نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-43-4
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٢٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ثم إنه لو كان الجامع المقولي الذاتي معقولا لم يكن مختصا بالصحيحي بل يعم الأعمّي ؛ لأن مراتب الصحيحة والفاسدة متداخلة ، فما من مرتبة من مراتب الصحيحة إلا وهي فاسدة من طائفة حتى المرتبة العليا ، فإنها فاسدة ممن لم يكلف بها ، وإذا كان لجميع هذه المراتب جامع ذاتي مقولي ، فقد كان لها جامع بجميع حيثياتها واعتباراتها ؛ ضرورة استحالة أن يكون الشيء فردا ـ بالذات ـ لمقولة باعتبار ، وفردا ـ بالذات ـ لمقولة اخرى باعتبار آخر ؛ إذ المقولات امور واقعية لا تختلف باختلاف الاعتبارات ، وحيثية الصدور من طائفة دون اخرى وإن أمكن دخلها في انطباق عنوان على الفعل ، إلاّ أنّ دخلها في تحقّق الجامع المقولي غير معقول ، وحينئذ فاذا فرض استكشاف الجامع المقولي العيني بين هذه المراتب ـ الصحيحة من طائفة ، والفاسدة من طائفة اخرى ، من دون دخل لحيثيات الصدور مع القطع بأن كل مرتبة لا تؤثر في حق كل أحد ـ لزم القطع بأنّ لكل مرتبة اقتضاء الأثر ، غاية الأمر أن حيثية الصدور شرط لفعلية التأثير. وليكن هذا على ذكر منك ؛ لعلك تنتفع به فيما بعد إن شاء الله تعالى.

والتحقيق : أن سنخ المعاني والماهيات ، وسنخ الوجود العيني ـ الذي حيثية ذاته حيثية طرد العدم ـ في مسألة السعة والإطلاق متعاكسان ؛ فإنّ سعة سنخ الماهيات من جهة الضعف والابهام ، وسعة سنخ الوجود الحقيقي من فرط الفعلية ، فلذا كلّما كان الضعف والابهام في المعنى أكثر ، كان الاطلاق والشمول أوفر ، وكلما كان الوجود أشد وأقوى ، كان الاطلاق والسعة أعظم وأتم.

فان كانت الماهية من الماهيات الحقيقة كان ضعفها وإبهامها بلحاظ الطوارئ وعوارض ذاتها مع حفظ نفسها ، كالانسان ـ مثلا ـ فإنه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل المقومين لحقيقته ، وإنما الإبهام فيه من حيث الشكل وشدة القوى وضعفها وعوارض النفس والبدن ، حتى عوارضها اللازمة لها ماهية ووجودا.

١٠١

وإن كانت الماهية من الامور المؤتلفة من عدة امور ـ بحيث تزيد وتنقص كمّا وكيفا ـ فمقتضى الوضع لها ـ بحيث يعمها مع تفرقها وشتاتها ـ أن تلاحظ على نحو مبهم ـ في غاية الإبهام ـ بمعرّفية بعض العناوين الغير المنفكّة عنها ، فكما أنّ الخمر ـ مثلا ـ مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما ، ومن حيث اللون والطعم والريح ، ومن حيث مرتبة الإسكار ؛ ولذا لا يمكن وصفه إلا بمائع (١) خاص بمعرّفية المسكرية ، من دون لحاظ الخصوصية تفصيلا ، بحيث إذا أراد المتصور تصوره لم يوجد في ذهنه إلا مصداق مائع مبهم من جميع الجهات ، إلا حيثية المائعية بمعرّفية المسكرية. كذلك لفظ الصلاة ـ مع هذا الاختلاف الشديد بين مراتبها كمّا وكيفا ـ لا بدّ من أن يوضع لسنخ عمل معرّفه النهي عن الفحشاء ، أو غيره من المعرّفات ، بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ الصلاة إلا إلى سنخ عمل خاص مبهم ، إلا من حيث كونه مطلوبا في الأوقات الخاصة.

ولا دخل لما ذكرناه بالنكرة ؛ فانه لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية كما اخذت فيها.

وبالجملة : الإبهام غير الترديد ، وهذا الذي تصورناه ـ في ما وضع له الصلاة بتمام مراتبها من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي ، وجامع عنواني ، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي ـ مما لا مناص عنه بعد القطع بحصول الوضع ولو تعينا. وقد التزم بنظيره بعض أكابر (٢) فن المعقول في تصحيح التشكيك في الماهية جوابا عن تصور شمول طبيعة واحدة لتمام مراتب الزائدة والمتوسطة

__________________

(١) في الأصل : ( لمائع ).

(٢) صدر المحقّقين في الأسفار ١ : ٤٣١.

١٠٢

والناقصة ؛ حيث قال : ( نعم الجميع مشترك في سنخ واحد مبهم غاية الابهام [ وهو الابهام ](١) بالقياس إلى تمام نفس الحقيقة ونقصها وراء الابهام الناشئ فيه عن الاختلاف في الافراد ، بحسب هوياتها ). انتهى.

مع أن ما ذكرناه أولى به مما ذكره في الحقائق المتأصّلة والماهيّات الواقعية كما لا يخفى ، وسيجيء (٢) ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّ هذا البيان يجدي للأعمّي أيضا.

وأنّ إمكان التمسّك بالإطلاق وعدمه على أي وجه فانتظر.

٥٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( والإشكال فيه بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا مركبا ... الخ ) (٣).

هذا ما أشكله بعض الأعاظم ( رحمهم الله ) في تقريراته (٤) لبحث شيخنا العلامة الأنصاري ـ قدّس الله تربته ـ ولقد أجاد في ابتناء الإشكال على عدم جامع مقولي ، ولذا جعل الأمر مردّدا بين الجامع التركيبي ـ من نفس المراتب المركبة في الخارج من مقولات متعددة ـ وبين جامع بسيط منتزع عنها باعتبار الحكم المتعلق بها ، أو الأثر المترتب عليها ، فانهما جهة وحدة عرضية لتلك المراتب.

وتحقيق القول في بيان الاشكال ، وما يمكن أن يقال في دفعه : هو أنّ الجامع إذا كان مركبا ، فلا محالة لا يكون جامعا للمراتب الصحيحة من وجهين :

أحدهما ـ أن الجامع التركيبي ، وإن اخذ ما اخذ فيه من القيود ، لكنه غير

__________________

(١) لم ترد في الأصل ، ووردت في المصدر.

(٢) التعليقة : ٥٨ من هذا الجزء.

(٣) الكفاية : ٢٤ / ١٨.

(٤) مطارح الأنظار : ٦.

١٠٣

متمحّض في الصحيح ؛ لإمكان اتصافه بالفساد بحسب صدوره ممن كان مكلفا بغيره ، كالمرتبة العليا من الصلاة ، فإنها لا تصح في غير حالة من الأحوال ، وما كان حاله كذلك لا يكون جامعا للمراتب الصحيحة.

ثانيهما ـ أن المراتب متداخلة صحة وفسادا ، فلا يعقل أن يؤخذ منها جامع تركيبي لخصوص مراتب الصحيحة ، فما فرض جامعا لمراتب الصحيحة لم يكن بجامع. هذا ، إلا أنّ تعقّل الجامع التركيبي بين تمام المراتب ـ مع قطع النظر عن الاشكال ـ مشكل ، فهو أولى بالايراد.

وربما يتخيل : أنه لا زيادة ، ولا نقص في مراتب الصلاة من حيث الأجزاء ، بل الصلاة موضوعة لحد خاص ، وإنما التفاوت نشأ : اما من قيام حيثيات متعددة ـ هي من أجزاء الصلاة ـ بفعل واحد ، وربما تقوم كل حيثية بفعل آخر. وإما من قيام حيثية واحدة بأفعال متعددة ، وربما تقوم بفعل واحد غيرها ، فتلك الحيثيات ـ المجتمعة في واحد ، والمتفرقة في المتعدد ـ هي المقوّمة لحقيقة الصلاة ، وهي لا تزيد ولا تنقص ، وإن كانت الأفعال تزيد وتنقص.

والجواب عنه : أن قيام تلك الحيثيات : إما بنحو قيام الطبيعي بأفراده ، أو بنحو قيام العرض بموضوعه ـ انضماما أو انتزاعا ـ أو بنحو قيام الأثر بمؤثّره والمعلول بعلّته. لا مجال للأول ؛ إذ لا يعقل فردية شيء واحد لأنواع من مقولة أو لمقولتين ، كما لا يعقل فردية امور متعددة في الوجود لمقولة واحدة ، وقد عرفت سابقا (١) أن ائتلاف حقيقة شيء من الوحدات مخصوص بالكم المنفصل ، فلا يعقل مقولة تقوم بالمتعدد تارة وبالواحد اخرى.

ولا مجال للثاني لأنّ العرض ـ انضماميّا كان أو اعتباريا ـ يباين موضوعه بحسب المفهوم ، بل بحسب الوجود أيضا على المشهور. مع أنك عرفت سابقا :

__________________

(١) التعليقة : ٥٤ من هذا الجزء.

١٠٤

أن إطلاق الصلاة وإرادة نفس هذه الأفعال لا يحتاج إلى عناية أصلا ، والوضع للمتحيث بتلك الحيثيات ـ لا لها ـ لا يفيد ؛ لأن المتحيث ـ بملاحظة تفرّق الحيثيات واجتماعها ـ يزيد وينقص ، فيعود إشكال الجامع بين الزائد والناقص.

ولا مجال للثالث لمباينة الأثر مع مؤثّره مفهوما ووجودا ، فيرد عليه ما يرد على الثاني ، مع أن الظاهر ـ مما ورد في تحديد الصلاة : من أن أولها التكبير وآخرها التسليم ـ انها هذه الأفعال ، لا أن الأفعال محققات لها ، وهي مباينة الوجود والذات عنها ، فاتضح عدم معقولية الجامع التركيبي ، وتصحيحه بمعقولية التشكيك في الماهية ـ كما ربما يسبق إلى بعض الأوهام ـ كأصل إمكان التشكيك في ذلك المقام غير خال عن ثبوت الابهام ، وذلك لأن التشكيك ـ الذي يقول بإمكانه أهله ـ اختلاف قول الماهية على أفرادها بالاشدية والأضعفية وغيرهما من انحاء التفاوت ، وقد سمعت منا سابقا : تركب الصلاة من مقولات متباينة ، بل لو كانت مركبة من أفراد مقولة واحدة ، لم يكن مجال للتشكيك ؛ إذ مراتب الصلاة ليست أفراد مقولة واحدة ؛ حتى يقال : بأن تفاوتها غير ضائر لمكان إمكان التشكيك ، بل كل مرتبة مركبة من أفراد ، فلا وحدة حتى يجري فيها التشكيك.

والتحقيق : أنه إن اريد من الجامع التشكيكي ـ من حيث الزيادة والنقص ـ ما يكون كذلك بذاته ، فهو منحصر في حقيقة الكم المتصل والمنفصل ، ولا مجرى له في سواهما إلا بنحو آخر أجنبي عما نحن فيه. ومن البديهي أن حقيقة الصلاة غير حقيقة الكم ، وإن كانت متكممة.

وإن اريد من الجامع التشكيكي ـ ما كان كذلك ولو بالعرض ـ أي باعتبار كمه المتصل أو المنفصل ، فحينئذ إن كان المتكمم من أفراد مقولة واحدة صح أن يوضع لفظ الصلاة ـ مثلا ـ لتلك الطبيعة الواحدة المتكممة ـ القابلة باعتبار تكمّمها للزيادة والنقص ـ إلا أن حقيقة أجزاء الصلاة ـ وجدانا ـ ليست

١٠٥

من أفراد مقولة واحدة ، وهي مع ذلك وإن كانت متكممة ، لكنه ليس هناك جامع يكون تشكيكيا بالعرض ، مع أنه ليس بجامع تركيبي حقيقة.

ومما ذكرنا ظهر : أن الإيراد على الجامع التشكيكي ـ بأن الزائد هنا ليس من جنس المزيد عليه ـ لا وقع له ، فان الزائد وإن كان من جنس المزيد عليه ، [ لكن ](١) لا مجال للتشكيك بالذات هنا كما عرفت ، وهذا في غاية الوضوح للمطلع ، فالبحث عن إمكان التشكيك وامتناعه ـ كما صدر عن بعض ـ في غير محلّه.

كما أن تطبيق التشكيك ـ الذي وقع البحث عنه في فن الحكمة ـ على بعض العناوين الاعتبارية المنطبقة على الزائد والناقص ـ كما صدر عن غير واحد في المقام وغيره ـ غفلة عن حقيقة الأمر : فان مجرى التشكيك ـ واختلاف قول الطبيعة المرسلة على أفرادها ـ في الماهيات الحقيقة دون العناوين الاعتبارية ، بل جريانه فيها يتبع منشأها ومعنونها ، فإن كان من مقولة يجري فيها الاشتداد ـ ويتفاوت قول الماهية فيها ـ كان العنوان الانتزاعي تابعا له ، وإلا فلا.

وقد عرفت حال الصلاة ، سواء لوحظ تركبها من مقولات متعددة أو من أفراد مقولة واحدة ، فافهم جيّدا.

وقد اتضح ممّا بيّنّاه : أن تعقّل الجامع التركيبي ـ بين تمام المراتب المختلفة كمّا وكيفا ـ مشكل ، وتصحيحه بالتشكيك أشكل.

وغاية ما يمكن أن يقال في تقريبه على ما سنح بالبال : هو أن كيفية الوضع في الصلاة على حدّ وضع سائر ألفاظ المركّبات كالمعاجين ، فكما أن مسهل الصفراء ـ مثلا ـ لو كان موضوعا لعدة أجزاء فلا يتفاوت المسمى بالزيادة والنقصان في تلك الأجزاء كمّا ـ فتراهم يقولون : إن مسهل الصفراء كذا وكذا ، إلى آخر طبائع الأجزاء ، من غير تعيين المقدار ، وإن كان المؤثّر الفعلي في حق

__________________

(١) إضافة يقتضيها السياق.

١٠٦

كل أحد غير ما هو المؤثر في حق الآخر ، ومع ذلك فلا تفاوت في نفس طبائع الأجزاء ـ فكذلك الصلاة موضوعة لطبيعة التكبير ، والقراءة ، والركوع ، والسجود ، وغيرها الملحوظة بلحاظ وحداني. غاية الأمر أن المطلوب من هذه الطبيعة المركبة تارة ركعة ، واخرى ركعتان ، وهكذا ، كما أن المطلوب من طبيعة الركوع ركوع واحد ، ومن طبيعة السجود سجودان في كل ركعة ، وهكذا ، فجميع مراتب صلاة المختار ـ حتى صلاة المسافر ـ مندرجة في ذلك من دون التزام بجامع وراء نفس طبائع الأجزاء.

نعم ، لا بد من الالتزام بكون ما عداها أبدالا للصلاة ، بل جعل التسبيحة بدلا عن القراءة في صلاة المختار أيضا ، وهو مشكل. والتفصّي عن هذه العويصة وغيرها منحصر فيما أسمعناك في الحاشية المتقدمة : من الوضع بإزاء سنخ عمل مبهم في غاية الإبهام بمعرفية النهي عن الفحشاء فعلا وغيرها من الخواص المخصصة له بمراتب الصحيحة فقط.

وأما إذا كان الجامع بسيطا ـ كالمطلوب ونحوه ، أو ملزومه كالناهي عن الفحشاء ـ فقد أورد عليه المقرّر المذكور (رحمه الله) بوجوه من الايراد.

والتحقيق : أن الجامع : إن كان المطلوب بالحمل الشائع بإلغاء الخصوصيات ، وعلى نهج الوحدة في الكثرة : فإن اريد المطلوب بنفس الطلب المتعلق به لزم الدور على المشهور ، والخلف علي التحقيق ؛ لعدم تعدد الوجود في الطلب والمطلوب المقوم له في مرتبة تعلقه ، كما حققناه في محلّه.

وإن اريد المطلوب بطلب آخر فلا خلف كما لا دور ، وإنّما هو تحصيل للحاصل ؛ لأن البعث بعد البعث الجدي تحصيل لما حصل بالبعث السابق ؛ حيث إن البعث لجعل الداعي ، وقد حصل ، فإيراد الدور على المطلوب بالحمل الشائع ـ مع عدم صحته في نفسه ـ ليس على إطلاقه.

مضافا إلى : أن ملاحظة المطلوبات بالحمل الشائع على نهج الوحدة في

١٠٧

الكثرة وإلغاء الخصوصيات إنما تجدي في غير المقام ؛ بأن يلاحظ وجود طبيعي الطلب ، ووجود طبيعي ذات المطلوب ، وأما ما نحن فيه ـ فحيث إنه ذو مراتب ، ولا جهة جامعة ذاتية ـ فإلغاء الخصوصيات لا يوجب وحدة المراتب وحدة طبيعية عمومية ، فتدبر جيّدا.

وإن كان المطلوب بالحمل الأوّلي ، فهو بنفسه وإن لم يستلزم الدور مطلقا ، بل الترادف فقط ، إلا أن الأمر بالمطلوب العنواني لا يرجع إلى محصل ، إلا إذا رجع الأمر الى المطلوب بالحمل الشائع بملاحظة العنوان ـ في مرحلة الإرادة ـ فانيا في المعنون ؛ بحيث يكون الاستعمال في نفس العنوان ، إلا أنه بنحو الآليّة لمعنونه في مرحلة الحكم ، فالعنوان ملحوظ استقلالي في مرحلة الاستعمال ، وملحوظ آلي في مرحلة الحكم كما مر نظيره سابقا ، وعليه فيجري فيه ما أجريناه في المطلوب بالحمل الشائع من الدور أو الخلف تارة ، وتحصيل الحاصل اخرى.

وما قلنا : ـ من أن الأمر بعنوان المطلوب راجع إلى الأمر بمعنونه ـ ليس لكون إيجاد العنوان بإيجاد معنونه ، ومعنون العنوان المزبور الصلاة التي تعلّق بها الطلب الحقيقي ؛ لأنّ إيجاد عنوان المطلوب في الخارج ليس بإيجاد الصلاة ، فإنه يسقط الطلب ، بل يجعل الصلاة مطلوبة حتى يصدق إيجاد العنوان. ومن البيّن أن جعل الصلاة مطلوبة ليس تحت اختيار المكلّف حتى يكلّف به ، فلا محالة يرجع الأمر بعنوان المطلوب أو بالمطلوب بالحمل الشائع إلى الأمر بذات المطلوب لمطابقته للمطلوب بالحمل الشائع في مرتبة تعلّق الطلب به ، لا بمرآتية العنوان لذات المطلوب ، من دون نظر الى حيثية المطلوبية ، وإلا فلا دور ، بل إلى ذات الصلاة المطابقة للمطلوب بشخص هذا الطلب بما هي كذلك. فتدبر جيّدا.

٥٦ ـ قوله [ قدس سره ] : ( مدفوع بأنّ الجامع إنما هو مفهوم واحد منتزع ... الخ ) (١).

__________________

(١) الكفاية : ٢٥ / ٥.

١٠٨

قد عرفت الإشكال في الجامع المقوليّ والجامع العنوانيّ ، ولا ثالث حتى يوضع له اللفظ.

فان قلت : لا حاجة إلى المقوليّ والعنوانيّ ، بل يوضع لفظ الصلاة لما هو بالحمل الشائع ناه عن الفحشاء ، لا لذوات المراتب الناهية عن الفحشاء حتى يلزم الاشتراك اللفظي ، بل لها بما لها من الجهة الموجبة لاجتماع شتاتها ، واحتواء متفرقاتها بنحو الوحدة في الكثرة ، وإلغاء خصوصيات المراتب.

قلت : الواحد بالعرض غير الواحد العرضي ، كما أن الواحد بالنوع غير الواحد النوعي ، والوحدة الحقيقية ـ التي يوصف بها الشيء حقيقة وبالذات ـ هي الوحدة الثانية ، وإلا فالوحدة بالعرض وبالنوع من باب وصف الشيء بحال متعلقه ، ففي الحقيقة ليس للمراتب المختلفة وحدة على الحقيقة ، وإنما الوحدة للعرض القائم بها ، أعني المطلوبية ، والنهي عن الفحشاء ، والكلام في وضع اللفظ للمراتب ـ التي يجمعها جهة وحدة ـ لها حقيقة ، لا لنفس تلك الجهة التي هي واحدة حقيقة. فتدبّر جيّدا.

فإن قلت : لا يجب أن تكون الوحدة حقيقية ، بل يكفي أن تكون اعتبارية ، بأن يلاحظ المراتب التي هي واحدة باعتبار الغرض الواحد بالحقيقة ، بناء على الصحيح ، أو بأن يلاحظ المراتب التي هي واحدة بالقصد ، بناء على الأعمّ ، فإنّ كل مرتبة تنبعث عن قصد واحد ، فالمراتب واحدة باعتبار وحدة القصد طبيعيا ، فليست جهة الوحدة مقومة للمسمّى ، ولا عينه ، بل موحدة للمسمّى ، وخارجة عنه ، كما إذا وضع اللفظ لمركب اعتباري ، فان اللفظ لا يقع بإزاء المتعدّد بذاته ، بل بإزائه بجهة وحدة له ، وهي إما الغرض ، أو القصد ، أو اللحاظ ، أو شيء آخر ، فكما أن الموضوع له هناك واحد بالاعتبار ، لا بالحقيقة ، فكذلك فيما نحن فيه.

قلت : نعم ، الواحد بالاعتبار ـ كما في المركب الاعتباري ـ يمكن أن يوضع

١٠٩

له اللفظ ، إلا أنّ الواحد بالاعتبار هنا مجموع المراتب باعتبار وحدة الغرض أو القصد وحدة طبيعية عمومية ، ومن البديهي أن كل مرتبة صلاة ، لا جزء مسمّى الصلاة ، فلا يقاس ما نحن فيه بالواحد بالاعتبار عليه ، فلا بدّ من الوضع : إما لذوات المراتب المتحدة ـ في طبيعي الغرض ، أو القصد ، وهو يوجب الاشتراك اللفظي. وإما لها بمجموعها ؛ فانها الواحد بالاعتبار. وهو خلف. وإما للجهة الموحدة لها ـ التي هي واحد بالحقيقة. وهو أيضا خلف ؛ لأن الغرض وضع لفظ الصلاة لما يترتب عليه الغرض لا للغرض. وإما الوضع لجامع ذاتيّ أو عنوانيّ يجمعها.

والأوّل محال ، والثاني غير صحيح ، كما قدمناه.

وأما تخيّل ـ أن الوحدة الاعتبارية هنا ذهنية ، فيستحيل اتحادها مع الكثرات الخارجية ـ فخطأ ، بل الوحدة عرضية بالاضافة الى المراتب ذاتية بالاضافة إلى القصد والغرض.

وعلى أيّ حال فهي خارجية ؛ لأنّ الواحد بالحقيقة خارجيّ ، فالاعتبار وارد على الوحدة ، لا مقوم لها.

٥٧ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وفي مثله تجري البراءة وإنما لا تجري فيما إذا كان ... الخ ) (١).

إذ لو كان بينهما اتحاد ـ على نحو اتحاد المنتزع والمنتزع عنه ـ فالاجمال فيما هو ناه عن الفحشاء بالحمل الشائع ـ وهو المأمور به ـ ثابت ، بخلاف ما لو كان بينهما السببية والمسببية كالوضوء والطهارة ، فان ما هو وضوء بالحمل الشائع غير ما هو طهارة بذلك الحمل ، فلا ربط للإجمال في أحدهما بالإجمال في الآخر.

قلت : الغرض : إن كان مترتّبا على ذات المأمور به ـ كإسهال الصفراء المترتّب على الأدوية الخاصة ـ فهو عنوان المأمور به ، فكأنه أمر بمسهل

__________________

(١) الكفاية : ٢٥ / ٧.

١١٠

الصفراء.

وإن كان مترتبا على المأمور به ـ إذا قصد له إطاعة الأمر ـ فمثله لا يعقل أن يكون عنوانا لذات المأمور به ، كيف؟! ومرتبته متأخرة عن الأمر ، بل هو غرض من الأمر ، وهو معنى : أن المصالح : إما هي عناوين للمأمور به ، أو أغراض من الأوامر.

فظهر : أن عنوانية المصلحة والفائدة ـ بلحاظ أنها مبدأ ـ عنوان منتزع عن الفعل بلحاظ قيامها به ـ بنحو من أنحاء القيام ـ وإلاّ فكلّ فائدة من فوائد الفعل القائمة به ـ بنحو من أنحاء القيام ـ نسبتها إلى الفعل المحصّل لها ، نسبة المسبّب إلى السبب ، كما أن كل عنوان منتزع عن الفعل ـ بلحاظ تأثيره في وجود الفائدة ـ له نحو اتحاد مع الفعل ، فإذا لوحظت الأفعال الصلاتية بالإضافة إلى نفس الفائدة ـ أعني النهي عن الفحشاء ـ كانت كالوضوء بالنسبة إلى الطهارة ، وإذا لوحظت بالإضافة إلى العنوان المنتزع عنها ـ أعني عنوان ( الناهي عن الفحشاء ) ـ كانت كالوضوء بالنسبة إلى عنوان الطهور المنطبق عليه ، فكما لا فرق في وجوب الاحتياط بين ما إذا تعلّق الأمر بالوضوء لغرض الطهارة ، وبين ما إذا تعلّق بعنوان الطهور ابتداء ـ بل الثاني أولى ؛ لرجوع الأوّل إليه أيضا ، كما عرفت في مثال اسهال الصفراء ، فالأمر يتعلّق بالعنوان في الأوّل بالواسطة ، وفي الثاني بلا واسطة ـ فكذلك لا فرق بين ما إذا أمر بالأفعال الخاصّة لتحصيل الانتهاء عن الفحشاء ، وبين ما إذا أمر ابتداء بالناهي عن الفحشاء.

ومن هذا البيان تبين : أن ما ذكره المقرّر (١) (رحمه الله) إنما يصحّ في مثل عنوان ( الناهي عن الفحشاء ) ـ من العناوين المنتزعة عن الأفعال بلحاظ قيام مبادئها التي هي من فوائدها بها ـ لا في مثل عنوان المطلوب ، فإنّ مبدأه ليس من فوائد ذات المأمور به ، ولا من فوائد إتيان المأمور به بقصد الإطاعة ، فلا

__________________

(١) صاحب كتاب مطارح الانظار : ٦.

١١١

يجري فيه ما ذكرنا من تعلّق الأمر به حقيقة من طريق الغرض ، وإن كان بلحاظ الوضع لعنوان المطلوب كذلك.

وبالجملة : كون النسبة اتحادية أو بنحو السببية والمسببية ، لا دخل له بلزوم الاحتياط وعدمه ، بل الملاك أنّ ما هو مأمور به بالحمل الشائع : إذا كان مجملا ينحلّ إلى معلوم ومشكوك ، فهو محل الخلاف من حيث البراءة والاحتياط. وإذا كان مبيّنا كان الاحتياط معيّنا ، [ و ] كان الاجمال في سببه ومحققه ، أو في مطابقه ومصداقه ؛ حيث إنّ المأمور به لا ينحلّ إلى معلوم يتنجز ، ومشكوك يجري فيه البراءة.

وعليه فإن كان مسمّى لفظ الصلاة عنوان ( الناهي عن الفحشاء ) ـ كما هو الظاهر ممن يأخذ الجامع عنوانا بسيطا منتزعا عن الأفعال الصلاتية ـ فلا مناص عن الاحتياط ؛ لأنّ المسمّى عنوان مبيّن وقع في حيّز الأمر ؛ لمكان القدرة على إيجاده بالقدرة على ايجاد معنونه ، ولا ينحلّ إلى معلوم ومجهول ، وانحلال مطابقه إلى معلوم ومجهول أجنبي عن انحلال متعلّق التكليف.

وإن كان المسمّى ما هو بالحمل الشائع ناه عن الفحشاء ـ على الوجه الذي أشكلنا عليه ـ أو قلنا بالوضع للعنوان ، لكنه لوحظ في مقام التكليف فانيا في معنونه ، فما هو مأمور به بالحمل الشائع إن كان الناهي فعلا ، فهو غير قابل للانحلال بلحاظ حيثيّة الانتهاء عن الفحشاء ، وإن كان الناهي اقتضاء فكل مرتبة ناهية كذلك ، فمرجع الشك إلى أن المقتضي بتلك المرتبة مطلوب أم لا ، مع القطع بمطلوبية المقتضي بمرتبة الأقل.

نعم إن كان الانتهاء عن الفحشاء فعلا ذا مراتب ـ كما هو كذلك قطعا ـ أمكن الانحلال ؛ نظرا إلى أنّ هذه المرتبة من الانتهاء عن الفحشاء متحققة بالأقلّ ، وإنما الشك في مطلوبية مرتبة اخرى لا تتحقق إلا بإتيان الأكثر ، فافهم وتدبّر.

١١٢

٥٨ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وأما على الأعم فتصوير الجامع في غاية الاشكال ... الخ ) (١).

وأما على تصورنا الجامع فالصحيحي والأعمّي ـ في إمكان الجامع ـ على حدّ سواء ؛ لما عرفت : أن مراتب الصحيحة والفاسدة متداخلة ، والصحة الفعلية وعدمها في كل مرتبة ، بلحاظ صدورها من أهلها وعدمه. وحينئذ فإن وضع لفظ الصلاة بإزاء ذاك العمل المبهم من جميع الجهات ، إلا من حيثية كونه ناهيا عن الفحشاء فعلا ـ بأن تكون هذه الحيثية معرّفة ، لا حيثية تقييدية مأخوذة في الموضوع له ـ فلا محالة يختصّ الوضع بخصوص الصحيحة ، وإن وضع بإزاء المبهم ـ إلا من حيث اقتضاء النهي عن الفحشاء دون الفعلية ـ عمّ الوضع ، وكان الموضوع له هو الأعمّ ؛ إذ من البيّن : أنّ حيثيّة الصدور ليست من أجزاء الصلاة ، فليست مما يقوم به الأثر ، فكل مرتبة من مراتب الصلاة لها اقتضاء النهي عن الفحشاء ، لكن فعلية التأثير موقوفة على صدورها من أهلها ، لا ممن هو أهل لمرتبة اخرى ، بل سيجيء (٢) ـ إن شاء الله تعالى ـ أن الشرائط كلها كذلك.

وحيث إنّ الموضوع له على الصحيح ، هو العمل الناهي ، فعلا ، وهو مردّد بين الأقلّ والأكثر ، فلذا لا مجال للتمسك بإطلاقه ؛ إذ ليس في البين معنى محفوظ يشك في لواحقه وأحواله ، بل كلّما كان له دخل في فعلية النهي عن الفحشاء ، فقد اخذ في مدلول الصلاة بالالتزام على ما يقتضيه معرّفه.

وحيث إنّ الموضوع له على الأعمّ هو العمل المقتضي للنهي عن الفحشاء ، والمفروض اقتضاء جميع المراتب ، وعدم تعلق دخل حيثية الصدور في اقتضائها ـ وإلا كان من أجزائها ، وهو بديهيّ الفساد ـ فاذا تحقّقت شرائط التمسك بالإطلاق ، صحّ للأعمّي نفي ما يتصوّر من المراتب التي تزيد جزءا

__________________

(١) الكفاية : ٢٥ / ١١.

(٢) التعليقة : ١٧٤ من هذا الجزء.

١١٣

وشرطا على ما صحّ عنده من المرتبة المقتضية للنهي عن الفحشاء ؛ بصدق معنى الصلاة حقيقة على ما بيده.

نعم بناء على ما ذكرنا آنفا ـ من احتمال كون الانتهاء عن الفحشاء فعلا ذا مراتب ، وكان كل مرتبة من الصلاة ناهية ـ بمرتبة من النهي فعلا من أيّ شخص صدرت ـ فعليه لا بأس بالتمسّك بالإطلاق حتى على الصحيح ؛ إذ المفروض وضع الصلاة لما يكون ناهيا بجميع مراتب النهي ، ويشكّ في مطلوبية الصلاة بمرتبة اخرى على (١) النهي زائدا على ما بأيدينا ، فيصحّ التّمسك بإطلاقه ، كما على الأعمّ ، فتدبره ، فإنه حقيق به.

٥٩ ـ قوله [ قدس سره ] : ( بل وعدم الصدق عليها ... الخ ) (٢).

فإنّ جعل الأركان جامعا بلحاظ أن تركها مضر عمدا وسهوا ، مع أن الأجزاء الغير الأركانية مشتركة معها في الإضرار عمدا ، فلا بد أن لا يصدق على الفاقد لها عمدا ، وعليه يحمل العبارة ، فتدبّر.

٦٠ ـ قوله [ قدس سره ] : ( مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به ... الخ ) (٣).

لا يخفى عليك عدم ورود نظيره ـ على الصحيح ـ فيما إذا استعمل اللفظ كذلك ، مع أن الاستعمال في كل مرتبة بحدها مجاز أيضا ؛ لأنه من استعمال الكلي في الجزئي.

والسر في عدم الورود : أن الاستعمال في الجامع وإرادة فرده أو حصته ـ بنحو إطلاق الكلي على فرده وحصته ـ صحيح لصدقه عليهما ، بخلاف

__________________

(١) كذا في الأصل ، والأصوب : من.

(٢) الكفاية : ٢٥ / ١٦.

(٣) الكفاية : ٢٥ / ١٧.

١١٤

الاستعمال في الجزء وإرادة الكلّ إطلاقا ، فإنه غير صحيح لعدم صدق الجزء على الكل ، فلا محالة تنحصر إرادة الكلّ في استعمال اللفظ فيه. مع أن استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل مجاز ، ولا يلتزم القائل بالأعم أن يكون الاستعمال المفيد لإرادة الكلّ مجازا. وعليه ينبغي حمل ما أفاده ـ مدّ ظلّه ـ هنا. وإن كان الاستدلال بصدق الصلاة على المجموع ، فيكشف عن أن معناها كلّي منطبق عليه ، وعدم صدق الجزء على الكل أولى.

أما صدق الصلاة ـ بلا عناية ـ على مراتبها المتفاوتة كمّا وكيفا ـ على الصحيح ـ فلابتنائه على وجود الجامع الذاتي بينها ، وكونها من الطبائع المشككة المقتضية لدخول المراتب بحدودها فيها ، ولا يقتضي ذلك صحة استعمالها في مراتبها بحدودها ؛ لأن المسمّى نفس الجامع ، مع عدم لحاظ الحدود ، فاستعمال اللفظ في المراتب بحدودها ، استعمال في غير ما وضع له ، ودخول الحدود في الطبائع المشكّكة ، وإن كان بلحاظ نفس الطبيعة النوعية لفرض تعقل التشكيك في الذاتيات ، إلا أنه يصحح صدق الطبيعة النوعية على مراتبها ؛ لأنّها أشدّ اتحادا معها من اتحاد الطبيعي مع فرده ؛ لأنّ المشخّصات خارجة عن الطبيعة النوعية ، وحدود المراتب هنا داخلة في الطبيعة النوعية ، ولكن لا يصحح استعمال اللفظ الموضوع للجامع التشكيكي في مراتبه ؛ لأن عمومه المنطقي بلحاظ إهماله من حيث المراتب ، وإن كان قابلا للعموم الاصوليّ من حيث نفس ذاته أيضا ؛ لكونه في حدّ ذاته ذا مراتب. والوضع له باللحاظ الأوّل ـ لا باللحاظ الثاني ـ فلا محالة يصحّ الصدق ، ولا يصحّ الاستعمال.

واما عدمه (١) على الأعمّ فلأن المفروض هو الوضع للأركان ، ولا اتحاد للصلاة بهذا المعنى مع الأركان وغيرها كما عرفت.

__________________

(١) أي : وأما عدم صدق الصلاة بلا عناية على مراتبها المتفاوتة كما وكيفا بناء على الأعمّ ...

١١٥

فإن قلت : كما تصدق الطبيعة على الفرد بمشخصاته الحقيقية ، فلتصدق على الفرد بمشخصاته الاعتبارية.

قلت : لا ريب في أن الأجزاء الغير الأركانية داخلة في المأمور به ، وإنما لم تدخل في المسمى على هذا الوجه ، [ لأنها ](١) أجزاء طبيعة المأمور به ، ولا يعقل أن يكون جزء المأمور به من مشخصات جزء آخر ، فإنّ نسبة الأركان وغيرها إلى المأمور به ـ من حيث الجزئية ـ على حد سواء ، وليس لمقام التسمية ـ من حيث التسمية ـ اعتبار جزء الفرد ، فلا يعقل أن تكون الأجزاء الغير الاركانية جزء للطبيعة من حيث المأمور به ، وجزء للفرد من حيث المسمى.

مضافا إلى أن في صدق الطبيعة على الفرد بمشخّصاته كلاما ، فإن زيدا ـ مثلا ـ من حيث نفسه وبدنه مطابق للإنسان في الخارج ، لا من حيث كمّه وكيفه ووضعه وغيرها من لوازم وجوده ؛ بداهة أنّ انتزاع مفهوم واحد عن أشياء متخالفة ـ بما هي متخالفة ـ محال ، فكيف يعقل انتزاع مفهوم واحد ـ وهو الانسان ـ عن زيد وعمرو وبكر مع تخالفها في المشخّصات؟! فليس ذلك إلا أن مطابقة هذه المتخالفات لمفهوم الانسان بجهة وحدتها ، وهي كونها ذوات نفس وبدن لا بجهات تخالفها.

والحق : أن الماهية الشخصية بالإضافة إلى الماهية النوعية ، كالفصل بالإضافة إلى الجنس ، بمعنى أنها مجرى فيض الوجود لها ، كما أن فيض الوجود يمرّ من الفصل إلى الجنس ، فلو الغي خصوصية درجة الوجود من الماهية الشخصية ـ ولوحظ الوجود الساري منها إلى الطبيعة النوعية الكلية ـ كانتا متحدتين في هذا الوجود الساري ، فيصح الحمل بهذه الملاحظة ، لا أن المحمول عليه في ( زيد إنسان ) خصوص النفس والبدن ؛ حتى يؤول إلى الحمل الأوّلي ، وهذا معنى صدق الطبيعي على فرده ، لا من حيث لوازمه ، فتدبره ، فإنه حقيق به.

__________________

(١) في الأصل : فهي ، والصحيح ما أثبتناه.

١١٦

ومن المعلوم أنّ هذا الوجه لا يجري إلاّ فيما كان بين الموضوع والمحمول هذا النحو من الاتحاد ، لا كلّ جزء وكلّ.

٦١ ـ قوله [ قدس سره ] : ( انه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمّى ... الخ ) (١).

لا يذهب عليك : أن إشكال تبادل أجزاء ماهية واحدة ، إنما يرد إذا لوحظت الأجزاء معينة ، لا مبهمة ، والابهام غير الترديد ، فلا يرد عليه لزوم كون معاني العبادات نكرة.

فلو أرجعنا هذا الوجه إلى ما وجهنا به الجامع ـ من الوضع لسنخ (٢) عمل مبهم بمعرّفية كذا وكذا بزيادة ( معظم الأجزاء بنحو الإبهام ) ـ لما ورد عليه شيء ، إلاّ صدق الصلاة الصحيحة على فاقد المعظم فضلا عن صدق مطلقها.

٦٢ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وفيه أنّ الأعلام إنما تكون موضوعة للأشخاص ... الخ ) (٣).

إن قلت : لا ريب في أن زيدا ـ مثلا ـ مركب من نفس وبدن ، وأعضاء ولحوم وعظام وأعصاب ، فهو واحد بالاجتماع طبيعيا ، لا صناعيا كالدار ، وليس بواحد بالحقيقة ، فهناك بالحقيقة وجودات. ووحدة جسمه بالاتصال لا تجدي إلا في النموّ والذبول ، لا في نقص يده ورجله واصبعه وغير ذلك. وجعله لا بشرط بالإضافة إلى أعضائه مشكل ، فان ذلك الواحد ـ الذي هو لا بشرط ـ إما نفسه فقط فيشكل ـ حينئذ ـ بأن زيدا من المجردات ، أو مع بدنه فأيّ مقدار من البدن ملحوظ معه؟

__________________

(١) الكفاية : ٢٦ / ٤.

(٢) في الأصل : ( نسخ .. ).

(٣) الكفاية : ٢٦ / ١٢.

١١٧

قلت : ليس المراد من البدن ـ الملحوظ مع النفس ـ جسمه بما له من الأعضاء ، بل الروح البخاري الذي هو مبدأ الحياة السارية في الأعضاء ؛ فانه مادة النفس ، وهو الجنس الطبيعي المعبّر عنه بالحيوان ، وهو المتّحد مع النفس اتّحاد المادّة مع الصورة ، كما أنّ هذا الروح البخاري متّحد مع الأعضاء ، فإنّها مادّة إعدادية لحدوث الروح البخاري.

فظهر : أن الموضوع له هو النفس المتعلّقة بالبدن ، وتشخّص البدن ووحدته محفوظ (١) بوحدة النفس وتشخّصها ؛ إذ المعتبر مع النفس مطلق البدن. وكذا الأمر في النباتات ـ أيضا ـ فإنّ تشخّصها بتشخّص القوّة النباتية ، فالجسم ، وان لم يبق ـ بما هو جسم ـ لكنه باق بما هو جسم نام ببقاء القوة النباتية. فالتسمية مطابقة للواقع ونفس الأمر ؛ حيث إن المادّة ـ وما يجري مجراها ـ معتبرة في الشيء على نحو الإبهام ؛ إذ شيئية الشيء بصورته لا بمادّته.

ومما ذكرنا ظهر : أن وضع الأعلام ـ على الوجه المقرّر في المقام ـ لا يوجب أن يكون زيد من المجرّدات ، كما يوهمه كلام بعض الأعلام. نعم إنما يلزم ذلك إذا قيل بوضعها للنفس مع قطع النظر عن تعلّقها بالبدن.

والتحقيق : أن الأمر في الوحدة وإن كان كذلك ، إلاّ أن وضع الأعلام مما يتعاطاه العوامّ ، ولا يخطر ببالهم ما لا تناله إلاّ أيدي الأعلام ، وظني أن وضع الأعلام ـ على حدّ ما ذكرناه سابقا ـ من الوضع لهذه الهوية الممتازة عن سائر الهويات ، مع الإبهام من سائر الجهات.

٦٣ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إنّ ما وضعت له الألفاظ ... الخ ) (٢).

مبنى هذا الوجه على الاكتفاء بجامع الصحيحي ، لا بيان الجامع للاعمّي ، فلا يرد عليه غير ما يرد على الصحيحي.

__________________

(١) كذا في الأصل والصحيح : .. محفوظان ..

(٢) الكفاية : ٢٦ / ١٩.

١١٨

نعم ، يمكن أن يورد عليه : بمنافاته لغرض الأعمّي على أيّ حال ؛ إذ لو لم يصل الاستعمال إلى حدّ التعيّن ، كان الظهور الاستعمالي في الصحيح حجة. فالأعمّي كالصحيحي ، ولو وصل إليه لزم الاشتراك اللفظي. والالتزام بهجر المعنى الصحيح ـ مع أنه أولى بالصدق ـ باطل.

٦٤ ـ قوله [ قدس سره ] : ( وفيه أنّ الصحيح ، كما عرفت في الوجه السابق ... الخ ) (١).

مع أن المسلّم ـ في أمثال المقادير والأوزان ـ صدقها على الناقص بيسير ، لا على الناقص بكثير ـ كما فيما نحن فيه ـ فالدليل ـ على فرض الصحة ـ أخصّ من المدّعى.

٦٥ ـ قوله [ قدس سره ] : ( إنّ ثمرة النزاع إجمال الخطاب على قول ... الخ ) (٢).

تحقيق القول في ذلك : أن ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري ـ قدّس سرّه ـ في ثمرة النزاع ، هو إجمال المسمّى على الصحيح ، وإمكان البيان على الأعمّ (٣).

وربما يورد عليه : بأن إمكان البيان ذاتا مع امتناعه فعلا عنده (قدس سره) ـ لذهابه إلى ورود مطلقات العبادات في غير مقام البيان ـ لا يمكن أن يقع ثمرة للخلاف في المسألة الاصولية ، وهو موجه لو كان الامر كذلك عند الجميع ، وفي جميع المطلقات ، أما لو لم يكن كذلك ـ كما هو واضح ـ فلا مانع من جعله ثمرة ، كما هو الشأن في جميع موارد تأسيس الأصل.

بل الذي ينبغي أن يورد عليه : هو أن إجمال المسمى مستند إلى عدم الطريق إلى ما وضع له لفظ الصلاة مثلا ، لا إلى الوضع للصحيح ، وإلا

__________________

(١) الكفاية : ٢٧ / ١٧.

(٢) الكفاية : ٢٨ / ٥.

(٣) مطارح الأنظار : ٩.

١١٩

فالموضوع له بنفسه مجمل على الأعم أيضا ، وإن كان مبيّنا ـ من حيث الصدق ـ كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ فجعل إجمال المسمى من آثار الوضع للصحيح غير صحيح.

كما أن إمكان البيان ـ سواء اريد منه إمكان قيام المولى مقام البيان ، أو إمكان إحراز مقام البيان ـ معناه سلب ضرورة الطرفين ، وهو مستند إلى عدم ما يوجب الاستحالة أو الوجوب ، لا إلى الوضع للأعم. ومنه ظهر حال جعل الثمرة الاجمال وعدمه.

وأما ما يورد على دعوى الاجمال على الصحيح : بأن الأخبار البيانية ـ بعد ما وردت في مقام بيان مفهوم الصلاة ، مع علم المولى بإجمال مفهوم الصلاة ـ فحينئذ كل جزء أو شرط شك في اعتباره يرجع في دفعه باطلاق (١) كلامه ، فهذه مقدمات القطع بأن المأمور به هي هذه الامور المبيّنة ، من دون حاجة إلى أصل ينفي المشكوك ؛ ليقال : إنه دليل الاجمال حتى بالنظر إلى الأخبار.

فمدفوع : بأنه نظير الاشكال على إمكان البيان ، وقد سمعت جوابه ، وهو : أن الطرفين في مقام تأسيس الأصل ، وهو إنما يكون لغوا لو كانت العبادات جميعها عند الجميع مبيّنة بالأخبار البيانية ، وأما لو لم تكن كذلك ـ كما هو ظاهر ـ فلا إشكال.

فالتحقيق في بيان الثمرة : أنه لا ريب في أنّ إحراز الوضع للأعمّ ـ بضميمة العلم بأن ما بأيدينا من أفراد مطلق الصلاة ـ يوجب العلم باتحاد مفهوم الصلاة حقيقة مع هذا الفرد ، فيصح التمسك بإطلاقها عند اجتماع الشرائط. ومن الواضح انتفاء العلم بالاتحاد بانتفاء أحد جزئي العلة ، وهو إحراز الوضع للاعمّ ـ سواء أحرزنا الوضع للصحيح ، أو لم نحرز شيئا من الأمرين ـ فالشاك في

__________________

(١) كذا في الأصل : والصحيح : .. إلى إطلاق ..

١٢٠