نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

فالإرادة التشريعية ليست ما تعلق بالتحريك والبعث ـ فإنهما من أفعاله ، فلا مقابلة بين التشريعية والتكوينية ـ بل التشريعية هي الشوق المتعلّق بفعل الغير اختيارا ، وأما إذا لم يكن لفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص ، فلا يعقل تعلّق الشوق به ؛ بداهة أن الشوق النفساني لا يكون بلا داع.

نعم ربما يكون إيصال النفع إلى الغير بتحريكه ـ أمرا ، أو التماسا ، أو دعاء ـ ذا فائدة عائدة إلى الشخص ، فينبعث الشوق إلى ايصال النفع بالبعث والتحريك ، ولا وجه لعدّ مثله إرادة تشريعية ، فان متعلّقها إيصال النفع إلى الغير بتحريكه ، وهو فعله لا فعل الغير.

إذا عرفت ما تلونا عليك فاعلم : أن حقيقة إرادته ـ تبارك وتعالى ـ في مرتبة ذاته ابتهاج ذاته بذاته ؛ لما سمعت غير مرة : أنه ـ تعالى ـ صرف الوجود ، والوجود ـ بما هو وجود ـ خير محض ، فهو صرف الخير ، والخير هو الملائم اللذيذ الموجب للابتهاج والرضا ، فهو صرف الرضا والابتهاج ، كما كان صرف العلم والقدرة ـ لا ان منه ما هو علم ، ومنه ما هو قدرة ، ومنه ما هو إرادة ـ فالمراد بالإرادة الذاتية نفس ذاته المقدّسة بالذات ، كما أن المعلوم في مرتبة ذاته بالذات نفس ذاته ، وكما أن غيره معلوم ـ بنفس علمه بذاته ـ بالعرض والتبع ، كذلك غيره محبوب بالعرض والتبع بنفس محبة ذاته لذاته ، وكما أنّ كل ما يوجد في دار الوجود له نحو من الحضور في مرتبة الذات لا بالذات ، بل بالعرض ، كذلك كل ما يدخل في دار التحقق له نحو من المرادية والمحبوبية في مرتبة الذات بمرادية الذات لا بمرادية اخرى بالعرض لا بالذات ، وإن كان لكلّ موجود معلومية اخرى ومرادية اخرى في غير مرتبة الذات.

ومن ذلك كله يظهر للفطن العارف : أن النظام التامّ الإمكاني صادر على طبق النظام الشريف الربّاني ، وهذا أحد الأسرار في عدم إمكان نظام أشرف من هذا النظام ، وحيث لم يقع الكفر من المؤمن والإيمان من الكافر ، كشف ذلك عن

٢٨١

عدم تعلّق الإرادة الذاتية بهما ، وعدم دخولهما في النظام الشريف الرباني ، وإلاّ لوجدا في النظام التامّ الإمكاني.

نعم ، من جملة النظام التامّ ـ الذي لا أتمّ منه ـ نظام إنزال الكتب ، وإرسال الرسل ، والتحريك إلى ما فيه صلاح العباد ، والزجر عما فيه الفساد. فالمراد بالإرادة الذاتية بالعرض لا بالذات ، هذه الامور دون متعلقاتها ، فلا أثر للارادة التشريعية في صفاته الذاتية ـ جلّت ذاته ، وعلت صفاته ـ لكنه لا بأس بإطلاقها على البعث والزجر ، كما في الخبر الشريف المرويّ في توحيد الصدوق (١) قدس‌سره بسنده عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ قال ـ عليه السلام ـ : « إن لله إرادتين ومشيّتين : إرادة حتم ، وارادة عزم ، ينهى وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء » (٢)

__________________

(١) وهو الشيخ أبو جعفر محمد بن أبي الحسن علي بن الحسن بن بابويه القمي الملقّب بالصدوق ، وهو من مشايخ الشيعة وأعلامهم.

ولد ( رضي الله عنه ) بدعاء الإمام الحجة ( عجل الله تعالى فرجه ) في قم المقدسة ، وفي معاهدها درس ، وعلى شيوخها تخرج ، ثم انتقل الى الريّ وفي سنة ( ٣٥٢ ه‍ ) زار مرقد الإمام الرضا عليه‌السلام ، ومرّ بنيسابور واستمع إلى علمائها ، ومنها انتقل إلى بغداد ثم الكوفة ، ثم حجّ إلى مكة المكرمة ، ثم رحل إلى همدان ، وسنة ٣٦٨ زار الإمام الرضا عليه‌السلام ، ورحل إلى سمرقند وفرغانه وبلخ وايلاق ، وفي كل هذه البلاد يستمع إلى شيوخها.

قال في حقّه الشيخ الطوسي (رحمه الله) : كان جليلا حافظا للأحاديث بصيرا بالرجال ناقدا للأخبار لم ير في القميّين مثله.

وعدّ له صاحب أعيان الشيعة (١٨٦) مؤلفا نذكر منها : ( من لا يحضره الفقيه ) و ( المقنعة ) و ( علل الشرائع ) و ( التوحيد ) و ( المصابيح ) و ( تفسير القرآن ) و ( ثواب الأعمال وعقابها ). وغيرها.

توفي (رحمه الله) بالريّ سنة ( ٣٨١ ه‍ ) بعد أن نيّف على السبعين ، ودفن قرب مرقد عبد العظيم الحسني ( رضي الله عنه ) في ضواحي طهران.

( أعيان الشيعة ١٠ : ٢٤ ) بتصرف.

(٢) توحيد الصدوق (رحمه الله) ـ نشر جماعة المدرّسين ـ ص : ٦٤ وهو مقطع من الحديث : ١٨.

٢٨٢

ـ الخبر ـ وهو ظاهر في أن الإرادة التشريعية حقيقتها الأمر والنهي ، وأن حقيقة الإرادة والمشيّة هي الإرادة التكوينية.

ومما ذكرنا في المقدّمة آنفا في الفرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية تعرف : أنه لا مجال لانقداح الإرادة التشريعية في النفس النبوية ، ولا في النفس الولوية ـ خصّهما الله بألف تحية ـ وذلك لبداهة عدم فائدة عائدة من الفعل إليهما ، بل إلى فاعله ، وعود فائدة من قبل إيصال النفع إلى النبي أو الولي لا يوجب كون الإرادة المتعلقة بالبعث والزجر تشريعية ، لأنهما من أفعالهما الاختيارية المتوقفة على الإرادة فهي تكوينية لا تشريعية.

فتحصّل من هذا البيان القويم البنيان : أنّ حقيقة التكليف الجدّي البعث إلى الفعل بداعي انبعاث المكلف ، أو الزجر عنه بداعي الانزجار ، وهذا المعنى لا يتوقف على إرادة نفس الفعل مطلقا ، بل فيما إذا رجع فائدته إلى المريد.

ومن البيّن أن حقيقة التكليف الجدي بهذا المعنى موجود في حق المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي ؛ إذ ليس المراد من كون البعث بداعي الانبعاث جعل البعث علة تامة للفعل ، وإلاّ كان المكلف مجبورا لا مختارا ، بل جعله بحيث يمكن أن يكون داعيا وباعثا للمكلف ، فلو خلا عما يقتضيه شهوته وهواه ، كان ذلك التكليف باعثا فعلا ، فيخرج من حدّ الإمكان إلى الوجوب ، وسيجيء ـ إن شاء الله تعالى ـ ما يتعلق بالمقام في مستقبل الكلام (١).

١٥٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن ... الخ ) (٢).

توضيحه : أن إرادته ـ تعالى ـ لو كانت متعلقة بفعل العبد مطلقا ـ اراده أم لا ـ لكان للجبري أن يستكشف عدم تأثير قدرة العبد وإرادته في فعله ؛ إذ

__________________

(١) التعليقة : ١٥٤ عند قوله : ( ومنه ظهر أن المصلحة ... ) إلى آخر التعليقة.

(٢) الكفاية : ٦٨ / ١.

٢٨٣

المفروض أنه واجب الصدور أراده العبد أم لا ، ففيما أراده العبد من باب الاتفاق يكونان معلولي علة واحدة ، وهي الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية ، وأما إن كانت متعلّقة بفعله بما له من المبادي المصححة لاختياريته في حد ذاته ـ من القدرة والإرادة والشعور ـ فلا طريق للجبري إلى عدم تأثير قدرة العبد وإرادته ؛ اذ المفروض أن نفي الاختيار بمجرّد وجوب الصدور لمكان تعلّق الإرادة الأزلية به ، وبعد ما علم أنّ الإرادة لم تتعلق بالفعل بما هو ، بل بمباديه الاختيارية أيضا ، فلا مجال لأن يقال : بعدم الاختيارية لوجوب الصدور.

ومما ذكرنا يتضح فساد ما ربّما يتوهّمه الجاهل من أنّ مسبوقية الفعل بالإرادة وجدانية ، فيرجع النزاع إلى أن العدليّ يسمّي هذا الفعل بالاختياري دون الجبري ، فالنزاع في التسمية.

وجه وضوح الفساد : أن كل سابق لا يجب أن يكون مؤثّرا في اللاحق ، فمجرد تسليم الطرفين لسبق الإرادة لا يرفع النزاع عن البين. فلا تغفل.

وأمّا لابدية صدور الفعل بالاختيار ، وانقلاب الأمر على الجبري ، فهو أجنبي عن جواب هذا الاشكال بالخصوص ، ولا يصحّ حمل اللابدّية في المتن على اللابدّية من حيث فرض توسّط الإرادة ، وذلك لأنّ لازم عدمه الخلف ، لا تخلف المراد عن إرادته تعالى.

توضيحه : أن الاشكال : تارة في وجوب الفعل بإرادة الباري ، واخرى في وجوب الفعل بإرادة الفاعل ، وثالثة في وجوب نفس الإرادة.

والأول ما توهمه الأشعري ، وقد عرفت أنّ الفعل لم يتعلّق به إرادة الباري بما هو هو ، بل به بمباديه الاختيارية.

والثاني مندفع بأنّ وجوب الفعل بالإرادة يؤكد إراديته.

٢٨٤

ودعوى لزوم بقاء الارادة (١) على حال بحيث لو شاء فعل ، ولو لم يشأ لم يفعل فاسدة ؛ لأنّ الإرادة ما لم تبلغ حدّا يستحيل تخلّف المراد عنها لا يمكن وجود الفعل ؛ لأنّ معناه صدور المعلول بلا علّة تامّة ، وإذا بلغت ذلك الحد امتنع تخلّفها عنه ، وإلاّ لزم تخلّف المعلول عن علّته التامّة.

__________________

(١) قولنا : ( ودعوى لزوم بقاء الإرادة ... الخ ).

ربما يقال : [ القائل المحقق النائيني (رحمه الله) ـ كما في هامش ( ق ، ط ) ـ راجع أجود التقريرات ١ : ٨٩ ـ ٩٢ ] : لا بدّ من عدم عليّة الإرادة بنحو لا ينفكّ عنها الفعل ، وإلاّ لم تكن العضلات منقادة للنفس في حركاتها ، مع أن النفس تامة التأثير وجدانا في العضلات ، ولا مزاحم لها في سلطانها ، وتأثير النفس في عضلاتها هو اختيارها ، فالاختيار مرتبة اخرى بعد الإرادة ، وهو مناط اختيارية الأفعال ، وهو فعل النفس وعليتها وتأثيرها ، وحيث إنه عين الاختيار ، فلا يحتاج إلى أمر آخر يكون به الاختيار فعلا اختياريا.

وتوهّم : كونه ممكنا وحادثا فيحتاج إلى علّة تامّة ، فيكون ترتّبه عليها قهريا ، نظير ترتب الفعل على الإرادة قهرا.

مدفوع : بالفرق بين الفعل الاختياري وغيره من الممكنات ، فان الفعل الاختياري لا يحتاج إلا إلى فاعل ، مع وجود المرجحات لاختياره ، من دون حاجة إلى علة تامة ، بخلاف ما عداه ، فانه موقوف على العلّة التامّة.

والجواب : أن الالتزام بالفعل النفساني المسمّى بالاختيار : إما لأجل تحقيق استناد حركة العضلات إلى النفس حتى تكون النفس فاعلا ومؤثرا في العضلات ، بخلاف ما إذا استندت حركة العضلات إلى صفة النفس ـ وهي الإرادة ـ فإنّ المؤثّر فيها هي تلك الصفة لا النفس ، وإما لاجل أن الإرادة ـ حيث إنها صفة قهرية منتهية إلى الإرادة الأزلية ـ توجب كون الفعل المترتّب عليها قهريا غير اختياري ، فلا بد من فرض فعل نفساني هو عين الاختيار ؛ لئلا يلزم كون الفعل بواسطة تلك الصفة القهرية قهريا.

فإن كان الأوّل ففيه : أن العلّة الفاعلية لحركة العضلات هي النفس بواسطة اتحادها مع القوى ، والعلم والقدرة والارادة مصححات لفاعلية النفس ، وبها تكون النفس فاعلا بالفعل ، والفعل يستند إلى النفس ، وهي العلة الفاعلية ، دون شرائط الفاعلية ، كما في غير المقام ، فان المقتضى يستند إلى المقتضي دون الشرائط ، وإن كان له ترتّب على المقتضي وشرائطه فمن هذه الحيثية

٢٨٥

..........

__________________

لا حاجة إلى فعل نفساني يكون محقّقا للاستناد.

وان كان الثاني ففيه : أن هذا الأمر المسمى بالاختيار : إن كان عين تأثير النفس في حركة العضلات وفاعليتها لها ، فلا محالة لا مطابق له في النفس ؛ ليكون أمرا ما وراء الإرادة ؛ إذ ما له مطابق بالذات ذات العلة والمعلول وذات الفاعل والمفعول ، وحيثية العلية والتأثير والفاعلية انتزاعية ، ولا يعقل ان يكون لها مطابق.

وان كان أمرا قائما بالنفس فنقول : إن كان قيامه بها قيام الكيف بالمتكيّف ، فحاله حال الإرادة من حيث كونه صفة نفسانية داخلة في مقولة الكيف النفساني ، فكلّ ما هو محذور ترتّب حركة العضلات على صفة الإرادة ، وارد على ترتّب الحركات على الصفة المسمّاة بالاختيار ، فإنها أيضا صفة تحصل في النفس بمباديها قهرا ، فالفعل المرتّب عليها كذلك.

وإن كان قيامه بها قيام الفعل بالفاعل لا قيام الكيف بالمتكيّف ففيه :

أولا ـ أنّ النفس بما هي ـ مع قطع النظر عن قواها الباطنة والظاهرة ـ لا فعل لها ، وفاعلية النفس لموجودات عالم النفس التي مرت سابقا ، هو إيجادها النوري العقلاني في مرتبة القوة العاقلة ، أو الوجود الفرضي في مرتبة الواهمة ، أو الوجود الخيالي في مرتبة المتخيّلة ، كما أن استناد الإبصار والاستماع إليها أيضا بلحاظ أنّ هذه القوى الظاهرة من درجات تنزّل النفس إليها ، ومن الواضح أن الايجاد النوري ـ المناسب لإحدى القوى المذكورة ـ أجنبي عن الاختيار الذي جعل أمرا آخر ، مما لا بد منه في كل فعل اختياري ؛ بداهة أن النفس بعد حصول الشوق الأكيد ليس لها إلاّ هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلانية.

وثانيا ـ أن هذا الفعل النفساني المسمّى بالاختيار إذا حصل في النفس فان ترتب عليه حركة العضلات بحيث لا تنفكّ الحركة عنه كان حال الحركة وهذا الفعل النفساني حال الفعل وصفة الارادة ، فما المانع عن كون الصفة علة تامة دون الفعل النفساني ، وكونه وجوبا بالاختيار مثل كونه وجوبا بالإرادة؟!

وثالثا ـ أن الاختيار الذي هو فعل نفساني : إن كان لا ينفكّ عن الصفات الموجودة في النفس ـ من العلم والقدرة والإرادة ـ فيكون فعلا قهريا لكون مباديه قهرية لا اختيارية ، وإن كان

٢٨٦

__________________

ينفكّ عنها ـ وان تلك الصفات مرحجات ـ فهي بضميمة النفس الموجودة في جميع الاحوال علة ناقصة ، ولا يوجد المعلول إلاّ بعلّته التامّة.

وتوهّم الفرق بين الفعل الاختياري وغيره ـ من حيث كفاية وجود المرجّح في الأوّل دون الثاني ـ من الغرائب ، فإنه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة إلى العلة ، ولا فرق بين معلول ومعلول في الحاجة الى العلّة التامّة ، فإنّ الإمكان مساوق للافتقار إلى العلة ، والمعلول إذا وجد له ما يكفي في وجود المعلول به كان علة تامة له ، واذا لم يكن كافيا في وجوده فوجود المعلول به خلف. فتدبّره ، فإنه حقيق به.

ورابعا ـ أن الفعل المسمّى بالاختيار إن كان ملاكا لاختيارية الأفعال ، وأنّ ترتّب الفعل على صفة الإرادة مانع عن استناد الفعل إلى الفاعل لكان الأمر في الواجب ـ تعالى ـ كذلك ، فإنّ الملاك عدم صدوره عن اختياره ، لا انتهاء الصفة إلى غيره ، مع أن هذا الفعل المسمّى بالاختيار يستحيل أن يكون عين ذات الواجب ، فإن الفعل يستحيل أن يكون عين فاعله ، فلا محالة يكون قائما بذاته قيام الفعل بفاعله صدورا ، فان كان قديما بقدمه كان حال هذا القائل حال الأشعري القائل بالصفات القديمة القائمة بذاته الزائدة عليها ، وإن كان حادثا كان محلّه الواجب فكان الواجب محلاّ للحوادث ، فيكون حاله حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات ، ويستحيل حدوثه وعدم قيامه بمحلّ ، فإنّ سنخ الاختيار ليس كسنخ الأفعال الصادرة عن اختيار من الجواهر والأعراض ؛ حتى يكون موجودا قائما بنفسه ، أو قائما بموجود آخر ، بل الاختيار يقوم بالمختار ، لا بالفعل الاختياري في ظرف وجوده ، وهو واضح.

وأمّا ما ورد في باب المشيّة ـ من أنه خلق الله الاشياء بالمشيّة ، والمشيّة بنفسها ـ فالمراد من المشيّة هي المشيّة الفعلية التي هي عين الوجود الإطلاقي المنبسط على الماهيات ، والمراد من الأشياء هي الموجودات المحدودة. ومن البيّن أن الوجود المنبسط ـ الذي هو فعله الإطلاقي تعالى ـ ما به موجودية الموجودات الخاصّة ، وليس لما به الوجود ما به الوجود.

وبالجملة فهذه المشيّة الفعلية عين الإحداث والإيجاد كالعلم الفعلي في قبال العلم الذاتي. فافهم جيدا. ( منه عفي عنه ).

٢٨٧

الإرادة الواجبة بالذات ، فليس فعل العبد بإرادته حيث لا تكون إرادته بإرادته ، وإلا لتسلسلت الإرادات.

وفيه : أنّ الفعل الاختياري ما كان نفس الفعل بالإرادة (١) لا ما كان إرادته بالإرادة ، فإنّ القادر المختار من إذا شاء فعل ، لا من إذا شاء شاء ، وإلا لم يكن فعل اختياري في العالم حتى فعله ـ تعالى عما يقول الظالمون ـ إذ المفروض أن اختيارية فعله ـ تعالى ـ لصدوره عن العلم والإرادة ، ولو كانت إرادته ـ تعالى ـ بإرادته للزم أن لا يكون إرادته عين ذاته ـ تعالى ـ إذ لا بد من فرض إرادة اخرى حتى تصح إرادية الاولى ، فيلزم زيادة الثانية على الاولى المتحدة مع ذاته تعالى.

__________________

(١) قولنا : ( انّ الفعل الاختياري ما كان ... إلخ ).

توضيح المقام وتنقيح المرام يبتني على مقدّمة : هي أن الفاعل باعتبار ينقسم إلى ما منه الوجود ، وإلى ما به الوجود ، والمراد بالأول من يفيض عنه الوجود ، وهو بذاته مفيد الوجود ، وهو منحصر في واجب الوجود ـ تعالى شأنه ـ ، والمراد بالثاني من يباشر الفعل الذي يفاض عليه الوجود ، ويكون مجرى فيض الوجود ، فيمرّ فيض الوجود منه إلى غيره ، وهو منحصر في غيره ـ تعالى ـ لإباء صرافة وجوده عن الاتحاد مع الممكنات ، ليكون مباشر الحركات ومعدّا لجميع المستعدات.

وينقسم الفاعل باعتبار آخر إلى الفاعل بالطبع ، والى الفاعل بالقسر ، وإلى الفاعل بالاختيار.

والمراد بالأوّل ما يكون الفعل بإقتضاء طبيعته وذاته من دون شعور وإرادة كما في الإحراق من النار.

والمراد بالثاني : ما يكون الفاعل بالإضافة إلى الفعل كالموضوع لعرضه ، وبالحقيقة يكون فاعله غيره ، فإن من يحرك يد غيره يكون مباشر التحريك هو الفاعل ومن يتحرّك يده يكون محلاّ للحركة لا فاعلا لها ، إلاّ بنحو من المسامحة.

والمراد بالثالث : من يكون صدور الفعل منه منوطا بعلمه وقدرته وإرادته ، فتكون العلم والقدرة والإرادة مصححات فاعليته بالفعل.

٢٨٨

...............................

__________________

إذا عرفت ذلك فاعلم : إن كان المراد من انتهاء الفعل إلى إرادة الباري ـ تعالى ـ بملاحظة انتهاء إرادة العبد إلى إرادته ـ تعالى ـ لفرض إمكانها المقتضي للانتهاء إلى الواجب ، فهذا غير ضائر بالفاعلية التي هي شأن الممكنات ، فإن العبد بذاته وبصفاته وبأفعاله لا وجود له إلا بإفاضة الوجود من الباري ـ تعالى ـ ويستحيل أن يكون الممكن مفيضا للوجود. وإن كان المراد من الانتهاء انتهاء الإرادة الى الباري ـ تعالى ـ على حدّ انتهاء الفعل إلى فاعل ما به الوجود فهو مستحيل في حقه ـ تعالى ـ حتى يلزم الجبر.

وبالجملة فالانتهاء إلى فاعل ما منه الوجود لازم ، لا أنه ضائر ، والانتهاء إلى فاعل ما به الوجود ضائر ، إلا أنه غير لازم بل مستحيل.

فاتّضح : أن رجوع الفاعل بالإرادة إلى الفاعل بالجبر والقسر محال لاستحالة أن يكون الباري ـ تعالى ـ فاعل ما به الوجود بالإضافة إلى ذات العبد أو صفاته أو أفعاله ، بل بالإضافة إلى الكلّ هو ـ تعالى ـ فاعل ما منه الوجود ، ولا يترقب من الممكن أن يكون فاعلا بهذا المعنى حتى لا يلزم الجبر ، وهذه الشبهة هي العمدة في القول بالجبر.

واما رجوع الفاعل بالإرادة إلى الفاعل بالطبع فنقول : بعد وضوح أن الفعل يستند إلى فاعله ، لا إلى شرائط الفاعلية بالفعل ، وبعد وضوح أن الفعل الإرادي ليس باقتضاء ذات الفاعل ـ كالإحراق بالنسبة إلى النار ـ لم يبق وجه للرجوع ، إلا توهم : أن الفاعل المختار لا بدّ من أن يكون فاعلا لشرائط الفاعلية ولو بمعنى ما به الوجود ، وإلا لكان نظير الفاعل بالطبع وإن لم يكن عينه للزوم الخلف ، وهو توهم فاسد ؛ إذ يستحيل أن يكون الإنسان فاعلا لشرائط الفاعلية إلا بالطبع ـ ولو بالأخرة ـ لاستحالة التسلسل.

لا يقال : لازمه أن لا يكون فعل اختياري في العالم ، وهو لا محذور فيه ؛ إذ القائل بالجبر يدعي هذا المعنى أيضا.

لأنا نقول : أولا ـ إنه قد عرفت أن هذا غير الجبر لاستحالة انتهاء الفعل شرائط الفاعلية إليه ـ تعالى ـ بهذا الوجه من الفاعلية الضائرة بالاختيار.

وثانيا ـ ليس الأثر المرغوب لكون الفعل اختياريا في قبال غيره ، إلاّ حسن التكليف والمؤاخذة ، وليس هذا الأثر من الأحكام العقلية النظرية حتى يقام عليه البرهان ، بل من الأحكام العقلية العملية ، ومن البيّن أنّ مناط الحسن والقبح عند العقلاء هو الفعل الصادر عن

٢٨٩

توضيحه : أن الإشكال : إن كان في أصل وجوب الإرادة ففيه : أن إرادته ـ تعالى ـ واجبة بالذات ، فالامر فيها أشكل.

وإن كان في وجوبها بالغير ـ وانتهائها إلى الغير ـ ففيه : أن المانع من الانتهاء إلى الغير ليس إلا لزوم كون الفعل بجميع مقدماته ـ أو بهذه المقدمة الأخيرة ـ صادرا عن اختيار ، فينتقض بإرادة الباري ؛ إذ ليست إرادته من أفعاله الاختيارية ، مع أنه موجب لعدم كون الإرادة عين ذاته للزوم التعدد ، بل يشكل حتى على القول بعدم كون إرادته عين ذاته للزوم التسلسل.

مضافا إلى أنّ الحاجة إلى مرادية الإرادة من جهة أنّ الإرادة من مقدّمات الفعل ، فلو لم تكن بإرادته لم يكن الفعل بإرادته. وحينئذ فيشكل : بأن هذا الإشكال لا اختصاص له بالإرادة ، بل يجري في علمه وقدرته ، ووجوده حيث إنّها ممّا يتوقّف عليه الفعل ، وليست تحت قدرته واختياره.

ويسري هذا الإشكال في فعل الواجب تعالى ؛ حيث إنه يتوقف على ذاته وصفاته ، مع أنه ليس شيء منها من أفعاله الاختيارية ، فإنّ وجوب الوجود بالذات يقتضي كونه بلا علّة ، لا كونه موجدا لذاته وصفاته. فمناط المقهورية والمجبورية ـ وهو عدم كون الفعل بجميع مقدماته تحت اختيار الفاعل ـ مشترك

__________________

شعور وقدرة وإرادة ، وهو حقيقة وواقعا مغاير للفعل الصادر بقسر القاسر وللفعل الصادر عن محض الطبع ؛ بحيث لو فرض الالتزام بعدم المبدأ للموجودات ، وفرض استقلال الإنسان في أفعاله بأن كان مفيدا لوجودها لم يكن صفاته التي هي شرائط إفاضة الوجود منه عليها إلا طبيعية ، ومع ذلك يحكمون بحسن التكليف والمؤاخذة بالإضافة إلى الفعل الصادر من فاعله عن شعور وقدرة وإرادة دون غيره ، سواء كان بالقسر والجبر ، أو بالطبع وباقتضاء ذاته ، ويفرّقون بين فاعلية النفس لأفعالها الصادرة عن شعور وقدرة وإرادة ، وفاعليتها لحفظ المزاج وإفادة الحرارة الغريزية ، فانها طبيعية ، والنفس فاعل بالطبع لمثل هذه الأفعال ، دون الاولى. [ منه قدس سره ].

٢٩٠

بين الواجب والممكن من دون دخل فيه للوجوب والإمكان.

ومنه يظهر : أن تصحيح مراديّة الإرادة ـ كما عن السيد العلامة الداماد قدس‌سره (١) ـ أو إدخالها تحت الأفعال الاختيارية ـ كما عن صاحب الفصول (٢) ـ لا يجدي شيئا ، ولا يرجع الى محصول.

أما ما أفاده السيد قدس‌سره فمحصّله : أنّ الإرادة الوحدانية بالالتفات إليها تنحلّ إلى إرادة الإرادة ، وإلى إرادة الإرادة ، وهكذا.

وفيه : أن الانحلال : إن كان بمجرّد الاعتبار ـ بمعنى أنه لو التفت إليها لأرادها وهكذا ، فتنقطع السلسلة بانقطاع الاعتبار ـ فهي غير مرادة بالحقيقة ، بل بالاعتبار وبالقوة ، لا بالفعل.

وإن كان بالحقيقة وفي الواقع حتى تكون هناك إرادة موجودة حقيقة

__________________

(١) حكاه في الاسفار ٦ : ٣٨٩ عن استاذه المحقق الداماد (رحمه الله) : وهو السيد محمد باقر بن المير شمس الدين محمد الحسيني الاسترابادي الأصل المعروف بالمير الداماد ـ و ( الداماد ) بالفارسية الصهر ، ولقّب بذلك لأن أباه كان صهر الشيخ علي بن عبد العالي الكركي ـ والمعروف كذلك بالمعلم الثالث.

كان السيد الداماد (رحمه الله) فيلسوفا رياضيا متفننا في جميع العلوم الغريبة ، وشاعرا بالعربية والفارسية ، سافر الى خراسان وأراك ، وأخذ عن السيد نور الدين علي بن أبي الحسن الموسوي وعن خاله المحقق الثاني وغيرهما.

له آثار مهمة منها : ( القبسات ) و ( الإيقاظات ) و ( حواشي رجال الكشي ) و ( السبع الشداد ) وغيرها الكثير ـ وعدّ له بعضهم (٨١) مؤلفا. وكان من تلاميذه صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار وعبد الرزاق اللاهيجي والفيض الكاشاني وسلطان العلماء والمير فضل الله الاسترابادي والاشكوري وغيرهم.

توفي (رحمه الله) سنة ( ١٠٤١ ه‍ ) في النجف لما جاء لزيارة العراق مع الشاه الصفوي.

( أعيان الشيعة ٩ : ١٨٩ ) بتصرف.

(٢) الفصول أواخر الصفحة : ٣٢٥.

٢٩١

بإرادة واحدة ، ففيه أنه لا موجب للتحليل حقيقة ؛ إذ التحليل الحقيقي يتصور مع التعدّد الواقعي بالإضافة إلى ما له أجزاء عقلية أو حقيقية ، كما في الأنواع المركبة والبسيطة. مضافا إلى أن هذه الإرادات الموجودة بوجود واحد : إما تكون معلولة لإرادة اخرى ، فيلزم كون شيء واحد داخلا وخارجا ؛ إذ المفروض أن هذه الإرادة الواحدة الإجمالية وجود لجميع الإرادات ، وإما تكون معلولة للإرادة الإلهية فقد عاد المحذور.

وأما ما أفاده في الفصول (١) ـ من أنّ ما عدا الإرادة من الأفعال تكون اختياريته بصدوره عن علم وقدرة وإرادة ، وأما الإرادة فاختياريتها بصدورها عن علم وقدرة فقط ـ فهو جزاف بيّن.

__________________

(١) الفصول : ٣٢٥ عند قوله في أواخر الصفحة : ( فأفعالنا الاختيارية مما عدا ... ).

٢٩٢

تنبيه وتنزيه

في الجبر والتفويض والامر بين الامرين

الجبري زعم : أن نفي الاختيار عن العباد واستناد الأفعال إليه ـ تعالى ـ نوع تمجيد وتعظيم له ؛ حيث لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله ، وإن عادة الله جرت على إيجاد ما يسمّى بالمسبّبات بعد ما يسمّى بالأسباب.

ولكنه غفل عن أنه ظلم عظيم في حق عادل حكيم ؛ لأنّ هذه الأفعال لا يعقل (١) استنادها بلا واسطة إلاّ إلى القوى الجسمانية المتجدّدة الذوات ، والطبائع المتصرّمة الإنّيات ، لا إلى الأرواح القدسيّة والشامخات العقلية ، فضلا عن واجب الوجود بالذات وللذات.

كما أن المفوّضة زعموا أن استناد الأفعال إلى العباد على وجه الاستقلال نوع تنزيه له ـ تعالى ـ عن استناد القبائح إليه ـ تعالى ـ ، ولم يتفطّنوا أنه شرك محض ؛ فإنّ الاستقلال في الإيجاد فرع الاستقلال في الوجود ، وهو مختصّ بواجب الوجود ـ تعالى ـ فهؤلاء أعظم شركا من الثنوية ، فإنهم قالوا بشريك واحد له ـ تعالى ـ وأسندوا إليه الشرور ، وهؤلاء قالوا بتعدّد الشركاء بعدد الفاعلين ، تعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.

بل التعظيم العظيم والتنزيه الوجيه ما تضمنته هذه الكلمة الإلهية المأثورة في الأخبار المتكاثرة عن العترة الطاهرة ـ عليهم صلوات الله المتواترة ـ أعني

__________________

(١) قولنا : ( لأنّ هذه الأفعال ... إلخ ).

وجه الملازمة : أن هذه الحركات الأينية والوضعية حيث إنها منبعثة عن القوى العضلانية ، وهي متحركة بتحريك النفس ، فلو لم يكن محركية النفس بتأثير الإرادة ـ بل بإرادته تعالى ـ لزم أن يكون ـ تعالى ـ متحدا مع النفس ليكون محرّكا للقوى بإرادته ، وهو ـ تعالى ـ بصرافة وجوده يستحيل اتحاده مع الممكنات المتحيثة بحيثيات إمكانية أو ماهوية أو عدمية. ( منه عفي عنه ).

٢٩٣

قولهم ـ عليهم‌السلام ـ : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » (١).

وتقريب هذه الكلمة المباركة بوجهين :

أحدهما ـ أن العلّة الفاعلية ذات المباشر بإرادته ، وهي العلة القريبة ، ووجوده وقدرته وعلمه وإرادته لها دخل في فاعلية الفاعل ، ومعطي هذه الامور هو الواجب ـ تعالى ـ فهو الفاعل البعيد ، فمن قصر النظر على الأوّل حكم بالتفويض ، ومن قصر النظر على الثاني حكم بالجبر ، والناقد البصير ينبغي أن يكون ذا عينين ، فيرى الأوّل ، فلا يحكم بالجبر ، ويرى الثاني ، فلا يحكم بالتفويض.

وثانيهما : ما هو أدقّ وأقرب للتوحيد ، فإن الموحّد كما يجب أن يكون موحّدا في الذات والصفات ، كذلك يجب أن يكون موحّدا في الأفعال.

وملخّص هذا الوجه : أن الإيجاد يدور مدار الوجود في وحدة الانتساب وتعدّده وفي الاستقلال وعدمه ، فلا بدّ هاهنا من بيان أمرين :

أحدهما ـ بيان كيفية استقلال الوجود وعدمه وتعدد الانتساب وعدمه.

ثانيهما ـ تبعية الإيجاد للوجود فيما ذكر.

أما الأول ـ فمجمل القول فيه أنه قد تقرّر في مقرّه : أن المجعول بالذات هو الوجود المنبسط ، والمجعول والمعلول بالذات حيثية ذاته حيثية المجعولية والمعلولية والارتباط ، لا أن هناك شيئا له المجعولية والربط.

والبرهان عليه :

أنّ كلّ ما كان بذاته مطابقا لمحمول اشتقاقي ، فهو مصداق لمبدئه أيضا ، وإلاّ لزم مصداقيته له في المرتبة المتأخّرة عن ذاته ، وهو خلف. وهذا معنى

__________________

(١) اصول الكافي ـ دار الكتب الاسلامية تحقيق علي أكبر الغفاري ـ ص : ١٦٠ / كتاب التوحيد / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين / الحديث : ١٣ وتوحيد الصدوق (رحمه الله) ـ نشر جماعة المدرسين تحقيق السيد هاشم الحسيني ـ ص : ٣٦٢ / كتاب التوحيد / باب نفي الجبر والتفويض / الحديث : ٨. وجاء في المصدرين مكان ( بل ) ( ولكن ).

٢٩٤

عدم الاستقلال في الوجود ؛ حيث إن الوجود المفروض حينئذ عين الربط ومحض الفقر.

وهذا الوجود المطلق ـ المنبسط على هياكل الماهيات ، والمتحد مع مراتب الموجودات بما هو عين كل مرتبة بلحاظ إطلاقه ولا بشرطيته ـ له انتسابان : إلى الفاعل بالوجوب ، وهو بهذا الاعتبار فعله ـ تعالى ـ وصنعه ـ تعالى ـ ومشيّته الفعلية ، وإلى القابل بالإمكان ، وهو بهذا الاعتبار وجود زيد وعمرو وبكر إلى غير ذلك من الموجودات المحدودة والماهيات.

وأما الامر الثاني فمختصر الكلام فيه : أن الوجود المجعول بالذات بعد ما كانت حيثية ذاته حيثيّة الربط والفقر ، فلا بد من أن يكون أثره كذلك ، وإلا لانقلب الربط المحض إلى محض الاستقلال ، وهو محال ؛ إذ الجاعل بالذات حيثية ذاته حيثية الجاعلية كما عرفت ، فان كان ذاته مستقلّة كانت حيثية الجاعلية مستقلة ، وإن كانت عين الربط والفقر كانت حيثية الاقتضاء والجاعلية عين الربط والفقر ؛ إذ لا تغاير بين الحيثيتين حقيقة ، ومن هنا قلنا سابقا (١) : إن التفويض شرك بيّن.

إذا عرفت ذلك تعرف : أن هذا الوجود الإطلاقي الذي حيثية ذاته حيثية الربط والفقر ، وكان له انتسابان ـ حقيقة ـ إلى الفاعل والقابل ، أثره كذلك.

فمن حيث إن حيثية الأثر (٢) كحيثية المؤثّر عين الارتباط تعرف أنه لا تفويض ، ومن حيث إن الأثر كالمؤثر له انتسابان حقيقة تعرف أنه لا جبر ، فأثر كلّ مرتبة له جهتان : جهة انتساب إليه تعالى ؛ حيث إنه أثر فعله الحقيقي

__________________

(١) في أوائل بحثه المعنون : بـ ( تنبيه وتنزيه ).

(٢) قولنا : ( فمن حيث إن حيثيّة الأثر .. إلخ ).

وبعبارة اخرى : حيث إن الفاعل بمعنى ما منه الوجود ـ وهو الله تعالى ـ فلا تفويض ، وحيث إن ما به الوجود بإرادته هو العبد ، فلا جبر. وقد عرفت سابقا : أنه ينحصر ما منه الوجود فيه تعالى ، وينحصر ما به الوجود في غيره تعالى. ( منه عفي عنه ).

٢٩٥

الإطلاقي ، وهذه جهة تلي الربّ ، وجهة انتساب إلى العبد ؛ حيث إنه أثر وجوده الحقيقي ، وهي جهة تلي الماهية ، فكما أن وجوده وجوده حقيقة وبلا عناية ، ومع ذلك فهو فعل الله وصنعه حقيقة ، كذلك إيجاده إيجاده حقيقة وبلا تجوّز ، ومع ذلك فهو أثر فعله ـ تعالى ـ بلا مجاز ، فاذا تمكّن العبد من نفي وجوده عن نفسه تمكّن من نفي إيجاده عن نفسه.

ولا يخفي عليك أن الأثر إنما ينسب إليه ـ تعالى ـ بما هو مطلق ، وإلى العبد بما هو محدود ومقيد ، وإلاّ فجلّ جنابه ـ تعالى ـ من أن تستند إليه الأفعال التي لا تقوم إلا بالجسم والجسماني ، ولو كان من الأعمال الحسنة ؛ فضلا عن الأعمال السيئة.

نعم ربما تغلب الجهة التي تلي الربّ ، وتندكّ فيها الجهة الاخرى كما في قوله تعالى : ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى )(١) فحينئذ ينفى الانتساب إلى المربوب ، وينسب إلى الربّ.

ومن ذلك يظهر عدم استناد الأفعال السيئة إليه تعالى من جهة اخرى. فتفطّن وافهم ، أو ذره في سنبله ، والله المسدّد.

١٥٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ومعه كيف تصح المؤاخذة؟ ... الخ ) (٢).

كيف؟ وقد عرفت : أن الاستناد إلى الله ـ تعالى ـ آكد من الاستناد إلى العباد ، فإنه إليه ـ تعالى ـ بالوجوب ، وإليهم بالإمكان كما عرفت (٣) ، وإنما عطف النظر ـ دام ظلّه ـ عن التكليف إلى المؤاخذة ؛ لكفاية هذا المقدار من الاختيار في توجيه التكليف إلى الغير ، ويخرج بذلك عن اللغوية (٤) بخلاف المؤاخذة ممن

__________________

(١) سورة الانفال ٨ : ١٧.

(٢) الكفاية : ٦٨ / ٦.

(٣) وذلك في أواخر بحثه المعنون : بـ ( تنبيه وتنزيه ).

(٤) قولنا ( ويخرج بذلك عن اللّغويّة .. إلخ ).

فإنّ التكليف لجعل الداعي ، ومع صدور الفعل عن إرادة الباري ، لا معنى لجعل الداعي الموجب لانقداح الإرادة ، بخلاف ما إذا صدر عن إرادة العبد ، فإن جعل الداعي صحيح ، بخلاف المؤاخذة من مفيض الوجود على الفعل ، وإرادته ولو بالواسطة ، فإنه مناف لعدله.

اعلم أن الإشكال في العقوبة : تارة يرتبط بباب الجبر والتفويض ، وهو ما ذكرناه هنا من

٢٩٦

ينتهي إليه سلسلة الفعل.

١٥٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( قلت : العقاب إنما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار ... الخ ) (١).

توضيح الحال يستدعي بسطا في المقال ، فنقول ـ وعلى الله الاتكال ـ : المثوبة والعقوبة على نحوين :

احدهما ـ المثوبة والعقوبة اللتان هما من تبعات الأفعال ، ولوازم الاعمال ، ونتائج الملكات الفاضلة ، وآثار الملكات الرذيلة ، ومثل هذه العقوبة على النفس لخطيئتها ، كالمرض على البدن لنهمه ، والمرض الروحاني كالمرض الجسماني ، والأدوية العقلانية كالأدوية الجسمانية.

وأما شبهة استحالة استلزام الملكات النفسانية للآلام الجسمانية والروحانية ، فمدفوعة بوجوده في هذه النشأة الدنيوية ؛ بداهة أن النفس يؤلمها تصوّر المنافرات ، ويحدث فيها الآلام الجسمانية من غلبة الدم ونحوه عند الغضب وشبهه ، فلا مانع من حدوث منافرات روحانية وجسمانية بواسطة الملكات الرذيلة النفسانية المضادّة لجوهر النفس. فليس عقاب من معاقب خارجي حتى يقال : كيف العقاب من الحكيم المختار على ما لا يكون بالأخرة بالاختيار؟ وفي الآيات والروايات تصريحات وتلويحات إلى ذلك ، فقد تكرر في القرآن المجيد ( إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) ، وقال ـ عليه السلام ـ : « إنما هي أعمالكم تردّ اليكم » (٣)

__________________

حيث انتهاء الفعل إليه تعالى ، واخرى يرتبط بباب القضاء والقدر ، وهو ما ذكرناه في آخر المبحث ، فان ملاك الإشكال هناك ليس انتهاء الفعل وعدم اختياريته بالآخر ، بل الملاك أن إيجاد من يوجد منه الموجبات للعقوبة باختياره ـ ولو من حيث كون العقاب من لوازم أعماله ـ مناف لرحمته. فتدبر. ( منه عفي عنه ).

(١) الكفاية : ٦٨ / ٨.

(٢) كما في سورة التحريم ٦٦ : ٧ ، والطور ٥٢ : ١٦ ، وفي هذا المعنى ، النمل ٢٧ : ٩٠ ، والعنكبوت ٢٩ : ٥٥ ، ويس ٢٩ : ٢٥ والجاثية ٤٥ : ٢٨. والصافات ٣١ : ٣٩.

(٣) ورد في الاسفار ٧ : ٨٣ ، وفي شرح الأسماء الحسنى للسبزواري : ١٠٧ ، ولم نعثر عليه في ما تيسر

٢٩٧

فراجع.

وثانيهما ـ المثوبة والعقوبة من مثيب ومعاقب خارجي ، وهذه المثوبة والعقوبة هما اللذان ورد بهما (١) ظاهر التنزيل ، فقصرهما على الأوّل خلاف ظواهر الكتاب والسنة ، وتصحيحهما بعد صحّة التكليف بذلك المقدار من الاختيار في غاية السهولة ؛ إذ كما أنّ المولى العرفي له مؤاخذة عبده إذا أمره فخالفه ، كذلك مولى الموالي ؛ إذ لو كان الفعل بمجرّد استناده إلى الواجب ـ تعالى ـ غير اختياري وغير مصحّح للمؤاخذة ، لما صحت مؤاخذة المولى العرفي أيضا.

وإذا كان الفعل في حدّ ذاته قابلا للمؤاخذة عليه فكون المؤاخذ ممن انتهت إليه سلسلة الإرادة والاختيار ، لا يوجب انقلاب الفعل عما هو عليه من القابلية للمؤاخذة ممن خولف أمره ونهيه.

والتحقيق : أن الإشكال إن كان في استحقاق العقاب على مثل هذا الفعل المنتهى إلى ما لا بالاختيار ، فالجواب عنه ـ بترتّب العقاب من باب الملازمة بينه وبين المعصية ، وأنها كالمادة للصورة المنافرة في الآخرة ـ أجنبي عن مبنى الاشكال بل المناسب لهذا المبنى هو الوجه الثاني.

وإن كان الإشكال في فعلية إجراء العقاب ولو مع ثبوت الاستحقاق واختيارية الفعل حقيقة من حيث استحالة التشفّي ، فالجواب ـ بأن العقاب من لوازم الأفعال ـ صحيح دافع لمحذور استحالة التشفّي ، لكنه غير مناسب للكلام في اختيارية الفعل ، والإشكال في العقوبة من أجلها ، ولا لترتّب العقاب على الاستحقاق ، فإنّ مبنى الملازمة غير مبنى الاستحقاق ، بحكم العقلاء.

بل الجواب عنه ـ بناء على المبنى المزبور ـ ما سيأتي (٢) إن شاء الله تعالى.

__________________

لدينا من كتب التفسير والحديث.

(١) في الأصل : هو الذي ورد به.

(٢) نفس هذه التعليقة عند قوله : فالتحقيق أن مصلحة التخويف العام ...

٢٩٨

ولعل الجواب المزبور من أجل عدم الاعتناء بالمبنى المذكور ، وأنه لا نقول بالعقاب من أجل حكم العقلاء بالاستحقاق حتى يرد علينا إشكال انتهاء الفعل إلى ما لا بالاختيار ، بل نقول بأن الفعل الناشئ عن هذا المقدار من الاختيار مادة لصورة اخروية ، والتعبير بالاستحقاق بملاحظة أن المادة حيث كانت مستعدة ، فهي مستحقة لإفاضة الصورة من واهب الصور.

ومنه تعرف : أن نسبة التعذيب والإدخال في النار إليه ـ تعالى ـ بملاحظة أن إفاضة تلك الصورة المؤلمة المحرقة التي تطّلع على الأفئدة منه ـ تعالى ـ بتوسّط ملائكة العذاب ، فلا ينافي القول باللزوم مع ظهور الآيات والروايات في العقوبة من معاقب خارجي.

نعم يبقى الإشكال من جهات لا ينبغي إهمالها ، وقطع النظر عن دفعها :

منها : أنه ما الموجب لاختيار التعذيب والمعاقبة من المختار الرحيم بعد استحالة التشفّي في حقّه ـ تعالى ـ بناء على مبنى الاستحقاق عقلا أو شرعا؟

ويجاب عنه بأحد وجهين :

الأوّل (١) ـ انّ التعذيب من باب تصديق التخويف ، والإيفاء بالوعيد

__________________

(١) قولنا : ( إن التعذيب من باب تصديق .. الخ ).

هذا الجواب مبني على ما يناسب طريقة المتكلمين ، إلا أنه باطل على مذاق أهل المعرفة ، أما وجه بطلانه فلأنّ ما يصحّحه من جعل العقاب حفظا للنظام إنّما يناسب حفظ النظام الاجتماعي البشري ، فإنّ جعل الجزاء لا يطلب منه إلاّ حفظ النظام الاجتماعي ، وإجراءه أيضا بهذه الغاية لئلا يرتكب المحرّم ثانيا ، ولئلاّ يتجرّأ على مثله غيره ، ومثل هذه النتيجة لا يرقب في الآخرة حتى يكون العقاب لهذه الغاية ، مع أن جعل العقاب على عمل في الآخرة التزام بفعل اختياري في الآخرة لغرض لا محالة ، ومن المستهجن المستقبح جدا الالتزام بإجراء العقاب في الآخرة ، تصديقا لهذا الالتزام الذي لا سبب له غيره ، بل التحقيق : أنّ هذا الجعل وذاك الإجراء في الدار الآخرة كسائر الإيجادات منه تعالى ، فإنه ـ تعالى ـ هو غاية الغايات ، ومعروفية ذاته بتمام أسمائه وصفاته هي الغاية لجميع أفعاله التي هي أنحاء تجليلاته وظهوراته ، فظهور اسم

٢٩٩

الواجبين في الحكمة الإلهية ، فإنّ إخلاف الميعاد مناف للحكمة وموجب لعدم ارتداع النفوس من التوعيد والتخويف. وهذا الوجه ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات (١) على ما هو ببالي ، وغيره في غيرها (٢) ، لكن الكلام في أصل التخويف والتوعيد (٣) ؛ إذ أيّ موجب لهما عقلا حتى يجب ايفاؤهما وإحقاقهما؟!

وصحّحه بعض أجلّة العصر : بأن أصل التخويف والتوعيد ، وإن كان بنفسه تعهّد إيذاء الغير ، إلا أنّ ذلك من باب دفع الأفسد بالفاسد ، وهو دفع وقوع العبد في المفسدة أو فوت المصلحة عنه بالتخويف والتوعيد المقتضيين لترتّب العقاب على ما اختاره العبد من المعاصي والمآثم.

وأنت خبير بأنّ مفسدة نفس التوعيد وهي تخويف الغير وإرعابه ، وإن كانت جزئية لا تقاوم مفسدة الزنا مثلا ، لكن لازم هذا الجعل والتوعيد ، وهو وقوع العبد في العذاب الاخروي أعظم بمراتب من وقوعه في المفسدة الدنيوية ، ومن فوت المصلحة الدنيوية عنه ، فكيف يكون من باب دفع الأفسد بالفاسد؟! بل الأمر بلحاظ لازمه بالعكس. وكون الإثم والعصيان باختيار المكلّف لا دخل له

__________________

الهادي والمرشد والدليل هو المقتضي لجعل الاحكام ، وتاكيد الدعوة بحكمته وعنايته هو المقتضي لجعل العقاب ، وكونه عادلا (أ) وشديد العقاب هو المقتضي لإجراء العقاب فتفطّن. ( منه عفي عنه ).

(١) الاشارات والتنبيهات ٣ : ٣٢٩.

(٢) كالمحقّق الطوسي (رحمه الله) والعلامة الحلي (رحمه الله) في تجريد الاعتقاد وشرحه كشف المراد : المسألة الرابعة في المعاد : ٤٠٥.

(٣) الظاهر عدم وجود مصدر ( التوعيد ) ولا فعله ( وعّد ) في اللغة ، وإنما الموجود : ( أوعد إيعادا ، ووعد وعيدا ، واتّعد اتّعادا ، وتوعّد توعّدا ). هذا في الشر فحسب ، أما ( وعد وعدا ) فبالخير والشر.

__________________

(أ) توجد هنا في الأصل كلمة غير مقروءة ، والظاهر أنها « ومنتقما ».

٣٠٠