد المادة لا الهيئة.

لا يقال : يمكن الوضع للطلب المتقيّد بالحدث المتكرّر ـ مثلا ـ من دون أخذ التكرار لا في مفاد الهيئة ، ولا في مفاد المادة ، وإن كانت الهيئة بالملازمة تدلّ على ملاحظة التكرار في جانب المادة في مرحلة الطلب بها.

لأنا نقول : ما لم يلاحظ التكرار ـ في جانب المبدأ ـ في مرحلة الاستعمال ، لا يعقل تقيّد مفاد الهيئة به في مرحلة الاستعمال ، فيلزم نقض الغرض من أخذه في المادّة في مرحلة الاستعمال.

١٨٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ضرورة أن المصدر ليس مادة ... الخ ) (١).

قد عرفت نبذة مما يتعلّق بهذا المقام في أوائل مبحث المشتقّ ، وقد أسمعناك هناك : أنّ الاشتقاق المعنوي عبارة عن طروّ أنحاء النسب على مبدأ واحد ، وهو المشتقّ منه بلحاظ لا بشرطيته الذاتية وقبوله الطبيعي لجميع أنحاء النسب ، وبإزاء ذلك المبدأ مادة اللفظ المشتركة بين جميع الألفاظ المختلفة في الهيئات فقط.

والمصدر مشتمل على نسبة ناقصة لا يصحّ السكوت عليها ، وإن كان ربّما يطلق ويراد منه نفس المبدأ كما لا يخفى ، واشتماله على نسبة ناقصة معنى اشتقاقه معنى.

وأما عند الجمهور فالمصدر بمعناه نفس المبدأ ، فلا يكون بحسب المعنى من المشتقّات لخلوّه عن النسبة ، وحينئذ فالهيئة لمجرّد انحفاظ المادّة ؛ حيث لا يعقل وجود المادّة بلا صورة. وعليه فما حكي عن السكاكي (٢) نافع لما ذكره في

__________________

(١) الكفاية : ٧٨ / ١.

(٢) وهو العلاّمة أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي الخوارزمي ، الملقب بسراج الدين

٣٥٦

الفصول (١) ؛ حيث إن المصدر وإن لم يكن بلفظه وهيئة مادة للمشتقّات ، إلاّ أنه بمعناه مبدأ لها ، فإنّ معروض أنحاء النسب نفس المعنى المصدري ، ومعنى أصالته ـ حينئذ ـ مبدئيته بحسب معناه للمشتقّات ، ونتيجة وضع المصدر لنفس المبدأ بلا نسبة وأصالة معناه ومبدئيته للمشتقات ـ بحيث كانت موادّها بإزاء المعنى المصدري ـ ما أفاده في الفصول.

لكن التحقيق : ما عرفت من اشتمال المصدر معنى على نسبة ناقصة يحكي عنها هيئة وضعا ، وإن كان ربّما يطلق ويراد منه نفس المبدأ ، ومعنى أصالته حينئذ تقدّم رتبته على الفعل لتقدّم كلّ ناقص على التامّ طبعا لزيادة الثاني على الأول ، كما أن وجه دعوى أصالة الفعل تقدّم الفعل على المصدر بلحاظ تقدّم التامّ على

__________________

السكاكي.

ولد في خوارزم سنة ( ٥٥٥ ه‍ ). واشتغل بالحدادة حتى بلغ الثلاثين من عمره ، فعمل دواة مع قفلها بزنة قيراط وأهداها ملك زمانه ، فلم يعره اهتماما بقدر أحد العلماء الداخلين عليه ، فتأثّر لذلك ، وقرّر طلب العلم ، لكنه لم يفلح مع استاذه الشافعي الذي طلب منه أن يردّد قوله : قال الشيخ : جلد الكلب يطهر بالدباغة ، فأجاب هو : قال الكلب : جلد الشيخ يطهر بالدباغة ، فضحك عليه الطلاّب ، فهام بالصحراء بعد أن يئس من التعلّم ، لكنه اعتبر عند ما رأى قليلا من الماء يتساقط على صخرة صماء فثقبها ، فقال في نفسه : لو تعلّمت بصبر وقليلا قليلا لفهمت ، فليس قلبي أصمّ من هذه الصخرة ، فرجع ودرس بجدّ وصبر حتى أصبح من علماء زمانه المشار إليهم بالبنان ، وألّف كتابه ( مفتاح العلوم ) الذي ذكر فيه اثني عشر علما بدقة وإيجاز.

توفي سنة ( ٦٢٦ ه‍ ) بخوارزم.

( روضات الجنات : ٨ / ٢٢٠ ) بتصرف.

(١) الفصول الغروية : ٧١ حيث جاء فيه : ( .. ولأنه لا كلام في أنّ المادّة ـ وهي المصدر المجرّد عن اللام والتنوين ـ لا تدلّ إلاّ على الماهيّة من حيث هي ؛ على ما حكى السكّاكي وفاقهم عليه ، وخصّ نزاعهم ـ في أنّ اسم الجنس هل يدلّ على الجنس من حيث هو ، أو على الفرد المنتشر؟ ـ بغير المصدر ).

٣٥٧

الناقص شرفا ، ونفس هذا الاختلاف كاشف عن أن الأصالة ليست بمعنى المبدئية ؛ ضرورة أن الفعل لا ريب في اشتماله على النسبة ، فكيف يعقل أن يكون بمعناه مبدأ لسائر المشتقات ، مع أن النسبة لا يعقل معروضيتها لنسبة اخرى؟!

١٨٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وكيف يكون بمعناه مادة (١) لها ... الخ ) (٢).

هذا إنّما يتمّ بناء على اشتماله على نسبة ناقصة ، وإلاّ فمعناه فابل للمبدئية ، ولتوارد أنحاء النسب عليه ، وما تقدّم ـ في مبحث المشتق (٣) ـ مباينة المصدر أو المبدأ مع معاني المشتقات ، لا مع مباديها ومعروض نسبها كما هو واضح.

١٨٧ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( لعدم العلقة بينهما لو اريد بها الفرد أيضا ... الخ ) (٤).

حاصله : أنّ المراد بالفرد هو وجود الطبيعة ؛ حيث إنها لا وجود لها في الخارج إلا بوجود فردها.

والكلام في المبحث الآتي ليس في أنّ الطبيعة ـ من حيث هي ـ متعلقة للأمر ، أو فردها؟ بل الكلام في أن لوازم وجود الطبيعة ومشخصاته داخلة في المطلوب ومقومة له ، أو خارجة عنه ومن لوازمه؟ بعد الفراغ عن تعلّق الطلب بوجود الطبيعة ، فالفرد هنا غير الفرد هناك.

قلت : هذا بناء على مسلك التحقيق من كون التشخّص بنفس الوجود ، وما يراه الجمهور من مشخّصات الطبيعة يكون من لوازم التشخص ، لا ما به

__________________

(١) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ فكيف بمعناه يكون مادّة.

(٢) الكفاية : ٧٨ / ٣.

(٣) المصدر هو المشتق منه عند المشهور ، وأما عند محققي المتأخرين ـ ومنهم المصنف (رحمه الله) ـ فالمشتق منه هو المبدأ ، أما المصدر فهو عندهم أحد المشتقات. وقد مضى منه (قدس سره) بيان ذلك مفصّلا كما في التعليقة : ١٠٤ و ١٣٠ من مبحث المشتق.

(٤) الكفاية : ٧٨ / ١٨.

٣٥٨

التشخص. وأما لو قيل بما هو المشهور عند الجمهور ـ من كون التشخّص بهذه الامور اللازمة لوجود الطبيعة في الخارج ـ فلا محالة ليست الوحدة والتعدّد في وجود الطبيعة بنفس الوجود ، بل بلوازمه ، فتكون لوازم الوجود في هذه المسألة داخلة في المطلوب ، فيتّحد الفرد في هذه المسألة ـ المدلول عليه بالصيغة ـ مع الفرد في تلك المسألة.

مضافا إلى أنّ الفرد وإن كان عين وجود الطبيعة فقط ، ولم يكن متّحدا مع الفرد في تلك المسألة ، إلاّ أنّ ترتيب هذا البحث على البحث الآتي ممكن من وجه آخر ؛ لاتحاد الفرد هنا ووجود الطبيعة هناك ، فيقال ـ بعد إثبات تعلق الأمر بوجود الطبيعة ـ : هل مقتضاه وجود واحد من الطبيعة أو وجودات منها؟

فالتحقيق في ردّ ما في الفصول (١) : هو أنّ مجرّد ترتّب موضوع مسألة على موضوع مسألة اخرى أو محمولها على محمولها ، لا يستدعي جعله تتمة لتلك المسألة ، بل ميزان الوحدة والتعدّد وحدة جهة البحث وتعدّدها ، وتعدّد جهة البحث هنا وهناك واضح ، فإنّ جهتي الوحدة والتعدّد في الوجود وإن كانتا عارضتين له ومترتّبتين عليه ، لكنهما مغايرتان له قطعا ، فالبحث عن أحدهما غير البحث عن الآخر ، وإن كانت رتبة أحدهما متأخرة عن الآخر.

١٨٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لا إشكال ـ بناء على القول بالمرة ـ في الامتثال ... الخ ) (٢).

لا يذهب عليك : أنه لا فرق بين القول بالمرة والقول بالطبيعة من هذه لجهة ؛ لرجوع الأمر في مورد الصحة إلى تبديل الامتثال واستقراره على المأتيّ به ثانيا ، وهو لا ينافي إرادة فرد من الطبيعة أو دفعة واحدة منها ؛ حيث إن ما استقرّ

__________________

(١) حيث جعل مبحث المرة والتكرار تتمة لمبحث تعلّق الأمر بالفرد او الطبيعة إن اريد بالمرة الفرد ، وذلك في صفحة : ٧١ من الفصول ، فراجع.

(٢) الكفاية : ٧٩ / ٦.

٣٥٩

عليه الامتثال فرد ودفعة واحدة ، وغيره لغو لم يستوف المولى منه الغرض ، وهو مناط الامتثال على الفرض. فافهم.

١٨٩ ـ قوله [ قدّس سره ] : ( فإنه مع الإتيان بها مرّة لا محالة يحصل الامتثال ... الخ ) (١).

هذا التفصيل إنما يناسب القول بالطبيعة أو المرّة ، والفراغ عن عدم اقتضاء الإطلاق لمرّة أو مرّات ، فتعليل عدم اقتضاء الإطلاق لمرّة أو مرات بهذا الوجه لا يخلو عن شيء ؛ إذ لو اقتضت مقدّمات الحكمة (٢) للإطلاق بهذا المعنى لكشفت عن كون الغرض سنخ غرض يتوقف ترتّبه على الفعل على عدم لحوق فرد آخر أفضل منه أو مطلقا. فتدبر.

__________________

(١) الكفاية : ٧٩ / ١٧.

(٢) قولنا : ( إذ لو اقتضت مقدّمات الحكمة .. الخ )

مقدمات الحكمة تارة تقتضي تعيّن المرّة : إما بأن يقال : إن المرة كأنها لا تزيد على وجود الطبيعة عرفا بخلاف وجودها مرات ، فمع عدم الدالّ عليها يتعين إرادة وجودها مرّة.

وإما بدعوى : أنّ صرف وجود الطبيعة من دون تقييد يقتضي الاكتفاء بمرة ؛ لأنّ صرف وجود الشيء هو طارد العدم الأزلي ، وناقض العدم المطلق ، وبأول وجود من الطبيعة ينتقض العدم.

ويندفع هذه الدعوى : بما ذكرنا في محله (أ) من أن كلّ وجود ناقض العدم البديل له ، فناقض العدم المطلق لا يعقل إلاّ في صرف الوجود الذي لا يشذّ عنه وجود ، وهو هنا غير معقول ، فيرجع الأمر إلى ملاحظة أوّل وجود من الطبيعة ، وهو تعيّن يحتاج إلى البيّنة عليه.

واخرى يقتضي المقدمات الاطلاق من حيث المرّة والمرّات. وهو أيضا على قسمين :

أحدهما ـ ما يكون نتيجته التخيير بين الأقلّ والأكثر ، فيراد مرّة من وجود الطبيعة ، أو مرات بحيث يكون وجودها مرات مطلوبا واحدا ، وهو المناسب للتكرّر المأخوذ في المادّة فإنّ

__________________

(أ) التعليقة : ١٨٩ من مبحث النواهي من الجزء الثاني.

٣٦٠