🚖

مصادر الوحي وأنواعه في القرآن الكريم

الدكتور ستار جبر حمّود الأعرجي

مصادر الوحي وأنواعه في القرآن الكريم

المؤلف:

الدكتور ستار جبر حمّود الأعرجي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
ISBN: 978-600-5213-78-2
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وهكذا كانت تلك الرؤيا صادقة كفلق الصبح ، حيث كشفت له صلى‌الله‌عليه‌وآله عن مصير هذه الأُمّة بعده ، وإن من سمّاهم النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه طلقاءَ ، وميّزهم بسهم المؤلّفة قلوبهم ، لكي لا تضعهم الأُمّة إلّا بالموضع الذي وضعهم فيه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا تمنحهم اسماً آخر غير ( الطلقاء ) .. سيصبحوا وشيكاً على طبق تلك الرؤيا ( أُمراء المؤمنين ) !! ليردّوا الناس على أعقابهم القهقرىٰ.

وفي هذه الرؤيا والتي سبقتها دلالة أُخرىٰ على أنّ الرؤيا النبوية جزء من الوحي ، خصوصاً وانّهما كانتا من جملة نصوص الوحي المنزل عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ويذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الأحاديث الواردة بالقطع على صحّة رؤيا الأنبياء عليهم‌السلام لا تكفي وحدها للقطع بأنها من الوحي. فالشريف المرتضى والشيخ الطوسي يشترطان لذلك أن تكون الرؤيا مسبوقة بوحي في اليقظة بالأمر باتباع ما سيرد في الرؤيا ، واستدلا على ذلك في الحديث عن رؤيا إبراهيم عليه‌السلام أنّه سيذبح ولده بأنّه لو لم يأمره الله تعالى في اليقظة بواسطة الملك مثلاً لما جاز لإبراهيم عليه‌السلام أن يعمل بما كان في الرؤيا التي رآها (١).

الصورة الثانية ـ الوحي بواسطة المَلَك :

يُستفاد من مجموعة الآيات الكريمة التي تتطرق إلى نزول القرآن الكريم كقوله تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ... ) (٢) ، وقوله تعالى : ( ... مَن كَانَ عَدُوًّا

________________

٤١١ ـ ٤١٢ ، وتفسير العياشي ٣ : ٥٧ ـ ٥٨ / ٢٥٣٧ و ٢٥٣٩ و ٢٥٤٣ ، ومجمع البيان ٦ : ٥٤٨.

(١) انظر : أمالي المرتضى ٢ : ٣٩٤ ، والتبيان ٨ : ٥١٦.

(٢) سورة الشعراء : ٢٦ / ١٩٣.

١٦١

لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ... ) (١) وقوله تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) (٢) يستفاد أن القرآن الكريم أوحي جميعه بهذه الصورة المُعبّر عنها بإرسال الرسول الملكي جبريل عليه‌السلام إليه ونزوله عليه بالوحي ، مما يؤكد أن هذا الوحي تمثلت فيه خصوصية الإيحاء من طريق التكليم والخطاب الشفوي من قِبَل الملَك إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ناقلاً إليه كلام الله تعالى ، فدور الملك في هذه الصورة من الوحي متمثل في أنه يحمل التكليم الإلٰهي ويَبلَغه إلى النبي ، فيسمع النبي كلام الملك وحياً ، وهو يحكي كلام الله تعالى (٣).

وكما سبقت الإشارة ـ في موضوع الوحي إلى الأنبياء بإرسال الرسول الملكي ـ فإنّ هذا النوع من الوحي الذي أُوحي القرآن من خلاله سمي بالوحي الجلي لما تتوافر فيه من عناصر رؤية الملك وسماعه ودرجة اليقين المصاحبة وغيرها من الأمور التي ستتضح من خلال البحث في هذه الصورة.

كما سبقت الإشارة أيضاً إلى أن القرآن الكريم يعبر عن ملك الوحي بعدة صيغ تتمثّل في : جبريل عليه‌السلام والروح القدس والروح الأمين والرسول الكريم ... .

أوّلاً ـ أشكال الوحي بواسطة الملك :

ويتّخذ الوحي عن طريق المَلَك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عدّة أشكال تبعاً للصورة التي يأتيه بها ويُلَقِّنهُ الوحي الإلٰهي ، ويمكن إجمال هذه الأشكال في الآتي :

________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ٩٧.

(٢) سورة التكوير : ٨١ / ١٩ ـ ٢٠.

(٣) القرآن في الإسلام / الطباطبائي : ١٠٩.

١٦٢

١ ـ مواجهة جبريل عليه‌السلام للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في صورته الملكية الحقيقية التي خلقه الله عليها ، وقد أشار القرآن الكريم إلى حصول ذلك مرّتين.

الأُولى : في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ... ) فقد ذكر الطبرسي ما روي عن مجاهد وقتادة والحسن أنّهم قالوا : رأى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله جبريل على صورته التي خلقه الله عليها حيث تطلع الشمس وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق (١).

والأُخرى : في ليلة المعراج ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ) إلى قوله تعالى : ( لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) (٢).

وعن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام ( ت ١٤٨ هـ ، ٧٦٥م ) وصف ما رآه صلى‌الله‌عليه‌وآله بالآيات الكبرى يعود إلى رؤيته صلى‌الله‌عليه‌وآله لجبريل في صورته الملكية ، ففي تفسيره للآية يقول الإمام عليه‌السلام : « رأى جبريل على ساقه الدُرّ مثل القطر على البقل ، له ستمائة جناح قد ملأ بين السماء والأرض ... » (٣).

وقد نقل القُمي أبو الحسن علي بن إبراهيم ( ت بعد ٣٠٧ هـ ، ٩١٩م ) ذلك في تفسيره أيضاً (٤).

________________

(١) مجمع البيان / الطبرسي ١٠ : ٤٤٦.

(٢) سورة النجم : ٥٣ / ١٣ ـ ١٨.

(٣) التوحيد / الصدوق ( أبوجعفر محمد بن بابويه ت ٣٨١ هـ ، ٩٩١م ) : ١١٦ ، دار المعرفة ـ بيروت.

(٤) تفسير القمي ٢ : ٣٣٨ تحقيق السيد طيب الموسوي الجرائري ، مطبعة النجف ( ١٣٨٦ هـ ).

١٦٣

٢ ـ تمثّل المَلَك في صورة بشرية :

ويستفاد من الروايات الكثيرة الصريحة بذلك أن تَمثُّل الملك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في صورة بشرية كان على حالتين :

الأولى ـ تمثّله في صورة شخص معروف للنبيّ والصحابة :

وقد حدّدته الروايات بأنّه دحية الكلبي ( ت نحو ٤٥ هـ ، ٦٦٥م ) وهو رسول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قيصر الروم. فقد قيل أنّه كان من أحسن الناس صورة ، وأن جبريل كان يتمثّل في صورته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) وأنّ النبيّ كان يراه عليها وكذلك الصحابة ، قال العلّامة الطبرسي : « وإن جبرئيل عليه‌السلام ظهر لأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في صورة دحية الكلبي » (٢) ، وروى ذلك عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره وحدّده في مسير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بني قريضة (٣) ، إلّا أن الصحابة لا يعلمون أنّه جبريل. وقد رآه أمير المؤمنين الإمام عليّ صلوات الله وسلامه عليه في تلك الصورة في مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) وكذلك في غزوة الأحزاب (٥). وهذه الصورة يستفاد أنها تكرّرت كثيراً في نزول جبريل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله اعتماداً على أنّ الصورة الأولى وهي نزوله في صورته الحقيقية لم تحدث إلّا مرّتين.

________________

(١) التبيان / الشيخ الطوسي ٤ : ٨٣ ، ومجمع البيان ٢ : ٢٣٤ ، و ٤ : ١٤ ، و ٨ : ١٤٨ ، وجوامع الجامع له أيضاً ١ : ٥٥٤.

(٢) مجمع البيان ٤ : ٤٧٩.

(٣) تفسير القمّي ٢ : ١٨٩.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ : ٧٠.

(٥) تفسير فرات الكوفي : ١٧٤ / ٢٢٦ (٢٨).

١٦٤

الثانية ـ تمثّله في صورة بشرية غير معروفة :

ويفهم ذلك من خلال الروايات الواردة عن ( فترة الوحي ) التي تأخّر فيها عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد إخباره له باختياره للنبوة. فقد روى ابن هشام في السيرة أن هذه الرؤية كانت بعد نزول آية ( اقْرَأْ ) من سورة العلق في غار حراء بينما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نائماً. يروي ابن هشام أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « ... فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : فوقفت أنظر إليه فما أتقدم أو أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ... فلا أنظر في ناحية منها إلّا رأيته كذلك ... » (١).

وقد نقل الطبرسي هذه الرواية بنفس الصيغة ولكنها خلت من الإشارة إلى كونه في صورة رجل (٢).

٣ ـ أن يَنفُثَ المَلَك جبريل عليه‌السلام الوحي في رُوع النبي ( وعَبَّر عن ذلك بقلبه أيضاً ) نفْثاً ، وفي هذه الحالة فإنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يحُسّ أن معنى جديداً لم يسبق حدوثه له قد وعاه قلبه وعقله ، وهذه الحالة تنعدم فيها المواجهة بين الملك والرسول فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يرى الملك ولا يسمع صوت الوحي وإنّما يجد تلك المعارف في نفسه ، ويعلم أن الملك نفثها في رُوعِه ، قد عبر بعض الباحثين عن هذه الحالة بأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها ( يتلقى عِرفاناً يقينياً بغير صوت ) (٣).

________________

(١) سيرة ابن هشام ١ : ٢٥٣.

(٢) اُنظر : مجمع البيان / الطبرسي ١٠ : ٣٨٤.

(٣) تاريخ القرآن / الصغير : ٣٥.

١٦٥

وما يؤكّد ويفصل هذه الحالة من الوحي ما رواه ثقة الإسلام الكليني في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي الثقة ، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال : « خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع فقال : يا أيّها الناس والله ما من شيء يقربكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه ، ألا وأنّ الروح الأمين نفث في رُوعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها ، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه ، فإنّه لا يدرك ما عند الله إلّا بطاعته » (١).

من خلال هذه الرواية وربطها مع معاني الآيات التي أشارت إلى نزول المَلَك بالوحي على قلبه صلى‌الله‌عليه‌وآله يمكن أن نفهم أن الوحي النازل على قلبه هنا نوعان :

ـ فمنه ما هو نص يبلغ كما هو لا تغيير فيه ، وهو ما يكون ضمن النص القرآني.

________________

(١) أصول الكافي ٢ : ٧٣ / ٢ باب الطاعة والتقوى من كتاب الإيمان والكفر ، وفروع الكافي ٥ : ٨٠ / ١ باب الإجمال في الطلب من كتاب المعيشة ، وفي ٥ : ٨٣ / ١١ من الباب السابق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر عليه‌السلام نحوه ، وفيه : ( روح القدس ) مكان ( الروح الأمين ) ، وفي ٥ : ٨٠ / ٣ من الباب السابق ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبيه ، عن أحدهما عليهما‌السلام نحوه ، وكتاب التمحيص / الإسكافي محمد بن همام : ٥٢ / ١٠٠ عن الثمالي كما في رواية الكافي الأولىٰ ، ومثله في تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي ٦ : ٣٢١ / ٨٨٠ (١) باب (٩٣) ، وتحف العقول / ابن شعبة الحرّاني : ٤٠ ، وعوالي اللآلي / الأحسائي ٣ : ٢٠٢.

١٦٦

ـ ومنه ما يمكن التصرف فيه بالتعبير عنه مما لا يدخل ضمن النص القرآني الكريم كهذه الحالة التي رواها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في الرواية السابقة.

هذا .. وهناك روايات أُخرى في اشكال وحي الملك (١) ، وقد أعرضنا عنها لعدم وجودها في تراث أهل البيت عليهم‌السلام ، مع اختصاص العامة بروايتها ، فضلاً عمّا فيها من تساؤلات وإشكالات.

ثانياً ـ ملامح الوحي الملكي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

بإنعام النظر في ما يحيط بالوحي المحمدي وما يحمله من خصوصية متعددة العناصر نستشف ملامح علاقة خاصة بين المُوحي وهو الله تعالى والمُوحىٰ إليه وهو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وواسطةُ الوحي جبريل عليه‌السلام. هذه الملامح المتعددة تشكل سمات مميزة تطبع الوحي المحمدي القرآني بطابع خاص يميزه عن كل وحي سابق عليه ، وهذه الملامح الرئيسية يمكن إجمالها في الآتي :

١ ـ تأكيد القرآن غالباً إجمالاً أو تفصيلاً على هذه الأبعاد الثلاثة المكونة لمعادلة الوحي : المُوحي ، والمُوحىٰ إليه ، والواسطة. وهذه الأبعاد لاتزيد ولكنها قابلة لفقدان أحد أطرافها وهو في كل الحالات الواسطة فقط وذلك حين يكون الوحي بطريق الإلهام والقذف في القلب مباشرة منه تعالى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فنحن في الوحي المُلقى بواسطة جبريل نلمس دائما دلائل مُبَيِّنة لمصدر الوحي ، حيث أن الملك يتلقى الوحي من الله تعالى ـ بالوحي إليه أيضاً أو

________________

(١) اُنظر : سيرة ابن هشام ١ : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ، ومدارج السالكين / ابن قيم الجوزية ١ : ٣٩ ، وصحيح البخاري ١ : ٦.

١٦٧

بتَسَلُّم من اللوح المحفوظ كما ترد الإشارات إلى ذلك ـ ويلقيه إلى النبي الذي يؤدّيه بدوره إلى المكلفين من الناس.

٢ ـ إنّ هذا الوحي بكلّ ما يتعلّق به من أحوال تُميّزه كظاهرة ، أمر خارجي يطرأ على النبيّ لم يسبق له أن تَلَمَّسَه ، فهو بعيد عن إدراكاته النفسية وليس بأمر داخلي أحسّه النبيّ في نفسه باعتبارها مصدر أفرز تلك التعاليم والمعارف.

فهذا الوحي كان ( حقيقة خارجية مستقلّة عن كيان النبي النفسي ) (١) وليس كما يحاول بعض المبطلين أن يصوره عرفاناً داخلياً صادراً عن نفسه ومعارف أفضى بها صفاؤه النفسي وانفعالاته الداخلية التي سمت فوق مستوى عصره.

فهذه الظاهرة لم يكن للنبي تَحَكُّم في عناصرها ولا قدرة على إيجادها فكان الوحي ينقطع عنه أحياناً حتى يطول انقطاعه ويترى أحياناً في دفق مستمر حتى كان يأتيه في أحوال وظروف مختلفة يَقِظاً ونائماً ليلاً أو نهاراً منفرداً أو مع أصحابه.

٣ ـ إنّنا نجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يتلقّى الوحي متحفّزاً بكلّ وجوده لعملية التلقي نجده مخاطباً مأموراً مُطيعاً يتلقى دون أن يكون له دور في تغيير ما يُلقى إليه ، ولا في تحديد لطريقة الإلقاء ، ولا يصدر عنه أي تصرف في عناصر هذا الوحي. فكل ما له من دور هو أن يَتَلقى. والمُوحي هنا قوة مسيطرة مهيمنة على مدرِكات النبي وأحواله النفسية ، والنبي شخصية متلقية ليس

________________

(١) تاريخ القرآن / الصغير : ٢٢.

١٦٨

عليها سوى تبليغ ما أُلقي إليها.

٤ ـ ما لوحظ على ظاهرة الوحي من أحوال ظاهرية جسدية مصاحبة تظهر على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عبر عنها المفسرون والمؤرخون بالشدة التي يعانيها صلى‌الله‌عليه‌وآله من التنزيل كتفصده صلى‌الله‌عليه‌وآله عرقاً ونحو ذلك من أحوال مصاحبة لعملية الوحي يرى فيها بعض المفسرين توضيحاً وشرحاً لما ورد في قوله تعالى : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) (١) ، حيث أرجعوا هذا الثقل إلى ما يلاقيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من عناءٍ جرّاء تلقّيه الوحي من الملك.

وذهب مفسرون آخرون إلى آراء أخرى عديدة في تفسير هذا الثقل تضمنتها كتب التفسير (٢) لا مجال للخوض فيها في هذا البحث.

والحقيقة أن هذه المظاهر الخارجية هي العلائم الوحيدة التي تقع ضمن حدود الإحساس من قبل الصحابة إذ لم يكن لهم من دليل يحدّد الوقت الذي يأتي فيه الوحي إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا ما كانوا يرونه عليه من تلك الآثار الخارجية الظاهرة. فلم يرد في كتب التاريخ أو التفسير أية شهادة لصحابي مطلقاً بأنه شاهد الملك أو سمع صوته وهو يوحي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليس هناك إلّا ما كانوا يرونه من تلك الآثار إلّا ما كان عن أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام الذي شكل استثناء عن الصحابة في ذلك.

ورد في النهج الشريف من خطبة له عليه‌السلام يقول فيها : « ولقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره

________________

(١) سورة المزمل : ٧٣ / ٥.

(٢) انظر : في ذلك مثلاً : جامع البيان ٢٩ : ٨٠ ، والكشاف ٤ : ١٧٣ ، ومجمع البيان ١٠ : ٣٧٧ وغيرها.

١٦٩

وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه. ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم علماً من أخلاقه ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري وغير خديجة ، ولم يُجمع بين واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة عليها‌السلام وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزول الوحي عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذه رنّة الشيطان ، قد آيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ ، وإنّك لوزير وإنّك لعلى خير » (١).

وقال عليه‌السلام : « كنت أسمع الصوت ، وأبصر الضوء سنين سبعاً ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صامت ما أذِن له في الإنذار والتبليغ » (٢).

وهذه الشدّة وما تفرزه من مظاهر خارجية على ملامح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما هي من آثار اختراق الحجاب بين العالمين المختلفين اللّذَيْنِ التقيا في عملية الوحي : عالم الملائكة وعالم البشر. وهذه الحالة يرى فيها بعض الباحثين نوعاً من تلقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لموجات ذات طبيعة خاصّة (٣).

إنّ هذه الطبيعة الخاصّة تتمثّل في ما تتضمّنه ظاهرة الوحي من خصوصية الإلقاء في سرعة وخفاء.

فإذا تصورنا عملية إلقاء كَمٍّ هائل من المعارف في لمح خاطف بطريقة

________________

(١) نهج البلاغة : ١٨٢ الخطبة رقم (١٩٠) بشرح الشيخ محمد عبده.

(٢) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد المعتزلي ١ : ١٥ ، وبحار الأنوار ٣٨ : ٢٥٤.

(٣) الظاهرة القرآنية / مالك بن نبي : ١٧٩.

١٧٠

خفية تختص بمن يتلقاها وتتطلب وَعيا واستعدادا خاصا يختص به النبي ليجد كل تلك المعارف مائلة في إدراكه النفسي لَسَهُلَ علينا تصور مثل تلك الآثار الظاهرة عليه هذه الآثار يسميها بعض المفسرين ببَرْحاءُ الوحي (١) وهي من وجه آخر إنّما تنتج من حالة تلقي الرسول عن الملك بما يتطلب منه تجرداً عن حدود إدراكاته البشرية العادية ويُعَبّرون عن هذه الحالة باستغراق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في لقاء الملك الروحاني (٢).

إذن فإنّ التغاير بين الطبيعَتَين اللتَين ينتمي إليهما كل من المَلَك والنبي تُمثِّل سبباً رئيسياً في بروز تلك الآثار الخارجية على مظهر النبيّ البدني كتفصده عرقاً ونحو ذلك.

ولإتمام هذا اللقاء بين الطبيعتين المتغايرتين فإنّ بعض الباحثين يرى أنه يُستوجَب أحد أمرين تتعلق بها تلك الظواهر الخارجية وهما (٣) :

أ ـ إمّا أن يتّصف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بوصف ملك الوحي باستثارة الروحانية فيه وتقويتها وتغليبها على الأوصاف البشرية.

ب ـ وإمّا أن يتّصف ملك الوحي بوصف النبيّ البشري ، فتتغلّب عليه الأوصاف البشرية ومجمل القول في هذه الآثار أن حالة الشدة في التلقي لا تتعدّى في تأثيرها أحوال النبي الجسدية ، فنحن نجده وهو يتلقى الوحي ( يتمتّع بحالة عادية وبحُرّية عقلية ملحوظة من الوجهة النفسية بحيث يستخدم ذاكرته استخداماً كاملاً خلال الظاهرة نفسها ... وهذا التلازم بين

________________

(١) الميزان ١٥ : ٣١٧.

(٢) مناهل العرفان : ٥٧.

(٣) نبوة محمد في القرآن / حسن ضياء الدين عتر : ١٩٤.

١٧١

الحالة العضوية ( الشدّة في التلقّي ) والوحي الذي هو ظاهرة نفسية يمثل الطابع الخارجي المميز للوحي ) (١).

فرغم ما في تلقّي الوحي من شدّة نجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يتمتّع بِتَحفُّز نفسي وصفاء إدراكي متجرّد عن كلّ ما يخدش مرآة نفسه الصقيلة المستعدّة لتلقّي الوحي ، ونجده في النهاية وبعد أن تمرّ به الظاهرة صفحة بيضاء طُبِعَت فيها نصوص الوحي على أجلى صورة يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد حالة مواجهته الملك أثناء نومه في حراء « ... فهَبَبْتُ من نومي فكأنها كُتِبَت في قلبي كتاباً » (٢).

وختاماً لهذه المسألة وبملاحظتنا ما روي من روايات تصور عملية بدء الوحي وتكرّر حالاته طوال مدّة نزوله لا نجد على الإطلاق أية إشارة إلى أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وَجَد أثناء تلقّيه للوحي حالة ضعف جسدي أو هبوط في مدركاته النفسية التي يتسلّح بها في تلقّيه للوحي تصل إلى الدرجة التي حاول بعض الباحثين وخصوصاً من المستشرقين تصويرها.

٥ ـ إنّ مَلك الوحي بقي ملازماً للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله متابعاً لما أوحاه إليه يستعيده معه ويتدارسه ، وكانت عملية مراجعة النص المُوحى تتم مرّة كلّ سنة في شهر رمضان ، حيث يأتيه مرّة كلّ ليلة كما تشير الرواية الواردة عن ابن عباس إذ يقول : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل ، وكان جبرئيل عليه‌السلام يلقاه في كلّ ليلة من رمضان فيُدارِسه القرآن » (٣).

________________

(١) الظاهرة القرآنية : ١٨٠ ( بتصرّف ).

(٢) سيرة ابن هشام ١ : ٢٥٢.

(٣) حلية الأبرار / السيد هاشم البحراني ١ : ٢٩٥ / ١ باب (٣٧).

١٧٢

وهذه المدارسة للوحي ومتابعة نزوله وحفظه إنّما تتم ضمن إطار تعهده تعالى بحفظ هذا الوحي ( القرآن ) وإعانة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بتثبيته في قلبه وإعانته في جمعه بعد أن كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يحاول أن يتابع هذه الحالة بأقصى اهتمام ممكن ظهر جلياً حتى في أثناء تلقيه للوحي بترديده نصوص الوحي النازل مع الملك ، وهو ما نزلت الآية مصداقاً له وتعهداً بحفظه آمرةً للنبي أن يتفرغ كلية لعملية التلقي ويترك ما سوى ذلك لتسديده وعونه تعالى لكي لا تتشتّت جهوده إلى غير عملية التلقي قال تعالى : ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) (١).

وتأكد هذا الحفظ الإلٰهي لنصوص الوحي المعجزة بتعهّده بحفظه إلى يوم يبعثون قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٢).

٦ ـ إنّ جميع ما يتّصل بظاهرة الوحي من حيث أهمّ عناصره اللغوية كالخفاء والسرعة والإشارة والرمز وغيرها. كان هو صلى‌الله‌عليه‌وآله شخصياً يَعي ما يُراد منها وعيا كاملاً. كلّ هذه الأُمور تدلّ دلالة واضحة على أن هذا الوحي إنّما كان كلاماً سماوياً غير مادي ، وليس للحواس الظاهرية والعقل أن تصل إليه ، وإن إدراك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله له تمثل في قوى ربانية خاصة تتصل بالعصمة أمَّنَتْ له الاصطفاء من بين الناس وإدراك تلك الأوامر الإلهية والدستور الغيبي التي تلقى من خلالها شريعته التي كُلِّف بتبليغها.

فالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتلقّى الوحي من الملك ويدرك وجوده ويسمعه ويراه ولكن ذلك كلّه لم يكن بالأدوات الحسية الظاهرية كما هو الحال مع كل بشر

________________

(١) سورة القيامة : ٧٥ / ١٦ ـ ١٨.

(٢) سورة الحجر : ١٥ / ٩٨.

١٧٣

يمتلك الأدوات نفسها وإنّما كانت نفسه القدسية الشريفة تتلقى ذلك الوحي. ولو كانت حواسه المادية هي المتلقية لكان كلّ ذلك ( مُشترك بينه وبين غيره ولكان سائر الناس ممن معه يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه ) (١) وقد سبق أن نتج لدينا أن مثل هذا لم يكن ولم يرد ما يُثْبِتُه بحقّ أحد من الصحابة سوى عليّ عليه‌السلام.

فهذا التفاوت بين إدراك النبيّ وغيره ممن يحضره عائد في الحقيقة إلى الاختلاف في القوة المُدرِكة نفسها وليس للأدوات الحسية التي تهيّئ لانعكاس المُدرَك في النفس ، فالنفس الإنسانية واحدة في الأصل والجوهر لكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلاً ( واصطفاء ) من قبل الله تعالى (٢).

الصورة الثالثة ـ الوحي الإلهامي :

هذه الصورة من الوحي هي ما عبّرت عنها الآية في سورة الشورى بقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا ... ) (٣).

وقد سبق بيان أنها من أعم وأكثر صور الوحي الوارد إلى الأنبياء عليهم‌السلام ، ويكون الوحي فيها كما يرى الجُبائي تنبيه خاطر وما أشبه ذلك على سبيل الوحي ، بمعنى ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء ، فليس بكلام وإنّما هو على سبيل الإفصاح وليس إفصاحاً (٤).

ويكاد المفسرون يُجمعون على أن الوحي بهذا المعنى وحي إلهامي إذ فسروه بأنه ما يكون بالإلهام والقذف في القلب كما يعبر الزمخشري

________________

(١) الميزان ١٥ : ٣١٨.

(٢) تاريخ القرآن / الصغير : ١٩.

(٣) سورة الشورى : ٤٢ / ٥١.

(٤) انظر : أمالي المرتضى ٢ : ٢٠٥.

١٧٤

عنه (١). وتحديده هنا بالقذف في القلب يستفيد معنى الخفاء في إلقائه ـ كسائر الوحي ـ مع خصيصة مميزة يختلف بها عن التكليم من وراء حجاب ووحي المَلك. فالوحي هنا عبارة عن : تكليم خفي من دون أن تتوسط واسطة بينه تعالى وبين النبي أصلاً (٢).

ويتأتى اليقين بمصدر الوحي في هذا الصورة بأنّه تعالى يخلق معه [ أي الوحي ] علم ضروري عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن هذا المعنى قد قذفه الله تعالى قطعاً (٣).

وهذه الصورة شبيهة بما يقذفه المَلَك في رُوع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في ضوء وحيه إليه ، إلّا أنهما تختلفان في المصدر المُوحي ، ففي الأولى يوحي تعالى إلى النبي مباشرة وفي الثانية يقوم المَلَك ـ الذي عبر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله بالروح القدس ـ في النفث في روع النبي ، فكان محل الاختلاف هو الواسطة وانتفاؤها.

فهذا الإلهام عنه تعالى يمثل عرفان يتلقاه النبي مباشرة عن الله تعالى دون أن تكون للنبي وسيلة في دفعه أو التحكم فيه أو توجيهه. فالنبي ليس إلّا صفحة ينطبع فيها ما يوحى به إليه ، فهو يحسّه ويعيه ويعلم أنّه علم جديد ليس له سابق عنده ، ويعلم أنّه من الله تعالى بعلم ضروري.

الصورة الرابعة ـ الوحي المباشر :

وذلك بأنّه تعالى أوحى إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله دون أي شكل من الوسائط.

ويستدلّ القائلون بهذه الصورة من الوحي بما في سورة النجم من قوله تعالى : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا

________________

(١) الكشاف ٣ : ٤٧٥.

(٢) الميزان ١٨ : ٧٣.

(٣) نبوة محمد في القرآن : ١٧٧.

١٧٥

أَوْحَىٰ ) (١) وسياق الآيات وما قبلها في السورة في مقام بيان ما كان للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة المعراج إلى السماوات ، فهؤلاء المفسرون يرون أنه تعالى كلم رسوله تلك الليلة فيما أشار إليه بقوله : ( فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ) بأن قربه تقريباً سقطت به الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة (٢).

والقائلون بهذا التفسير للآية من المفسرين يستندون في قولهم إلى أن المذكور في الآية من دنو وتدل ووحي كان بينه تعالى وبين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بلا واسطة (٣).

وأمّا طريقة هذا الوحي المباشر فقد قال عليّ بن إبراهيم القمّي فيه : إنّه كان وحي مشافهة (٤).

وهذه الصورة من الوحي بهذه الحدود التي انعدمت فيها الحجب والوسائط تعتبر أعلى مراتب الوحي على الإطلاق فتتجاوز ما كان من التكليم لموسى عليه‌السلام من وراء حجاب وتعلوه في المرتبة.

أقسام الوحي

ثبت في الوحي الملقى إلى الرسل والأنبياء عليهم‌السلام أنه كلام الله تعالى يوحي به إليهم ، وأن طريق ذلك هو تكليمه تعالى لهم بهذه الصور المختلفة المار ذكرها.

________________

(١) سورة النجم : ٥٣ / ٨ ـ ١٠.

(٢) الميزان ٢ : ٣٢٥.

(٣) انظر : التبيان ٩ : ٤٢٤.

(٤) تفسير القمّي ٢ : ٣٣٤.

١٧٦

وهذا الكلام الموحى به إلى الأنبياء عليهم‌السلام ينقسم إلى عدة أنواع من حيثيات مختلفة ، ويمكن إجمال ذلك في الآتي :

فالموحى به ينقسم من حيث ما يتعلّق بصياغته وألفاظه على قسمين (١).

قسم يوحى به على أنه كلام الله تعالى ، فلفظه ومعناه منه ، وما الملك والرسول إلّا واسطتين في تبليغه للناس ، ليس لهما أدنى تصرّف في زيادة أو نقصان أو تغيير وتبديل في ألفاظه. وهذا القسم يمثّله النصّ القرآني المجيد ، قال تعالى : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٢).

وقسم يوحى به على أنه تعليمات عليه تبليغها للناس ، كمفاهيم يشيعها النبيّ فيهم ويعبّر عنها بلفظه هو ، وتبقى مفاهيمها كاملة لا يعتريها نقص أو زيادة وما على الرسول إلّا صياغتها في قالب ألفاظه هو صلى‌الله‌عليه‌وآله. فهي وحي منه تعالى لا يأتي به الرسول من عنده كما قال تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (٣) ويتمثّل ذلك في الأثر النبويّ الشريف.

________________

(١) انظر : محاضرات في النصرانية / محمد أبو زهرة : ١٠٥ ، وتاريخ القرآن / الصغير : ٢٩.

(٢) سورة الحاقة : ٦٩ / ٤٤ ـ ٤٦.

(٣) سورة النجم : ٥٣ / ٣ ـ ٤.

١٧٧

المبحث الثالث

خصائص الوحي المحمدي ومبادئه

من خلال عرض القرآن للوحي المحمدي إجمالاً وتفصيلاً ومسيرة هذا الوحي وما يمثّله في إطار الوحي الإلٰهي عموماً ، وما يتضمّنه من عناصر تخصّه كظاهرة أو تفيض عنه كمفاهيم راسخة في الفكر الديني والعقائد الإنسانية عموماً ، يمكن أن نتلمّس جملة من الأمور تشكّل خصائص ينفرد بها الوحي المحمدي عن غيره من الوحي يتعلّق بعضها بهذا الوحي كظاهرة من حيث إلقاؤه ويتعلّق بعضها الآخر بما جاء به من مفاهيم ومعارف وعقائد وشرائع.

وهذه الأُمور هناك ما يرتبط بها ويُكمّلها مما سبق بيانه في موضوع ملامح الوحي بواسطة المَلَك.

ونورد هنا من تلك الخصائص والمبادئ ما نجمله في :

١ ـ إنّ الوحي المحمدي استجمع كافّة الصور التي أوحي بواسطتها إلى الأنبياء السابقين عليهم‌السلام ، وتكرّرت فيه صور الوحي ، فلم ترد صورة فيه إلّا وكانت لنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله ما يماثلها أو يفوقها مرتبة فأوحي إليه إلهاماً وقذفاً في الروع ، كما أوحي إليه مناماً ، وكُلّم بواسطة الملك ، كما كُلّم دون وسائط ولا حجب وهي أعلى مراتب الوحي عموماً.

٢ ـ إنّ هذا الوحي متمثّلاً بالنصّ القرآني تميز من بين سائر صور وحي الأنبياء عليهم‌السلام وكتبهم بميزة فريدة سامية وهي الثقة واليقين بصدوره عنه تعالى ، وأنّه كلامه الذي أوحاه نصاً دون أن يصيبه أي تحريف كما حدث لغيره

١٧٨

من وحي الأنبياء عليهم‌السلام.

٣ ـ إنّ ما أُلقي فيه يمثّل معرفة تلقائية بحتة واطّلاع على غيبيات ومعارف ومفاهيم لم تكن تشغل تفكير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بل لم تكن قابلة للتفكير في إطار عقل بشري وحده لولا أن يكون الوحي طريقاً لإدراكها.

٤ ـ يقين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بإلهية الظاهرة التي يتعرّض لها. فمنذ اللحظة التي فاجأه فيها الوحي تمثّل هذا اليقين في ذهنه ، وأدرك أنّ كلّ ما يوحى إليه صادر عنه تعالى وأنّ الملك الذي يأتيه هو رسول من الله وجاء استمرار الوحي وتكراره مرّة بعد أُخرى مؤكّدا لهذا اليقين الذي رسّخ في نفسه الشريفة ، وكلّ ما خالف ذلك من روايات حول مبدأ الوحي لا سيما في صحيح البخاري فهو موضوع ومفترى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٥ ـ بالإضافة إلى أن هذا الوحي هو في ذاته معجزة في كونه ظاهرة تخرق نواميس الطبيعة من حيث الصلة الكاملة بالله تعالى في صور الوحي المختلفة ، فإنّه معجزة في نصه القرآني الذي تحدى به تعالى جبابرة العقول والبلغاء بالإتيان بمثل أي وجه من وجوه الإعجاز المتوافرة فيه من نظم وبلاغة وإخبار بالغيب ووجوه أُخرى للإعجاز.

٦ ـ إنّ الوحي المحمدي دعا إلى الإيمان بما سبقه من وحي ـ فيما حكاه القرآن نفسه لا فيما يدّعيه أصحاب الديانات ـ والتصديق بالرسل والأنبياء السابقين ، وجعل لازم عدم التصديق بهم التلبّس بالكفر والعصيان. وهذه الميزة توافرت عليها كتب الديانات السابقة ، إلّا أن أيدي التحريف امتدت إليها وعبثت بها فعادت الرسالات السابقة رسالات دعوات قومية تدعو إلى تمجيد من أُنزِلت فيهم أكثر من دعوتها إلى الله تعالى والهداية إلى سبيله.

١٧٩

٧ ـ إنّه المصدر الوحيد الموثوق الذي حفظ ذكر الوحي الإلٰهي وتواريخ الديانات السابقة بل ومفاصل مهمّة في التاريخ الإنساني ، وما كان للأنبياء السابقين مع شعوبهم وقدم للإنسانية صور من تاريخها لم يكن لها من طريق لولاه. بل إنّ نبوات كثيرة من الرسل والأنبياء لا تجد لها أساساً يثبت وقوعها لولا هذا الوحي.

٨ ـ إنّ الوحي المحمدي هو خاتم الوحي الإلٰهي مثلما كان دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو خاتم الأديان ، فلا وحي ولا نبوة بعده إلى قيام الساعة.

فهذا الوحي قَدَّم الصورة المتكاملة للدين الإلٰهي العام الذي انصهرت فيه كل الرسالات والأديان السابقة وتناهت إليه ، فعاد صورة للدين الكامل الذي بُعِثَت الرسل منذ آدم عليه‌السلام وحتى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من أجل الوصول إليه بهذا التدرج الذي انتهى عنده ، فختمت به الأديان وسيقف الناس ليحاسبوا بحسب ما جاء فيه من شرائع وموقفهم منها. قال تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١).

________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٨٥.

١٨٠