نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

المسألة حاله حال الصحيحي.

فاتضح : أن الأثر لإحراز الوضع للأعمّ ، وليس لإحراز الوضع للصحيح أثر مرغوب.

وبالجملة : فالغرض كله تأسيس أصل للتمسك بالإطلاق وعدمه وهو مترتب على هذا النهج.

٦٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( قلت : وإن كان تظهر فيما لو نذر لمن صلّى ... الخ ) (١).

أي لمن أتى بمسمّى لفظ الصلاة ، فإنّ صدق المسمّى على الأعمّ مقطوع به ، وعلى الصحيح مشكوك ، وأصالة الصحّة لا تثبت أن المأتيّ به مسمى لفظ الصلاة.

وأما لو نذر لمن صلّى ، فيرد عليه ما أورده بعض الأعاظم ( رحمهم الله ) في تقريراته (٢) : من أن النذر : إن تعلق بالمطلق فالصحيحي كالأعمّي ، غاية الأمر أن الصلاة مستعملة في الأعم مجازا على الصحيح ، وإن تعلق بخصوص الصحيحة ، فالأعمّي كالصحيحي في لزوم إحراز الصحة باصالة الصحة.

٦٧ ـ قوله ـ [ قدّس سرّه ] : ( أن تكون نتيجتها واقعة في طريق ... الخ ) (٣).

ومسألة النذر من تطبيق الحكم الكلي ـ المستنبط في محلّه ـ على المورد ، وأين هذا من ذاك؟!

٦٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه ... الخ ) (٤).

فلا ندّعي تبادر المعنى بنفسه وبشخصه ، ليقال : إنه مناف للاجمال بل

__________________

(١) الكفاية : ٢٨ / ١٨.

(٢) مطارح الأنظار : ١١.

(٣) الكفاية : ٢٩ / ١.

(٤) الكفاية : ٢٩ / ٦.

١٢١

تبادره بوجهه وبعنوانه ، كعنوان الناهي والمعراج ، ونحوهما من الوجوه والعناوين.

قلت : الانسباق : إما إلى ذهن المستعلم ، أو إلى أذهان العارفين ، ولا بدّ من رجوع الأوّل إلى الثاني ؛ لأن الارتكاز في ذهن المستعلم معلول قطعا لتنصيص الواضع أو لغيره من العلائم ، والثاني لا مسرح له في زماننا وما ضاهاه إلى زمان معاصري الشارع وعترته ـ عليهم‌السلام ـ إذ المفروض جهل الجميع بما وضع له ، وإحراز انسباق الصحيحة أو الأعمّ إلى أذهان المحاورين للشارع وعترته (١) ـ عليهم‌السلام ـ منحصر طريقه في نقل موارد استعمالات الطرفين ، والمقطوع من الانسباق عندهم انسباق معنى آخر غير المعنى اللغوي. أما انسباق الموجّه بأحد الوجوه والعناوين المزبورة فغير معلوم ، بل مقطوع العدم ، وتطبيق أحد هذه الوجوه على المعنى المنسبق إلى أذهانهم اجتهاد منا ، لا أن المتبادر هو المعنى بما له من الوجه حتى ينفعنا. فتدبره ، فإنه حقيق به.

٦٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( صحة السلب عن الفاسد بسبب الاخلال ... الخ ) (٢).

هذا إن اعتبرت بالحمل الشائع ؛ بداهة صحة حمل الجامع على فرده ، فلو كان موضوعا للأعمّ ؛ لما صحّ سلبه عن مصداقه.

وأما إن اعتبرت بالحمل الأوّلي فلا ؛ إذ عدم اتحاد الصلاة ـ مفهوما ـ مع الفاسدة ـ مفهوما ـ يدل على عدم الوضع لها ، لا على عدم الوضع لجامع يعمها وغيرها ؛ بداهة أن كل لفظ وضع لكلّيّ يصح سلبه مفهوما عن مفهوم فرده.

وإنّما اقتصر ـ دام ظله ـ في المتن على خصوص صحة السلب عن الفاسد ، ولم يتعرض لعدم صحة السلب عن الصحيح ؛ لأنّ صحّة الحمل على الصحيحة ـ بالحمل الشائع ـ لا يدلّ على الوضع لها ؛ لإمكان استناده إلى الوضع

__________________

(١) في هامش الأصل : خ ل : وأهل بيته ..

(٢) الكفاية : ٢٩ / ٨.

١٢٢

لجامع يعمّها وغيرها. نعم صحة الحمل على الصحيحة ـ بالحمل الأوّلي ـ كافية للصحيحي ؛ إذ لو كان لفظ الصلاة موضوعا لمفهوم الصحيحة والأعم ، لزم الاشتراك اللفظي الذي لا يلتزم به الأعمّي ، فهذا المقدار من إثبات صحة الحمل على الصحيحة ـ حملا أوليا ـ كاف في عدم الوضع للأعمّ عند الخصم.

ثم إن الصحيحي إنما لا يدعي صحة السلب عن الأعم ـ مع أنه أنسب ـ إما لعدم تعقّل الجامع على الأعم ، أو لأن موارد صحة السلب منحصرة في الفاسدة.

٧٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواصّ ... الخ ) (١).

إلاّ أن الفرق ـ بين الطائفة الاولى والثانية ـ اقتضاء الطائفة الثانية للوضع لخصوص المرتبة العليا ـ لا لجميع مراتب الصحيحة ـ بخلاف الاولى فإنها آثار كل صلاة صحيحة. فالدليل على الثانية أخصّ من المدعى ، بل مناف له على بعض الوجوه ، وسيجيء ـ إن شاء الله تعالى ـ ما يمكن الجواب به عن الأخبار مطلقا.

٧١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( دعوى القطع بأنّ طريقة الواضعين ... الخ ) (٢).

نتيجة هاتين المقدمتين : هو الوضع لخصوص المرتبة العليا ، فالأولى في تقريب المقدّمة الاولى أن يقال :

نحن ـ معاشر العرف والعقلاء ـ إذا أردنا الوضع لمركب اخترعناه بلحاظ أثر ، فإنما نضع اللفظ بإزاء ما يؤثّر ذلك الأثر وإن نقص منه شيء ، فينتج الوضع لما يعمّ جميع مراتب الصحيحة.

وتحقيق الحال : أنّ المركّب على قسمين : حقيقي ، واعتباري. والأوّل ما كان

__________________

(١) الكفاية : ٢٩ / ١٠.

(٢) الكفاية : ٣٠ / ٣.

١٢٣

بين الامور التي تركّب منها المركّب جهة افتقار لكل من تلك الامور بالنسبة إلى الآخر ، حتى يتحقق جهة وحدة حقيقية بينها ، وإلا فمجرّد انضمام شيء إلى شيء لا يوجب التركّب الحقيقي. وإذا كان التركّب حقيقيا ، كانت الجزئية حقيقية ؛ لأنّ كلّ واحد مرتبط بالآخر ومفتقر إليه حقيقة ، فكل واحد بعض حقيقي لذلك المركب.

والثاني ما لم يكن كذلك ، وكان كل واحد من المسمى بالجزء موجودا مباينا للآخر ، مستقلا في الفعلية والتحصّل ، من دون افتقار وارتباط ، ولا جهة اتحاد حقيقة ، لكن ربما يعرض لهذه الامور المتباينة ـ الموجود كلّ منها على حياله ـ جهة وحدة بها يكون مركبا اعتباريا ، فالكثرة حقيقية ، ومن باب الوصف بحال نفسها ، والوحدة اعتبارية ، ومن باب الوصف بحال متعلّقها ، وتلك الجهة كجهة وحدة اللحاظ فيما إذا لوحظ المجموع بلحاظ واحد ، فإنّ المجموع في حد ذاته متكثر ، واللحاظ في حد ذاته واحد ، لكنه ينسب إليه هذه الوحدة بنحو من الاعتبار.

وكجهة الوفاء بغرض واحد ، فإنّ جهة الوحدة حقيقية قائمة بالغرض ، إلا أنّ هذا الواحد ـ حيث إنه قائم بالمجموع ـ فينسب إليه الوحدة بالعناية.

وكجهة الطلب والأمر فان الطلب الواحد إذا تعلق بامور متكثرة ، فلا محالة يكون هذا الواحد ـ كالوحدات السابقة ـ جامعا لشتاتها وموجبا لاندراجها تحت الواحد ، إلا أن جميع هذه الوحدات والتركيب لما كانت ـ بالاضافة إلى تلك الامور ـ غير حقيقية ، فلذا كان المركب اعتباريا ، وكانت الجزئية المنتزعة عن كل واحد من تلك الامور اعتبارية ، غاية الأمر أنها اعتبارية باعتبار موافق للواقع ونفس الأمر ، لا بفرض الفارض.

ثم إن هذه الامور ـ الملحوظة بلحاظ واحد ، القائمة بغرض واحد ، المطلوبة بطلب واحد ـ ربما تكون نفس التكبيرة ، والقراءة ، والركوع ، والسجود ،

١٢٤

وغيرها ، فالجزئية تنتزع عن نفس ذواتها ، واخرى تكون التكبيرة المقارنة لرفع اليد الواقعة حال القيام ، والقراءة المسبوقة أو الملحوقة أو المقارنة لكذا ، فهذه الخصوصيات مقومات للجزء ـ بمعنى أن بعض ما يفي بالغرض هذا الخاص ـ فالجزء أمر خاص لا أنها خصوصيات في الجزء المفروغ عن جزئيته.

وعليه فالشرط المقابل للجزء ليس مطلق الخصوصية ، بل خصوصية خاصة لها دخل في فعلية تأثير تلك الامور القائمة بغرض واحد ، وليكن على ذكر منك لعلك تنتفع به فيما بعد (١) إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت ما تلونا عليك فاعلم : أن الظاهر من الطريقة العرفية خروج ما له دخل في فعلية التأثير عن المسمّى في أوضاعهم ، فتراهم يضعون اللفظ بإزاء معجون خاص مركب من عدة أشياء ، من دون أخذ ما له دخل في فعلية تأثيرها ـ من المقدمات ، والفصول الزمانية ، وغيرها ـ في المسمّى بل يضعون اللفظ لذات ما يقوم به الأثر ، وهذا أمر لا يكاد يدانيه ريب من ذي بصيرة. والظاهر أن الشارع لم يسلك في أوضاعه مسلكا آخر ، كما يشهد له ما ورد في تحديد الوضوء أنه « غسلتان ومسحتان » (٢) من دون أخذ شرائطه في حده ، بل وكذا قوله ـ عليه السلام ـ : « أوّلها التكبير وآخرها التسليم » (٣). ويشهد له أيضا جميع الأخبار الواردة في بيان الخواصّ والآثار ، فان الظاهر من هذه التراكيب ـ الواردة في مقام

__________________

(١) التعليقة : ١٧٤ من هذا الجزء.

(٢) الحديث عن ابن عباس في التهذيب ٢ : ١٦٢ ، وتفسير التبيان ٣ : ٤٥٢ ، وعمدة القاري في شرح البخاري ٢ : ٢٣٨ ، وأحكام القرآن لابن عربي ٢ : ٥٧٧ ، والدار المنثور ٢ : ٢٦٢ ، وتفسير الطبري : ٦ / ٨٢.

(٣) الحديث في جميع المصادر أدناه بهذا التعبير « مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم » في الكافي ٣ : ٦٩ / ح ٢ ، ومن لا يحضره الفقيه ١ : ٢٣ / ح ١ ، وسنن الدارقطني ١ : ٣٦٠ ح ١ ، ٤ ، ٥ ، ومسند احمد ١ : ١٢٣ ، وسنن الدارمي ١ : ١٧٥ ، وسنن ابن ماجة ١ : ١٠١ ، ح ٢٧٥ ، ٢٧٦ ، وسنن الترمذي ١ : ٨ ـ ٩ ح ٣ ، وسنن أبي داود ١ : ١٦ ح ٦١.

١٢٥

إفادة الخواصّ ـ سوقها لبيان الاقتضاء ـ لا الفعلية ـ نظير قولهم : السنا (١) مسهل ، والنار محرقة ، والشمس مضيئة. إلى غير ذلك ، فإن هذه التراكيب ظاهرة في بيان المقتضيات ، فيعلم منها أن موضوع هذه القضايا المسمى بلفظ ( الصلاة والصوم ) نفس ما يقتضي هذه الخواصّ ، ويؤيّده قوله تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ )(٢) ، فانّ الظاهر اتحاد المراد من الصلاة عقيب الأمر ، والصلاة المؤثّرة في النهي عن الفحشاء ، مع أن فعلية النهي عن الفحشاء موقوفة على قصد الامتثال الذي لا يمكن أخذه فيما وقع في حيّز الأمر ، مع أنه من الواضح عدم التجوّز بالتجريد كما لا يخفى.

ومما ذكرنا ظهر إمكان استظهار اتحاد طريقتي الشارع والعرف في الأوضاع ، وأن لازمه الوضع لذات ما يقتضي الأثر ، فالشرائط خارجة عن المسمّى.

ومنه ظهر أن أخبار الخواصّ تجدي للصحيحي من حيث الأجزاء ، بل مقتضى النظر الدقيق هو الوضع للأعم ؛ لأنّ المقتضي لتلك الآثار نفس المراتب المتداخلة ، وحيثية الصدور غير دخيلة في الاقتضاء ، فالأخبار المتقدمة بالأخرة دليل للأعمّي ، كما قد اتضح أن هذا الدليل بالأخرة دليل للأعمّي ، فتدبّر.

٧٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ومنها : صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم ... الخ ) (٣).

اعلم أن صحة التقسيم لها جهتان :

الاولى ـ أنّ حقيقة المعنى ـ في حد ذاته ـ لها فردان ، نظير النزاع المعروف

__________________

(١) جاء في الحديث : « عليكم بالسّنا » والسنا : نبات معروف من الأدوية ، الواحدة ( سناة ). ( مجمع البحرين ـ باب ما أوّله السين ـ مادّة سنا ) بتصرّف.

(٢) العنكبوت ٢٩ : ٤٥.

(٣) الكفاية : ٣٠ / ١٤.

١٢٦

في اشتراك الوجود معنى ، فان صحة التقسيم هناك بلحاظ أن هناك حقيقة واحدة لها أفراد متحدة الحقيقة ؛ نظرا إلى أن المفهوم الواحد لا ينتزع عن المتعدد بلا جهة وحدة ، ومن الواضح أن هذه الجهة لا ربط لها بالوضع للمقسم ، بل الغرض اتحاد حقيقة المقسم بأيّ لفظ عبّر عنها مع الأقسام.

الثانية ـ أنّ حقيقة المعنى ـ بما هي مسمّاة بلفظ كذا ـ منقسمة إلى أمرين ، فلو صحّ لدلّ على أن المسمّى هو الجامع ، فلا بد أن ينظر إلى أن هذا المعنى هل هو معنى اللفظ ومفاده بلا عناية ، أم لا؟

فنفس صحة التقسيم ـ بما هي هي ـ لا دلالة لها على الوضع ، بل الأمر بالأخرة يرجع إلى استعمال اللفظ في المقسم ، ومجرّد الاستعمال لا يدلّ على الحقيقة. مع أن صحّة الاستعمال بلا ضم ضميمة عندنا لا عبرة بها ، وعند الشارع ومعاصريه لا طريق إليها ، كما عرفت سابقا.

٧٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( منها استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الأخبار في الفاسدة ... الخ ) (١).

الأولى أن يقال : بالاستعمال في الأعم ؛ لأن الاستعمال في الفاسدة مجاز على أي حال ، بل المستعمل فيه هو الأعم ، واريد خصوصية الفاسدة بدالّ آخر.

٧٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( فإنّ الأخذ بالأربع ... الخ ) (٢).

فان مقتضى العهد الذكري استعمال المذكورات في صدر الخبر ـ وهي الأربعة المأخوذة ، وهي لا محالة فاسدة ـ في الأعم.

وأما على ما في غير واحد من الكتب (٣) ـ المشتملة على الخبر المزبور ـ

__________________

(١) الكفاية : ٣١ / ١.

(٢) الكفاية : ٣١ / ٤.

(٣) الحديث ورد منكّرا في : اصول الكافي ٢ : ١٨ باب دعائم الاسلام من كتاب الايمان والكفر ح ٢ ، والخصال : ٢٧٧ باب الخمسة ح ٢١ ، والمحاسن : ٢٨٦ ، والفقيه ١ : ١٣١ باب : ٢٩

١٢٧

من تنكير الأربع ، فلا دلالة على ذلك ، بل فيه إشارة إلى أنهم ـ بسبب ترك الولاية ـ لم يأخذوا بحقيقة تلك الأربع ، بل بأربع تشاكلها وتشابهها في الصورة دون المعنى.

٧٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها ... الخ ) (١).

إذ الصحيحة مشروطة بالطهارة عن الحيض ، وهي غير مقدورة للحائض لا لاشتراط الصحيحة بالقربة وهي غير مقدورة لها في ظرف الامتثال ؛ حيث لا أمر ، ولا لاستلزام إرادة الصحيحة دلالة النهي على الصحة دون الفساد ؛ إذ لا تعلق لكليهما بالوضع للصحيحة ، بل الأول إشكال على تعلق الحرمة الذاتية بالعبادة ، والثاني على تعلق النهي المولوي بالصحيحة ، فالوضع والاستعمال كلاهما أجنبيّان عن مرحلة الاشكال ، ودفعه في محلّه.

٧٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( للإرشاد إلى عدم القدرة على الصلاة ... الخ ) (٢).

هكذا أجاب بعض المحقّقين (رحمه الله) (٣) وأورد عليه بعض الأعلام (٤) من مقاربي عصرنا (رحمه الله) : بأن النهي الإرشادي ـ أيضا ـ يستدعي محلاّ قابلا ، كالنهي الشرعي ؛ إذ الارشاد إنشاء من المرشد متعلق بترك المنهي عنه ، ولذا يقبح أن يقال للأعمى : لا تبصر ، ولو على وجه الإرشاد.

ولا يخفى عليك أنّ هذا الإيراد لا يندفع بمجرّد دعوى أن النهي

__________________

ح ١٣ ، ولم نعثر عليه معرفا باللام بمقدار فحصنا.

(١) الكفاية : ٣١ / ٨.

(٢) الكفاية : ٣١ / ١٦.

(٣) هو الشيخ محمد تقي الأصفهاني (رحمه الله) في هداية المسترشدين : ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٤) هو المحقّق الرشتي (رحمه الله) في بدائع الأفكار : ١٥٠.

١٢٨

الإرشادي نهي إنشائي إيقاعي يتعلّق بالمحال بداعي الإرشاد إلى استحالة صدوره ، وليس نهيا حقيقيّا يطلب فيه ترك المنهيّ عنه حقيقة ؛ حتى يجب كونه مقدورا.

وجه عدم الاندفاع : أن الموضوع إن كان الصلاة عن طهارة من الحيض كان النهي الإرشادي لغوا ، بل ولو لم يكن إلا مجرّد الإخبار ؛ بداهة لغوية الإخبار بعدم القدرة على الصلاة عن طهارة من الحيض في حال الحيض ، فحاله بعينه حال إخبار الأعمى بعدم القدرة على الإبصار.

فالوجه في دفع الإشكال أن يقال : المراد من استعمال الصلاة في الصحيحة استعمالها في تامّ الأجزاء والشرائط المجعولة حال الاستعمال. ومن الواضح أن الطهارة عن الحيض إنما جعلت شرطا بمثل هذا الدليل ، فالصلاة المستعملة في المستجمع للأجزاء والشرائط غير الطهارة عن الحيض ؛ قد استعملت في الصحيحة حال جعل الشرط ، فصح حينئذ أن ينهى عن الصلاة بذاك المعنى إرشادا إلى عدم ترتب فائدة عليها لفقد شرطها ـ أعني الطهارة عن الحيض ـ فهو جعل لشرطية الطهارة ببيان لازمها ، وهو الفساد حال الحيض.

هذا إذا كان اعتبار الشرائط على التدريج ، ومع عدمه يمكن أن يقال أيضا : بأن المأخوذ في المسمّى ـ على الصحيح ـ هو مطلق الطهارة ـ على وجه الابهام ـ وإن كان متعينا في حقيقة الصلاة شرعا ، فيكون هذا الدليل تعيينا لتلك الطهارة المبهمة ببيان لازم تعينها ـ وهو الفساد لولاها ـ هذا على ما هو المتداول عندهم في الوضع للصحيح من حيث ملاحظة الأجزاء والشرائط بعينها تفصيلا.

وأما على ما اخترناه ـ من الوضع لسنخ عمل مبهم من حيث تعيّنات الأجزاء والشرائط بمعرّفية النهي عن الفحشاء بالفعل ـ فالإرشاد إلى عدم القدرة على فعله في حال الحيض ، لا يكون لغوا ، كما هو واضح.

١٢٩

وأما توهّم صحة النهي المولوي بتقريب : أن المنهيّ عنه ما هو صلاة في غير حال الحيض ، ومثله محفوظ في حال الحيض ، غاية الأمر أن قصد التقرّب به على وجه التشريع فمبني على توهم بناء الاستدلال على عدم القدرة من حيث القربة ، وقد عرفت أنه أجنبي عن المقام.

وأما من حيث فقد الطهارة فلا معنى لهذا الجواب ؛ لأن الصلاة المتقيّدة بالطهارة عن الحيض لا يعقل تحقّقها في حال الحيض حتى ينهى عنها ، وجعل حال الحيض وحال عدمه من أحوال الصلاة خلف واضح ، وتسليم للوضع للأعم.

٧٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وإلاّ كان الإتيان بالأركان ... الخ ) (١).

الوجه واضح إلا أن يقال : إن الصلاة وإن استعملت في الأعمّ ، إلا أنه اريدت خصوصية التمامية ـ من حيث ما عدا الطهارة من الحيض ـ بدالّ آخر ؛ بداهة أن المراد النهي عما كان مقتضى الأدلة لزوم الاتيان به ، فلا يقتضي تحريم كل ما يصدق عليه الأعم ذاتا.

٧٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إنه لا شبهة في صحة تعلّق النذر وشبهه ... الخ ) (٢).

تقريب هذا الاستدلال بوجهين :

أحدهما ـ بنحو القضايا المسلمة : وهو أنه مما تسالم عليه الكل صحة تعلّق النذر بترك الصلاة ، وحصول الحنث بفعلها ، ولو كانت صحيحة لم يكن لها حنث ؛ حيث لا صلاة صحيحة بعد الحلف أو النذر لحرمتها.

ثانيهما ـ بنحو القضايا البرهانية : وهو أنه مقتضى تعلّق النذر بالصحيحة تعلّق النهي بها ؛ إذ ذاك مقتضى انعقاد النذر ونفوذه ، ومقتضى تعلّق النهي بها عدم

__________________

(١) الكفاية : ٣١ / ١٦.

(٢) الكفاية : ٣٢ / ٤.

١٣٠

تعلّق النهي بها ؛ إذ مقتضى النهي عن العبادة عدم وقوعها صحيحة ؛ حيث إنها مبغوضة لا يمكن التقرب بها ، ومقتضى عدم وقوعها صحيحة عدم صحة تعلّق النهي بها ؛ إذ المنهيّ عنه لا بدّ من أن يكون مطابقا لما تعلق به النذر ، وهي الصحيحة على الفرض ، مع أنها غير مقدورة في ظرف الامتثال ، وكما أن عدم القدرة على الصحيحة ـ حال النذر أو النهي ـ يمنع عن تعلق النهي بها ، كذلك عدم القدرة عليها بعد النهي ؛ لأنّ الملاك هي القدرة في ظرف الامتثال ؛ حيث إن الغرض من البعث والزجر هو الامتثال ، وظرفه عقيبهما. وإن كان منشأ عدم القدرة تعلق النهي ، فلا يكاد ينقدح في نفس العاقل النهي عما لا قدرة عليه في ظرف الامتثال بأي سبب كان.

وحيث ظهر أن تعلق النهي بالصحيحة لازمه عدم تعلقه بها ، وما يلزم من وجوده عدمه محال ، تعرف عدم الوضع للصحيحة والاستعمال فيها.

٧٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( لا يخفى أنه لو صح ذلك لا يقتضي إلا ... الخ ) (١).

الوجه واضح ، ولذا لو كانت موضوعة للأعمّ ، ومع ذلك حلف على ترك الصحيحة لزم المحذور ، كما أنه لو كانت موضوعة للصحيحة ، ومع ذلك حلف على ترك الأعمّ ، لما لزم منه محذور ، فيعلم منه أن هذا الاشكال أجنبي عن الوضع والاستعمال.

٨٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( مع أن الفساد من قبل النذر ... الخ ) (٢).

ليس الغرض أنّ تعلّق النذر الموجب لتعلّق النهي ، لا يوجب خروج

__________________

(١) الكفاية : ٣٢ / ١٠.

(٢) الكفاية : ٣٢ / ١١.

١٣١

المتعلق عن القدرة لمكان فساده ؛ لأجل أن مقتضي الشيء لا ينافيه ، فلا يعقل أن يؤثّر الفساد من قبل النذر والنهي في عدمها ؛ لأنك عرفت أن المعتبر من القدرة هي القدرة في ظرف الامتثال ، وزوالها فيه بلا إشكال.

بل الغرض أن الصحة ـ التي تعتبر في متعلّق النهي والنذر ـ لا تزول بالفساد الآتي من قبل النذر والنهي.

وتوضيحه ـ على وجه الاستيفاء لجميع الأنحاء ـ : هو أن النذر : إن تعلّق بترك الصلاة المطلوبة بعد النذر والنهي ؛ بحيث تكون مقرّبة فعلية بعدهما ، فهو الذي يلزم من وجوده عدمه ، ولم يذهب إلى انعقاد هذا النذر ذو مسكة.

وإن تعلّق بترك الصلاة المأتيّ بها بأحد الدواعي التي لا تتوقف على الطلب والأمر ، ولا ينافي تحقّقها مع المبغوضية الفعلية أيضا ـ كالصلاة بداعي حسنها الذاتي ، أو بداعي التعظيم لله ، أو بداعي التخضّع له تعالى ـ فالصلاة بهذا المعنى تامّة الأجزاء والشرائط حتى بعد النذر والنهي ـ سواء قلنا بالحرمة المولوية أم لا ـ لأن هذه الدواعي لا تنافي المبغوضية الفعلية ، وما هو المسلّم من انعقاد النذر ، وإمكان حنثه لا بد من أن يصرف إلى هذا الوجه.

وإن تعلق النذر بترك مسمّى الصلاة شرعا من غير تعيين من قبل الناذر فصحته وفساده يدوران مدار أقوال المسألة :

فان قلنا : بالأعم صح النذر.

وإن قلنا : بالصحيحة من حيث الاجزاء فقط ، أو ما عدا القربة صح النذر أيضا.

وإن قلنا : بالصحيحة بقول مطلق ، فإن اقتصرنا في القربة على الإتيان بداعي الأمر بطل النذر ، وإن جوّزنا الاتيان بسائر الدواعي ـ الغير الموقوفة على الأمر ، بل الغير المنافية للحرمة المولوية ـ صح النذر.

نعم إن قلنا : بأن القربة إتيان العمل بداعي الأمر ، فالناذر الملتفت لا بد

١٣٢

من أن يقصد الصلاة الصحيحة لو لا تعلق النهي والنذر ، فمتعلق النذر هو الصحيح بهذا المعنى.

ولو فرض كون الاستعمال ـ في الصحيح بهذا المعنى مجازا ، لم يكن به بأس ، إذ لزوم التجوز في مورد لا يكشف عن الوضع له كما لا يخفى ، وظاهر المتن في الجواب عن الاشكال هذا الوجه الأخير.

٨١ ـ قوله [ قدس سره ] : [ ( إن أسامي المعاملات إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع ... الخ ) (١).

توضيحه : أن الإيجاب والقبول المستجمعين للشرائط ، إذا حصلا حصلت الملكية الحقيقية.

والعقد المزبور ـ بلحاظ تأثيره في وجود الملكية ، وقيام الملكية به قيام المعلول بالعلة ـ محقق للتمليك الحقيقي ، والتمليك فعل تسبيبي ، ولا يصدق على نفس العقد ؛ إذ التمليك والملكية من قبيل الايجاد والوجود ، فهما متحدان بالذات ، ومختلفان بالاعتبار ، فكما أن وجود الملكية ليس متحدا مع العقد ، كذلك المتحد معه ذاتا. فافهم جيّدا.

فحينئذ إن قلنا : بأن البيع موضوع للتمليك الحقيقي ـ أي ما هو بالحمل الشائع تمليك ـ أو للتمليك الذي لا يصدق في الخارج إلا على المتحد مع وجود الملكية ذاتا ـ كما هو الظاهر (٢) ـ فلا محالة لا يجري فيه النزاع ؛ لما سمعت من أن التمليك والملكية الحقيقية من قبيل الإيجاد والوجود ، وهما متحدان بالذات

__________________

(١) الكفاية : ٣٢ / ١٧.

(٢) وجهه : أن التمليك بالحمل الشائع ، لا يمكن أن ينشأ باللفظ ، كما لا يمكن الوضع له حقيقة لتقيّده بالوجود الخارجي ، كما أن التمليك الإنشائي ـ لمكان تقيده بقصد ثبوته باللفظ ـ لا يمكن أن ينشأ باللفظ ، بل التمليك كسائر الألفاظ الموضوعة لنفس المعاني ، ولا يصدق على شيء حقيقة إلاّ اذا وجد مطابقه في الخارج [ منه قدّس سرّه ].

١٣٣

متفاوتان بالاعتبار ، ولذا اطلق عليه المسبب المعبر به عرفا عن الأثر ، وليس لمثله أثر كي يتصف بلحاظ ترتبه عليه بالصحة ، وبلحاظ عدم ترتبه عليه بالفساد.

ومنه علم أن توصيفه بالصحة مسامحة ، لا لأن الصحة والفساد متضايفان ، فيجب قبول المورد لتواردهما. كيف؟ والعلية والمعلولية من أوضح أنحاء التضايف ، وليس كلّما صحّ أن يكون علة صحّ أن يكون معلولا ، وبالعكس ـ كما في الواجب تعالى شأنه بالنسبة إلى معاليله ـ بل لأنهما من المتقابلين بتقابل العدم والملكة ، فلا يصدق الفاسد إلا على ما من شأنه ترتب الأثر ، وهو السبب ، دون نفس المسبب ، بل المسبب يتصف بالوجود والعدم.

وبعبارة اخرى : الشيء لا يكون أثرا لنفسه ، ولا لما هو متحد معه ذاتا.

ومنه علم أنهما متقابلان لا متضايفان ، فإن التضايف قسم خاص من التقابل ، ولا بد فيه من كون كل من المفهومين بحيث لا يعقل إلا بالقياس إلى غيره ، ويلزمه التكافؤ في القوة والفعلية ـ كالفوقية والتحتية ـ مع أن الصحيح والفاسد ليسا كذلك ـ بحيث لو وجد الصحيح وجد الفاسد ـ بل متقابلان بنحو لا يجتمعان لكنهما يرتفعان في قبال السلب والايجاب.

وأما توهّم : أن نفوذه لازم وجوده باعتبار ترتب الآثار التكليفية والوضعية على الملكية ، فلا توجد إلاّ مترتّبة عليها آثارها فيتصف بالصحة دون الفساد.

فمدفوع : بأن نسبة تلك الآثار إلى الملكية نسبة الحكم إلى موضوعه ، لا نسبة المسبب إلى سببه ـ فضلا عن نسبة المسبب إلى الأمر التسبيبي ـ فلا تتصف الملكية ـ مع عدم كونها مؤثّرة في تلك الأحكام ـ بالصحة.

فان قلت : سلمنا أن البيع هو ايجاد الملكية الحقيقية ، إلا أن ايجاد الملكية أمر ، وإمضاء العرف أو الشرع أمر آخر ، فإن أمضاه الشارع أو العرف اتصف بالصحة ، وإلاّ فبالفساد.

قلت : الملكية الشرعية او العرفية ليست من المقولات الواقعية ، بل

١٣٤

المعقول نفس اعتبار الشرع أو العرف هذا المعنى لمن حصل له السبب ، كما أشرنا إليه (١) في تحقيق حقيقة الوضع وبيّنّاه بما لا مزيد عليه في محلّه.

ومن الواضح : أن اعتبار كل معتبر لا واقع له وراء نفسه ، وهو أمر قائم بالمعتبر بالمباشرة ، وليس من حقيقة البيع في شيء ؛ حيث إنه من الامور التسبيبية ، بل الشارع والعرف المعتبران للملكية ربما يجعلان سببا ليتوسّل به إلى اعتبارهما ، فاذا تسبّب الشخص بما جعله الشارع ـ مثلا ـ سببا لاعتباره ، فقد أوجد الملكية الاعتبارية بالتسبيب ، ولا حالة منتظرة بعد حصول الملكية الشرعية بعلّتها التامة الشرعية ؛ كي يقال : بأن إيجاد الملكية أمر ، وإمضاءه أمر آخر ، وإن أوجد ما هو سبب لاعتبار العرف فقط فالملكية الشرعية حقيقة لم توجد بعدم سببها ، وليس التمليك العرفي سببا بالإضافة إلى الملكية الشرعية ؛ حتى يكون ترتّبها عليه مناط صحته ، وعدمه مناط فساده.

وعلى أيّ حال فالقابل للتأثير وعدمه هو السبب دون المسبب عرفيا كان أو شرعيا.

٨٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وأما إن كانت موضوعة للأسباب فللنزاع فيه مجال ... الخ ) (٢).

الوجه واضح ، لا يقال : لا مجال للنزاع أيضا ؛ اذ الصحيحيّ كالاعمّي من حيث التمسك بالإطلاق ، فيلغو النزاع ، مع عدم ترتب الثمرة المهمة.

لأنّا نقول : قد مرّ مرارا أن مثله إنما يلغو إذا كان الأمر كذلك ـ في الجميع ـ عند الجميع ، وإلا فذهاب طائفة في طائفة من ألفاظ المعاملات في بعض الحالات إلى التمسك بالاطلاق ، لا يقلع مادة النزاع والشّقاق.

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ١٥ من هذا الجزء.

(٢) الكفاية : ٣٢ / ١٩.

١٣٥

٨٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( ولا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة ... الخ ) (١).

قد عرفت سابقا : أن الطريقة العرفية جارية على الوضع لذات المؤثر ، وعدم ملاحظة ما له دخل في فعلية التأثير في المسمّى ، والمفروض عدم تصرّف الشارع في المسمّى من حيث التسمية ، فيتعين القول بوضع ألفاظ المعاملات ـ على هذا الوجه ـ لذوات الأسباب ، لا للصحيح المؤثر منها ، وليست كألفاظ العبادات ؛ حتى يتوقف على دعوى اتحاد طريقتي العرف والشرع في الأوضاع.

٨٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر ... الخ ) (٢).

هذا إذا كان اللفظ موضوعا لما يؤثّر في الملكية فعلا ، وأما إذا كان لما يؤثر فيها اقتضاء ، فالاختلاف تارة في المصداق ، وهو ما إذا كان ذات السبب شرعا غير ما هو ذات السبب عرفا ، واخرى ليس في المفهوم ولا في المصداق ، بل تقييد وتضييق لدائرة السبب العرفي ، وهو ما إذا اتحد السبب ، وضمّ الشرع إليه ضميمة لها دخل في فعلية تأثيره ، وأما الضميمة التي لها دخل في اقتضائه ، فهي مقومة للسبب ، لا أنها شرط في تأثيره ـ كما مرّ نظيره في العبادات (٣) ـ ومثل هذه الخصوصية ترجع إلى الاختلاف في المصداق أيضا.

٨٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وتخطئة الشرع العرف في تخيل ... الخ ) (٤).

حاصله : أن الحكم بعدم نفوذ سبب عرفي ، ليس من أجل الاختلاف في

__________________

(١) الكفاية : ٣٣ / ١.

(٢) الكفاية : ٣٣ / ٢.

(٣) راجع التعليقة : ٧١ من هذا الجزء عند قوله (رحمه الله) : ( ثم إنّ هذه الامور .. ) إلى آخر التعليقة.

(٤) الكفاية : ٣٣ / ٤.

١٣٦

المفهوم ، ولا من أجل التقييد في الحكم ، بل السبب حيث إنه ما يؤثّر في الملكية واقعا ، وكان نظر الشرع والعرف طريقا إليه ، فلا محالة يكون نهي الشارع ـ الناظر إلى الواقع ـ تخطئة لنظر العرف ؛ بحيث لو كشف الغطاء لوجدوا الأمر على ما يجده الشارع ، من عدم تأثير السبب في الملكية في الواقع.

قلت : إن كانت الملكية من المقولات الواقعية ـ ولو كانت انتزاعية ـ وأمكن اطلاع الشارع على خصوصية موجبة لعدم تحقق المقولة أو لتحققها ، كانت التخطئة معقولة.

وأما إن كانت من الاعتبارات ـ على ما قدمنا بيانه (١) ، وشيدنا بنيانه ـ فلا مجال للتخطئة والتصويب ؛ حيث لا واقع لاعتبار كل معتبر إلا نفسه ، فالملكية الموجودة في اعتبار العرف بأسبابها الجعلية ، موجودة عند كل أحد ، ولا واقع لتأثير السبب الجعلي إلا ترتب مسببه عليه ، والمفروض تحقق الاعتبار عند تحقق السبب الجعلي في جميع الأنظار. كما أن الملكية الشرعية التي هي نحو من الاعتبار لم تتحقق لعدم تحقق سببها ـ أيضا ـ في جميع الأنظار.

نعم اقتضاء الأسباب لاعتبار المعتبر ليس جزافا ، فانه على حد المعلول بلا علة ، بل لمصالح قائمة بما يسمّى سببا يقتضي عند حصول السبب اعتبار الشارع أو العرف للملكية لمن حصل له السبب. والعقول متفاوتة في إدراك المصالح والمفاسد الباعثة على اعتبار الملكية أو الزوجية وغيرهما ، فربما يدرك العرف مصلحة في المعاطاة ـ مثلا ـ فتدعوهم تلك المصلحة إلى اعتبار الملكية ، مع عدم اطّلاعهم ـ لقصور عقولهم ـ على مفسدة تقتضي عدم اعتبار الملكية ، وقد أدركها الشارع الناظر إلى الواقع ، فتجري التخطئة والتصويب في هذه المرحلة ، لا في مرحلة الملكية ، فإنها اعتبارية لا واقعية ، ولا في مرحلة الأسباب

__________________

(١) وذلك في التعليقة : ١٥ من هذا الجزء.

١٣٧

فإنها جعلية ، وبعد حصولها وترتب مسبباتها عليها ، فقد وجد مصداق ما يؤثر في اعتبار العرف في جميع الانظار ، وإن لم يوجد مصداق ما يؤثّر في اعتبار الشارع في جميع الأنظار ، فليس هنا أمر محفوظ أخطأ عنه العرف إلا المصالح والمفاسد المقتضية لجعل تلك الامور أسبابا لاعتبار الملكية.

ولك أن تنزّل عبارة الكتاب على ما هو الصواب من التخطئة في الوجه الباعث على جعل الشيء سببا ، لا في السبب ولا في المسبب ، فتدبّره جيّدا.

٨٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة لا يوجب إجمالها ... الخ ) (١).

إذ المانع هو الاجمال من حيث الصدق ، وإن لم يكن مجملا من حيث المفهوم ، كما أن المصحح للتمسك بالاطلاق عدم الاجمال من حيث الصدق ، وإن كان مجملا من حيث المفهوم ، كما عرفت في الفاظ العبادات على الأعمّ (٢).

والسر في عدم إجمال ألفاظ المعاملات من حيث الصدق تعارف المعاملات وتداولها بأسبابها ، فلها بعض ما يصدق عليه في نظر العرف أنه مؤثر في الملكية ، غاية الأمر أن نفوذ كل ما يصدق عليه عرفا أنه مؤثر في الملكية ، يتوقف على الاطلاق.

وتقريب الاطلاق على ما أفاده شيخ المحققين (٣) ـ في هداية المسترشدين ـ بتوضيح مني : هو أن ( البيع ) ـ لغة ـ موضوع لما يؤثر في الملكية واقعا ، ونظر العرف والشرع طريق إليه ، فإذا كان المولى في مقام البيان ، وحكم بنفوذ كل ما يؤثّر في الملكية واقعا ـ من دون أن يقيّده بمصداق خاصّ ولا بمحقّق مخصوص ـ

__________________

(١) الكفاية : ٣٣ / ٧.

(٢) راجع التعليقة : ٦٥ من هذا الجزء.

(٣) المحقق الشيخ محمد تقي الأصفهاني (رحمه الله) في حاشيته على المعالم : ١١٤.

١٣٨

فهو حجة على أنّ ما هو مملّك في نظر العرف فهو مملك في نظر الشارع واقعا ، فاتباع نظر العرف في تطبيق المفهوم على المصداق ، بالحجة الشرعية ـ وهو الاطلاق ـ فلا مجال لأن يقال : العرف مرجع تشخيص المفاهيم دون المصاديق ، وموارد النهي ـ حينئذ ـ من باب التخطئة لنظر العرف ، فهو تخصيص في حجية نظر العرف ، لا في موضوع الحكم ؛ لأن المملّك الواقعي نافذ أبدا ، والمنهي عنه ما لا يؤثّر في الملكية واقعا وإن اعتقد تأثيره العرف.

ولا يخفى عليك أنه لا فرق بين القيد المغفول عنه عند العامة والملتفت إليه عندهم ، إلا في لزوم القيام مقام البيان لو كان دخيلا في التأثير ؛ إذ لولاه لم يلتفت إليه العرف ؛ حتى يكون مجرى أصالة الفساد مع عدم الاطلاق اللفظي ، بخلاف الملتفت إليه ، فانه لا يجب التنبيه عليه إلا إذا فرض قيامه مقام (١) بيان كل ما له دخل في تأثير ما هو سبب بنظر العرف. فالإطلاق على الأوّل من مقدّماته لزوم القيام مقام البيان ، وفي الثاني لزوم البيان لو كان في مقام البيان. وتخصيص الإطلاق المقامي هنا بخصوص القيد المغفول عنه بلا وجه.

لكنك قد عرفت : أن التخطئة في المصداق تدور مدار كون الملكية من الامور الانتزاعية الواقعية ؛ حتى يتصور هناك طريقية نظر العرف والتخطئة والتصويب. وأما بناء على كون الملكية من الاعتبارات فلا ، كما عرفت القول فيه مفصّلا (٢).

والتحقيق : أن البيع وإن كان موضوعا لما هو المؤثر في الملك من دون تقييد بكون الملك بحسب اعتبار الشارع أو العرف ، لكنه حيث لا واقع للملكية التي يتسبب إليها بأسبابها إلا نفس اعتبار الشارع أو العرف ، فالموضوع للحكم لا بد

__________________

(١) في الأصل : ( .. قيامة مقامه .. ).

(٢) وذلك في التعليقة : ١٥ من هذا الجزء.

١٣٩

من أن يكون أحد الأمرين : اما ما يؤثر في الملكية عرفا ، أو ما يؤثر في الملكية شرعا :

فان كان الأوّل : صحّ التمسّك بالإطلاق إلاّ أنّ لازمه الالتزام بالتخصيص الحكمي في موارد النهي ؛ إذ المفروض أن الموضوع بحدّه هو المؤثّر عرفا ، وهو على حاله موجود في موارد النهي فهو من أفراد البيع الحلال حقيقة ومع ذلك فقد حكم بعدم صحته تعبّدا.

وإن كان الثاني : لم يصح ؛ إذ المفروض أن الموضوع هو ما يؤثّر في الملك شرعا ، وهو مشكوك الانطباق على السبب العرفي ، والاطلاق لا يكاد يشخّص المصداق.

والتحقيق في حل الاشكال : اختيار الشق الثاني بمناسبة الحكم والموضوع ؛ إذ لو فرض إنفاذ المملّك العرفي لكان راجعا إلى جعله مملّكا شرعا ؛ حيث لا أثر للسبب شرعا إلاّ اعتبار الملكية شرعا.

وتقريب الاطلاق : ان الاطلاق قد يكون بلحاظ الكلام ، كما في ما لو كان الموضوع ما يؤثّر عرفا ، وقد يكون بلحاظ المقام ، كما في ما لو كان الموضوع ما يؤثّر واقعا ، فان تعيين المصداق يضيق دائرة الموضوع في الأول فيعلم أن التوسعة بلحاظ الكلام ، بخلاف الثاني ، فان تعيين المصداق لا يضيّق دائرة ما يؤثّر واقعا ـ كما هو ظاهر ـ فيعلم أن التوسعة بلحاظ المقام ، فكذا فيما نحن فيه ، فإنّ المولى بعد ما كان في مقام بيان الحكم الفعلي وإنفاذ السبب شرعا ، ولم يعيّن محقّقا ولا مصداقا لما هو الموضوع لحكمه ، فنفس عدم تعيين المصداق كاشف عن عدم تعيّن مصداق خاص لموضوع حكمه ، وأنّ ما هو المصداق لما يؤثر في الملك عرفا مصداق لما يؤثر في الملك شرعا. فمرجع الاطلاق إلى التلازم بين المحقق الجعلي الشرعي والمحقق الجعلي العرفي.

كما أن مرجع التخصيص ـ في موارد النهي ـ إلى التخصيص في هذه

١٤٠