نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

تذييل وتكميل

قد ظهر مما ذكرنا حال استعمال اللفظ في معنييه ـ الحقيقي والمجازي ـ إمكانا وامتناعا ، منعا وجوازا.

وعن بعض المدقّقين من المعاصرين (١) : دعوى الاستحالة هنا ، وإن قلنا بالامكان هناك ؛ نظرا إلى أن الحقيقية والمجازية وصفان متقابلان ، والاستعمال الواحد ـ واللفظ الواحد ـ لا يتصف بوصفين متقابلين لاستحالة الجمع بين المتقابلين.

ويندفع : باختلاف الجهة والحيثية ، فإنّ اللفظ ـ من حيث إنه يفيد المعنى الموضوع له ـ مطابق للوضع ، فمن هذه الجهة يتصف بوصف اعتباري ، وهو كونه حقيقة ، ومن حيث إنه يفيد المعنى ـ الذي لم يوضع له ـ غير مطابق للوضع ، فيتّصف من هذه الحيثية بالمجازية ، فهناك حيثيتان حقيقيتان موافقتان لنفس الأمر ، وبهما يصحّ اتصاف اللفظ والاستعمال بالحقيقيّة والمجازية.

ولا يجري هذا الوجه في الأعراض المتأصّلة كالسواد والبياض حتى ينتقض بهما ؛ لما عرفت أنهما وصفان انتزاعيان من اللفظ واقعا بملاحظة الحيثيتين المزبورتين الموجودتين في اللفظ ، مع أنه لو تمّ الإشكال لما اختصّ بالاستعمال في الحقيقي والمجازي ، بل يعمّ الحقيقيين والمجازيين لامتناع اجتماع المتماثلين ، كامتناع اجتماع المتقابلين. فافهم واغتنم.

٩٧ ـ قوله [ قدّس سره ] : ( أو كان المراد من البطون لوازم معناه ... الخ ) (٢).

__________________

(١) صاحب المحجّة ـ كما في هامش الأصل ـ.

(٢) الكفاية : ٣٨ / ٩.

١٦١

فتراد تلك اللوازم على وجه الكناية أو على وجه آخر.

وربما يمكن إصلاح تعدّد البطون بتعدّد المحقّقات والمصاديق لمعنى واحد ، مثلا : الطريق والميزان لهما معنى معروف ، وهما ما يسلك فيه ويوزن به ومحقّقاتهما كثيرة : منها الطريق الخارجي ، وما له كفتان ، ومنها الامام ـ عليه السلام ـ ؛ حيث إنه السبيل الأعظم والصراط الأقوم الذي لا يضل سالكه ، وبه ـ عليه السلام ـ يعرف صحة الأعمال وسقمها وخفتها وثقلها ، إلى غير ذلك من المصاديق المناسبة ، وإرادة المصاديق المتعددة ـ في كل مورد بحسبه ـ لا تنافي الاستعمال في معنى واحد يجمع شتاتها ، ويحوي متفرّقاتها.

ونظير إشكال تعدّد البطون ، ما ورد من طلب الهداية عند قراءة قوله عزّ من قائل : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، ونحوه في غيره ، فإنّ محذور ـ الاستحالة تعدّد المحكيّ عنه مع وحدة الحاكي ، وهو جار هنا ؛ لأن القراءة هي الحكاية عن اللفظ باللفظ المماثل ، والإنشاء قصد ثبوت المعنى باللفظ ، ولا يمكن استعمال اللفظ في اللفظ وفي المعنى.

وربما يجاب عنه : بأنّ المعنى يقصد من اللفظ الذي هو المعنى ، كما في أسماء الأفعال عند من يجعلها موضوعة لألفاظ الأفعال فلم يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، بل استعمل كل لفظ في معنى.

وفيه : أن قصد المعنى من اللفظ المحكي عنه باللفظ أوضح استحالة من قصده من اللفظ الحاكي ؛ ضرورة أن الاستعمال كذلك غير معقول ـ سواء كان الاستعمال بمعنى الإعلام والتفهيم ، أو بمعنى إيجاد المعنى باللفظ ، أو بمعنى إفناء اللفظ في المعنى وجعله وجها وعنوانا له ـ فإنّ هذه الأوصاف لا يوصف بها ما لا وجود لها خارجا ، بل جعلا وتنزيلا ، مع أنّ الفرض إنشاء المعنى باللفظ فاللفظ مما ينشأ به ويتوسل به إلى ثبوت المعنى ، وهذا مع عدم تحقق ما ينشأ به ويتوسل به غير معقول ؛ إذ ليس الانشاء مجرد قصد المعنى كما لا يخفى.

١٦٢

فالأولى أن يجاب عن الاشكال : بحمل ما ورد من الأخبار في هذا المضمار على طلب الهداية مقارنا لقراءة ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، لا طلب الهداية بها.

ويمكن أن يجاب أيضا : بأن القراءة ليست الحكاية عن الألفاظ بالألفاظ ، واستعمالها فيها ، بل ذكر ما يماثل كلام الغير من حيث إنه يماثله في قبال ذكره من تلقاء نفسه. وهذا المعنى غير مشروط بعدم إنشاء المعنى به ؛ حتى يلزم الجمع بين اللحاظ الاستقلالي والآلي فيما يماثل كلام الغير من حيث إنه يماثله بقصد المعنى ، فإنّ من مدح محبوبه بقصيدة بعض الشعراء ، فقد قرأ قصيدته ، ومدح محبوبه بها.

نعم ، لو لم يلتفت إلى ذلك ومدحه بما أنشأ من تلقاء نفسه ، لم يصدق القراءة وإن كان مماثلا لما أنشأه الغير. فتدبر جيّدا.

١٦٣

الكلام في مسألة المشتق

٩٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( اختلفوا في أن المشتقّ حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدإ في الحال ... الخ ) (١).

ينبغي التنبيه على أمر : وهو أن النزاع هنا في الوضع والاستعمال. أو في صحة الاطلاق وعدمها مع التسالم على المفهوم والمعنى؟

الظاهر هو الأول ، كما تفصح عنه كلمات القوم من قديم الزمان إلى اليوم. فإن الحقيقة والمجاز المذكورين في عنوان النزاع من شئون الاستعمال ، ولا ربط لهما بالصدق والإطلاق ، ويشهد له استدلال العلامة ( قده ) في التهذيب (٢) وغيره في غيره ، للقول بالأعم : بأن معنى الضارب من حصل منه الضرب ، فيعم من انقضى عنه المبدأ ، إلى غير ذلك من الشواهد.

وأما ما تكرر في كلماتهم في عنوان البحث ـ من اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق واطلاقه ـ فلا ينافي ذلك ، فإن الصدق بلا عناية وعدمه ـ حيث كانا دالين على الخصوصية وعدمها ـ فلذا عنونوا النزاع بذلك.

مضافا إلى : أنه لو لا الاختلاف في المفهوم والمعنى ، فما وجه هذا الخلاف العظيم في هذه السنين المتمادية؟

وصريح بعض المدقّقين من المعاصرين (٣) هو الثاني بدعوى : أن وجه الخلاف ـ مع عدم الاختلاف في المفهوم والمعنى ـ هو الاختلاف في الحمل ، فإنّ القائل بعدم صحة الإطلاق على ما انقضى عنه المبدأ ، يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات والجوامد ، فكما لا يصح إطلاق الماء على الهواء ـ بعد ما كان ماء ،

__________________

(١) الكفاية : ٣٨ / ١٢.

(٢) تهذيب الوصول إلى علم الاصول ـ مخطوط ـ ص : ٧ ـ ٨.

(٣) صاحب المحجة ـ كما في هامش الأصل ـ.

١٦٤

وزالت عنه صورة المائية ، فانقلب هواء ـ كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به ، فإن المعنى الانتزاعي تابع لمنشا انتزاعه حدوثا وبقاء ، والمنشأ مفقود بعد الانقضاء ، والانتزاع بدونه على حد المعلول بلا علة ، والقائل بصحة الاطلاق يدّعي تفاوت الحملين فإنّ الحمل في الجوامد حمل هو هو ، فلا يصح أن يقال للهواء إنه ماء ، والحمل في المشتقات حمل ذي هو وحمل انتساب ، ويكفي في النسبة مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود ، فيصحّ الحمل على المتلبّس وعلى ما انقضى عنه ، دون ما لم يتلبّس.

قلت : فيه من الخلط ما لا يخفى على من له خبرة بالاصطلاح المرسوم في تقسيم الحمل إلى : ( هو هو ) ، و ( ذي هو ).

توضيحه : أن ما كان قابلا لأن يحمل على شيء من دون واسطة لفظة ( ذي ) ولا اشتقاق لغوي ، فهو المحمول مواطاة ، كما في ( الانسان جسم ) ، و ( هذا حجر ).

وما لم يكن قابلا للحمل إلا بأحد الأمرين المزبورين ، كالأعراض من السواد والبياض ـ مثلا ـ فهو المحمول اشتقاقا ؛ إذ السواد ـ مثلا ـ لا يحمل على موضوعه بنفسه ، بل بواسطة لفظة ( ذي ) ، فيقال : ( الجسم ذو سواد ) ، أو بواسطة اشتقاق وصف منه ، فيقال : ( الجسم أسود ). فالمحمول بالاشتقاق نفس العرض ، والوصف المشتق منه محمول مواطاة ، لعدم الحاجة في حمله إلى شيء ، واشتقاقية الحمل بالإضافة إلى المبدأ ، دون الوصف ، فإنّ حمله حمل بالمواطاة قطعا.

قال العلامة الطوسي ـ قدّس سرّه القدوسي ـ في شرح منطق (١) الإشارات بعد ما بيّن حقيقة الحمل مواطاة ما لفظه (رحمه الله) : ( وهنا نوع آخر

__________________

(١) منطق الإشارات والتنبيهات ـ نشر دفتر نشر كتاب ـ ١ : ٣١.

١٦٥

من الحمل يسمّى حمل الاشتقاق ، وهو حمل ( ذو هو ) ، وهو كالبياض على الجسم ، والمحمول بذلك الحمل لا يحمل على الموضوع وحده بالمواطاة ، بل يحمل مع لفظة ( ذو ) ، كما يقال : ( الجسم ذو بياض ) ، أو يشتقّ منه اسم كالابيض ، ويحمل بالمواطاة عليه ، كما يقال : ( الجسم أبيض ) ، والمحمول بالحقيقة هو الأوّل ). انتهى. وغرضه من ( الأوّل ) هو المحمول بالمواطاة.

فاتضح : أن حمل الأوصاف حمل هو هو وبالمواطأة ، لا حمل ذي هو ، وبالاشتقاق كما تخيله المعاصر المتقدم ، واسناد اختلاف الحمل على الوجه المزبور إلى العلماء من المتأخرين والقدماء ، وجعله منشأ لهذا الخلاف العظيم سخيف جدا ، كما لا يخفى.

٩٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضي ... الخ ) (١).

مقتضى (٢) إطلاقه وقصر الخارج عن محلّ النزاع على الجامد المحض ، دخول كل ما لا يأتلف منه الذات ، وإن كان ذاتيا بمعنى آخر ، وهو كفاية نفس الذات في انتزاعه عنها ، مع عدم كونه من ذاتياتها وأجزائها الخارجية والعقلية : حتى يعم النزاع مثل الإمكان ، ومقابليه ، والوجود ، والعدم ، بل وجميع الأسماء الحسنى والصفات العليا الجارية عليه تعالى ؛ حيث إن ذاته تعالى ـ بذاته ولذاته ـ

__________________

(١) الكفاية : ٣٩ / ٩.

(٢) قولنا : ( مقتضى .. الخ ).

إلاّ أن جعله مقابلا للعرض قرينة على عدم إرادة العرضي المقابل للذاتي في كتاب الكليات ، لكن لا يخفى أن العرضي : تارة في قبال العرض ، كالأبيض بالنسبة إلى البياض وهذا غير مراد قطعا ؛ إذ لا يعقل مبدئية الأبيض. واخرى في قبال الذاتي في كتاب الكليات ، وهو لا يقابل العرض ، بل العرض بأقسامه داخل في العرضي. وثالثة في قبال الذاتي في كتاب البرهان ، وحيث إن مقسمه الأمر الانتزاعي ، فيقابل العرض المتأصّل ، لا العرض الذي نحو وجوده بوجود موضوعه كمقولة الإضافة. فتدبّر. [ منه قدس سره ].

١٦٦

مطابقة لصفاته بلا حيثية تعليلية ولا تقييدية ، مع أنّ الذاتي ـ بهذا المعنى أيضا ـ خارج عن محلّ النزاع لدوران التلبّس مدار بقاء الذات.

نعم هذه النعوت الجلالية والجمالية ـ كبعض الأوصاف الأخر ، كالإمكان ونحوه ـ وإن لم يكن لها زوال عن موردها ، فيلغو النزاع بالإضافة إليها ، إلا أن المفهوم ـ بما هو ـ غير مختصّ بما لا زوال له كي يلغو النزاع ، فيصحّ النزاع باعتبار ما هو غير ذاتي له.

وأما ما لا مطابق له إلا ما هو ذاتي له ـ كالموجود والمعدوم ، فان مطابقهما بالذات نفس حقيقة الوجود والعدم ، دون الماهية ، فإنها موجودة أو معدومة بالعرض ـ فلا مجال للنزاع فيه حتى بالإضافة إلى الماهية ، فإنّ الماهية إنما توصف بالموجودية بالعرض. فما لم يكن الموجود بالذات ، لا موجود بالعرض ، ومع ثبوته لا انقضاء هناك. فتدبّر جيّدا.

١٠٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( كما أن الجملة الاسمية كـ « زيد ضارب » ... الخ ) (١).

توضيحه : أن عموم النزاع وشموله لشيء لا يدور مدار صدق العنوان ، بل لنا تسرية النزاع لعموم ملاكه ، أو لترتب ثمرته على شيء ، وكلاهما موجودان (٢) في هذا القسم من الجوامد :

أما ترتب الثمرة فواضح ، كما يشهد له ما عن الإيضاح (٣)

__________________

(١) الكفاية : ٣٩ / ١٢.

(٢) في الأصل : ( موجود. ).

(٣) إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد ـ نشر مؤسّسة إسماعيليان ـ ٣ : ٥٢.

وهو لزين المجتهدين شيخنا أبو طالب محمد بن العلامة المطلق جمال الدين حسن بن يوسف ابن المطهّر الحلّي الملقّب بفخر المحققين ورأس المدققين لنباهته في العلوم الحقة ، ونهاية جلالته في هذه الطائفة المحقّة.

ولد (رحمه الله) في يوم الاثنين ليلة (٢٠) جمادى الاولى سنة ( ٦٨٢ ه‍ ).

١٦٧

والمسالك (١) ، وإن كان تسليم حرمة المرضعة الاولى والخلاف في الثانية مشكلا ؛ لاتحادهما في الملاك ، وذلك لأن امومة المرضعة الاولى وبنتية المرتضعة متضايفتان متكافئتان في القوة والفعلية ، وبنتية المرتضعة وزوجيتها متضادتان شرعا ، ففي مرتبة حصول امومة المرضعة ، تحصل بنتية المرتضعة ، وتلك المرتبة مرتبة زوال زوجية المرتضعة ، فليست في مرتبة من المراتب امومة المرضعة مضافة إلى زوجية المرتضعة ؛ حتى تحرم بسبب كونها ام الزوجة.

هذا ، وأما عموم الملاك فإن بقاء الذات ـ كما كان موهما لصدق الوصف

__________________

لازم والده العلامة الحلي (رحمه الله) في دراسته حتى قال في خطبة كتاب الإيضاح ما ملخّصه : إني اشتغلت عند ابي في تحصيل العلوم في المعقول والمنقول ، وقرأت عليه كتبا كثيرة والتمست منه تصنيف كتاب ( القواعد ) ، وبعد ملاحظة تولده (رحمه الله) وتاريخ تصنيف الكتاب يعلم أن عمره عشر سنين ، وأنه حاز على حظّ وافر من العلم ، كما أنّ والده العلامة الحلّي (رحمه الله) مدحه كثيرا في كتاب ( الألفين ) ، ومما قال : ( أجبت ولدي العزيز عليّ ( محمد ) أصلح الله أمر داريه ، كما هو بارّ بوالديه ، ورزقه أسباب السعادات الدنيوية والاخروية ، كما أطاعني في استعمال قواه العقلية والحسية ، وأسعفه ببلوغ أمله ، كما أرضاني بأقواله وأفعاله ، وجمع بين الرئاستين ، كما لم يعصني طرفة عين ).

وحكى أنّ والده العلامة (رحمه الله) رجع إليه في بعض المسائل الشرعية. كما يروي عنه الشهيد الأول (رحمه الله) والسيد تاج الدين بن معية والشيخ نظام الدين النيلي ، ونجم الدين المدني ، وفخر الدين البحراني.

توفّي (رحمه الله) ليلة الجمعة (١٥) جمادى الثانية سنة ( ٧٧١ ه‍ ) عن عمر يناهز (٨٩) سنة.

له آثار مهمة منها ( إيضاح الفوائد في حل مشكلات القواعد ) و ( حاشية الإرشاد ) و ( الكافية الوافية في الكلام ).

( روضات الجنات ٦ : ٣٣٠ / رقم ٥٩١ ) بتصرف.

(١) مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام ١ : ٣٧٩.

وهو للشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الشامي الجبعي المعروف بالشهيد الثاني (رحمه الله).

١٦٨

عليها بعد زوال تلبسها بمبدئه ـ كذلك يوهم صدق عنوان الزوج بعد زوال مبدئه وهي العلقة الخاصّة.

والفرق بينه وبين سائر الجوامد : أن الذات فيها محفوظة بانحفاظ الذاتيات ، فاذا زالت صورة المائية فقد زالت ذات الماء ؛ لأن شيئية الشيء بصورته النوعية وما يجري مجراها ، والمادة ـ وما يجري مجراها ـ فعليتها عين القوة ، فليست هي شيئا من الأشياء حتى يكون بقاؤها ـ بما هي ـ في نظر العرف موهما لصدق صورة المائية عليها بعد زوالها ، بخلاف مثل الزوجية والرقية والحرية

__________________

ولد في (١٣) شوال سنة ( ٩١١ ه‍ ) كان أبوه من أكابر وأفاضل عصره وكذلك أجداده.

ختم كتاب الله العزيز وسنّه تسع سنين ، درس على والده (رحمه الله) ، ثم سافر إلى ( ميس ) ، ودرس على يد الشيخ علي بن عبد العالي (رحمه الله) شرائع الإسلام والإرشاد والقواعد ، ثم درس في ( كفر نوح (ع) ) ، ثم ارتحل إلى الشام ، ودرس على عدّة من علمائها كثيرا من العلوم ، ثم ارتحل إلى مصر سنة ( ٩٤٣ ه‍ ) ، ودرس على أفاضل علمائها كتب العامة والخاصة ، ثم رحل إلى الحجاز ، ثم عاد إلى وطنه ( جبع ) في سنة ( ٩٤٤ ه‍ ) ، وهي سنة اجتهاده كما صرّح هو بنفسه ، وهي السنة التي شرح فيها الإرشاد ، ثم سافر إلى العراق لزيارة الأئمة ـ عليهم‌السلام ـ سنة ( ٩٤٦ ه‍ ) ، ورجع في نفس السنة ، وفي سنة ( ٩٤٨ ه‍ ) زار بيت المقدس ، وبقي فيه حتى سنة ( ٩٥١ ه‍ ) ، فسافر إلى القسطنطينية فوصلها سنة ( ٩٥٢ ه‍ ) ، ومنها سافر إلى العراق ، وحرّر قبلته بتأييد النبي ( صلّى الله عليه وآله ) في قصة معروفة ، ورجع للتدريس في بعلبك سنة ( ٩٥٣ ه‍ ).

عدّ له صاحب أعيان الشيعة من كبار علماء السنة الذين درس عندهم (١٩) عالما فضلا عن علماء الشيعة ، وعدّ من طلابه (١٤) عالما من كبار علماء الشيعة منهم والد صاحب المدارك ، والصائغ ، ووالد الشيخ البهائي ، وجدّ والد صاحب الوسائل وغيرهم ، كما عدّ له (٧٩) مصنّفا في مختلف العلوم منها شرح ( الإرشاد ) و ( المقاصد العلّية ) و ( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ) التي عليها مدار التدريس في الحوزات العلمية ، و ( مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام ) وغيرها.

واستشهد ـ رضوان الله عليه ـ سنة ( ٩٦٥ ه‍ ) في قصة معروفة.

( أعيان الشيعة ٧ : ١٥٨ ) بتصرف.

١٦٩

ـ وغيرها من الجوامد ـ لانحفاظ ذات متحصلة في الحالتين فيها.

١٠١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان ... الخ ) (١).

لا يذهب عليك (٢) أن هويات أجزاء الزمان ، وان كانت واحدة بوحدة اتصالية دقة وعقلا ، إلا أن كل هوية من تلك الهويات المتصلة مغايرة بنفس ذاتها لهوية اخرى. وما يصدق عليه حقيقة وبلا عناية أنه تلبس بالمبدإ ، تلك الهوية الواقع فيها المبدأ ، وهذه الهوية هي الذات اللازم بقاؤها في صدق الوصف عليها.

فما عن بعض المدققين من المعاصرين (٣) جوابا عن الاشكال : من أنّ للزمان استمرارا وبقاء عرفا ، والبقاء فرع الوحدة ، فاذا وقع في أول هذا الواحد حدث وانقضى صح لك أن تقول : إن هذا الأمر الوحداني تلبّس بعنوان الظرفية لشيء وانقضى ، فبقي بلا تلبس ، وإلا لزم الإشكال على الأوصاف الجارية على الزمان ، بل على مطلق الامور التدريجية الغير القارة ، فإنّ ما صدق عليه في هذه الموارد ليس له بقاء ، فلا وجه لتخصيص الإشكال باسم الزمان.

مدفوع بما عرفت : من أن اتصال الهويات المتغايرة لا يصحّح بقاء تلك الهوية ـ التي وقع فيها الحدث ـ حقيقة ، وإلا لصحّ أن يقال : كلّ يوم مقتل

__________________

(١) الكفاية : ٤٠ / ٨.

(٢) قولنا : ( لا يذهب عليك ... الخ ).

اعلم أنّ الإمكان ليس من أجل تخلّل غير المماثل بين ما تلبّس بالظرفية ، وما يماثله حتى ينتقض بأسامي الشهور والاسبوع من حيث الوضع لكلّيّ يكون كلّ واحد من الأيام والشهور المفصولة مصداقا له ، بل من أجل عدم التطابق لما تلبس بالظرفية ، إلاّ فرد لا بقاء له.

وتوهّم اتصاف الكلّي بالعرض بسبب اتصاف فرده بالظرفية.

مدفوع : بأنّ المتّصف بها بالعرض هو الكلّي الموجود في ضمنه ، لا مطلقا. فتدبّر. ( منه عفي عنه ).

(٣) صاحب المحجة ـ كما في هامش الأصل ـ.

١٧٠

الحسين عليه السلام للوحدة المزبورة ، مع أنه لا شبهة في عدم صحة اطلاق المقتل إلا على العاشر من محرم وما يماثله.

نعم ، ربما يطلق المقتل ويراد الساعة التي وقع فيها القتل ، وربما يطلق ويراد به اليوم الواقع فيه ، وربما يراد الشهر ، وربما يراد العام ، وهذا كله أجنبي عن الوحدة المزبورة ؛ إذ على هذا الاطلاق لا انقضاء ما دامت الساعة ـ أو اليوم ، أو الشهر أو العام ـ باقية ، وبعد مضيّ أحدها لا بقاء لما اطلق المقتل بالإضافة إليه كي ينازع في الوضع له أو للأعم.

فالبقاء : إن اضيف إلى أحد تلك الامور ـ المتصفة بنحو من الوحدة ـ فالتلبس بحسبه باق ما دام باقيا ، وإلاّ فلا.

وإن اضيف إلى الزمان ـ لا بلحاظ تلك الوحدات ، بل بلحاظ اتصالية الزمان ـ فمع فرض صحة هذا الإطلاق ، فالدهر باق ، والتلبّس كذلك ، فالأمر دائما يدور بين البقاء والتلبس أو عدمه وعدمه. فتدبره فإنه حقيق به.

وأما ما ذكره من الأوصاف الجارية على الزمان والامور التدريجية ، فالجواب عن النقض بها : أن هذه الأوصاف مشتركة بين الامور التدريجية وغيرها ، فلا وجه لإخراجها لأجل عدم بقاء ما تصدق هي عليه ـ في بعض الموارد والأحيان ـ من دون فرق بين مثل السيال والمتصرم ونحوهما وغيرها ، فإنّ السيلان والتصرم لا يختصّ بالتدريجيات كما لا يخفى ، بخلاف اسم الزمان المأخوذ فيه الزمان. فافهم واستقم.

١٠٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ويمكن حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام ... الخ ) (١).

لا يخفى عليك انه لا يتوقف على تعقل جامع مفهومي بين المتلبس بالظرفية للحدث وعدمه ؛ حتى لا يعقل ، بل على الجامع المفهومي بين المتلبس

__________________

(١) الكفاية : ٤٠ / ١٢.

١٧١

والمنقضي عنه. فكما يقول القائل بالوضع للأعم : إن مفهوم اسم المكان ـ تحليلا ـ هو المكان الذي وقع فيه الحدث ، فيعم المتلبس والمنقضي عنه ، فكذا هنا يقول : بأن مفهوم اسم الزمان ـ تحليلا ـ هو الزمان الذي وقع فيه الحدث ، فهو بمفهومه يعمّهما ، لكنه بحسب الخارج ـ حيث إن المكان قارّ الذات ـ فله مصداقان ، والزمان حيث إنه غير قارّ الذات ، فله مصداق واحد.

ويؤيّده : أن المقتل والمغرب وغيرهما ـ من الألفاظ المشتركة بين اسمي الزمان والمكان ـ لها مفهوم واحد ، وهو ما كان وعاء القتل أو الغروب ـ مثلا ـ زمانا كان أو مكانا ، ولا إباء للمفهوم ـ من حيث هو مفهوم ـ للشمول والعموم للمتلبس والمنقضي عنه ، وإن لم يكن له في خصوص الزمان إلا مصداق واحد.

قلت : الأمر في حلّ الإشكال على ما أفاده الاستاذ العلامة ـ أدام الله أيامه ـ إلا أنّ تحرير النزاع في اسم الزمان لا يكاد يترتّب عليه ثمرة البحث ؛ إذ ثمرة البحث تظهر في ما انقضى عنه المبدأ ، وإلا فلا فارق في المتلبس بين الطرفين ، وحيث لا مصداق لما انقضى عنه المبدأ في اسم الزمان ، فيلغو البحث عنه جزما.

نعم ، لو قلنا : بأن المقتل ونحوه موضوع لوعاء القتل مثلا ـ من دون ملاحظة خصوصية الزمان أو المكان ـ فعدم صدقه على ما انقضى عنه في خصوص الزمان لا يوجب لغوية النزاع ، بخلاف ما إذا كان موضوعا للزمان الأعمّ من المتلبّس وما انقضى عنه ، فإنّ البحث عن وضعه للأعمّ ـ مع عدم المطابق إلاّ للأخصّ ـ لغو. فتدبّر.

١٠٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( مع أن الواجب موضوع للمفهوم العامّ ... الخ ) (١).

فلا اختصاص لانحصار المفهوم العام في فرد باسم الزمان ، بل يجري في

__________________

(١) الكفاية : ٤٠ / ١٤.

١٧٢

اسم الفاعل كالواجب ، إلا أنه يمكن الخدشة فيه : بأنّ الواجب ـ بما هو ـ لا اختصاص له خارجا به تعالى ، بل توصف به الأفعال الواجبة أيضا ، وكذلك واجب الوجود لا يختص به تعالى ؛ لأن كل موجود واجب الوجود حيث إن الشيء ما لم يجب لم يوجد.

نعم ، واجب الوجود بذاته مختصّ به تعالى ، وهو أيضا مفهوم عام ، لكنه من المفاهيم المركّبة لا مما وضع له لفظ مخصوص ؛ كي يكون نظيرا للمقام ، إلا أن لفظ الجلالة يكفي في صحة الوضع للعام (١) ، مع انحصاره في فرد بلا كلام.

__________________

(١) هذا بناء على بقاء لفظ الجلالة على مفهومه العام قبل إسقاط الهمزة منه ؛ حيث إنه في الأصل : ( الإله ) أي انه مشتق من الفعل ( أله ) بمعنى ( عبد ) ، أو بمعنى ( تحيّر ) ، أو من ( وله ) فأصله : ( ولاه ) ، ثم أبدلوا الواو همزة فصارت ( إله ) ، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه. أو من ( لاه يلوه ليها ) بمعنى ( احتجب ) ، و ( إله ) على وزن ( فعال ) بمعنى : ( معبود ) ، ككتاب بمعنى مكتوب. هذا هو المشهور عند علماء العربية من كونه مشتقّا ، ولكن لا على بقائه على المعنى العامّ لأصله ، بل بعد حذف همزة ( إله ) ودخول الألف واللام فصار ( الله ) فخصّ بالباري تعالى ولتخصّصه به قال تعالى : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) مريم ١٩ : ٦٥ ، ولذا نجد فرقا بين لفظة ( الله ) وبين لفظة ( الإله ) ، فالأوّل معناه خاص والثاني عام ؛ لذا صارت : ( لا إله إلاّ الله ) كلمة التوحيد.

اما على القول الثاني وهو العلمية ـ وهو المعروف عن ( الخليل ) استاذ ( سيبويه ) ـ فلا يصحّ التنظير به للمقام لوضعه وضعا خاصّا لموضوع خاص لا تعدّد فيه ولا عموم.

والعلمية : إما بالارتجال ، كما هو ظاهر ( الخليل ) ، او بالنقل : كما هو ظاهر الجوهري وصريح العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في الميزان. ( اللسان : ١٣ حرف الهاء فصل الهمزة ، ومفردات الأصبهاني : كتاب الألف : أله ، ومجمع البحرين كتاب الهاء باب ما أوّله الألف ، ومعجم مقاييس اللغة مادّة « وله » من كتاب الواو ، ومجمع البيان ١ : ١٩ والكشاف ١ : ٥ ـ ٦ والميزان ١ : ١٨ ).

ويقول المحقّق الفذّ آية الله العظمى السيد الخوئي قدس سره ـ في بيانه : ٤٥٢ فما بعدها ـ مبرهنا على العلمية ومفنّدا القول بالجنسية والعموم : ( الله : علم للذات المقدّسة ، وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية قال لبيد :

ألا كلّ شيء ـ ما خلا الله ـ باطل

وكلّ نعيم ـ لا محالة ـ زائل

وقال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)٣١ : ٢٥. ومن توهّم

١٧٣

١٠٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ضرورة أن المصادر المزيد فيها كالمجردة في الدلالة ... الخ ) (١).

هذا بناء على ما هو المتعارف في حقيقة المصدر ؛ حيث يجعلونه أصلا للمشتقات.

والتحقيق : أن المصادر مطلقا لم توضع لنفس المعاني الخالية من جميع أنحاء النسب ، بل المصدر من جملة المشتقات لاشتماله على نسبة ناقصة ومبدأ ، من دون فرق بين المجرد والمزيد فيه ؛ بتخيل أن المزيد فيه مشتق من المجرد. ولذا خصّص الإخراج عن عناوين النزاع هنا بالمزيد فيه دون المجرد.

والفرق بين المبدأ والمصدر كالفرق بين ملاحظة ذات العرض وملاحظته بما هو عرض.

__________________

أنه اسم جنس فقد أخطأ ، ودليلنا على ذلك امور :

الاول ـ التبادر ، فإنّ لفظ الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدّسة ، ولا يشكّ في ذلك أحد ، وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة ، وقد حققت حجّيتها في علم الاصول.

الثاني ـ أن لفظ الجلالة بما له من المعنى لا يستعمل وصفا .. وإذا كان جامدا كان علما لا محالة ، فإن الذاهب إلى أنه اسم جنس فسّره بالمعنى الاشتقاقي.

الثالث ـ ان لفظ الجلالة لو لم يكن علما لما كانت كلمة « لا إله إلا الله » كلمة التوحيد ... كما لا يدلّ قول : لا إله إلاّ الرازق أو الخالق او غيرهما ... ولذلك لا يقبل إسلام من قال إحدى هذه الكلمات.

الرابع ـ حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسة كما يقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم ... الخ ) انتهى كلامه ـ قدس سره ـ.

فإذا ثبت علمية لفظ الجلالة لم يصحّ التنظير به للمفهوم العامّ المنحصر في فرد.

نعم ، يصحّ التنظير للمقام بكلمة ( الإله ). بمعنى المعبود بحق أو الذي يحقّ له العبادة ـ المجمع ١ : ١٩ ـ حيث إنّ مفهومها عامّ ، لكنه منحصر في الخارج بالواحد الأحد تبارك وتعالى.

(١) الكفاية : ٤٠ / ١٧.

١٧٤

والنسبة المصدرية في نقصها وعدم صحة السكوت عليها كالنسبة الحاصلة من إضافة الغلام إلى زيد ـ مثلا ـ بل الفرق بين معاني المصادر المجردة والمزيد فيها المتحدة في المادة ، دليل على اشتمال كل منهما على نسبة ناقصة مباينة للاخرى ، وإلا لزم أن لا يكون بينهما فرق إلا بالهيئة اللفظية فقط ؛ إذ المفروض اتحادهما في المادة اللفظية المقتضية لوحدة المعنى فتدبّر جيّدا.

وبالجملة : الاشتمال على النسبة معنى الاشتقاق المعنوي ، والمبدأ الساري (١) في جميع مراتب الاشتقاق هو المشتق منه ، وهو نفس المعنى الخالي عن جميع أنحاء النسب في حد ذاته ، فهذا الإطلاق الذاتي للمبدا هو المصحّح لأصالته وجعله مشتقّا منه ؛ فإن الاختصاص بالأصالة ـ والاشتقاق منه ـ معنى يقتضي أن يكون المشتقّ بعض المشتق منه ، مع أنّ الأمر بالعكس في بادي النظر ، فان المبدأ جزء سائر المشتقات ، لكن بعد ملاحظة لا بشرطيته وقبوله لكل صورة ـ بخلاف الموادّ المتصوّرة بصورة خاصّة ، فإنّها لا تقبل ورود صورة اخرى عليها ـ تعرف أن المبدأ أوسع دائرة من جميع المشتقات ، وأنها تنشعب منه ، وأن المصدر لاشتماله على نسبة ناقصة أحد المشتقّات المنشعبة منه ، وأنه لا يعقل أن يكون المصدر مشتقّا منه وأصلا لغيره ؛ إذ المادّة المتصوّرة لا تقبل صورة اخرى.

وحيث ان المصدر مشتمل على نسبة ناقصة لا يصح السكوت عليه ، ويكون مقدما في الرتبة على غيره ، لتقدم الناقص على التام ، لزيادة التام عليه فالتحقيق في خروج المصادر مطلقا ـ مع كونها من المشتقات ـ عدم الجري لها على الذات ، وعدم اتحادها معها ، كي يكون بقاؤها موهما لصدقها. فافهم فاستقم.

__________________

(١) قولنا : ( والمبدأ الساري ... الخ ).

وهذا هو اسم المصدر ؛ إذ لا يعقل بحسب الواقع إلا المبدأ وأنحاء النسب ، وما فيه النسبة أحد المشتقات المعروفة ، فلم يبق لاسم المصدر معنى إلا نفس المبدأ.

وأما توهم : أنه الانفعال الحاصل من الفعل ، ففيه : أنه مصدر آخر من باب آخر ، لا اسم المصدر لذلك الباب. فتدبّر. ( منه عفي عنه ).

١٧٥

١٠٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وإن الأفعال إنما تدل على قيام المبادي ... الخ ) (١).

توضيحه : أنّ هيئات الأوصاف والأفعال ، وإن كانت مشتركة في الدلالة على النسب ، وغيرها غير معقول ؛ لوضوح أن الهيئة ـ مطلقا ـ بعد وضع المادة للمبدا لا يعقل أن تكون إلا لمعنى حرفي ـ وهي النسبة ـ غاية الأمر الاختلاف بين أنحاء النسب ، فإنّ النسبة في الفعل لها جهة حركة من العدم إلى الوجود ، فيحضر في الذهن من سماع ( ضرب زيد ) ـ مثلا ـ حركة الضرب حقيقة من العدم إلى الوجود بحقيقة الحركة الصدورية ، فكأنّه يرى الحدث المخصوص متحركا من العدم إلى الوجود ، بخلاف الضارب ، فان النسبة المأخوذة فيه نسبة الواجدية للمبدا ، ولها جهة ثبات وقرار ، وبها يكون مفادها وجها وعنوانا للذات ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٢) ـ فحيث إن مفاد الوصف أمر منتزع عن الذات متحد معها ، فلذا يكون بقاؤها موهما لبقائه ، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك ، فانه لا موهم للبقاء.

١٠٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وإلا لزم القول بالمجاز والتجريد عند الاسناد إلى غيرها من الزمان (٣) والمجردات ... الخ ) (٤).

بل ينتقض ـ أيضا ـ بمثل ( علم الله تعالى ) ، و ( يعلم الله تعالى ) ونحوه من الصفات الذاتية لتقدّس ذاته وصفاته تعالى عن الزمان ، بل ينتقض أيضا بمثل ( خلق الله تعالى ) ونحوه مما كان مبدؤه من صفات الأفعال ؛ لما برهن عليه في محله من أنّ الفعل الزماني لا يكون إلا لفاعل زماني.

__________________

(١) الكفاية : ٤٠ / ١٩.

(٢) التعليقة : ١٣٠ من هذا الجزء عند قوله : ( ومن المعلوم أن نسبة الواجدية ... ).

(٣) في الكفاية ـ تحقيق مؤسستنا ـ : من نفس الزمان ..

(٤) الكفاية : ٤١ / ٥.

١٧٦

ويمكن الجواب عن الجميع عموما : بأن هذه المخاطبات حيث كانت مع المحبوسين في سجن الزمان ، فلا مانع من اعتبار السبق واللحوق فيما لا يتطرق إليه سبق ولا لحوق.

ويمكن الجواب عن خصوص الإسناد إلى نفس الزمان : أنّ المتقدّم والمتأخّر بالذات نفس أجزاء الزمان والحوادث الأخر تتصف بهما بالعرض ؛ إذ ملاك التقدّم والتأخّر الزمانيين عدم مجامعة المتقدّم والمتأخّر في الوجود ، وهو قد يكون ذاتيا كتقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض الآخر فما به التقدم وما فيه واحد ، وقد يكون عرضيا ، كتقدم بعض الزمانيات على الآخر ، فالزمان زماني بنفسه ، وغيره زماني به ، والمدّعى وضع هيئة الماضي مثلا لنسبة خاصة متصفة بخصوصية التقدم (١) الذي لا يجامع المتأخر في الوجود ، وهو على حد سواء في الزمان والزماني. فتدبره فانه حقيق به.

ويمكن الجواب عن مثل ( علم الله ، وأراد الله ) فيما إذا تعلق العلم مثلا بالحوادث الزمانية ونحوها : أنه تبارك وتعالى مع الزمان السابق معيّة قيّومية لا تنافي تقدّسه عن الزمان ، فهو تعالى باعتبار المعية مع السابق سابق ، وباعتبار معيّته مع اللاحق لاحق.

فتوصيف شيء بالسبق واللحوق الزمانيين بأحد اعتبارين : إما باعتبار وقوعه في الزمان السابق واللاحق ، كالزمانيات ، وإما باعتبار المعية مع الزمان السابق أو اللاحق كما في المقام.

وبنظيره يمكن الجواب عن الاسناد إلى المجردات والمفارقات ، فانها وإن لم تكن في الزمان إلا أنها معه ، وكون عالمها في طول عالم الطبيعة لا ينافي معيتها لما في عالم الطبيعة في الوجود ، كما لا يخفى.

__________________

(١) لعل الصحيح : المتقدّم.

١٧٧

وأما إذا نسب علمه تعالى إلى ذاته وصفاته ـ جلت ذاته وعلت صفاته ـ فاتصافه بالسبق نظير اتصاف الزمان به ، وهو عدم مجامعة المتقدم للمتأخر في الوجود.

وبالجملة : المعلوم : إما أن يكون في زمان النطق ـ مثلا ـ كالحادث اليومي ، وإما أن يكون سابقا على زمان النطق ، كالحادث في الأمس ـ مثلا ـ ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل كان موجودا أزلا وأبدا :

فان كان من قبيل الأول ، فالأمر كما مرّ من أن السبق واللحوق باعتبار معيّته القيومية مع الزمان السابق واللاحق.

وإن كان من قبيل الثاني ـ فمضافا إلى ما مرّ ـ يمكن الجواب عنه : بأن جميع الموجودات من مراتب علمه تعالى ، وهي المرتبة الأخيرة من تلك المراتب ؛ إذ لا حيثية لها إلا حيثية الربط الذاتي ، ولا حضور أقوى من هذه الحيثية والعلم عين الحضور ، فالموجودات علم ومعلوم باعتبارين ، فكما أن المعلومات تتصف بالسبق واللحوق الزمانيين ، كذلك هذه المرتبة من العلم فانه عينها.

وإن كان من قبيل الثالث ، فليس هنالك إضافة للعلم إلى الزماني ، لكن توصيفه بالسبق الزماني لما عرفت من أنّ ملاك السبق الزماني عدم مجامعة المتأخّر مع المتقدّم في الوجود ، وجميع الموجودات بالإضافة إليه تعالى كذلك. فافهم أو ذره لأهله.

١٠٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي والمضارع ... الخ ) (١).

توضيحه : إنه لا ريب في غلطية ( زيد ضرب غدا ، ويضرب أمس ) ، فلا بد من الالتزام باشتمال الفعلين على خصوصية تقتضي عدم جواز تقييد الماضي

__________________

(١) الكفاية : ٤١ / ٧.

١٧٨

بالحال والاستقبال وتقييد المضارع بالمضي.

قلت : المعقول من مفادهما هو الحدث والربط ، وكونه في زمان كذا ، وأما وجود خصوصية اخرى تناسب الخارج عن افق الزمان والواقع فيه.

وكذا خصوصية مانعة عن التقييد بـ ( غد ) في الماضي ، وب ( أمس ) في المضارع ، فلا طريق لنا إلى تصديقه (١).

فإن قلت : الخصوصية المدّعاة خصوصية السبق واللحوق الحرفيّين ، والسبق واللحوق غير منحصرين في الزماني ، بل السبق بالزمان وبالطبع

__________________

(١) قولنا : ( فلا طريق لنا إلى تصديقه .. الخ ).

ربما يقال : إن تلك الخصوصية هي خصوصية وقوع المبدأ وتحقّقه المساوق للمضي ، وخصوصية اتصاف الذات بتحقق المبدأ منها ، وهو فرع التحقق ، فيساوق الحال والاستقبال.

ويندفع : بأن الوقوع والتحقّق يمكن لحاظهما في الحال والاستقبال فلا يساوق المضيّ ، وتأخّر الإخبار عن وقوع المخبر به تأخّر طبعي يجامع مضيّ المخبر به بالعرض وحاليّته واستقباليّته.

وأما حديث اتصاف الذات : ففيه أولا : أن مفاد الهيئة الواردة على المادّة لا بد من أن يكون واردا على مفاد المادّة لا غيرها.

وثانيا ـ أنه ليس بين الذات والحدث إلا نسبة واحدة صدورا أو قياما ، وإنما تتطور أطوارا بحسب الملاحظة ، فتكون بطور منها مفاد أحد المشتقات ، وبطور آخر مفاد الآخر ، فليس اتصاف الذات بتحقّق الحدث نسبة اخرى غير نسبة تحقق الحدث ، نعم ، هذه النسبة توجب تعنون الطرفين بعنوانين مضايفين ، فيكون الحدث محقّقا ، والذات محقّقا منها ، ولا ترتب بين المضايفين مع أن هذا المتوهّم يرى تأخّر رتبة المضارع عن رتبة الماضي.

ومنه يظهر : حال دعوى اخرى من أن هيئة الماضي للإخبار عن الوقوع فيتأخّر الإخبار عن الوقوع ولو آناً ما ، وأن هيئة المضارع لمنشئيّة الذات فعلا للحدث فيساوق الحال ، وبأداة اخرى تفيد الاستقبال.

ويندفع : أما حديث الإخبار عن الوقوع فبما عرفت ، وأما حديث منشئيّة الذات فبما سبق من أنها من شئون الذات لا من شئون مفاد المادة. مضافا إلى أنّ الفعلية إن كانت بمعنى الحالية فهو عين آخر زمان الحال ، وإن كانت مساوقة للتحقّق فحالها حال الوقوع ، والتحقق لا يساوق خصوص الحال. فلا تغفل. [ منه قدس سره ].

١٧٩

وبالذات وغيرها. فإن اسند الماضي والمضارع إلى الزماني ، كان زمانية ما اسندا إليه دالّة على أنّ السبق واللحوق ـ الملحوظين في الهيئة ـ زمانيّان ، وإن اسندا إلى الزمان كان السبق واللحوق ذاتيين وهكذا.

قلت : لا ارتباط لما عدا السبق الزماني بمداليل الأفعال ؛ ضرورة أنّ السبق بالعلية وبالطبع وبالرتبة وبالشرف وبالماهية جميعا أجنبيّ عن مداليلها كما هو بديهي. والسبق بالذات هو الجامع بين السبق بالعلية والسبق بالطبع ، الذي هو سبق العلة الناقصة على معلولها ، والسبق بالماهية الذي هو تقدّم علل القوام على المعلول في جوهر ذاته ، وعدم ارتباطه بمداليل الافعال ـ حتى المسندة إلى نفس الزمان ـ واضح.

فاتّضح : أن أخذ مطلق السبق واللحوق ـ مع أن ما عدا الزماني أجنبي عن مدلول الفعل ـ لغو صرف ، ودعوى خصوصية اخرى ـ غير السبق واللحوق ـ إحالة إلى المجهول.

فالتحقيق : أن ملاك الفعلية ومناطها صحة السكوت وتمامية النسبة ، فلا بد من التماس دليل آخر على مأخوذية الزمان في الفعل ، والقدر الذي لا مناص عنه بشهادة العرف والعادة هيئة الماضي والمضارع ؛ لما عرفت من غلطية ( زيد ضرب غدا ، ويضرب أمس ) ، فلا بد من أخذ السبق واللحوق الزمانيين بالمعنى المذكور سابقا فيهما وقد عرفت ـ بحمد الله تعالى ـ اندفاع ما اورد على ذلك. فافهم جيدا.

١٠٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ويؤيده أن المضارع يكون مشتركا ... الخ ) (١).

توضيحه : أن المضارع عندهم مشترك بين الحال والاستقبال : فإن اريد

__________________

(١) الكفاية : ٤١ / ١٠.

١٨٠