نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

في هذه المرحلة فإنه يصحّح الملامة على العبد وذمّه بإقدامه ، لا إنه يصحّح جعل الضرر من الغير ، وإلاّ فلكلّ أحد جعل الضرر على عباد الله ، بل جعل الضرر إنما يصحّ إذا كان بعد الكسر والانكسار حسنا وواجبا في الحكمة ، وقد عرفت أن مفسدة جعله أعظم من مفسدة تركه ؛ إذ لو لم يكن تخويف وتوعيد بالنسبة إلى هذا العاصي ، لم يكن في الخارج إلا وقوعه في مفسدة دنيوية ، وإيكاله إلى نفسه وهواه الموجب لوقوعه فيها أولى من جعل يوجب وقوعه في العقاب الاخروي أيضا ، فجعل العقاب مقدّمة لحفظ العبد عن الوقوع في المفسدة إنما يكون إحسانا للعبد ، إذا لم يستلزم ما هو أعظم من وقوعه في المفسدة.

فالتحقيق : أنّ مصلحة التخويف العامّ حفظ النظام ، والحكيم يراعي المصلحة العامّة الكلّية ، فكما لو لا تخويف من يرتدع حقيقة بالردع ، لما ارتدع ، فلم يبق نظام الكلّ محفوظا ، كذلك لو احتمل المجرم ـ بما هو مجرم ـ أنه لا يعذّب. فعموم التخويف والترهيب مما له دخل في حفظ النظام الذي لا أتمّ منه نظام.

ومنه ظهر : أن المصلحة الداعية إلى التخويف ليست مجرّد حفظ العبد عن الوقوع في المفسدة ـ وإن كانت من الفوائد أحيانا ـ حتى يقال : بأنه لا يقاوم مفسدة الوقوع في العذاب الدائم ، بل حفظ النظام الذي لا يزاحمه شيء أبدا. فليس للمجرم حجة على الله ـ تعالى ـ لإقدامه على الضرر بإرادته ، ولا لأحد حجّة عليه ـ تعالى ـ من جهة جعله العقاب لاقتضاء المصلحة الغير المزاحمة بشيء.

ومن هنا اتضح سرّ التكليف والتخويف ، مع القطع بعدم التأثير ؛ حيث إن المقدمة وإن كان شأنها إمكان التوصل بها ، لكن إيجادها مع القطع بعدم الموصلية لغو جزما ـ وإن لم يسقط عن المقدّمية ـ إلاّ أنه بعد ما عرفت ـ أن

٣٠١

الداعي الحقيقي حفظ النظام ، وهو مترتب على عموم التخويف والإلزام ـ فلا مجال للإشكال. غاية الأمر أن ارتداع النفوس الطاهرة من الفوائد ، كما أنّ كونه (١) حجة لله على النفوس الخبيثة من الفوائد ، وهذا معنى تسجيلية أوامر العصاة والكفّار. فافهم واستقم.

الثاني : أن المخالفة والعصيان تقتضي استحقاق العقاب عقلا ، فالعقل هو المخوّف على المخالفة ، واختيار العقاب فيما لا مانع منه ـ من توبة أو شفاعة مثلا ـ مما تقتضيه الحكمة الإلهية والسّنة الربّانية لعين ما ذكرناه في جعل العقاب ، غاية الأمر أن للشارع الاكتفاء في التخويف بتخويف العقل من دون حاجة إلى جعل العقاب ، فما ورد من التصريح بالعقاب على المخالفة ليس تعهّدا للعقاب ، بل تصريح بمقتضى الأمر عقلا ، فحينئذ إذا أقدم العبد على المخالفة ـ مع حكم العقل بما ذكرنا ـ فلا يلومنّ إلاّ نفسه.

وأما وجه حكم العقل باستحقاق العقاب فلما ذكرنا في محلّه (٢) من أن مخالفة المولى عن علم وعمد هتك لحرمة المولى ، وخروج معه عن رسوم العبودية ومقتضيات الرقية ، وهو ظلم ، خصوصا على مولى الموالي ، ومن يتوهّم أن الظلم على المولى لا يسوّغ عقاب الظالم ومؤاخذته ، فقد كابر مقتضى عقله ووجدانه. وتمام الكلام في محلّه.

__________________

(١) ورد في هامش الأصل ( استظهار ) أنّ الصحيح : ( كونها ) ، فالمستظهر قد أرجع الضمير على النفوس الطاهرة ، ولا شكّ بكونها حجة لله على النفوس الخبيثة ، ولكن إرجاع الضمير في ( كونه ) على ارتداع النفوس الطاهرة ـ كما فعل المصنف (رحمه الله) : ليس خطأ ؛ لأن ارتداعها حجة ايضا ، فعبارة المتن صحيحة ، كما هو واضح.

(٢) التعليقة ١٠ على قول المصنّف (رحمه الله) : ( الحق أنّه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته ... الخ ) في حجّيّة القطع ـ في التجرّي.

٣٠٢

ومنها : أنّ المبدأ الخيّر لا يصدر منه إلاّ الخير ، ولا يصدر منه الشرّ لعدم السنخية ، وعقاب المجرم شرّ ، فكيف يصدر منه؟ وهذا الإشكال جار حتى على الوجه الأوّل ـ أعني كونه من لوازم الأفعال ـ إذ لا بدّ من خلوّ النظام عن الشرّ.

والجواب : أن اللازم خلو النظام عن الشرّ بالذات ، وأما الشر بالعرض ـ الذي كان بالذات خيرا ـ فلا مانع من صدوره عن الخير المحض ، وإفاضة العقاب الدائم على أهله ـ كإفاضة الثواب الدائم على أهله ـ عين العدل والصواب ؛ لأنّها إفاضة محضة من حيث اقتضاء المورد القابل ، والشيء لا ينافي مقتضاه ، بل يلائمه وإن كان العذاب الجسماني ـ من حيث تفرّق الاتصال المنافر (١) للبدن ـ شرّا بالإضافة إليه ، إلاّ أنه بالعرض.

ومنها : أنّ إيجاد من سيوجد منه الموبقات والمهلكات ، أو إيجاد نفس الموجبات لأنواع العقوبات على أيدي العباد ، مناف لرحمة ربّ الأرباب.

وتحقيق الجواب بتمهيد مقدمات نافعة :

الاولى ـ أنّ لكلّ ماهيّة من الماهيّات ـ في حدّ ذاتها ـ حدّا ماهويّا ؛ بحيث لو زيد عليه أو نقص عنه لخرجت تلك الماهية عن كونها هي ، وكانت ماهيّة اخرى ، مثلا : ماهية الشجر جوهر ممتدّ نام ، فلو زيد على هذا الحدّ الماهوي ( الحسّاسية ) خرجت عن كونها ماهية الشجر ، وكانت ماهية الحيوان. كما أنّه لو نقص عن الحدّ المذكور ( النامي ) خرجت عن الشجرية ، ودخلت في الجماد. وهكذا الأمر في الماهيات الأخر ، فلكلّ ماهيّة وجدان وفقدان.

__________________

(١) لقد تكرّر من المصنف قدس‌سره ومن كثير من علمائنا الأبرار ( رضي الله عنهم ) اشتقاق ( نافر ومنافرة ومنافر ... الخ ) من النفرة بمعنى عدم الملاءمة والانسجام ، ولم ترد هذه الاشتقاقات من هذا الأصل ، بل وردت المنافرة في اللغة بمعنى المفاخرة والمحاكمة. فراجع.

٣٠٣

الثانية ـ قد تقرّر في مقرّه (١) : أنّ لماهيات الأشياء ـ كائنة ما كانت ـ نحو وجود في العلم الأزلي الربّاني بتبع العلم بالوجودات ، أو بتبع الصفات والأسماء ، كما لهجت به ألسنة العرفاء. غاية الأمر أنّ العلم في مرتبة الذات ، والمعلوم في المرتبة المتأخرة ؛ إذ لا يعقل أن يكون لنفس الماهية طريق في مرتبة وجود العالم ، وإلاّ لانقلب ما حيثيّة ذاته حيثيّة طرد العدم إلى ما لا يأبى عن الوجود والعدم.

الثالثة ـ أنّ سنخ الوجود ـ كما برهن عليه في محله (٢) ـ هو المجعول بالأصالة وبالذات ، والماهية مجعولة بالتبع وبالعرض ، وإلاّ فوجدان الماهية لذاتها وذاتياتها ولوازمها غير محتاج إلى جعل وتأثير ، ولا يعقل الجعل بين الشيء ونفسه ، ولا بينه وبين لوازمه.

الرابعة ـ كل ما أمكن وجوده بالذات وجب وجوده ، إلا إذا توقّف على ممتنع بالذات ؛ إذ لا نقص في طرف علة العلل من حيث المبدئية والعلية ، فلا بد من أن يكون النقص : إما في المعلول ، والمفروض إمكانه ، أو في الوسائط من الأسباب والشرائط ، والنقص المانع ليس إلاّ امتناعها الذاتي ، وإلاّ فيجري في تلك الواسطة هذا البيان. فاحتفظ به واغتنم.

إذا تمهّدت هذه المقدمات ـ وتدبّرت فيها حقّ التدبّر ـ تعرف أنّ تفاوت الماهيات الجنسية والنوعية والصنفية والشخصية ـ في أنفسها ولوازمها ـ بنفس ذواتها ، لا بجعل جاعل وتأثير مؤثر ، فمنهم شقيّ ومنهم سعيد بنفس ذاته وماهويته. وحيث كانت الماهيات موجودة في العلم الأزلي ، وطلبت بلسان حال

__________________

(١) كما جاء في الشواهد الربوبية ، المشهد الأوّل ، الشاهد الثالث ، الإشراق السادس والسابع : ٤٢ ، ٤٣. وكما جاء في تعليقة السبزواري (رحمه الله) على الشواهد : ٤٥٦.

(٢) الأسفار ١ : ٣٨ وما بعدها.

٣٠٤

استعدادها الدخول في دار الوجود ، وكان الواهب الجواد فيّاضا بذاته غنيا بنفسه ، فيجب عليه إفاضة الوجود ، ويمتنع عليه الإمساك عن الجود ، وحيث إنّ الجود بمقدار قبول القابل ـ وعلى طبق حال السائل ـ كانت الإفاضة عدلا وصوابا ؛ إذ الشيء لا ينافي مقتضاه ، فإفاضة الوجود على الماهيات ـ كائنة ما كانت ـ إفاضة على ما يلائم الشيء ؛ حيث إن الشيء يلائم ذاته وذاتياته ولوازمه ، وقياسه بإجابة السفيه قياس باطل ؛ إذ السفيه ربما يطلب ما ينافي ذاته ، فإجابته خلاف الحكمة ، بخلاف إجابة الماهيات ، فإنه لا اقتضاء وراء الذات والذاتيات.

فالاعتراض : إن كان بالإضافة إلى مرتبة الذات والماهية فهو باطل بأنّ الشقيّ شقيّ في حدّ ذاته ، والسعيد سعيد كذلك ـ كما عرفت ـ والذاتي لا يعلّل الا بنفس ذاته ، وإن كان بالإضافة إلى الوجود فهو فاسد ؛ لما عرفت من أن إفاضة الوجود على وفق قبول القوابل عدل وصواب.

وهذا معنى ما ورد من « أنّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » (١) ، وهو معنى قوله ـ عليه السلام ـ : « السعيد سعيد في بطن أمّه والشقيّ شقيّ في بطن أمّه » (٢).

والاختصاص ببطن الامّ : إمّا لكونه أوّل النشآت الوجودية عند الجمهور ، أو المراد ما هو باطن الشيء وكمون ذاته ومكنون ماهيته ، وإطلاق الامّ على الماهية بلحاظ جهة قبولها ، كما اطلق الأب على الباري ـ تعالى ـ بلحاظ جهة

__________________

(١) الروضة من الكافي ٨ : ١٧٧ ، الحديث : ١٩٧. ومسند أحمد ٢ : ٥٣٩ ، وفيه تقديم الفضة على الذهب ، وقريب منه في المصدر نفسه في الصفحات التالية : ٢٥٧ ، ٢٦٠ ، ٣٩١ ، ٤٣٨ ، ٤٩٨ ، ٥٢٥ ، والبخاري ٤ : ٢١٧.

(٢) توحيد الصدوق : ٣٥٦ ، الباب : ٥٨ ، حديث : ٣ بتقديم الشقيّ على السعيد ، وانظر البحار ٥ : ١٥٦ ـ ١٦١ باب ٦ تجد أحاديث كثيرة في هذا المعنى مع شرحها.

٣٠٥

فاعليته في بعض الكتب السماوية.

وهو معنى ما عن العرفاء من أنّ العلم تابع للمعلوم ، فإنّه ـ تعالى ـ لم يول أحدا إلاّ ما تولّى ، ولم يعطه إلا ما أعطاه من نفسه : ( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )(١) والله العالم.

١٥٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لكنك غفلت عن أنّ اتحاد الإرادة ... الخ ) (٢).

قد عرفت ما عندنا في هذا المقام عند البحث عن الإرادة التكوينية والتشريعية في بعض الحواشي السابقة (٣) ، فلا نعيد. فراجع.

__________________

(١) النحل ١٦ : ٣٣.

(٢) الكفاية : ٦٩ / ١.

(٣) التعليقة : ١٥١ من هذا الجزء.

٣٠٦

[ مباحث صيغة الأمر ]

في معاني صيغة الأمر

١٥٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ضرورة أن الصيغة ما استعملت في واحد ... الخ ) (١).

بل ربما لا يعقل ؛ إذ مفاد الهيئة كما هو بمعنى البعث أو الطلب الملحوظ نسبة بين المادّة والمتكلّم والمخاطب ، فتكون المادّة مبعوثا إليها أو مطلوبة ، والمخاطب مبعوثا أو مطلوبا منه ، كذلك لا بدّ أن تلاحظ السخرية والتعجيز والتهديد متعلّقة بالمادّة ، مع أنه لا معنى لجعل المخاطب مسخرة (٢) بالحدث ، ولا لجعله عاجزا به ، ولا لجعله مهددا به. وإنما يسخّره (٣) ويعجزه ، ويهدده بتحريكه نحو المادة.

__________________

(١) الكفاية : ٦٩ / ١١.

(٢) ( مسخرة ) بمعنى : من يسخر منه ، وهي عاميّة ، والفصيح فيها : ( سخرة ).

(٣) إن الفعل ( يسخّره ) مصدره ( التسخير ) لا ( السخرية ) كما يظهر من كلام المصنّف (رحمه الله) ؛ حيث إنّ فعل ( السخرية ) هو ( يسخر منه ) بدون تضعيف كما هو واضح.

ولا يبعد أنّ ذكر ( السخرية ) كان سهوا من قلمه الشريف وهو يريد ( التسخير ) ؛ لذا جاء بالفعل ( يسخّره ) انسياقا مع ما في ذهنه (رحمه الله) ، خصوصا وإنه (رحمه الله) يشرح الكفاية ، والآخوند (رحمه الله) ذكر فيها ( التسخير ) ، ولم يذكر ( السخرية ) عند عدّه معاني الأمر المجازية ـ وقد ذكر مثالا ( للتسخير ) قوله تعالى : (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) الأعراف ـ ٧ : ١٦٦ ـ.

لكن هذا لا يعني أن الآخوند (رحمه الله) قد استقصى معاني الأمر المجازية ، بل هو نفسه (رحمه الله) يقول : ( عدّ منها : الترجي والتمني .. والتسخير إلى غير ذلك ) : ٦٩ وحيث إن الأمر

٣٠٧

١٥٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( قصارى ما يمكن أن يدّعى أن تكون الصيغة ... الخ ) (١).

فاستعمالها في الطلب بسائر الدواعي خلاف الوضع لا الموضوع له ، وما يمكن إثبات نتيجة هذه الدعوى به امور :

منها : انصرافها إلى ما كان بداعي الجدّ : فإنّ غلبة الاستعمال بداعي الجدّ ربّما يصير من القرائن الحافّة باللفظ ، فيكون اللفظ بما احتفّت به ظاهرا فيما إذا كان الإنشاء بداعي الجدّ ، إلا أن الشأن في بلوغ الغلبة إلى ذلك الحدّ ؛ لكثرة الاستعمال بسائر الدواعي ، ولو بلحاظ المجموع. فتأمل.

منها : اقتضاء مقدّمات الحكمة : فإنّ المستعمل فيه ، وإن كان مهملا من حيث الدواعي ، وكان التقييد بداعي الجدّ تقييدا للمهمل بالدقّة ، إلاّ أنه عرفا ليس في عرض غيره من الدواعي ؛ إذ لو كان الداعي جدّ المنشأ ، فكأنّ المنشئ لم يزد على ما أنشأ.

منها : الأصل العقلائي ؛ إذ كما أنّ الطريقة العقلائية في الإرادة الاستعمالية على مطابقة المستعمل فيه للموضوع له ، مع شيوع المجازات في الغاية ، كذلك سيرتهم وبناؤهم على مطابقة الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدية.

__________________

استعمل في السخرية مجازا كما في قوله تعالى : ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) الدخان ٤٤ : ٤٩ فلا يبعد أنّ سهو القلم الشريف للمصنف (رحمه الله) كان في الفعل ( يسخّره ) وهو يريد ( يسخر منه ) فعلا للسخرية التي تقدّم منه (رحمه الله) ذكرها ، خصوصا مع ملاحظة قوله (رحمه الله) بعدها : ( ... لا معنى لجعل المخاطب مسخرة بالحدث ).

وعلى كلّ حال فالخطب يسير حيث إن كلا المصدرين ـ التسخير والسخرية ـ من معاني الأمر المجازية.

(١) الكفاية : ٦٩ / ١٥.

٣٠٨

وبالجملة : الأصل في الأفعال حملها على الجد حتى يظهر خلافه ، وكثرة الصدور عن غير الجد لا يوجب سدّ باب الأصل المزبور. فتدبر.

١٥٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لا لإظهار ثبوتها حقيقة بل لأمر آخر ... الخ ) (١).

لا يخفى عليك أن المحال في حقّه ـ تعالى ـ ثبوتها لا إظهار (٢) ثبوتها ، والأغراض المترتّبة على إنشاءاتها بلحاظ كشفها عن ثبوتها ، لا بلحاظ نفس وجوداتها الإنشائية ، فإنّ إيجاد المفهوم بوجوده الجعلي العرضي اللفظي ـ مع قطع النظر عن كشفه عما هو استفهام ، أو تمنّ أو ترجّ بالحمل الشائع ـ لا يترتّب عليه إظهار المحبّة وغيرها من الأغراض.

فالإنصاف أن كيفية الاستعمال والدلالة على الجدّ في ما وقع في كلامه ـ تعالى ـ على حدّ ما في كلام غيره ، إلا أنه فيه ـ تعالى ـ لإظهار المحبّة مثلا ، فهو يظهر المحبة والاستيناس بإظهاره الاستفهام الحقيقي بقوله تعالى : ( وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى )(٣) ، كما أنه ـ تعالى ـ يشجعه ـ عليه السلام ـ على دعوة فرعون بإظهاره الترجّي الحقيقي بقوله تعالى : ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى )(٤). فافهم.

١٥٩ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( في أن الصيغة حقيقة في

__________________

(١) الكفاية : ٧٠ / ٦٠.

(٢) والغرض من إظهار ثبوت تلك الصفات ، ايراد كلام له ظهور بحسب مقام المحاورة في ثبوت هذه الصفات ، وإن لم يقصد الحكاية عن ثبوتها ، بل قصد بإيراده إظهار اللطف والمحبة ؛ لئلا يلزم من قصد الحكاية عن ثبوتها الكذب. فتدبر ( منه عفي عنه ).

(٣) سورة طه ٢٠ : ١٧.

(٤) سورة طه ٢٠ : ٤٤.

٣٠٩

الوجوب ... الخ ) (١).

المراد بالوجوب كون الفعل مبعوثا إليه بالبعث الناشئ عن إرادة حتمية ، والفرق بينه وبين الإيجاب بنحو من الاعتبار ؛ فان البعث ـ الصادر عن إرادة حتمية ـ له جهتان من الانتساب : جهة انتساب إلى الباعث لقيامه به قياما صدوريا ، وهو قيام الفعل بفاعله ، وجهة انتساب إلى المادّة لقيامه بها قيام حلول ، وهو قيام الصفة بالموصوف. فهذا البعث الوحداني الواقع بين الباعث والمبعوث إليه بملاحظة هاتين النسبتين إيجاب ووجوب ، كالايجاد والوجود.

وأما المصلحة القائمة بالمادّة الموجبة لتعلّق البعث بها ، فهي من الدواعي الباعثة على إرادتها والبعث نحوها ، لا أنها عين وجوبها ، كما لا يخفى.

وأما ما عن بعض الأعلام من مقاربي عصرنا (٢) قدس‌سره ـ من أن التغاير بين الإيجاب والوجوب حقيقي ؛ لأن الإيجاب من مقولة الفعل ، والوجوب من مقولة الانفعال ، والمقولات متباينة ـ فهو اشتباه بين الفعل والانفعال المعدودين من المقولات ، وبين ما يعدّ عرفا من الفعل المقابل للصفة. وميزان المقولتين المتقابلتين : أن يكون هناك شيئان : لأحدهما حالة التأثير التجدّدي ، وللآخر حالة التأثّر التجدّدي ، كالنار والماء ؛ فإنّ النار في حال التسخين لها حالة التأثير التجدّدي آناً فآنا في الماء بإعطاء السخونة ، والماء له حالة التأثّر والقبول التجدّدي للسخونة.

وأما نفس السخونة الحادثة في الماء ، فهي من مقولة الكيف ، ومثل هذا المعنى غير موجود في المقام وأشباهه.

ولو تنزّلنا عن ذلك لم يكن الوجوب من مقولة الانفعال ، بل الوجوب كالسخونة القائمة بالماء ، وحيثية قبول المادة للوجوب ـ على فرض التنزّل ـ من

__________________

(١) الكفاية : ٧٠ / ١٠.

(٢) هو المحقّق الرشتي في بدائعه : ٢٦٤ و ٢٦٩.

٣١٠

مقولة الانفعال ، لا نفس الوجوب ، وليس الإيجاب إلاّ هذا الوجوب من حيث صدوره عن الموجب ، وحيثية الصدور والتأثير وأشباهها حيثيات انتزاعية. فافهم واستقم.

١٦٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( كيف؟ وقد كثر استعمال العامّ في الخاصّ حتى قيل : ما من عامّ ... الخ ) (١).

ربما يقال : إن كثرة الاستعمال الموجبة للنقل أو الإجمال ، إنما تصحّ في مثل أسماء الأعلام والأجناس ، لا في مثل الهيئات التي لا تنتهي إلى جامع لفظي ، بل ينتزع عن الهيئات المختلفة ـ باختلافها تارة وزنا وحركة ، وباختلاف موادّها اخرى ـ جامع يعبر عنه بصيغة ( افعل ). ومن الواضح أن هذا الجامع الانتزاعي لم يستعمل في شيء غالبا حتى يوجب انس الذهن بالنسبة إلى اللفظ والمعنى ، واستعمال هيئة خاصة في الندب تارة ، واستعمال هيئة خاصة اخرى فيه اخرى ، لا يوجب الانس بين لفظ ومعنى ، والجامع الانتزاعي غير مستعمل في شيء لا أنه ليس من مقولة الألفاظ.

وجوابه يتضح (٢) بالرجوع إلى ما أسمعناك في تحقيق نوعية الوضع في الهيئات ، وإجماله : أن الهيئات الموضوعة للبعث اللزومي ـ باختلاف موادّها وأوزانها وحركاتها ـ لها نحو وحدة باعتبار أن جميع هذه المختلفات بوضع واحد وضعت لمعنى واحد ، فاذا استعملت المتفرّقات من هذه الهيئات في غير ما وضعت

__________________

(١) الكفاية : ٧٠ / ١٨.

(٢) قولنا : ( وجوابه يتضح .. الخ ).

إلا أن هذا إنما يصحّ إذا كان الوضع واحدا بالحقيقة ، وذلك لا يمكن إلا مع وحدة الموضوع حقيقة ، مع أنك قد عرفت أنه لا جامع ذاتي بين الهيئات ، فليس هناك إلا جامع عنواني ، والمعنونات ـ بما هي ـ موضوعة بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، فلا وحدة إلاّ بحسب العنوان والعبارة. ( منه عفي عنه ).

٣١١

له كثيرا ينثلم ظهورها في معناها الوحداني ، وإن لم يكن كل واحدة من هذه الهيئات مستعملة في غير ما وضعت له كثيرا.

ومنه يظهر الفرق بينها وبين ألفاظ العموم وأدواتها فإن الجمع المحلّى باللام والنكرة في سياق النهي والنفي ومثل ( كل ) و ( جميع ) وأشباه ذلك ، وإن وضعت لسنخ معنى واحد ، لكن لا بوضع واحد ، بل بأوضاع متعدّدة ، فكثرة استعمال الجمع المحلّى باللام في الخصوص لا يوجب انثلام ظهور سائر أدوات العموم في العموم. فتدبّر.

١٦١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( بل يكون أظهر من الصيغة ... الخ ) (١).

لا يخفى أن النكتة الآتية في كلامه ـ مد ظله ـ من أن إظهار الطلب بعنوان الإخبار بوقوع المطلوب يدلّ على أنه لا يرضى بتركه حتى أخبر بوقوعه ، يمكن الخدشة فيها : بأن الإخبار بالوقوع يناسب إرادته ، لا الإخبار بسائر الدواعي الجارية في الصيغة من التهديد والتعجيز وغيرهما ، فان هذه الدواعي لا تناسب الإخبار بالوقوع. بخلاف ما إذا كان الغرض وقوعه في الخارج فإنه يناسبه الإخبار بوقوعه ، فكأنّ وقوعه مفروغ عنه. وأما أن إرادة وقوعه على وجه عدم الرضا بتركه أولا؟ فلا شهادة لمضمون الجملة الخبرية عليه كما لا يخفى.

إلاّ أن يقال : إن الملازمة بين الأخبار بالوقوع وإظهار إرادة الوقوع لا بدّ من أن تكون للملازمة بين الوقوع وطلب الوقوع ، ومن البيّن أن الوقوع من المنقاد لازم لطلبه منه ، فالبعث نحو (٢) المنقاد ملزوم لوقوع المبعوث [ إليه ](٣) منه في الخارج ، فلذا أخبر عن اللازم إظهارا لتحقق ملزومه. ومن الواضح أن البعث

__________________

(١) الكفاية : ٧١ / ٣.

(٢) كذا في الأصل ، والأصوب : فالبعث المتوجّه نحو المنقاد ...

(٣) إضافة يقتضيها السياق.

٣١٢

الذي لا ينفكّ عن الوقوع من المنقاد هو البعث الحتمي ، وإلا فالبعث الندبي ـ ولو إلى المنقاد ـ لا يلازم الوقوع ، بل ربما يكون ، وربما لا يكون.

وأما استفادة ذلك بملاحظة أن الوقوع لا يكون إلا مع ضرورة الوجود ، فالمراد إظهار لا بدّيّة الوقوع بالإخبار عن الوقوع المستلزم لضرورة الوجود ، فبعيدة في الغاية عن أذهان العامّة في مقام المحاورة.

١٦٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إنما يلزم الكذب إذا اتي بها بداعي الإخبار والإعلام ... الخ ) (١).

فإن القصد الاستعمالي المتعلّق بالجملة لا واقع له وراء نفسه ، فلا يعقل اتصافه بصدق ولا كذب ، بل مناط الصدق والكذب هو القصد الجدّي إن تعلّق بمضمون الجملة ، ولو لا لداعي الإعلام وحصول العلم للمخاطب ، بل لإفادة لازمه أو إظهار التألم ، كما في قولك : ( الهواء حارّ أو بارد ) ، أو إظهار التأسف ، كما في قولك : ( مات زيد ) إذا علم المخاطب بموته وبعلمك بموته ، فإنّ هذه الأغراض لا تترتب إلاّ على الحكاية الحقيقية ، بخلاف الكناية ، فإنّها لمجرّد الانتقال من الملزوم إلى اللازم ، فلا شأن لمضمون الجملة إلاّ كونه قنطرة محضة إلى اللازم ، وكذلك الإخبار بداعي البعث والتحريك ، فإنّه لمجرّد إظهار الطلب.

فإن قلت : الحكاية والكشف والإرادة حقيقة بلا محكيّ ولا مكشوف ولا مرئيّ حقيقة محال ، فلا يعقل أن يتعلّق به القصد ، فما المقسم في الخبر الصادق والكاذب؟

قلت : المراد من الحكاية الحقيقية (٢) بالجملة الخبرية إحضار الواقع بإحضار المفهوم الفاني فيه في ذهن المخاطب بتوسّط إحضار اللفظ ، وحضور الواقع بنحو

__________________

(١) الكفاية : ٧١ / ١٢.

(٢) في الأصل : ( الحقيقة ) ، ما اثبتناه من نسخة ( ط ) هو الصحيح.

٣١٣

فناء المفهوم فيه في ذهن المخاطب لا يستدعي ثبوت المطابق في الخارج ؛ إذ العلم يتقوّم بالمعلوم بالذات ، لا بالمعلوم بالعرض ، وهذا الإحضار الخاصّ ربّما يكون عن جدّ بداعي الإعلام أو الإعلام بعلم المتكلم او بداعي إظهار التألّم او التأسّف ، وربما لا يكون عن جدّ ، بل قنطرة محضة إلى لازمه أو ملزومه ، فلذا لا يتّصف بالصدق والكذب بلحاظ نفسه.

١٦٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فإنّ شدّة مناسبة الإخبار بالوقوع ... الخ ) (١).

لكنه لا يوجب تعيّنه من بين المحتملات في مقام المحاورة ؛ حتى يقال : إنه مبيّن بذاته في مقام البيان ، فلو اقتصر عليه المتكلّم لم يكن ناقضا لغرضه ولعله ـ دام ظلّه ـ أشار إليه بقوله : ( فافهم ) (٢).

لا يقال : حيث لا نكتة للإخبار عن الوقوع إلاّ ما ذكر فيتعيّن الوجوب.

لأنا نقول : لا تنحصر النكتة فيما يعيّن الوجوب ، بل من المحتمل إرادة مطلق الطلب ؛ نظرا إلى أن الإرادة ـ سواء كانت حتمية أو غير حتمية ـ مقتضية للفعل.

وبعبارة اخرى : البعث الصادر عن إرادة حتمية أو غير حتمية حيث إنه لجعل الداعي إلى الفعل ، فهو مقتض للوقوع ، فالإخبار عن المقتضي إظهارا للمقتضى نكتة صحيحة مصحّحة لإرادة الفعل كذلك.

نعم النكتة المعيّنة للوجوب أنسب بالإخبار عن الوقوع ، وشدة المناسبة بنفسها لا توجب كون الوجوب قدرا متيقّنا في مقام المخاطبة.

١٦٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( نعم فيما كان الأمر بصدد

__________________

(١) الكفاية : ٧١ / ١٩.

(٢) الكفاية : ٧١.

٣١٤

البيان ... الخ ) (١)(٢).

توضيحه : أن حتمية الإرادة (٣) عبارة عن بلوغها مرتبة لا يرضى بترك ما تعلّقت به ، وندبيتها عبارة عن نقصان مرتبتها ، بحيث يرضى بترك متعلّقها. فالإرادة الحتمية الأكيدة إرادة محضة لا يشوبها شيء ، والإرادة الندبية حيث إنها مرتبة ضعيفة من الإرادة ، فهي فاقدة لمرتبة منها ، فهي متفصّلة بفصل عدمي ، ليس من حقيقة الإرادة في شيء. فاذا كان المتكلم في مقام البيان ، فله الاقتصار على الصيغة الظاهرة في البعث الصادر عن إرادة في إفادة حتمية الإرادة ؛ لأن حتمية الإرادة حيث إنها مرتبة من نفس الإرادة الخالصة ، فكأنها لم تزد شيئا على الإرادة حتى يحتاج إلى التنبيه عليه. بخلاف ما إذا كان في مقام إفادة الندب لأنه ممتاز بأمر خارج عن حقيقة الإرادة ، وإن كان عدميّا ، فلا بد من التنبيه عليه ، وإلا كان ناقضا لغرضه.

__________________

(١) لا يخفى أن ما ذكرناه في التعليقة غاية ما يمكن تصحيح كلامه ـ قدس سره ـ به ، وإلا فظاهر كلامه مخدوش : بأن عدم المنع من الترك بعدم نصب القرينة على المنع من الترك ، بخلاف المنع من الترك ، فانه محتاج إلى نصب قرينة عليه ، كما في كل أمر عدمي بالنسبة إلى الوجودي ، كما أن الامر بالعكس إذا جعل الوجوب معنى لازمه عدم الرضاء بالترك ، والندب معنى لازمه الرضاء بالترك. [ منه قدّس سرّه ].

(٢) الكفاية : ٧٢ / ٧.

(٣) قولنا : ( توضيحه : أنّ حتميّة الارادة ... الخ ).

تنقيح المرام أن الايجاب والاستحباب هل هما مرتبتان من الارادة ، أو إنشاءان منبعثان عن مرتبتين من الإرادة ، أو إنشاءان منبعثان عن مصلحة ملزمة وغير ملزمة ، أو هما إنشاءان بداعي جعل الداعي مع المنع من الترك وعدمه ، أو إنشاءان بداعي جعل الداعي مع الرخصة في الترك وعدمها ، أو إنشاءان بداعي البعث الاكيد وبداعي البعث الغير الأكيد ، فهذه مجموع المحتملات ، ويتفاوت بحسبها تقريب مقدمات الحكمة ، واستفادة الوجوب والاستحباب فنقول :

أما الأول : فساقط عن الاعتبار هنا ؛ لأن الكلام في الايجاب والاستحباب اللذين هما من الاحكام المجعولة شرعا وعرفا ، والإرادة وإن كانت روح الحكم ، إلاّ أنها ليست من الاعتبارات

٣١٥

.....................................

__________________

المجعولة ، بل من الصفات النفسانية الغير المجعولة بالجعل التشريعي.

وأما الثاني : فلا بأس به بناء على تفاوت الإرادة الباعثة على جعل الداعي في مقام الإيجاب والاستحباب ، ونحن وإن أشكلنا عليه في أثناء مباحث الضد (أ) ، لكنا دفعناه أيضا بتعقّل التفاوت ، فإنّ شدة الإرادة وضعفها منبعثة (ب) عن شدة موافقة المصلحة لغرض المولى وضعفها ، بحيث تؤثر الشدة في دفع المزاحم ، ولا يؤثر الضعف في دفعه لو كان ، وإن كانت تؤثر في حركة العضلات لو لم يكن مزاحم من باب الاتفاق.

وأما الثالث : فهو أيضا مما لا بأس به إلا أنّ الإنشاء المنبعث عن مصلحة ليس إلاّ إظهارا للمصلحة الملزمة مثلا ، وهذا ليس من حقيقة الحكم المجعول ـ وهو الانشاء بداعي جعل الداعي ـ فلا بدّ من توسيط جعل الداعي ، كما أن الإنشاء بداعي إظهار الإرادة الحتمية كذلك ، كما لا يخفى. وهذا كلّه لأنّ الوجود الإنشائي ليس إلا وجود المعنى بوجود اللفظ تنزيلا كما هو شأن الاستعمال ، وهو غير الوجود الاعتباري للبعث او للملكية ونحوهما ، كما حقق في محله.

وأما الرابع والخامس ففيهما : أنّ معيّة المنع من الترك أو الترخيص فيه مع البعث الجدي والتحريك الحقيقي إمّا معيّة موجود (ج) مستقلّ مع وجود مستقلّ آخر ، فيكون النتيجة انبعاث الإنشاء عن مجموع داعيين ، وإمّا معيّة الفصل مع الجنس بحيث يكون أمر واحد حقيقة ينبعث عنه الإنشاء ، وإمّا معيّة لازم الوجود مع ملزومه ، بحيث يكون الإنشاء منبعثا عن الملزوم ، وإن كان له هذا اللازم ، فلا بدّ من خصوصية اخرى يكون جعل الداعي تارة ملزوما لهذا اللازم ، واخرى لا يكون ، وتلك الخصوصية إمّا حتمية الإرادة ، أو كون المصلحة ملزمة ، أو كون البعث أكيدا ، وهذا لازم تأكده. وعلى أي حال لا يكون هذا الاحتمال بناء على الوجه الأخير مقابلا لسائر الاحتمالات ، واحتمال المعية بالمعنى الأوّل لا يساعده مقام الثبوت ، ولا مقام الإثبات :

أما مقام الثبوت : فلأن الفعل إذا كانت فيه مصلحة لزومية لا ينقدح بسببها إلا الإرادة

__________________

(أ) وذلك في التعليقة : ١١٧ من الجزء الثاني عند قوله : ( وأما كونه مرتبة وحيدة ... )

(ب) كذا في الأصل ، والصحيح منبعثتان ..

(ج) كذا في الأصل ، والصحيح ظاهرا : معيّة وجود مستقل ..

٣١٦

.....................................

__________________

المحرّكة للعضلات ، أو المحرّكة إلى جعل الداعي ، وليس هناك كراهة الترك ، ولا انبعاث المنع عن تركه ، بل ربما لا يخطر بباله الترك.

وأما مقام الإثبات : فقد مرّ مرارا أن الإنشاء ـ بأيّ داع كان ـ مصداق ذلك الداعي ، فالإنشاء يناسبه انطباق عنوان البعث نحو الفعل إذا كان بداعي البعث ، فإذا كان بداعي البعث نحو الفعل والمنع عن الترك ، كان مصداقا لهما ، مع أن عنوان المنع من الترك لا يناسب إنشاء البعث نحو الفعل ، وليس الوجوب إلا مجموع الأمرين.

وما ذكرنا في بحث الضدّ (أ) من أن التحريك نحو الفعل تحريك عن خلافه ، كما أن التقريب إلى جهة تبعيد عن خلافها لا يجدي هنا إذ هذا المعنى لازم كل تحريك وجوبي أو ندبي ، والكلام في المنع من الترك الذي يقوّم الوجوب.

واحتمال المعية بالمعنى الثاني يتضح الجواب عنه بما ملخّصه : أن المعاني الاعتبارية : تارة يكون سنخها اعتباريا لا موطن لها إلاّ العقل ، كالوجوب والإمكان والامتناع ، والكلية والجزئية ، والجنسية والفصلية والنوعية ، ومثل هذه الاعتباريات بسائط لا جنس لها ولا فصل حتى عقلا ، وليست من سنخ المقولات والماهيات الطبيعية حتى يكون لها جنس وفصل ولو عقلا تحليلا ، واخرى تكون من المعاني التي توجد بوجود اعتباري وإن كان لها وجود حقيقي في نظام الوجود ، وهذه هي الاعتباريات المتداولة في الفقه والاصول ، فمثل : الملكية توجد بوجودها الحقيقي الذي لها في نظام الوجود ، فتكون جدة مثلا ، وليست بهذا النحو من الوجود موضوع الآثار الخاصّة شرعا وعرفا ، وتوجد أيضا بوجودها الاعتباري الذي له آثار شرعا وعرفا ، ومثل هذه الاعتباريات من حيث وجودها في افق الاعتبار لا جنس لها ولا فصل ، ومن حيث نفسها : تارة تكون من المعاني المقولية ، فاعتبارها اعتبار ما لا جنس له ولا فصل والإيجاب والاستحباب من القسم الثاني ؛ إذ ليس مطابقها إلاّ الإنشاء بداعي البعث والتحريك ، ومن الواضح أن المنع من الترك ليس فصلا للبعث والتحريك ، فإنّ ذلك المعنى الذي يعتبره العقلاء في مقام البعث إما إيجاد المولى للفعل تسبيبا ، أو تحريك العبد ، والايجاد ليس معنى ماهويا ، والتحريك باعتبار مبدئه ليس مقولة من المقولات ، بل من شئون وجود معنى مقولي ، فليس البعث مقوليا ليكون

__________________

(أ) التعليقة : ١١٩ من الجزء الثاني.

٣١٧

...............................

__________________

له فصل ؛ حتى يجعل المنع من الترك فصلا مقوّما له ، فلا يتصوّر على هذا الوجه إلاّ رجوع الإيجاب الاعتباري العقلائي إلى الإنشاء بمجرد الداعيين المجموعين في الاعتبار وقد مرّ أنه لا يساعده مقام الثبوت والإثبات.

وأما الاحتمال السادس : فنقول : إنّ البعث والتحريك العقلائي ، وإن كان من الاعتباريات ، ولا شدة ولا ضعف في الاعتبارات ، بل الحركة من حدّ إلى حدّ شأن بعض المقولات ، إلاّ أنّ اعتبار معنى مقوليّ بمرتبته الشديدة أو الضعيفة لترتيب أثر خاص ممكن ، والحركة في الخارج من حيث وجودها توجد بوجود قويّ وبغيره ، فيمكن اعتبار دفع قويّ وغيره ، والمصلحة اللزومية كما تناسب إرادة قوية كذلك تناسب في مقام جعل الداعي جعل داع أكيد ، وعدم الرضا بالترك ، والمنع من الترك لازم هذه المرتبة من الإرادة القوية ، وهذه المرتبة من البعث الأكيد.

ومما ذكرنا يتضح : أن الأوفق بالاعتبار هو الاحتمال السادس.

وأما جعل الوجوب عبارة عن نفس كون الشيء ذا مصلحة لزومية ـ كجعله عبارة عن كونه بحيث يستحقّ على مخالفته العقوبة ـ فهو اشتباه المبدأ بالفعل الناشئ منه في الأوّل ، واشتباه الأثر بما يترتّب عليه في الثاني ، بل الأوجه ما عرفت :

واما تقريب مقدمات الحكمة : فعلى الأول والثاني : ما ذكرناه في المتن ، ونتيجته تعين الوجوب من حيث خلوص الإرادة ، وعدم شوبها بأمر خارج عن حقيقة الإرادة ليجب التنبيه عليه. وأما على الثالث : فلا معيّن لكيفية المصلحة من أنها لزومية أو غير لزومية.

ودعوى : أن العقل يحكم بحمل الإنشاء على الوجوب لاقتضاء العبودية لامتثال الأمر على أيّ تقدير إلا إذا علم ـ بقرينة متّصلة أو منفصلة ـ أنه منبعث عن مصلحة غير لزومية.

مدفوعة : بان حكم العقل بلزوم الامتثال بملاك التحسين والتقبيح العقلائيين بملاحظة أنّ ترك موافقة البعث المنبعث عن مصلحة لزومية ظلم على المولى ؛ لأنه خلاف رسوم العبودية ، ولا يعقل أن يكون ترك موافقة البعث عن مطلق المصلحة كذلك ، فذلك الحكم العقلي بملاك قبح الظلم غير محقّق إلاّ بفرض وصوله بالنحو الخاصّ الذي يكون مخالفته ظلما ، وحكم العقل بملاك آخر ـ ليكون كالوظائف العملية في مورد الشك ـ غير بيّن ولا مبيّن.

وعلى الرابع : يتعيّن الاستحباب ، فإن المنع من الترك أمر وجودي ينبغى التنبيه عليه ، بخلاف

٣١٨

ولعل المراد بالأكملية المحكية عن بعض المحققين (١) هذا المعنى.

كما حكي عنه : أن الانصراف الموجب لتبادر الوجوب من الصيغة انصراف حقيقة الطلب ولبّه لا انصراف الصيغة ، فالمراد بالانصراف ليس معناه المصطلح ، بل مطلق ما يوجب تعين بعض المحتملات في مقام البيان.

إلاّ أن الإنصاف أن هذا التقريب دقيق ، ومثله غير قابل للاتكال عليه عند التحقيق ، فهو نظير إطلاق الوجود وإرادة الواجب ؛ نظرا إلى أنه صرف الوجود الذي لا يشوبه العدم ، فكما لا يمكن الاتكال عليه في المحاورات العرفية ، فكذلك فيما نحن فيه ولعله ـ دام ظلّه ـ أشار إليه بقوله : ( فافهم ) (٢).

__________________

عدم المنع من الترك فانه يكفيه عدم التنبيه على المنع.

وأما على الخامس : فبالعكس ؛ لأن الرخصة في الترك وجودي ، ينبغي التنبيه عليه ، ويكفي في عدمها عدم التنبيه عليها.

وأما على السادس : فتقريب مقدّمات الحكمة على نحو الأول والثاني ؛ لأن البعث الأكيد لا يزيد اعتباره على اعتبار أمر وراء حقيقة البعث ، بخلاف البعث الغير الأكيد ، فإن اعتباره اعتبار أمر ما وراء حقيقة البعث مع البعث ، فيجب التنبيه عليه ، لكنك قد عرفت أن هذا التقريب غريب عن أنظار العرف.

والتحقيق : أن تعيين الوجوب بمحض خلوص الإرادة والبعث وإن كان دقيقا إلاّ أن تعيينه بملاحظة أنه مرتبة يلزمها عدم الرضا بتركه ، وعدم الرخصة في تركه ، فليس دقيقا لا يلتفت إليه العامة ، وهو كاف في تعيين الوجوب ، ولا يرد الإشكال بعدم المرجّح للترخيص ، وعدمه المعين للوجوب على المنع ، وعدمه المعين للاستحباب ؛ لأنّ مجرّد المنع عن الترك لا يقتضي الوجوب ؛ لأن المنع أيضا تارة لزومي ، واخرى غير لزومي فلا بدّ من تحديده أيضا بما لا يرخص في خلافه ، فاللازم الذي يعيّن الاستحباب والوجوب أخيرا هو الترخيص في الترك وعدمه. فتدبر جيدا. ( منه عفي عنه ).

(١) هداية المسترشدين : ١٤٣.

(٢) الكفاية : ٧٢.

٣١٩

١٦٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( الوجوب التوصلي هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول الواجب ... الخ ) (١).

لا يخفى عليك أنّ الفرق بين التعبّدي والتوصّلي في الغرض من الواجب ، لا الغرض من الوجوب ؛ إذ الوجوب ـ ولو في التوصلي ـ لا يكون إلاّ لأن يكون داعيا للمكلف إلى ما تعلق به.

ومنه يظهر أن الوجوب في التوصّلي لا يغاير الوجوب في التعبّدي أصلا ، حتى بلحاظ الغرض الباعث للإيجاب ، والإطلاق المدّعى في المقام هو إطلاق المادّة ، دون إطلاق الوجوب والأمر ، ففي الحقيقة لا وجه لجعل هذا البحث من مباحث الصيغة. فتدبّر جيّدا.

١٦٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إن التقرّب المعتبر في التعبدي إن كان ... الخ ) (٢).

تحقيق الحال : أن الطاعة إما أن تكون بمعنى ما يوجب استحقاق المدح والثواب ، أو ما يوجب التخلص عن الذم والعقاب ، فان اريد الإطاعة بالمعنى الأوّل ، فالتقرب معتبر فيها عقلا إلا أنّ الإطاعة بهذا المعنى غير واجبة بقول مطلق عقلا ، بل في خصوص التعبّدي ، وإن اريد الإطاعة بالمعنى الثاني ، فهي وإن كانت واجبة عقلا مطلقا ، إلا أن التقرّب غير معتبر فيها بقول مطلق ، بل في خصوص ما قام الدليل على دخله في الغرض من الواجب ليجب إسقاط الغرض عقلا فيجب التقرب.

وتوضيح القول في ذلك : أن استحقاق المدح والثواب على شيء عقلا لا يكون إلا باستجماعه لأمرين :

__________________

(١) الكفاية : ٧٢ / ١٥.

(٢) الكفاية : ٧٢ / ١٩.

٣٢٠