نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

احدهما ـ انطباق عنوان حسن بالذات أو ما ينتهي إلى ما هو كذلك ـ عليه.

ثانيهما ـ إضافته إلى من يستحق من قبله المدح والثواب بالذات أو بالعرض ، ولو فقد أحد الأمرين لم يستحقّ المدح والثواب.

والوجه في اعتبار الأول : أن مجرّد المشي إلى السوق ـ مثلا ـ لا يمدح عليه عند العقلاء ما لم ينطبق عليه عنوان يوجبه ذاتا ، ومجرّد كون الداعي أمر المولى لا يوجبه ذاتا ؛ إذ الداعي المذكور : إن لم يوجب تغيّر عنوان الفعل لم يكن موجبا لتأثيره في المدح ذاتا ، وإن أوجب ما لا يوجبه ذاتا ، بل بالعرض وجب انتهاؤه إلى ما يوجبه ذاتا للزوم انتهاء كل ما بالعرض إلى ما بالذات ، وإلا لزم التسلسل ، والعنوان الحسن ـ المنطبق على المأتي به بداعي الأمر ـ عنوان الانقياد والتمكين الذي هو عدل وإحسان.

والوجه في اعتبار الثاني : أنّ الفعل إذا لم يرتبط بمن يستحقّ من قبله المدح والثواب ، كان نسبة إليه وإلى غيره على حدّ سواء ، وارتباطه إلى المولى إما بالذات أو بالعرض المنتهى إلى ما بالذات ، فمثل تعظيم المولى يضاف إليه بنفسه ولو لم يكن أمر وإرادة ، وأما مثل تعظيم زيد الأجنبي عن المولى ، فهو غير مضاف بطبعه إلى المولى ، ولا بدّ في إضافته إليه من أن يكون بداعي أمره وإرادته ، فهذا الداعي من روابط الفعل إلى المولى ، ويدخل تحت عنوان مضاف إليه بذاته كعنوان الانقياد والاحسان.

فاتّضح : أن الفعل وإن لم يكن في حدّ ذاته موجبا للمدح والثواب لانتفاء الأمرين ، لكنه إذا أتى به بداعي الأمر انطبق عليه عنوان حسن بالذات ، وارتبط إلى المولى أيضا كذلك.

وأما الإتيان بسائر الدواعي القربية ، فليس كذلك ، ولا بأس بالإشارة إليه ، كي ينفعك فيما بعد (١) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) كما في التعليقة : ١٧٥ من هذا الجزء.

٣٢١

أما الإتيان بداعي أهلية المولى للعبادة ، فمورده العبادة الذاتية ـ أي ما كان حسنا بالذات ـ بداهة أنّ المولى ليس أهلا لما لا رجحان فيه ، ولم يكن حسنا ذاتا ، فالمورد ـ مع قطع النظر عن هذا الداعي ـ حسن بالذات ، ومثله مرتبط بذاته ، لا من طريق الداعي ، فهذا الداعي كما لا يوجب انطباق عنوان حسن ذاتا ، كذلك لا يوجب ارتباط الفعل بالمولى ، بل يتعلق بما كان في حد ذاته ذا جهتين من الحسن والربط.

ومنه تعرف حال الشكر ، والتخضّع ونحوهما ، فإن الإتيان بأمثال هذه الدواعي يتوقّف على كون الفعل ـ مع قطع النظر عن هذه الدواعي ـ شكرا وتخضّعا وتعظيما ، فيكون الفعل ـ مع قطع النظر عنها ـ حسنا ومرتبطا ذاتا ، أو منتهيا إليهما كذلك.

ومنه يتبيّن حال الإتيان بداعي الثواب أو الفرار من العقاب ، فإنّ الفعل لو لم يكن موجبا للثواب ومانعا من العقاب لم يتوجّه إليه مثل هذا الداعي فيخرج هذا الداعي عن كونه موجبا لعنوان حسن ذاتي ورابطا له إلى المولى ، وإنما يصحّ أن يكون داعيا لما كان كذلك أو داعيا للداعي.

وأما الاتيان بداعي المصلحة الكامنة في الفعل : فإن كان بعنوان أنها داعية للمولى إلى الأمر والإرادة لو لا غفلته أو لو لا مزاحمته ، كان هذا الداعي موجبا لانطباق عنوان الانقياد والتمكين ، بل الانقياد فيه أعظم من الانقياد في صورة الأمر والإرادة ، وكذلك يكون رابطا له إلى المولى.

وإن كان لمجرّد كون الفعل ذا فائدة ـ سواء رجعت إلى المولى أو إلى غيره ـ فلا ريب في عدم كونه موجبا لعنوان حسن ، ولا للارتباط إلى المولى ؛ إذ لا مساس له إلى المولى ، فالمولى وغيره في عدم إضافة الفعل إليه سواء ، فلا الفعل انقياد وتمكين وإحسان له ، ولا بنفسه ولا بالعرض مربوط به ، وإن استفاد المولى منه فائدة ، إلا أنّ استفادته غير ملحوظة للفاعل حتى يكون هذا نحو

٣٢٢

انقياد له.

إذا عرفت ما ذكرنا تعرف : أن استحقاق المدح والثواب لا يدور مدار صدق الإطاعة لترتّبها على ما لا أمر ولا إرادة هناك كالتعظيم الذي لم يؤمر به ، ولم ينطبق عليه عنوان قبيح.

كما أن الإطاعة الموجبة للمدح والثواب مشتركة بين التعبّدي والتوصلي ، فلا تجب عقلا بل تجب بمعنى آخر ، وهو ما يوجب التخلّص من الذمّ والعقاب ، وهو لا يكون إلاّ إذا ترتّب الغرض من الواجب على المأتيّ به ، سواء اتي به بهذا الداعي ونحوه أم لا.

نعم ربّما يكون الإتيان بداع مخصوص دخيلا في الغرض ، فالتخلّص عن الذم والعقاب بإتيان الفعل على نحو يترتّب عليه الغرض. وهذا أمر لا طريق للعقل إليه ، وحاله حال سائر ما له دخل في الغرض ، فما يحكم العقل بوجوبه لا طريق له إلى دخل القربة فيه ، وما له طريق لدخل القربة فيه لا يحكم بوجوبه.

وحديث الشك والحكم بالاشتغال أمر آخر ، سنفصّل فيه المقال (١) إن شاء الله تعالى.

١٦٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلاّ من قبل الأمر ... الخ ) (٢).

ربما توجّه الاستحالة : بأنه لا بدّ من ثبوت الموضوع في مرتبة موضوعيته ، حتى يتعلّق الحكم به ، وسنخ الموضوع هنا لا ثبوت له ـ في حد ذاته ـ مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به ؛ لأنه الفعل بداعي شخص الطلب الحقيقي المتعلّق به.

وفيه : أن الحكم بالإضافة إلى موضوعه من قبيل عوارض الماهيّة ، لا من قبيل عوارض الوجود ؛ كي يتوقف عروضه على وجود المعروض ، وعارض الماهية

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ١٧٧ من هذا الجزء.

(٢) الكفاية : ٧٢ / ٢١.

٣٢٣

لا يتوقف ثبوته على ثبوتها ، بل ثبوتها بثبوته كثبوت الجنس بفصله والنوع بالتشخص ؛ إذ من الواضح أنّ الحكم لا يتوقّف على وجود موضوعه خارجا ، كيف؟! ووجوده خارجا يسقط الحكم ، فكيف يعرضه؟ كما لا يتوقف على وجوده ذهنا ؛ بداهة أن الفعل بذاته مطلوب ، لا بوجوده الذهني ، بل الفعل يكون معروضا للشوق النفساني في مرتبة ثبوت الشوق ؛ حيث إنه لا يتشخّص إلاّ بمتعلّقه ، كما في المعلوم بالذات بالنسبة إلى العلم ، فما هو لازم توقّف العارض على معروضه هذا النحو من الثبوت ، بل المانع من تقويم الحكم لموضوعه ، وتقوّم موضوعه به أو بما ينشأ من قبل حكمه أن الحكم متأخّر طبعا عن موضوعه ، فلو اخذ فيه لزم تقدّم المتأخّر بالطبع ، وملاك التقدّم والتأخّر الطبعيين أن لا يمكن للمتأخّر ثبوت إلا وللمتقدم ثبوت ولا عكس ، كما في الاثنين بالنسبة إلى الواحد ، ونسبة الإرادة إلى ذات المراد كذلك ؛ إذ لا يمكن ثبوت للإرادة إلاّ وذات المراد ثابت في مرتبة ثبوت الإرادة ولا عكس ؛ لإمكان ثبوت ذات المراد تقرّرا وذهنا وخارجا بلا ثبوت الإرادة ، ولا منافاة بين التقدّم والتأخّر بالطبع والمعيّة في الوجود ، كما لا يخفى.

ومما ذكرنا يظهر بالتأمل : عدم الفرق بين الأمر بالصلاة بداعي شخص الأمر المتعلّق بها ، أو بداعي الأمر الحقيقي بنحو القضية الطبيعية ؛ بمعنى عدم النظر إلى شخص الأمر ـ لا بمعنى آخر ـ فإنّ شخص هذا الأمر ما لم يسر إلى الصلاة لا يكون المقيّد بداعي الأمر موضوعا للحكم ، وسرايته إلى المقيّد من قبل نفسه واقعا محال ، وإن لم يكن ملحوظا في نظر الحاكم.

ومما بيّنّا في وجه الاستحالة يتبين : أن توهّم كفاية تصوّر المقيّد بداعي الأمر الشخصي ـ مثلا ـ في الموضوعية للحكم أجنبيّ عن مورد الإشكال ، وكأنه مبنيّ على توهّم الإشكال من حيث توقف الحكم على ثبوت الموضوع ، فاجيب بأنّ ثبوته في التصوّر كاف. فتدبّر جيّدا.

ولا يخفى عليك : أنّ إشكال التقدّم والتأخّر الطبعي أيضا قابل للدفع عند

٣٢٤

التأمل ؛ لأنّ الأمر بوجوده العلمي يكون داعيا ، وبوجوده الخارجي يكون حكما للموضوع والوجود العلمي لا يكون متقوّما بالوجود الخارجي بما هو ، بل بصورة شخصه لا بنفسه ، فلا خلف كما لا دور.

بل التحقيق في خصوص المقام : أن الانشاء حيث إنه بداعي جعل الداعي ، فجعل الأمر داعيا إلى جعل الأمر داعيا يوجب علّية الشيء لعلّية نفسه ، وكون الأمر محرّكا إلى محرّكية نفسه ، وهو كعلّية الشيء لنفسه. وسيجيء ـ إن شاء الله تعالى ـ نظيره (١) في عبارة المصنّف (٢) دام ظلّه.

نعم هذا المحذور إنّما يرد إذا اخذ الإتيان بداعي الأمر بنحو الشرطية أو بنحو الجزئية ، وأما إذا لوحظ ذات المأتي به بداعي الأمر ـ أي هذا الصنف من نوع الصلاة ـ وامر به ، فلا يرد هذا المحذور ، كما سيجيء (٣) ان شاء الله تعالى.

١٦٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فما لم تكن نفس الصلاة متعلّقة للأمر لا يكاد يمكن ... الخ ) (٤).

لا يخفى عليك أنّ ما أفاده ـ دام ظلّه ـ أوّلا كاف في إفادة المقصود وواف بإثبات تقدّم الحكم على نفسه ، والظاهر أن نظره الشريف إلى لزوم الدور في مرحلة الاتصاف خارجا ، كما صرّح به في تعليقته (٥) الأنيقة على رسالة القطع من

__________________

(١) قولنا : ( نظيره في عبارة ... الخ ).

فانه هنا في مرحلة اقتضاء الدعوة لاقتضاء الدعوة ، وهناك في مرحلة فعلية الدعوة في نفس المكلف ، ولذا قلنا : ( نظيره ). ( منه عفي عنه ).

(٢) الكفاية : ٧٣ عند قوله : ( إلا انه لا يكاد ... ) كما صرح المصنف (رحمه الله) في التعليقة : ١٦٩ في شرح عبارة الكفاية.

(٣) كما في التعليقة : ١٦٨ من هذا الجزء.

(٤) الكفاية : ٧٢ / ٢٢.

(٥) حاشية كتاب فرائد الاصول : ٢١.

٣٢٥

رسائل شيخنا العلاّمة الانصاري ـ قدس سره ـ.

بيانه : أن اتصاف الصلاة المأتيّ بها خارجا بكونها واجبة ـ مثلا ـ موقوف على إتيانها بداعي وجوبها ، وإلاّ لم يكن مطابقا للواجب ، ويتوقّف قصد امتثالها بداعي وجوبها على كونها واجبة حتّى يتمكّن من قصد امتثالها بداعي وجوبها فيدور.

إلا أن التحقيق في الإشكال ما ذكرناه في الحاشية السابقة ، مع أن الفعل المأتيّ به في الخارج لا يتّصف بكونه واجبا ـ كيف؟! وهو يسقط الوجوب ـ بل الفعل بمجرّد تعلّق الوجوب به يتصف بأنه واجب.

مضافا إلى أنّ الداعي لسبقه على العمل لا يتوقّف على اتصافه ـ بعد إتيانه ـ بالوجوب كي يدور ، بل قبل إتيانه يتعلق الأمر به ، فلا دور حينئذ لتغاير الموقوف والموقوف عليه.

وأما إرجاعه إلى وجه آخر وهو : أن الأمر المأخوذ (١) في الصلاة كمتعلّقات موضوعات الأحكام لا بدّ من تحقّقها في فعلية الأحكام ، فلا يكون التكليف بشرب الماء فعليا إلاّ مع وجود الماء خارجا ، فما لم يكن أمر لا معنى للأمر بإتيان الصلاة بداعي الأمر ؛ لأنه ـ على الفرض ـ شرط فعليته ، فيلزم الدور في مقام الفعلية فهو مدفوع بما قدمناه في الحاشية المتقدمة : من أن الأمر

__________________

(١) بل بهذا البيان يدّعى ورود محذور الدور في مقام الجعل ايضا ؛ لأن المأمور به هو الفعل بداعي الأمر ، فلا بدّ من فرض وجود شخص الأمر في مقام الجعل ، فيلزم وجود شخص الأمر قبل وجوده.

ويندفع : بأن اللازم ـ في مقام الحكم بشيء ـ إذا كان معلقا على شيء فرض وجوده فرضا مطابقا للواقع ، إلاّ أنّ فرض وجوده هكذا لا يستلزم وجوده فعلا ، بل يمكن فرض وجوده الاستقبالي أيضا ، ونتيجة فرض وجود شخص الأمر ليس وجود الشيء قبل وجوده ، بل وجوده التقديري قبل وجوده الحقيقي ، وهذا غير وجود الشيء قبل وجوده ليلزم تقدم الشيء على نفسه. ( منه عفي عنه ).

٣٢٦

بوجوده العلمي يكون داعيا ، ووجوده العلمي لا يتقوّم بوجوده الخارجي ، فلا دور ، بل المحذور ما تقدّم.

نعم لازم التقييد بداعي الأمر محذور آخر : وهو لزوم عدمه من وجوده ، وذلك لأن أخذ الإتيان بداعي الأمر في متعلّق الأمر يقتضي اختصاص ما عداه بالأمر ؛ لما سمعت من أن الأمر لا يدعو إلاّ إلى ما تعلّق به ، وهو مساوق لعدم أخذه فيه ؛ إذ لا معنى لأخذه فيه إلاّ تعلّق الأمر بالمجموع من الصلاة والإتيان بداعي الأمر ، فيلزم من أخذه فيه عدم أخذه فيه ، وما يلزم من وجوده عدمه محال.

ومن الواضح أن عبارته ـ قدس سره ـ هنا غير منطبقة على بيان هذا المحذور ، وإلا لكان المناسب أن يقال : لا يكاد يمكن الأمر بإتيانها بقصد امتثال أمرها ، لا أنّه لا يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها.

نعم هذا المحذور ـ أيضا ـ إنما يرد إذا اخذ الإتيان بداعي الأمر بنحو الجزئية ، أو بنحو القيدية ، فإنّ لازم نفس هذا الجزء أو القيد تعلّق الأمر بذات الصلاة ، ولازم جعل الأمر داعيا إلى المجموع أو إلى المقيّد ـ بما هو مقيّد ـ عدم تعلّق الأمر ببعض الأجزاء بالأسر أو بذات المقيد.

وأما إذا تعلق الأمر بذات المقيد ـ أي بهذا الصنف من نوع الصلاة وذات هذه الحصة من حصص طبيعي الصلاة ـ فلا محذور من هذه الجهة أيضا لفرض عدم أخذ قصد القربة فيه ، وإن كان هذه الحصة خارجا لا تتحقّق إلاّ مقرونة بقصد القربة ، فنفس قصر الأمر على هذه الحصة كاف في لزوم القربة ، وحيث إن ذات الحصة غير موقوفة على الأمر ، بل ملازمة له على الفرض ، فلا ينبعث القدرة (١) عليها من قبل الأمر بها ، بل حالها حال سائر الواجبات ـ كما سيجيء

__________________

(١) قولنا : ( فلا ينبعث القدرة .. الخ ).

نعم لا ينبعث بلا واسطة ، واما مع الواسطة فلا ، وذلك لأن ذات الحصة معلومة لقصد الأمر فترشح الأمر الغيري إليه ، مع انه لا قدرة على هذه المقدمة المنحصرة إلا من قبل الأمر ،

٣٢٧

إن شاء الله تعالى ـ مع أن إشكال القدرة مندفع ـ أيضا ـ بما تقدّم (١) وما سيأتي (٢).

١٦٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إلاّ أنه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها ... الخ ) (٣).

الأولى أن يجاب بما تقدم (٤) في تحقيق حقيقة التقدّم المعتبر في الموضوع بالإضافة إلى الحكم ، لا العدول إلى لزوم محذور آخر.

نعم هذا البيان في دفع ما ذكر في توهّم الإمكان ـ من ثبوت القدرة في ظرف الامتثال ـ وجيه ، حيث لا قدرة في ظرف الامتثال لعدم الأمر بنفس الصلاة حسب الفرض حتى يمكن إتيانها بداعي أمرها ، وهو ظاهر في عدم محذور فيه مع ثبوت القدرة في ظرف الامتثال ، مع أنه يستلزم الدور ؛ لتوقف فعلية الأمر بالمقيد بداعي الأمر على القدرة على الإتيان بداعي الأمر ، توقّف المشروط على شرطه ، وتتوقّف القدرة المزبورة على نفس فعلية الأمر توقّف المعلول على علّته ؛ إذ القدرة على الإتيان بداعي الأمر غير معقولة مع عدم الأمر ، فنحن لا ندّعي أنّ القدرة حال الأمر لازمة كي يجاب بكفايتها حال العمل ، ولا ندّعي أن انبعاث القدرة من ناحية البعث ضائر كي يقال : بأنها كذلك دائما بالإضافة إلى قصد القربة ، بل نقول : إنّ انبعاث القدرة على المأخوذ في متعلّق البعث من نفس

__________________

فيتوقف الأمر على القدرة على متعلّقه بواسطة المقدمة المنحصرة ، توقّف المشروط على شرطه ، ويتوقف القدرة على المقدمة على الأمر بذيها توقّف المسبب على سببه ، والجواب ما في الحاشية الآتية ( منه عفي عنه ).

(١) التعليقة : ١٦٧ ، عند قوله : ولا يخفى عليك.

(٢) في التعليقة الآتية : ١٦٩.

(٣) الكفاية : ٧٣ / ٥.

(٤) التعليقة : ١٦٧.

٣٢٨

البعث الفعلي يستلزم المحال ، ولا يندفع إلاّ بما مرّ (١) من أن الأمر بوجوده الخارجي موقوف ، وبوجوده العلمي الغير المتقوّم بوجوده الخارجي موقوف عليه ، فإن القدرة على الإتيان بداعي الأمر تتحقّق بمجرّد العلم بالأمر وإن لم يكن أمر خارجا في الواقع.

ومما ذكرنا ـ إشكالا وجوابا ـ يظهر حال الجواب عن الدور كلية ؛ بجعل الأمر متعلّقا بالفعل الصادر لا عن داع نفساني ، فإنه منحصر في المأتي به بداعي الأمر من دون أخذه في متعلّق الأمر ، والإشكال فيه عدم القدرة على إتيانه لا عن داع نفساني ، إلا بعد الأمر المحقّق لداع آخر غير الدواعي النفسانية. وجوابه ما تقدّم.

١٧٠ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( فإنه ليس إلا وجود واحد ... الخ ) (٢).

لا يذهب عليك : أنّ ذات المقيّد والتقيّد ـ وإن كانا في الخارج موجودين ـ لكلّ منهما نحو وجود يباين الآخر ، فإنّ الصلاة ـ مثلا ـ لها وجود استقلاليّ ، وتقيّدها بالقصد له وجود انتزاعي ، إلاّ أنّ العبرة في التعدّد والوحدة بلحاظ الأمر ، فإنه قد يلاحظ الموجودين المتباينين على ما هما عليه من التعدّد ، فيأمر بهما بأمر واحد ، فيحدث بالإضافة إلى كلّ واحد وجوب غيري كما توهم ، أو تعلّق عن قبل وجوب نفسي واحد (٣) كما هو الحقّ ، وقد يلاحظهما بنحو الوحدة ، فيلاحظ المقيّد بما هو مقيّد ، لا ذات المقيّد والتقيّد ، فالمأمور به حقيقة واحد ، والأمر واحد وجودا وتعلّقا ، والدعوة واحدة ، فلا أمر لا حقيقة ولا تعلّقا بذات المقيّد ، فكيف يأتي به بداعي أمره؟!

١٧١ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( فإنه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير

__________________

(١) في التعليقة : ١٦٧ ، عند قوله : ولا يخفى عليك ...

(٢) الكفاية : ٧٣ / ١١.

(٣) لا تخلو العبارة من غضاضة وغموض ، والظاهر أن المراد منها هو : أو تعلّق بكل واحد ـ من المتباينين ـ وجوب نفسي انحلاّ عن وجوب نفسي واحد.

٣٢٩

اختياري ... الخ ) (١).

يمكن الذبّ عنه : بأنّ الإرادة إنما لا تكون إرادية إلى الآخر ، وأما سبق الإرادة بإرادة اخرى توجب خلوّ النفس عن موانع دعوة الأمر ، ففي غاية المعقولية ، والخصم يكفيه سبق الإرادة بإرادة اخرى ، كما يكفيه سبق الفعل بالإرادة ، ولا حاجة إلى سبق كلّ إرادة بإرادة ليلزم التسلسل.

لا يقال : هذا لو كانت الإرادة كيفية نفسانية في قبال العلم ، وأما لو كانت عبارة عن اعتقاد النفع فلا ؛ إذ لا يعقل إيجاب اعتقاد النفع ولا تحريمه ، وكيف يعقل تحريم التصديق بموافقة شرب الخمر للقوة الشهوية مع أنه غير اختياري؟!

لأنا نقول : ليس اعتقاد النفع ـ مطلقا ـ مؤثرا فعليا في حركة العضلات إلى الفعل ، بل عند عدم المانع ، فصحّ الأمر بالإرادة ـ أي بجعل اعتقاد النفع مصداقا للإرادة بجعله مؤثّرا بتخلية النفس عن الموانع ـ كما أنه يصحّ النهي عنها ؛ لرجوعه إلى إحداث المانع عن تأثير اعتقاد النفع فلا تغفل.

مع أن الخصم لا يلزمه القول بالأمر بالفعل وبقصد الامتثال ؛ ليلزم الأمر بالقصد ، بل يقول بالأمر بالصلاة ، وبجعل الأمر بها محرّكا وداعيا إلى فعلها ، فهو إلزام بالصلاة التي هي من أعمال الجوارح ، وبجعل الأمر محركا بتخلية النفس عن موانع دعوة الأمر وتحريكه وتأثيره في تعلّق الإرادة بالصلاة ، أو بتخلية النفس عما يقتضي تأثير غير الأمر في صيرورته داعيا إلى إرادة الصلاة ، وأين هذا من التكليف بقصد الامتثال؟!

ومنه يظهر اندفاع ما يقال : من أنّ قصد الامتثال ليس إلاّ إرادة خاصة ، وكما لا يعقل الأمر بالفعل وبالإرادة في عرض واحد ـ للزوم تعلّق الأمر بالفعل الخالي عن الإرادة وإلا لزم إما اجتماع إرادتين على مراد واحد وهو من اجتماع

__________________

(١) الكفاية : ٧٣ / ١٨.

٣٣٠

علّتين مستقلّتين على معلول واحد ، أو الخلف بعدم كون الفعل والإرادة جزء لمتعلق الأمر ـ كذلك لا يعقل الأمر بالفعل وبالإرادة الخاصّة لعين ما مرّ.

وجه ظهور الاندفاع : ما عرفت من أنّ لازم مقالة الخصم ليس تعلّق الأمر بقصد الامتثال ، بل بجعل الأمر داعيا إلى إرادة الفعل ، وهو لا يستلزم خلوّ الفعل عن الإرادة.

١٧٢ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( إنما يصحّ الاتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه ... الخ ) (١).

توضيحه : أن الاجزاء بالأسر ليس لها إلا أمر واحد (٢) ، ولا لأمر واحد إلا دعوة واحدة ، فلا يكون الأمر داعيا إلى الجزء إلاّ بعين دعوته إلى الكلّ ، وحيث إن جعل الأمر داعيا إلى الصلاة مأخوذ في متعلّق الأمر في عرض الصلاة ، فجعل الأمر المتعلّق بالمجموع داعيا إلى الصلاة بجعل الأمر بالمجموع داعيا إلى المجموع ليتحقّق الدعوة إلى الصلاة في ضمن الدعوة إلى المجموع ، مع أن من المجموع الدعوة إلى الصلاة في ضمن الدعوة إلى المجموع ، فيلزم دعوة الأمر إلى جعل نفسه داعيا ضمنا إلى الصلاة. ومحركية الأمر لمحركية نفسه إلى الصلاة عين عليته لعلية نفسه ، ولا فرق بين علية الشيء لنفسه وعليته لعليته.

__________________

(١) الكفاية : ٧٣ / ٢٠.

(٢) قولنا : ( توضيحه : أنّ الأجزاء .. الخ ).

ويمكن تقريب محذور الدور بوجه آخر وهو أن قصد الامتثال : تارة يلاحظ بالإضافة إلى المقصود بالذات ، وهو ما يتقوّم به القصد في افق النفس ، وهو متأخّر عن المقصود بالذات ، فلو اخذ فيه لزم تقدّم الشيء على نفسه واخرى يلاحظ ( بالإضافة [ لم ترد هذه الكلمة في الأصل فأثبتناها من نسخة ( ط ) لاقتضاء السياق. ] ) إلى المقصود بالعرض ، والقصد حينئذ علة لوجوده ، فله التقدّم بالعلية على المقصود بالعرض ، فلو كان داخلا في جملة ما تعلّق به الأمر ويطلب به امتثاله ، لزم تأخّر الشيء عن نفسه إلاّ أنّ الأول ملاك الخلف ، والثاني ملاك الدور ؛ لأنه في الأول تأخّر وتقدّم طبعي ، والثاني تقدّم وتأخّر وجودي. والجواب : ما مرّ مرارا من تعلّق الأمر بذات الحصّة بانضمام إصلاح شرطية القدرة بما مر. ( منه عفي عنه ).

٣٣١

نعم لو قلنا : بترشّح الأمر الغيري إلى الأجزاء ، وإمكان التقرب بالأمر الغيري لم يرد هذا المحذور ؛ لأن جعل الوجوب الغيري المختصّ بالصلاة داعيا إلى الصلاة لا يتوقّف على جعل الأمر بالكلّ داعيا ، لكن المبنى غير مستقيم ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محلّه (١) ـ مع جريان إشكال الدور من ناحية القدرة ـ كما تقدّم ـ لتوقّف الأمر بالمجموع على القدرة على مثل هذا الجزء ـ وهو جعل الأمر المقدمي الغيري داعيا ـ توقّف المشروط على شرطه ، ويتوقّف القدرة على فعلية الأمر الغيري المعلول للأمر النفسي ، فيتوقف فعلية الأمر النفسي على فعلية نفسه. والجواب ما تقدم مرارا.

١٧٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إن الأمر الأوّلي (٢) إن كان يسقط بمجرّد موافقته ... الخ ) (٣).

لنا الالتزام بهذا الشق ، ولكن نقول : بأن موافقة الأول ليست علة تامة لحصول الغرض ، بل يمكن إعادة المأتي به لتحصيل الغرض المترتّب على الفعل بداعي الأمر.

توضيحه : أن ذات الصلاة ـ مثلا ـ لها مصلحة ملزمة والصلاة المأتي بها بداعي أمرها لها مصلحة ملزمة اخرى ، أو تلك المصلحة بنحو أوفى بحيث تكون بحدها لازمة الاستيفاء. وسيجيء ـ إن شاء الله ـ في المباحث الآتية (٤) : أن الامتثال ليس عنده (٥) (قدس سره) علّة تامّة لحصول الغرض كي لا تمكن

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ٦ ، ج ٢ عند قوله : والتحقيق ان الامتناع ...

(٢) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : الأمر الأوّل ..

(٣) الكفاية : ٧٤ / ٨.

(٤) وذلك في التعليقة : ٢٠١ من هذا الجزء.

(٥) الكفاية : ٨٣ عند قوله : الأول : ان الاتيان بالمأمور به ... ـ إلى قوله ـ : بل لو لم يعلم انه من أيّ القبيل ... الخ.

٣٣٢

الإعادة وتبديل الامتثال بامتثال آخر ، غاية الأمر أن تبديل الامتثال ربما يكون لتحصيل غرض أوفى فيندب الإعادة ، واخرى يكون لتحصيل المصلحة الملزمة القائمة بالمأتيّ به بداعي الامتثال فتجب الإعادة. فموافقة الأمر الأول قابلة لاسقاط الأمر لو اقتصر عليه ، لكن حيث إن المصلحة القائمة بالماتي به بداعي الامتثال لازمة الاستيفاء ، وكانت قابلة للاستيفاء لبقاء الأول على حاله حيث لم يكن موافقته علة تامة لسقوطه ، فلذا يجب إعادة المأتي به بداعي الأمر الأوّل فيحصل الغرضان فتدبّر جيدا.

وأمّا توهّم : أنه يسقط الأمر الأول ، وكذا الثاني ، لكنه حيث إن الغرض باق ، فيحدث أمران آخران إلى أن يحصل الغرض ، وإلاّ فبقاء الأمر الأوّل بعد حصول متعلّقه طلب الحاصل.

فمندفع : بأن الغرض إن كان علة للأمر ، فبقاء المعلول ببقاء علته بديهي ، وإلا لا يوجب حدوثه أولا فضلا عن عليته لحدوثه ثانيا وثالثا. ولا يلزم منه طلب الحاصل ؛ لأن مقتضاه ليس الموجود الخارجي كي يكون طلبه طلب الحاصل ، كما لا يلزم منه أخصية الغرض ؛ لما سيجيء (١) ـ إن شاء الله تعالى ـ فانتظر.

١٧٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وإن لم يكد يسقط بذلك ، فلا يكاد ... الخ ) (٢).

لنا الالتزام بهذا الشقّ أيضا من غير لزوم محذور ، وتقريبه : أن الشرط ـ كما أسمعناك في مبحث الصحيح والأعمّ (٣) على وجه أتمّ ـ ما له دخل في فعلية تأثير المركّب فيما له من الاثر ، وإما الخصوصية الدخلية في أصل الغرض فهي مقوّمة للجزء بمعنى أن الخاص جزء لا أنّ الخصوصية خصوصية في الجزء المفروغ

__________________

(١) وذلك في أواخر التعليقة : ١٧٦ من هذا الجزء.

(٢) الكفاية : ٧٤ / ١١.

(٣) التعليقة : ٥٨ و ٧١ من هذا الجزء.

٣٣٣

عن جزئيته ، وقصد القربة والطهارة والتستّر والاستقبال ، من الشرائط جزما ، فهي ذات دخل في تأثير المركّب من الأجزاء في الغرض القائم به.

ومن الواضح أن الغرض إنما يدعو بالأصالة إلى إرادة ذات ما يفي بالغرض ، ويقوم به في الخارج ، وأما ما له دخل في تأثير السبب ، فلا يدعو اليه الغرض في عرض ذات السبب ، بل الداعي إلى إيجاد شرائط التأثير وإيجابها أغراض تبعية منتهية إلى الغرض الأصلي لاستحالة التسلسل.

ومثل الإتيان بالصلاة بداعي أمرها من شرائط تأثيرها في الانتهاء عن الفحشاء ، كما أنه من روابط ما يقوم به الغرض بالمولى ، فالمصلحة القائمة بالمركّب الصلاتي تدعو المولى إلى الأمر بالصلاة المحصّلة للغرض أوّلا وبالذات ، وإلى الأمر بما له دخل في فعلية تأثيرها ثانيا وبالعرض إذا لم يكن موجودا أو لم يكن العقل حاكما بإيجاده بعنوانه ، وإلاّ فمع أحدهما لا يجب عليه في مقام تحصيل غرضه الأصيل الأمر المقدمي بالشرائط ، كما انه مع عدم وجود الشرط وعدم حكم العقل بعنوانه يجب عليه الأمر المقدمي بتحصيله ، وإلاّ كان لنا التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في نفيه ، كما سيجيء (١) إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت ذلك فاعلم : أن المولى لا يجب عليه أخذ كلّ ما له دخل في تأثير مطلوبه في غرضه في متعلّق أمره بذات ما يفي بالعرض سواء أمكن أخذه فيه كالطهارة ونحوها ، أو لم يمكن (٢) كالقربة ونحوها ، بل قد عرفت أنه بلحاظ لبّ الإرادة لا يعقل تعلّقها بذات السبب وشرائطه في عرض واحد ، فله الأمر حينئذ بذات السبب والأمر بكلّ واحد من الشرائط مستقلاّ ، وعدم سقوط الأمر بالسبب مع عدم الإتيان بشرائطه من لوازم الاشتراط من دون فرق بين القربة

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ١٧٧ من هذا الجزء ، عند قوله : ( والتحقيق : أن الشك ... ).

(٢) في الأصل : ( أو لم يكن ... ).

٣٣٤

وغيرها ، وكما لا يحكم العقل بدخل الطهارة بعنوانها في ترتّب الغرض من الصلاة عليها مع عدم البيان من الشارع ، كذلك لا يحكم العقل بدخل القربة بعنوانها في ترتّب الغرض ، وحكمه بدخلها في استحقاق الثواب لا دخل له بما نحن فيه ، كما سمعت سابقا (١).

وأما حكم العقل بإتيان ما يحتمل دخله في الغرض ، فهو مقيّد بعدم تمكّن المولى من البيان ولو بالأمر به ثانيا ، فكما لا يقتضي إيجاب الطهارة ـ مثلا ـ إذا احتمل دخلها في الغرض لتمكّن المولى من بيانها ، كذلك لا يقتضي إيجاب القربة لتمكّنه من بيانها ، غاية الأمر أن دائرة البيان أوسع في الاولى من الثانية ؛ لتمكّن المولى من بيانها بالأمر الأوّل والثاني في الاولى دون الثانية ، حيث لا يمكن بيانها إلاّ بالأمر الثاني ، وكون الأمر الثاني بيانا مصحّحا للعقوبة سيجيء توضيحه إن شاء الله.

فتحصّل من جميع ما حرّرناه : أنّ الأمر الأوّل لا يسقط بموافقته لبقاء ما له دخل في تأثير على حاله ، ولا يلزم لغوية الأمر الثاني ، فإنه إنّما يلزم ذلك لو حكم العقل بإيجاده بعنوانه ، والفرض عدمه. وحكم العقل بإتيان ما يحتمل دخله في الغرض مقيّد بعدم تمكّن المولى من البيان ؛ كي لا تجري فيه قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ، والمفروض تمكّنه منه بالأمر الثاني ، وتخصيص التمكّن بالتمكّن من بيانه بالأمر الأوّل بلا مخصّص ، إلاّ توهّم أن البيان المصحّح للعقوبة منحصر في الكاشف عن الإرادة المتعلّقة بالفعل ، والمفروض عدم إمكان أخذ القربة فيما تعلقت به الإرادة ، وسيجيء جوابه ان شاء الله تعالى.

١٧٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إلاّ أنه غير معتبر فيه قطعا ... الخ ) (٢).

__________________

(١) من دخل القربة في استحقاق الثواب ، وذلك في التعليقة : ١٦٦ عند قوله في أوّلها : ( تحقيق الحال : أن الطاعة ... ).

(٢) الكفاية : ٧٤ / ١٩.

٣٣٥

لأنّ جواز الاقتصار على الإتيان بداعي الأمر يكشف عن تعلّق الأمر بنفس الفعل ، لا الفعل بداعي حسنه أو غيره من الدواعي ؛ إذ لا يمكن إتيانه بداعي الأمر إلاّ مع تعلّقه بذات الشيء ، وإلاّ يلزم اجتماع داعيين على فعل واحد ، أو كون داعي الأمر من قبيل داعي الداعي ، وهو خلف ؛ لفرض كفاية إتيانه بداعي الأمر بنفسه ، مع أن الكلام فيما يكون الفعل عباديّا وقربيّا ، وهذه الدواعي بين ما لا يوجب العبادية والقربية وما يتوقّف على عبادية الفعل وقربيته.

أما الإتيان بداعي كونه ذا مصلحة فقد عرفت سابقا (١) : أنه بمجرّده لا يوجب الارتباط إلى المولى ، ولا انطباق عنوان حسن عليه.

وأما الإتيان بداعي (٢) كونه ذا مصلحة موافقة للغرض ، وداعية للمولى إلى إرادة ذيها ، فهو وإن كان يوجب الارتباط وانطباق الوجه الحسن ، لكنه لا يعقل تعلّق الإرادة بما فيه مصلحة داعية إلى شخص هذه الإرادة ، وكما لا يمكن إرادة فعل بداعي شخص هذه الإرادة ، كذلك إرادة فعل بداعي ما يدعو إلى شخص هذه الإرادة بما هو داع إليها لا بذاته.

وأما الإتيان بداعي الحسن الذاتي أو بداعي أهليته ـ تعالى ـ ، أو له ـ تعالى ـ بطور لام الصلة ـ لا لام الغاية ـ فكل ذلك مبنيّ على عبادية المورد ، مع

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ١٦٦ عند قوله : ( وأما الإتيان بداعي المصلحة الكامنة ... ).

(٢) قولنا : ( وأما الإتيان بداعي .. الخ ) ربما يورد عليه أيضا : بلزوم محذور الدور منه ؛ لأن قصد المصلحة يتوقف على كونه ذا مصلحة ، ويتوقف كونه ذا مصلحة على قصدها.

ويندفع : بأنه كذلك لو كان قصد المصلحة مأخوذا على نحو الجزئية ، فإنه حينئذ بعض ما يقوم بالمصلحة ، وأما إذا كان بنحو الشرطية ، فلا محذور ؛ لأن نفس المركّب من الأجزاء هو الذي يقوم به المصلحة (أ) ، وقصدها دخيل في فعليتها ، فلا مانع من أخذ قصد إتيانها بداعي ما فيها من المصلحة ، وصيرورة تلك المصلحة فعلية بسببه فتدبّر. ( منه عفي عنه ).

__________________

(أ) في الأصل : ( هي التي يقوم بها المصلحة .. ) ، والصحيح ما اثبتناه.

٣٣٦

قطع النظر عن تلك الدواعي.

أما الاول فواضح ، وأما الأخيران فلأنه ـ تعالى ـ أهل لما كان حسنا وعبادة ، لا لما لا حسن فيه ، والعمل لله ليس إلاّ العمل الإلهي من غير أن تكون إلهيته من قبل الداعي ، وقد عرفت بعض الكلام فيما تقدّم (١).

١٧٦ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( إذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم إمكان أخذ قصد الامتثال ... الخ ) (٢).

ليس وجه التلازم بين استحالة التقييد واستحالة الإطلاق أن الإطلاق والتقييد متضايفان ، فلا بدّ من قبول المحلّ لتواردهما ؛ إذ ليس هذا شأن المتضايفين ، كيف؟! والعلية والمعلولية من أقسام التضايف ، ولا يجب أن يكون كلّ ما صحّ أن يكون علة صحّ أن يكون معلولا وبالعكس.

بل الوجه فيه : أن هذا النحو من التقابل من قبيل العدم والملكة ، فلا معنى لإطلاق شيء إلاّ عدم تقييده بشيء من شأنه التقييد به ، فما يستحيل التقييد به يستحيل الإطلاق من جهته.

نعم لا حاجة إلى إثبات استحالة الإطلاق لأنها غير ثابتة (٣) ـ كما بيناه في

__________________

(١) كما في التعليقة : ١٦٦ عند قوله : ( أما الإتيان بداعي أهلية المولى ... ).

(٢) الكفاية : ٧٥ / ٤.

(٣) قولنا : ( لانها غير ثابتة .. الخ ).

توضيحه : أن الماهية ـ كما بينا في مبحث المطلق والمقيد (أ)ـ تارة تلاحظ بنفسها ـ بقصر النظر عليها ذاتا ـ فهي في تلك الملاحظة غير واجدة إلا لذاتها وذاتياتها ، ولا يحكم عليها في هذه الملاحظة إلاّ بذاتها بالحمل الأوّلي ، وهي الموسومة بالماهية من حيث هي وبالماهية المهملة. واخرى تلاحظ مقيسة إلى ما عداها ، وهي بهذه الملاحظة لها تعيّنات ثلاثة ، وباعتبار كونها معروضا لها مقسم لها ، وهي المسّماة باللابشرط المقسمي وأمّا بالاعتبار الأوّل ، فلا نظر إلى

__________________

(أ) وذلك في التعليقة : ٢١٦ من الجزء الثاني.

٣٣٧

.....................................

__________________

الخارج عن مقام ذاتها حتى تكون مقسما ، كما أنّ لا بشرطية الماهية بهذا الاعتبار هي اللابشرطية من حيث التعيّنات الثلاثة ، لا اللابشرطية بالقياس إلى أي شيء كان ، وحيث إنّ الماهية المقيسة إلى ما عداها لا بشرط مقسمي ، فلا تعيّن لها إلاّ التعينات الثلاثة ؛ لأن المقسم لا ينحاز عن أقسامه ، وإلاّ لزم الخلف. والتعيّنات الثلاثة : هي تعيّن الماهية من حيث كونها بشرط شيء ، أو بشرط لا ، أو لا بشرط بالإضافة إلى ما كانت الماهية بالنسبة إليه بشرط شيء وبشرط لا ، مثلا : إذا قيست ماهية الانسان إلى الكتابة ، فتارة يلاحظ الانسان مقترنا بالكتابة ، واخرى يلاحظ مقترنا بعدم الكتابة ، وثالثة يلاحظ غير مقترن بالكتابة ولا بعدمها ، وهذا تعين اعتباري لا مطابق له في الخارج ؛ لأنه إما يوجد في الخارج مقترنا بوجود الكتابة أو بعدمها ، وهذا اللابشرط القسمي غير المقسمي ؛ لأنه لا بشرط بالاضافة إلى ما كانت الماهية بالاضافة إليه بشرط شيء ، وبشرط لا ، والمقسمي ما كان لا بشرط بالاضافة إلى هذه الاعتبارات الثلاثة التي هي فعلية بالقياس (أ) إلى ما عداها.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أن الصلاة إذا لوحظت بالقياس إلى قصد القربة ، فلا محالة تخرج عن فرض كونها ماهية مهملة يكون النظر مقصورا على ذاتها كيف؟! وقد لوحظت بالقياس الى الخارج عن ذاتها ، وحيث لا يعقل أن تلاحظ مقترنة بقصد القربة ولا مقترنة بعدم قصد القربة ، فلا بدّ أن تكون ملحوظة بنحو اللابشرط القسمي أي ملاحظة الصلاة غير مقترنة بقصد القربة ، ولا مقترنة بعدمه ، غاية الأمر أن اللابشرطية في ما يقبل التقييد بشيء وجودا وعدما ممكنة وهنا ضرورية.

وأما ما (ب) من أنه لا إطلاق إلاّ فيما رتّب الحكم على المقسم ، ولا يعقل أن تكون الصلاة مثلا مقسما للمتقيد بقصد القربة وللمتقيّد بعدمه في مرتبة موضوعيتها ، بل المقسمية حصلت لها بعد ورود الحكم عليها فكيف يعقل أن يكون لها إطلاق مع أنها غير قابلة للتقييد؟! ولذا جعل الإطلاق في قبال التقييد من قبيل العدم والملكة ، لا من قبيل السلب والايجاب.

__________________

(أ) [ في الأصل : فعلية القياس. ]

(ب) يقال [ القائل المحقق النائيني (ره) ـ كما في هامش الحجري ـ راجع اجود التقريرات ١ / ١١٣ ، وهو الشيخ الميرزا محمد حسين ابن شيخ الإسلام الميرزا عبد الرحيم النائيني النجفي من أعاظم علماء الشيعة واكابر المحقّقين. ـ ].

٣٣٨

................................

__________________

فالجواب عنه : أن الإطلاق في جميع الموارد بمعنى اللابشرطية القسمية ، ومن الواضح أن اللابشرط القسمي في قبال بشرط شيء ، وبشرط لا ، لا أنه مقسم لهما حتى يجب قبوله لهما ، وليس الإطلاق بهذا المعنى متقوّما بالقيد الوجودي والعدمي ، بل متقوّم بعدم كون الماهية مقترنة بهما.

نعم لو كان الإطلاق عين العموم البدلي ـ بحيث كان مفاد ( صلّ ) عند الإطلاق ( صلّ مع قصد القربة ، أو لا مع قصد القربة ) ـ لكان المحذور واردا ، لكنه ليس الإطلاق بهذا المعنى ، بل بمعنى اللابشرطية ، كما عرفت.

وعليه فالإطلاق المقابل للتقييد : تارة من قبيل العدم والملكة ، كما فيما كان ممكنا ، واخرى من قبيل السلب والإيجاب ، كما فيما كان ضروريا ، فالصحيح أن الاطلاق مع إمكان التقييد ومع استحالته ثابت غاية الأمر أنه لا يجدي إلا في الأول ، كما في المتن. [ منه قدس سره ].

__________________

ولد في نائين ـ بلدة من نواحي يزد تبعد عنها عشرين فرسخا وتتبع في الإرادة اصفهان ـ سنة ( ١٢٧٧ ه‍ ) ونشأ وتعلم بها ، ثم هاجر إلى أصفهان فدرس بها على الشيخ محمد باقر الاصفهاني ، والشيخ أبي المعالي الكلباسي : والشيخ جهانكير خان ، في سنة ( ١٣٠٣ ه‍ ) ، هاجر إلى العراق ، وحضر درس السيد اسماعيل الصدر ، والسيد محمد الفشاركي ، ولازم درس المجدّد الشيرازي حتى صار كاتبا ومحررا له. في سنة ( ١٣١٤ ه‍ ) سافر إلى كربلاء ملازما للسيد إسماعيل الصدر. ثم عاد إلى النجف فصار من اعوان الشيخ محمد كاظم الخراساني في مهامّه الدينية ، ووقف معه في نهضة الدستور ، طبع كتابه ( تنبيه الامة وتنزيه الملة ) سنة ( ١٣٢٧ ه‍ ) ، فتعرف عليه الطلاب وزادت حوزته اتساعا ، ولما توفي شيخ الشريعة الأصفهاني رجع إليه كثير من أهل البلاد في التقليد ، وله موقفه من مجلس الدستور في العراق.

كان لدرسه ميزة خاصة لدقة مسلكه وعلوّ تحقيقاته ، فكان لا يحضر درسه إلا ذو والكفاءة من أهل النظر ؛ ولذا كان طلابه بعده هم الذين عقد عليهم الأمل حتى برز منهم قادة الحركة العلمية والفكرية ومشاهير المدرسين ، ناهيك بمثل السيد أبو القاسم الخوئي مقرّر درسه في الأصول في ( أجود التقريرات ) ، والشيخ الكاظمي في ( فوائد الأصول ) ، والشيخ حسين الحلي ، والميرزا باقر الزنجاني ، والسيد حسن البجنوردي ، والشيخ موسى الخوانساري وغيرهم. ـ

٣٣٩

حواشي الجزء الثاني من الكتاب (١) ـ بل عدم التقييد لا يكشف عن عدم دخل القيد في الغرض فلعله ممكن الدخل غير ممكن التقييد.

لا يقال : الإطلاق هنا ليس بمعنى عدم التقييد ، بل بمعنى الإرسال ، فهو تعيّن في قبال تعيّن التقييد ، وليس كالعدم بالإضافة إلى الملكة حتى يستحيل باستحالة التقييد.

لأنا نقول : ليس الإطلاق مأخوذا في موضوع الحكم ، بل لتسرية الحكم إلى تمام أفراد موضوعه ، فالموضوع نفس الطبيعة الغير المتقيّدة بشيء ، مع أنه من حيث الاستحالة ـ أيضا ـ كذلك ؛ لأنّ الإرسال حتى من هذه الجهة المستحيلة يوجب جميع المحاذير المتقدمة.

فإن قلت : كما إنّ إطلاق الهيئة ذاتا في مسألة شمول كل حكم للعالم والجاهل دليل على الشمول ، فليكن إطلاق المادة ذاتا هنا دليلا على عموم المتعلّق ، فلا حاجة إلى الإطلاق النظري والتوسعة اللحاظية ، بل يكفي الإطلاق الذاتي ، وان كان منشؤه عدم إمكان التقييد النظري والتعميم اللحاظي.

قلت : نفس امتناع توقّف الحكم على العلم أو الظن به أو الشك فيه ، كامتناع دخل تعلّق إحدى الصفات به في ترتّب الغرض الباعث على الحكم دليل على عدم دخل إحدى الصفات في مرتبة من المراتب ، لا إطلاق الهيئة ذاتا ، فنفس البرهان الجاري في جميع المراتب دافع للتردد البدوي الحاصل للغافل ، بخلاف

__________________

(١) أواخر تعليقته على قول المصنّف (رحمه الله) ـ في الكفاية : ٢٧٩ ـ : ( بأنّ الحكمين ليس في مرتبة واحدة ... ) ، وذلك عند قوله : ( قلت : القيد اذا كان ... ) انظر ج ٣ تعليقه ٦٩.

__________________

توفي (ره) في ( ١٦ ـ جمادى الاولى ـ ١٣٥٥ ه‍ ) ، وصلى عليه السيد ابو الحسن الأصفهاني ، ودفن في الحجرة الخامسة على يسار الداخل إلى الصحن الشريف لحضرة أمير المؤمنين (ع) من باب السوق الكبير ، ( طبقات اعلام الشيعة في القرن الرابع عشر ٢ : ٥٥٣ رقم : ١٠٢١ ) بتصرف.

٣٤٠