نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

بل نقول : لو صحّ تقييد السلب بالزمان ـ مع عدم تقييد النسبة الحكمية ـ لزم صحة السلب حتى مع تقييد النسبة بحال التلبس ؛ حيث يصح أن يقال : زيد ليس الآن ضاربا بالأمس ؛ بداهة أن النسبة المتقيدة بالأمس لا وعاء لها إلا الأمس ، مع أن إطلاقه بلحاظ حال التلبس حقيقة عند الكل ، فكما لا يكون صحة السلب في مثل المثال علامة المجاز ، فليكن فيما نحن فيه كذلك.

١١٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وفيه أن عدم السلب في (١) مثلهما إنما هو لأجل أنه اريد ... الخ ) (٢).

اختصاص التمثيل باسم المفعول ـ مع عدم الفرق بينه وبين اسم الفاعل ، إلا بالصدور في الفاعل ، والوقوع في المفعول ، مع وحدة المبدأ الذي تتوارد عليه أنحاء النسب ـ كاشف عن خصوصية في اسم المفعول في طرف مبدئه عرفا إن كان الاطلاق حقيقيا ، وإلا فتوسّعا وتنزيلا ، وإلا فالفاعل والمفعول ـ كالضارب والمضروب ، والقاتل والمقتول ـ متضايفان ، والمتضايفان متكافئان في القوة والفعلية ، فصدق أحدهما دون الآخر غير ممكن ، إلا بأخذ المبدأ على نحو يخرج عن التضايف.

١١٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فالجواب منع التوقف على ذلك بل يتم ... الخ ) (٣).

التحقيق في الجواب : ما أشرنا إليه في بعض الحواشي المتقدّمة (٤) من أن ظهور المشتقّ ـ في معناه الذي مطابقه المتلبّس بالمبدإ على أنحائه ـ أمر ، وظهور اتحاد زماني التلبس والنسبة الحملية أو الاسناد إليه ، أمر آخر.

__________________

(١) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : عدم صحته في ..

(٢) الكفاية : ٤٨ / ١٧.

(٣) الكفاية : ٤٩ / ٩.

(٤) التعليقة : ١١٣.

٢٠١

وقد سمعت : أن ظهور المشتق في ذلك ـ فيما إذا نسب إليه شيء ـ إنما هو لعدم كون المتكلم مهملا ، وعدم التقييد بزمان خاص ، وعدم كون الوصف معرّفا ، فلو انتفى أحد هذه الامور لما كان ظهور. وعلى أيّ حال فالمشتق في مرحلة الاستعمال مستعمل في معناه ، ومطابقة المتلبس الحقيقي بالحمل الشائع.

وتوضيحه : أن الوصف ربما يكون عنوانا محضا ، كما في ( صلّ خلف العادل ) ، و ( يقبل شهادة العادل ) ، وربما يكون معرّفا محضا ، كما في ( هذه زوجة زيد ) إذا كانت بائنة منه ، وأريد تعريف شخصها لا الحكم على وصفها ، وربما يكون معرفا مشوبا بعنوانية لنكتة من مدح أو ذم أو عليه لحدوث الحكم.

ومورد استدلال الإمام عليه السلام من قبيل الأخير ، فإن مقتضى جلالة قدر الامامة والخلافة ـ وعظم شأنها وعلو مكانها ـ عدم لياقة من عبد الصنم مدة ـ واتصف بالظلم في زمان ـ لعهد الخلافة أبد الدهر ، وإلا لكانت الخلافة كسائر المناصب الشرعية ، فهذه القرينة قرينة على عدم اتحاد زماني التلبّس والإسناد ، لا على استعمال الوصف في المنقضي عنه المبدأ مجازا ، كما عن بعض الأعلام.

فإن قلت : فعلى هذا مخالفة الظاهر دائما مستندة إلى غير الجهة المبحوث عنها ، فما ثمرة البحث عن ظهور المشتق في المتلبّس أو الأعم؟

قلت : أما القائل بالأعمّ فهو ليس له حالة منتظرة في إجراء الحكم المترتّب على وصف اشتقاقي.

وأما القائل بالوضع لخصوص المتلبس ، فاقتصاره على خصوص المتلبّس في ترتيب الحكم عليه ، يتوقّف على إحراز الظهور في اتحاد زماني النسبة والتلبس ؛ بأن لا يكون الكلام مهملا ، أو الزمان معينا ، أو الوصف معرّفا محضا ، أو مشوبا ـ في قبال التمحض في العنوانية ـ وهذا لا يقتضي لغوية النزاع ـ كما ربما يتوهّم ـ اذ لزوم توسّط شيء في ترتيب الثمرة لا ينفي الثمرة ، ولا يوجب لغوية النزاع في ثبوت ما يترتب عليه بلا واسطة أو معها. فافهم واغتنم.

٢٠٢

١٢٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( بل يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبّس ... الخ ) (١).

والقرينة المزبورة ليست قرينة على لحاظ حال التلبّس ؛ إذ لا شيء من الحقيقة كذلك ، بل قرينة على انفكاك زمان التلبّس عن زمان الإسناد إليه ، وقد عرفت أن الظهور في الاتحاد ليس من ناحية وضع المشتقّ للمتلبّس.

١٢١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وقد أفاد في وجه ذلك أن مفهوم الشيء ... الخ ) (٢).

توضيحه : أنه بعد عدم تعدّد الوضع في المشتقّات ، إما أن يكون الملحوظ حال الوضع من المفاهيم العامة ـ كالذات والشيء ونحوهما ـ هو الموضوع له ، أو مصاديقه :

فإن كان الأول لزم دخول العرض العامّ في مثل الناطق من الفصول ، مع أن الشيئية من الأعراض العامة ، وهي غير مقوّمة للجوهر النوعي ، والفصل هو الذاتي المقوّم.

وإن كان الثاني من باب عموم الوضع وخصوص الموضوع له ، لزم انقلاب مادّة الإمكان الخاص إلى الضرورة في مثل ( الانسان كاتب ) ؛ إذ الكاتب ـ بما له من المعنى المرتكز في الأذهان ـ ممكن الثبوت للإنسان ، ولو كان الإنسان الذي هو مصداق الشيء مأخوذا فيه كان ضروري الثبوت للانسان ؛ لأن ثبوت الإنسان لنفسه ضروري.

١٢٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والتحقيق : أن يقال : إنّ مثل الناطق ليس بفصل حقيقي ... الخ ) (٣).

__________________

(١) الكفاية : ٥٠ / ١٤.

(٢) الكفاية : ٥١ / ٩.

(٣) الكفاية : ٥٢ / ٤.

٢٠٣

توضيحه : أن المبدأ وهو النطق : إما أن يراد منه النطق الظاهري ، وهو كيف مسموع ، فكيف يعقل أن يكون مقوّما للجوهر النوعي؟!

وإما أن يراد منه النطق الباطني ـ أعني إدراك الكلّيات ـ وهو كيف نفساني ، أو إضافة ، أو انفعال ـ على اختلاف الأقوال ـ وعلى أي حال فهو من الأعراض ، والعرض لا يقوّم الجوهر النوعي ، ولا يحصّل الجوهر الجنسي ، وإنما يعرض الشيء بعد تقوّمه في أصله وتحصّله بفصله.

وسرّ جعل مثله في مقام التحديد هو : أنّ الذاتي لمّا لم يعلم ، بل لا يكاد يعلم (١) ـ كما عن الشيخ الرئيس في التعليقات على ما حكي عنه (٢) ـ لم يكن بدّ إلا التعريف باللوازم والخواصّ ، والناطق هو الشيء المتخصّص بالنطق ، فلم يلزم دخول العرض في الذاتي ، وهذا الجواب وإن كان صوابا ـ كيف؟ وقد صدر عن جملة من الأكابر (٣) ـ لكنه يمكن أن يجعل الناطق فصلا حقيقيا من دون محذور ؛ بأن يكون المراد منه ما له نفس ناطقة ، والنفس الناطقة ـ بما هي مبدأ لهذا الوصف ـ فصل حقيقي للانسان ، لكن الجزء ما لم يلاحظ لا بشرط لا يقبل الحمل ، فلذا يجب في تصحيح الحمل من (٤) إضافة لفظة ( ذي ) ، فيقال : ( الانسان ذو نفس ناطقة ) ، أو من اشتقاق لغوي أصلي ، أو جعلي فيقال : ( الانسان ناطق ) أي ما له

__________________

(١) أي بنحو العلم الحصولي بالكنه من طريق الحد ، وذلك لأن البسيط وما ينتهي إليه ـ كالأنواع المركبة ـ لا حدّ حقيقي لهما للزوم الخلف من التركّب الذي يقتضيه الحدّ الحقيقي المشتمل على جزءين ذاتيين. [ منه قدس سره ].

(٢) التعليقات ـ تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي ـ : أواخر صفحة : ٣٤.

(٣) الأسفار ٢ : ٢٥.

(٤) الأصح حذف ( من ) من هذا الموضع لاختصاص دخول ( من ) على النكرة المنفية ، كقوله تعالى : (وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ) آل عمران ٣ : ٦٢ ، وهذا هو مذهب المدرسة البصرية ، وهو المشهور ، وإن اجاز الكوفيون دخولها على النكرة المثبتة أيضا.

٢٠٤

نفس ناطقة ، فأخذ الشيء في هذا المشتق الجعلي لا يوجب محذور دخول العرض في الذاتي ؛ بداهة أن الفصل الحقيقي هو المبدأ ، وإلاّ فالمشتقّات غير موجودة بالذات ، ولذا لا تدخل تحت المقولات. فتدبّره ، فإنه حقيق به.

والتحقيق : أن توصيف النفس بالناطقة ـ بمعنى المدركة للكليات ـ يوجب أن لا يكون الفصل ذاتيا. وبمعنى آخر ـ لا يعرفه العرف واللغة ـ مناف للتعريف ، فالصحيح في دفع الإشكال كلية ما أشرنا إليه من أنّ أخذ الشيء والذات ونحوهما لتصحيح الحمل ، ولذا لا شبهة في أن خاصّة الإنسان هو الضحك ، ومع ذلك لا يصح حمله ـ في مقام الرسم ـ ، إلاّ بعنوان اشتقاقي ونحوه ، وأما صلوح المبدأ لكونه فصلا حقيقيا ، فهو مما لا محيص عنه ، سواء اخذ فيه الشيء ونحوه أم لا. فافهم جيّدا.

فإن قلت : حقائق الفصول ـ كما عن بعض أكابر فن المعقول (١) ـ هي أنحاء الوجودات الخاصة ، فإنّ بها تحصّل كلّ متحصّل ، والحقيقة العينية ليست كالماهيات الطبيعية ، بحيث يتخذ الذهن موطنا كالخارج ، وعليه فلا يعقل الحكاية عن حقيقة الفصل بمفهوم ، كي يلزم المحذور من أخذ الشيء في الاشتقاقي منه ، بل نسبة كل مفهوم ـ يحكي عنه ـ إليه (٢) نسبة العنوان إلى المعنون ، والوجه إلى ذي الوجه.

قلت : لحاظ التقويم ـ وكون الشيء من علل القوام ـ غير لحاظ التحصيل وكون الشيء من علل الوجود ، وحقيقة الفصل الحقيقي لا يعقل أن يكون بوجوده من علل قوام الماهية النوعية ؛ ضرورة أن ما حيثيّة ذاته حيثيّة الإباء عن العدم مغاير لما لا يأبى عن الوجود والعدم ، بل الفصل إنما يكون مقوّما بذاته وماهيته.

__________________

(١) صدر المحققين في الأسفار ٢ : ٣٦.

(٢) الضمير في ( عنه ) و ( إليه ) مرجعه ( الفصل ) المتقدم ذكره.

٢٠٥

وبالجملة : وجود الفصل الأخير ـ وان كان بوحدته وجودا لجميع الأجناس والفصول الطولية ، وكانت تلك برمتها مضمنة فيه ، لكن هذا الوجود الواحد ينتزع عنه معان ذاتية ومعان عرضية. فكلّ ما انتزع عنه ـ بلا ملاحظة أمر خارج عن مرتبة ذاته ـ يسمّى ذاتيا كالأجناس والفصول ، وكلّ ما انتزع عن مرتبة متأخرة عن ذاته يسمّى عرضيا ، والفصل المحكيّ عنه بمثل ( الناطق ) إنما يكون ذاتيا ومن علل القوام إذا كان كذلك ، والمفروض تركّبه من أمر عرضي ـ وهي الشيئية ـ فما فرضناه ذاتيا لم يكون كذلك. فافهم جيّدا.

١٢٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ثم قال : يمكن (١) أن يختار الوجه الثاني أيضا ، ويجاب بأن المحمول ... الخ ) (٢).

هذا الذي أجاب به في الفصول (٣) مما قد سبقه إليه بعض أهل المعقول وسبقهما إليه نفس المورد ـ أعني المحقق الشريف (٤) ـ في كلام آخر له (٥) ،

__________________

(١) في الكفاية ـ تحقيق مؤسّستنا ـ : إنه يمكن ..

(٢) الكفاية : ٥٢ / ١٥.

(٣) الفصول : ٦١.

(٤) هو السيد علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني من أولاد محمد بن زيد الداعي ابن الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ.

ولد سنة ( ٧٤٠ ه‍ ) ، واشتغل في بلاده جرجان ثم القاهرة بطلب العلم ، ثم خرج إلى بلاد الروم ، ثم إلى بلاد العجم ، تصدى للإقراء والإفتاء ، وأخذ عنه الأكابر.

له مصنفات كثيرة أهمها : شروح على ( المفتاح ) و ( المواقف العضدية ) ، وله حواش منها على ( التجريد لنصير الدين الطوسي ) و ( المطالع ) و ( المطوّل ) و ( حكمة الاشراق ) و ( العوامل الجرجانية ) و ( شرح الإشارات للطوسي ) وغيرها ، وله كتاب التعريفات.

توفي يوم الأربعاء (٦) ربيع الآخر سنة ( ٨١٦ ه‍ ) بشيراز ، ودفن فيها.

( البدر الطالع ١ : ٤٨٨ ) بتصرف.

(٥) حكاه في الفصول : أواخر الصفحة : ٦١.

٢٠٦

وحاصله : ان المقيد بغير الضروري غير ضروري.

والذي يسنح بالبال عدم سلامة هذا الجواب عن الاشكال ، لا لأن لازمه إمكان سلب الشيء عن نفسه عند تقيده وهو محال ، لأن الشيء لا ينسلخ عن نفسه في جميع المراحل ، بل هو محفوظ في جميع المراتب ؛ لأنّ ذلك يصحّ في الجزئيات الحقيقية ، فإنها غير قابلة للتقييد.

بخلاف الكليات فإنها قابلة ، فتكون بذلك حصصا لها ، وثبوت الكلي للحصص وإن كان ضروريا ، إلاّ أن ثبوت الحصة له ليس كذلك ، إذ ليس ورود كل قيد ضروريا ، بل لأن بعض الموضوعات ـ كالجزئيات الحقيقية ـ غير قابلة للتقييد ؛ لأنها لا تتعدد بإضافة القيود ، فليست كالأجناس كي تصير بالقيود أنواعا ، ولا كالأنواع كي تصير بالقيود أصنافا ، فلا معنى لقولك : زيد زيد له الكتابة.

وأما بعض الموضوعات الأخر القابلة للتقييد ، فلا تقبل الحمل ولا السلب ، لا لأن المفروض أنها بنفسها مأخوذة في المحمول ـ وإثبات الشيء لنفسه ـ كسلبه عنه ـ محال ؛ لما عرفت آنفا ـ بل لأن حمل الأخصّ على الأعم بحسب المفهوم غير صحيح ، فلا يصحّ أن يقال : ( الحيوان إنسان ) إلا بنحو القضية الشرطية المنفصلة ، بأن يقال : ( الحيوان إما إنسان ، أو حمار ، أو غير ذلك ) ، وعليه فالحمل غير صحيح ، لا أنه صحيح وانقلاب المادة مانع.

وبالجملة : الحصة لا تحمل على الكلي وإن صح تقسيم الكلي إليها والى غيرها ، ومن الواضح أن حمل الكاتب بما له من المعنى صحيح ، من دون عناية زائدة ، ولو كان مفهومه مركبا من نفس الإنسان وقيد الكتابة لكان حصة من الانسان. فيرد عليه حينئذ ما أوردناه عليه ، لكن هذا الاشكال بناء على ما عن أهل الميزان من أن الملحوظ في طرف الموضوع هي الذات ، وفي طرف المحمول

٢٠٧

هو المفهوم ، وأن الموضوع لا بد من اندراجه تحت مفهوم المحمول ، وصدق المحمول عليه.

وأما بناء على أن ملاك الحمل الشائع ، هو الاتحاد في الوجود فكما أن الكلي يتحد مع الحصة في الوجود فكذا العكس ، فصح حملها عليه.

١٢٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إن كان ذات المقيد ، وكان القيد خارجا ... الخ ) (١).

فيكون كالمركّب التقييدي الذي لا نظر فيه إلى المقيّد ـ بما هو مقيّد ـ بل هو آلة لتعرّف حال ذات المقيّد ، والغرض أنّ المحمول هو المقيّد بقيد غير ضروري ، ومع ذلك فهو ضروري إذا لوحظ بنحو المعنى الحرفي. وأما جعل ( الكاتب ) ـ مثلا ـ عنوانا محضا وطريقا صرفا إلى معنونه ، وحمل معنونه على الإنسان ، فهو وإن كان بمكان من الامكان ، والجهة ـ حينئذ ـ هي الضرورة ـ دون الامكان ـ إلا أنه ليس لازم التركّب ، بل يجري على البساطة ـ أيضا ـ كما هو واضح.

١٢٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وإن كان المقيد ـ بما هو مقيد ـ على أن يكون القيد داخلا ... الخ ) (٢).

توضيحه : إن لازم التركب انحلال قضية ( الانسان ضاحك ) إلى قضيتين :

إحداهما ( الانسان إنسان ) ، والاخرى ( الإنسان له الضحك ) ، والاولى ضرورية ، والثانية ممكنة ، مع أنّ قضيّة ( الإنسان ضاحك ) ـ بما لها من المعنى المرتكز في الأذهان ـ موجّهة بجهة الإمكان.

لا يقال : ( له الضحك ) مأخوذ في المحمول على نحو التوصيف ، لا أنه خبر بعد خبر ؛ لتكون هناك قضيتان.

__________________

(١) الكفاية : ٥٢ / ١٩.

(٢) الكفاية : ٥٢ / ٢٢.

٢٠٨

لأنا نقول : الضاحك ـ بما له من المعنى ـ خبر ، والقضية خبرية محضة ، وما هو انحلال للخبر يكون خبرا أيضا ، وإن اخذ في مقام الجمع بنحو التوصيف ؛ لأن الأوصاف قبل العلم بها أخبار ، كما أن الاخبار بعد العلم بها أوصاف ، فيكون ما نحن فيه نظير ما إذا قيل : ( زيد شاعر ماهر ) ، فإنّ الماهر وإن كان صفة اصطلاحا للشاعر ، إلا أنه في الحقيقة قبل العلم به ـ كما هو فرض الخبر ـ إخبار بشاعريته وبمهارته في الشعر ، وإن لم يكن خبرا بعد خبر ، كقولنا : ( زيد كاتب شاعر ).

لكنه ـ لا يخفى عليك ـ أن هذا الانقلاب ليس على حد ما أفاده الشريف ، وإن كان نحوا من الانقلاب المصحح للإشكال على تركّب المشتقّ.

ولا يذهب عليك أيضا : أن عقد الحمل لم ينحلّ (١) إلى قضية ضروريّة كي يكون نظيرا لعقد الوضع المنحلّ إلى قضيّة ممكنة أو فعلية ، بل عقد الحمل منحلّ إلى خبرين : بأحدهما تكون القضية ضرورية ، وبالآخر تكون ممكنة ، مع أن القضية ـ بما له من المعنى ـ ممكنة.

__________________

(١) وأما ما في بعض تعليقات الأسفار [ الأسفار ١ : ٤٢ ] للمحقق السبزواري من تشبيه انحلال القضية إلى قضيّتين بانحلال عقد الوضع إلى قضيّته فهو ـ مضافا إلى ما ذكرنا في المتن ـ قابل للتوجيه ، فإنّ غرضه التشبيه من حيث انحلال المجموع إلى قضيتين ؛ بمعنى أنه كما أن عقد الوضع ينحلّ إلى قضية ، والمركب من عقد الوضع وعقد الحمل أيضا قضية ، كذلك مجموع قضيّة ( الإنسان كاتب ) ـ بناء على التركّب ـ ينحلّ الى قضيتين ، لا أن عقد الحمل ينحلّ الى قضية ، كما أن عقد الوضع كذلك ، على ما هو صريح المتن ، وإن كان كلامه في فوائده موافقا لما في حاشية الأسفار من حيث تشبيه المقام بعقد الوضع ، لا تشبيه عقد الحمل بعقد الوضع. فافهم واستقم. [ منه قدّس سره ].

٢٠٩

وبالجملة : نتيجة ذلك انحلال القضية إلى قضيتين ، كما هو لازم انحلال الخبر إلى خبرين ، لا انحلال عقد الحمل إلى قضية.

فما في المتن ـ من التفريع على ما ذكر من أن انحلال عقد الحمل إلى قضية ، كانحلال عقد الوضع إلى قضية ممكنة عند الفارابي ، أو إلى قضية فعلية عند الشيخ الرئيس ـ ليس في محلّه ، إلا أن يراد من القضية الثانية نفس قولهم : ( له الضحك ) باعتبار الثابت ونحوه ، فإنه قضية ممكنة اخذت في عقد الحمل.

فعقد الوضع بانضمام جزء من عقد الحمل قضية ، وجزؤه الآخر قضية اخرى ، لكنه لا يوافق عبارته ـ مد ظله ـ في بيان القضية الثانية ؛ حيث قال : « والاخرى قضية ( الانسان له النطق ) » (١) ، فلا تنطبق إلا على انحلال الخبر إلى خبرين.

نعم ما ذكرنا من التوجيه وجيه بالنسبة إلى عبارة المحقق السبزواري في تعليقاته على الأسفار ، فإنه عبّر عن القضية الثانية بقوله : ( له الضحك ) (٢) فتدبّر جيدا.

نعم ، هاهنا وجه آخر للانقلاب إلى الضرورة يصح تنظيره بانحلال عقد الوضع إلى قضية ، وهو أن نفس عقد الحمل ينحلّ إلى قضية ، وهي ( إنسان له الكتابة ) ـ مثلا ـ ومادّة هذه القضيّة هي الإمكان ؛ إذ كون القضية ذات مادّة نفس أمرية عبارة عن اقتضاء ذات الموضوع لذات المحمول ، لا بما هما موضوع ومحمول ، فاقتضاء شيء لشيء إن كان على نحو يستحيل عدمه فالمادة ضرورة ، وإلا فإمكان ، سواء كان هناك صورة القضية أم لا. فالإنسان المأخوذ في المحمول ، إذا قيس إلى مبدأ المحمول كان لا محالة مقتضيا له بنحو من

__________________

(١) الكفاية : ٥٣.

(٢) الأسفار ١ : ٤٢ / حاشية : ١.

٢١٠

الأنحاء وإن لم يكن اقتضاؤه مقصودا بالذات ؛ إذ تعلق الغرض والقصد بالذات وبالعرض لا دخل له في اقتضاء الواقعيات ، بل لا يعقل دخله فيها لتأخّر رتبته عنها.

وهذا بعينه نظير انحلال عقد الوضع إلى قضية ممكنة عند المعلم الثاني ، وإلى فعلية عند الشيخ الرئيس ، مع أن عقد الوضع غير مقصود اقتضاؤه ، ولا متعلق للغرض ، لا بالذات ولا بالعرض.

وعليه فالمحمول على الإنسان هو الإنسان الذي مادّته الإمكان ، ولا يعقل أن يكون اقتضاء الإنسان لمثل هذا المحمول بنحو الإمكان ، وإلا جاز ضرورية عدم الكتابة إن كان الإمكان عامّا ، وضرورية ثبوتها إن كان خاصا ، مع أنّ المفروض عدم ضرورية الكتابة وعدمها. فتدبّره ، فإنه دقيق ، وبه حقيق.

وليعلم : أن هذا الانقلاب لا دخل له بضرورية ثبوت الشيء لنفسه ، ولا من جهة كون القيد ضروريا ؛ إذ المفروض كون المحمول ـ في حد ذاته ـ مادته الامكان ، ولا من جهة أن جهة القضية جزء المحمول ، فانه يوجب الانقلاب ولو على البساطة.

مضافا إلى أن القابل لأخذه جزء للمحمول هي الجهة دون المادة ، فان مادة القضية هي كيفية النسبة الواقعية بين شيئين وان لم تلحظ ، بخلاف الجهة ، فإنها ما يفهم ويتصور عند النظر إلى تلك القضية سواء طابقت النسبة الواقعية ، أم لا.

ومن الواضح : أن المادة حيث إنها لم تلاحظ ، فلا وجه لتوهّم أخذها جزء للمحمول ، بل الانقلاب من جهة أخذ الموضوع في المحمول ، فيتحقق هناك نسبة ومادة بين ما اخذ في عقد الحمل ومبدأ المحمول ، وحينئذ فلا يعقل أن يكون نسبة المحمول ـ الذي مادته الامكان في حد ذاته ، بالاضافة إلى عقد الوضع ـ بالامكان.

٢١١

والتحقيق : أن ثبوت إمكان الكتابة للإنسان ليس بالإمكان ، بل بالضرورة لما ذكر آنفا ، وكذا ثبوت إمكان الإنسان الذي له الكتابة ـ أي إمكان هذه الحصة ـ أيضا بالضرورة لا بالإمكان. وأما ثبوت نفس هذه الحصة الممكنة لطبيعي الإنسان فهو بالإمكان ، لا بالضرورة ؛ لأن ورود هذا القيد على الإنسان ـ الموجب لكونه حصّة ـ بالإمكان ، فثبوت هذه الحصة الممكنة للطبيعي بالإمكان ، ولازم حمل الإنسان الذي له الكتابة على الإنسان ، إفادة كون الإنسان ذا حصّة خاصّة ، لا إفادة إمكان الكتابة له ، ولا إمكان الحصّة له حتى يكون بالضرورة. فتدبّر جيّدا.

١٢٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لكنه ـ قدس سرّه ـ تنظر فيما أفاده بقوله ... الخ ) (١).

النسخة المصحّحة بل المحكي عن النسخة الأصلية هكذا : « وفيه نظر لأن الذات المأخوذة ـ مقيّدة بالوصف قوة أو فعلا ـ إن كانت مقيدة به واقعا ، صدق الإيجاب بالضرورة ، وإلاّ صدق السلب بالضرورة ، مثلا لا يصدق ( زيد كاتب بالضرورة ) ، ولكن يصدق ( زيد زيد (٢) الكاتب بالفعل او بالقوة بالضرورة ) » (٣) انتهى.

وأما ما في النسخ الغير المصحّحة في بيان المثال الثاني ـ ( ولكن يصدق زيد الكاتب كاتب بالفعل او بالقوة بالضرورة ) ـ فهو غلط بالضرورة ؛ لأنّ لازم تركّب المشتقّ تكرّر الموضوع لا تكرّر المحمول.

١٢٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لا يذهب عليك أنّ صدق الإيجاب

__________________

(١) الكفاية : ٥٣ / ٥.

(٢) كذا في الأصل ، لكن عبارة الفصول هكذا : ( لكن يصدق زيد الكاتب ... ).

(٣) الفصول : ٦١.

٢١٢

بالضرورة بشرط كونه مقيدا ... الخ ) (١).

تركّب المشتقّ لو اقتضى انقلاب مادّة الإمكان إلى الضرورة بشرط المحمول ـ ولو بملاحظة الجهة التي ذكرناها أخيرا في تصحيح الانقلاب ، وإليه يرجع ما في الفصول (٢) لا إلى فرض الثبوت (٣) وفرض العدم ـ لكان ذلك من مفاسد الالتزام بتركّب المشتق ؛ اذ المفروض أن قضية ( الإنسان كاتب ) مادتها الامكان ، وتركب الكاتب من الانسان ونسبة الكتابة التي هي متكيفة واقعا بالإمكان ، يقتضي ان يكون مادتها الضرورة وإن كانت هذه الضرورة واقعا ضرورة بشرط المحمول ؛ حيث إن الجهة إذا صارت جزء المطلب والمحمول كانت جهة القضية منحصرة في الضرورة إثباتا أو نفيا.

والفرق بين ما نحن فيه وبين ما ذكره اهل الميزان في الضرورة بشرط المحمول : أنّ العبرة عندهم في القضايا الموجّهة بالجهة ، والجهة غير المادة ، لكن المحذور الحقيقي لا يدور مدار انقلاب جهة إلى جهة ، بل انقلاب مادة إلى مادة كذلك ، كما لا يخفى.

وما ذكره في الفصول (٤) من المثالين ليس مثالا للشرطيتين الواقعتين في

__________________

(١) الكفاية : ٥٣ / ٩.

(٢) الفصول : ٦١.

(٣) قولنا : ( لا إلى فرض الثبوت .. الخ ).

لأن تركيب المشتق وصيرورة عقد الحمل ذا مادة يمكن أن يوهم الانقلاب إلاّ أنه لا يستلزم صيرورة القضية فعلية حتى يلازم الانقلاب إلى الضرورة بشرط المحمول. مضافا إلى ظهور كلامه في أخذ الجهة قيدا في عقد الحمل ، وفرض الفعلية لا يتوقف على أخذ الجهة ، كما لا يخفى.

نعم ، كما أن تركّب المشتقّ لا يقتضي فرض الفعلية ، كذلك لا يقتضي صيرورة المادّة جزء المطلوب ، بل يقتضي صيرورة عقد الحمل ذا مادة فقط ، كما عرفت في الحاشية المتقدمة. [ منه قدس سره ].

(٤) الفصول : ٦١.

٢١٣

كلامه ؛ إذ الشرطية الثانية مقتضاها صدق السلب بالضرورة ، والمثال عدم الصدق بالضرورة ، وظني أن مثاله الأول ناظر إلى البساطة وعدم اقتضائها الانقلاب ، والمثال الثاني ناظر إلى التركّب واقتضائه الانقلاب لصيرورة المحمول ـ من حيث تركبه ـ ذا مادة.

والمراد من الشرطيتين : موافقة الجهة لمادّة القضية واقعا ـ كالمثال المزبور ـ وعدمها ، كما إذا قيل : ( الإنسان إنسان له النطق بالإمكان ) ، فإنّ الجهة غير موافقة لمادة القضية ، فيصدق السلب بالضرورة ، فيقال : ( ليس الانسان بالضرورة إنسانا له النطق بالامكان ) ، فالمراد من التقيّد بالوصف واقعا وعدمه هذا المعنى (١) ، دون الثبوت وعدمه. هذه غاية ما يمكن أن يوجه به كلامه ـ رفع مقامه ـ.

١٢٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فان لحوق مفهوم الذات والشيء لمصاديقهما إنما يكون ضروريا ... الخ ) (٢).

الأولى أن يقال : إن إلزام الشريف بالانقلاب : إن كان من باب ثبوت الشيء لنفسه ـ كما هو ظاهر الشريف (٣) ـ فمن البديهي أن مفهوم الشيء غير مفهوم الإنسان.

وإن كان من باب أن الموجّهة بجهة الإمكان ليست بالإمكان ، بل

__________________

(١) وإلاّ لزم أن يقول : وإن كانت مقيدة بعدمه واقعا ، فإن مجرّد عدم التقييد به واقعا ـ كما هو قضية الشرطية الثانية ـ لا يوجب صدق السلب بالضرورة ، بل عدم صدق الإيجاب بالضرورة. [ منه قدّس سرّه ].

(٢) الكفاية : ٥٤ / ٥.

(٣) وذلك في تعليقاته على شرح المطالع ـ الطبعة الحجرية ، انتشارات كتبي نجفي ـ ص : ١١.

و ( المطالع ) في المنطق للقاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفّى سنة : ٦٨٢ ه‍.

وشرحه لقطب الدين الرازي المتوفّى سنة : ٧٦٦ ه‍.

٢١٤

بالضرورة ، ففيه : أن الإنسان بإنسانيّته يقتضي الكتابة ، لكنّ الشيء بشيئيّته لا يقتضي الكتابة ، بل الشيء : إن كنّي به عن الإنسان كان مقتضيا بالإمكان ، فيرجع إلى مصداق الشيء. وإن كنّي به عن غير الإنسان لم يكن هناك اقتضاء ، بل صح السلب بالضرورة ، فالشيء بشيئيّته لا حكم له.

وإن كان إلزامه من باب أن الإنسان شيء ، لا أنه لا شيء ، والشيئية لا تنسلخ عنه في جميع المراتب ، ففيه : أنه قابل للتقييد بقيد لا يكون ـ بما هو ـ ضروريا للإنسان ، وليس كنفس الانسان كي يكون محفوظا في جميع المراتب حتى يكون حمله غلطا ؛ للزوم حمل الأخصّ مفهوما على الأعمّ ، بل مفهومه حينئذ أعمّ مفهوما من الموضوع.

نعم انحلال القضية إلى ضرورية وممكنة ـ من باب انحلال الخبر إلى خبرين ـ جار بناء على إرادة مفهوم الشيء ، وإن كان ظاهر كلام صاحب الفصول هو الشق الثالث (١).

١٢٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لزوم أخذ النوع في الفصل ... الخ ) (٢).

ليس المراد من النوع هو النوع العقلي ؛ كي يقال : إن الإنسان الموجود بوجود أفراده ليس نوعا ، بل المراد هو النوع الطبيعي ، وهو معروض النوعية ، والإنسان ـ بما هو ـ كما أنه كلّي طبيعي ، كذلك نوع طبيعي ، كما أن الناطق ـ الموجود بوجود المصاديق ـ فصل طبيعي ، فيلزم من أخذ الانسان في الناطق دخول النوع الطبيعي في الفصل الطبيعي ، بل لو لم يكن الناطق فصلا ـ وكان

__________________

(١) قولنا : الشقّ الثالث ... الخ ). حيث قال : ( لأن لحوق مفهوم الذات أو الشيء لمصاديقهما أيضا ضروري ). انتهى. ( منه عفي عنه ). راجع الفصول الغروية : ٦١.

(٢) الكفاية : ٥٤ / ٨.

٢١٥

لازما له ـ كان الإيراد واردا ؛ إذ لا يعقل دخول (١) النوع في لازم فصله.

والتحقيق : أن النطق ـ وهو إدراك الكليات ـ ليس لازما لماهيّة الإنسان ، بل لهويّة النفس الإنسانية ، فيلزم دخول الشيء في لازم وجوده.

ومن الواضح أنّ الشيء لا يتأخّر ـ بالوجود ـ عن وجود نفسه ، إلا أن يقال ـ كما أشرنا إليه في بعض الحواشي المتقدّمة ـ :

إن الناطق ما له نفس ناطقة ، والفصل الحقيقي مبدأ هذا العنوان ، فدخول الانسان في هذا العنوان لا يستلزم الدخول في الفصل الحقيقي ، وكذا لو قلنا : بأن الناطق لازم الفصل ، فإنّ اللازم الحقيقي مبدؤه ، لا المعنى الاشتقاقي ، والاشتقاق لتصحيح الحمل في مقام التعريف ، فلا يلزم دخول النوع في لازمه ، ولا في لازم وجوده.

١٣٠ ـ قوله [ قدّس سرّه ] : ( إرشاد : لا يخفى أنّ البساطة (٢) بحسب المفهوم وحدته إدراكا ... الخ ) (٣).

البساطة : إما لحاظيّة ، وإما حقيقية. أما البساطة اللحاظية : فالمراد منها كون المعنى واحدا إدراكا ، وفاردا تصورا ، بحيث لا ينطبع في مرآة الذهن إلا صورة علمية واحدة ، سواء كان ذو الصورة ـ وهو ذات ما تمثّل في الذهن ـ بسيطا في الخارج كالأعراض ، أو مركّبا حقيقيّا كالإنسان ونحوه من الأنواع المركبة ،

__________________

(١) قولنا : ( إذ لا يعقل دخول ... الخ ).

غاية الأمر أن عدم دخول النوع في الفصل للزوم تقدّم المتأخّر وتأخّر المتقدّم بالماهيّة ، وعدم دخوله في لازم الفصل للخلف ، لا لتأخّر المتقدّم وتقدّم المتأخّر ، فإن النوع ولازم الفصل كلاهما متأخر (أ) عن الفصل ، فلم يلزم إلاّ دخول المتأخّر في المتأخّر. ( منه عفي عنه ).

(٢) في الكفاية : ـ تحقيق مؤسّستنا ـ أنّ معنى البساطة ..

(٣) الكفاية : ٥٤ / ١٥.

__________________

(أ) كذا في الأصل ، والصحيح : إمّا ( كلّ منهما متأخّر .. ) ، أو ( كلاهما متأخّران .. ) ولعله بلحاظ وحدة اللفظ.

٢١٦

أو مركّبا اعتباريا ، سواء كان الافتقار ثابتا لأحد الجزءين إلى الآخر كالمركّب من العرض وموضوعه ، أو لم يكن افتقار أصلا ، كالدار المركّبة من الجدران والسقف ونحوهما ، فمناط البساطة اللحاظية وحدة الصورة الإدراكية ، سواء امكن تحليلها ـ عند العقل ـ إلى معان متعدّدة تحليلا مطابقا للخارج كما في المركّبات مطلقا ، أو تحليلا مطابقا للواقع ونفس الأمر ـ دون الخارج ـ كالبسائط الخارجية ، فإنّ اللونية ليست كالجسمية ليتوارد عليها الصور ؛ كي يكون التحليل مطابقا للخارج ، بل اللونية حيث إنها تنتزع عن البياض والسواد واقعا ، فلها نحو ثبوت واقعا ، وإن لم يكن [ لها ] ثبوت بحيث تتوارد عليها الصور.

وإلى ما ذكرنا من البساطة اللحاظية والتركيب اللحاظي يرجع الإجمال والتفصيل الفارقان بين الحد والمحدود ، فإنّ ذات الإنسان ـ مثلا ـ والحيوان الناطق ـ مثلا ـ واحدة ، لكن هذا الواحد ـ بالمفهوم والحقيقة ـ ملحوظ على جهة الجمع ـ وانطواء المعاني المتكثّرة ـ في الإنسان ، وعلى جهة الفرق ـ وتفصيل المعاني المنطوية ـ في الحيوان الناطق ، وإلاّ لم يكن الحدّ حدّا لذلك المحدود ، ولما حمل الحدّ على المحدود حملا أوّليا ذاتيا ، كما هو واضح.

ومما ذكرنا يظهر أن تحليل المعاني الاشتقاقية في الأوصاف إلى ما اشتهر بينهم ـ من أن المشتقّ ما ثبت له مبدأ الاشتقاق ، أو شيء له المشتقّ منه ـ غير ضائر بالبساطة اللحاظية ، بل غير ضائر بالبساطة الحقيقية ، كما سيجيء (١) إن شاء الله تعالى.

فاذا عرفت ذلك تعرف أن الاستدلال لمثل هذه البساطة اللحاظية بما استدلّ به المحقق الشريف ـ أو بغير ذلك مما استدل به في إخراج الذات عن المشتقات ـ غير وجيه ؛ لأن البساطة اللحاظية تجتمع مع تركب المفهوم حقيقة أو اعتبارا ، كما عرفت آنفا ، بل البساطة اللحاظية في كل مدلول ومفهوم للفظ واحد ،

__________________

(١) وذلك في نفس هذه التعليقة.

٢١٧

مما لا يكاد يشك فيها ذو مسكة ؛ إذ البداهة قاضية بأن اللفظ وجود لفظي بتمامه لمفهومه ومعناه ـ لا أنه وجود لفظي لكلّ جزء من اجزاء معناه بتمامه ـ وكون اللفظ وجودا لفظيا لمعنى تركيبيّ ، لا يكون إلا مع جهة وحدة ، فلا محالة لا ينتقل إلى المعنى التركيبي إلاّ بانتقال واحد ، كما هو المحسوس بالوجدان في الانتقال إلى معنى الدار المؤلّفة من البيوت والسقف والجدران.

فاتّضح : أنّ البساطة اللحاظية مما لم يقع لأحد فيها شكّ وريب ، إنما الكلام في البساطة الحقيقية من وجهين :

أحدهما ـ ما هو المعروف الذي استدل له الشريف ، وهي البساطة من حيث خروج الذات عن المشتقات وتمحّضها في المبدأ والنسبة.

ثانيهما ـ ما ادعاه المحقّق الدواني (١) : من خروج النسبة ـ كالذات ـ عن المشتقات ، وتمحضها في المبدأ فقط ، وأن الفرق بين مدلول لفظ المشتقّ ومدلول لفظ المبدأ بالاعتبار.

__________________

(١) وذلك في تعليقاته على شرح التجريد للقوشجي : ٨٥.

وتجريد الاعتقاد للشيخ نصير الدين الطوسي وشرحه للقوشجي : وهو علي بن محمد القوشجي ، كان أبوه من خدّام ملك ما وراء النهر يحفظ له طير الباز ولذا سمّي بالقوشجي في لغتهم ، ومعناه في اللغة العربية ( حافظ البازي ).

قرأ على علماء سمرقند ـ وهي من بلاد ما وراء النهر ـ ثم رحل إلى الروم ، وقرأ على قاضي زاده الروم ، ثم رحل إلى كرمان فقرأ على علمائها ، وبها كتب شرحه على التجريد للخواجة نصير الدين الطوسي ، ثم عاد الى تبريز وأكرمه ملكها ، ثم سافر إلى القسطنطينية ، وعين مدرسا فيها ، وتوفي فيها سنة ( ٨٧٩ ه‍ ).

وأما الحاشية على شرح التجريد للقوشجي فهي للدواني ( البدر الطالع : ١ / ٤٩٥ ) بتصرف. وهو جلال الدين محمد بن أسعد الدين الدواني.

ولد في قرية ( دوان ) من توابع ( كازرون ) ـ وهي بلدة بين شيراز والبحر ـ قرأ على أبيه العلوم الأدبية ، ثم سافر إلى شيراز ، فقرأ على ملا محيي الدين الانصاري ، وقرأ على همام الدين ـ

٢١٨

والكلام في الثاني سيجيء (١) إن شاء الله تعالى ـ وسنحقّق فيه ما عندنا في محلّه.

إنما الكلام في الأول ، وقد عرفت ما يتعلّق بما استدلّ به المحقّق الشريف من النقض والابرام.

وتحقيق الحق في المقام والمحاكمة بين الاعلام : يقضي باعتبار أمر مبهم مقوّم لعنوانية العنوان لمكان الوجدان والبرهان :

أما الوجدان : فبانا لا نشك عند سماع لفظ القائم في تمثل صورة مبهمة متلبسة بالقيام ، وهي تفصيل المعنى الوحداني المتمثل في الذهن ، ووحدانيته في الذهن على حدّ وحدانيته في الخارج ، فكأن الصورة الخاصة الخارجية انطبعت في مرآة الذهن.

وأما البرهان : فبأن المبدأ حيث إنه مغاير لذي المبدأ ، فلا يصح الحكم باتحاده معه في الوجود ، وان اعتبر فيه ألف اعتبار ؛ إذ جميع هذه الاعتبارات لا توجب انقلاب حقيقة المبدأ عما هي عليه من المباينة والمغايرة ، وليست المغايرة

__________________

صاحب شرح الطوالع ـ العلوم الدينية وفي مدة قليلة طار صيته في أطراف العالم ، واقتبس جماعة كثيرة من علومه ، وأكرمه سلاطين التراكمة ، وجعلوه قاضي القضاة في مملكة فارس ، وسافر إلى بلاد العرب وتبريز وغيرها.

له آثار منها : رسالتان في إثبات الواجب ـ تعالى ـ ، وحاشيتان على شرح التجريد وحواش على ( المطالع ) و ( شرح العضدي ) و ( كتاب المحاكمات ) و ( حكمة العين ) ، وله شعر.

توفّي في سنة ( ٩٠٨ ه‍ ) عن عمر تجاوز الثمانين ، ودفن قريبا من قرية ( دوان ) ، وعلى قبره قبة بجانبها منارة.

( أعيان الشيعة ٩ : ١٢٢ ) بتصرف.

(١) وذلك في التعليقة : ١٣١ من هذا الجزء.

٢١٩

بمجرّد الاعتبار ؛ كي ينتفي باعتبار طار.

وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

ومن المعلوم أن نسبة الواجدية ـ ما لم يعتبر في طرفها الأمر المبهم المقوّم للعنوان ـ لم يصحّ حمل نفسها على ما يقوم به المبدأ ، والمجموع من المبدأ والنسبة كذلك أيضا ، فلا مناص من الالتزام بوضع هيئة ( ضارب ) و ( كاتب ) ونحوهما ـ بمرآتية الجامع الانتزاعي ـ للعنوان البسيط المأخوذ من الموادّ التي وضعت للمبادي ، بحيث لو أردنا شرح ذلك العنوان قلنا : إنها الصورة المتلبّسة بالضرب أو الكتابة ، فإنها القابلة للحكم بالاتحاد وجودا مع الموضوع. فمفاد ( زيد قائم ) أنّ وجود الصورة الذاتية لزيد وجود للصورة المنتزعة منه بالعرض ، فهذا الوجود الواحد وجود لصورة زيد المنطبعة في الذهن بالذات ، ووجود لصورة متلبّسة بالقيام بالعرض. وأما أن هذه الخصوصية المقوّمة للعنوان جوهر أو عرض أو أمر اعتباري فليست بشيء منها ، بل مبهم من جميع هذه الجهات ، وقابل للاتحاد مع الجواهر والأعراض وغيرهما ، بل هو مبهم من حيث إنها عين المبدأ في الخارج. فالوجود موجود لهذا الوجه ، والبياض أبيض لهذا الوجه ؛ حيث لم يعتبر فيها أن لا يكون عين المبدأ خارجا.

ومن جميع ما ذكرنا اتضح : أن القول بعدم أخذ الذات ـ عموما أو خصوصا ـ في المشتقات لا ينافي ما ذكرنا هنا ؛ حيث إن الأمر المبهم ـ المأخوذ لمجرد تقوّم العنوان ـ ليس من مفهوم الذات ، ولا من المفاهيم الخاصة المندرجة تحتها في شيء ، بل مبهم من جميع هذه الجهات والخصوصيات المميزة ، واعتبار هذا الأمر المبهم لا ينافي البساطة العنوانية ، بمعنى تمثّل صورة وحدانية في الذهن على حد الوحدانية في الخارج. فالمشتقّ ـ بحسب وجوده الجمعي ـ بسيط بهذا المعنى من البساطة ، وبحسب وجوده الفرقي التفصيلي ما له مبدأ الاشتقاق.

٢٢٠