🚖

دراسة في تنبؤات نوستردامس

دراسة في تنبؤات نوستردامس

المؤلف:


المترجم: الدكتور شريف الدين
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مركز مكالمات وپژوهشهاى فلكى نجومى
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
الصفحات: ٤١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الخليج العربي

« ليلاً سيظهر قوسُ قَزَح قرب [ نانس ]

المهارات البحرية ستُنزلُ مطراً

وفي الخليج العربي فإن أسطولاً عظيماً سيتبعثر

في ألمانيا سيولد شرٌّ عظيم بسبب روسيا و [ تْروي ] »

السادس ـ ٤٤

( قوس قزح ) هو بمعنى النبأ العظيم أو العلامة الواضحة.

[ نانس Nantes ] هي مدينة وميناء غرب فرنسا عند مصب نهر ال‍ [ لوار Loire ] في المحيط الأطلسي.

وقد ذكر إسم الخليج العربي بهذا الإسم على خلاف المعهود والمألوف من جانب الغربيين من استعمال عبارة الخليج الفارسي للإشارة إليه.

أما ألمانيا فقد أشار إليها في النص الأصلي باسم

٣٤١

إحدى مقاطعاتها الكبيرة وهي [ ساكسونيا Saxony ] الواقعة شمال غرب ألمانيا حيث سكنت قبائل السكسون الجرمانية والتي هاجر عدد كبير منهم إلى الجزر البريطانيا فيما بعد.

[ تْروي Troy ] هو إسم لمنطقة قديمة في تركيا ( ويكون بذلك إشارة إلى تركيا القائمة اليوم ) حيث قامت حضارة قديمة جداً يعود تأريخها إلى ما يزيد على ٣٠٠٠ سنة ودارت حولها الملحمة الشعرية الشهيرة المعروفة بالألياذة والتي كتبها الشاعر اليوناني القديم ( هومر ). وقد اكتشفت آثار هذه المملكة من قبل رجل أثار ألماني نهاية القرن التاسع عشر. كذلك فإن ( تروي ) هو إسم لعديد من المدن في الولايات المتحدة الأمريكية لا يقل عددها عن اثنتي عشرة مدينة ( فتكون إشارة إلى أمريكا ، فهي بذلك أما أن يكون المقصود بها أمريكا أو تركيا وإن كانت تركيا هي الأرجح ).

إذن فنوستردامس يقول بأن أحداثاً هامة جداً سوف تشهدها فرنسا أو بالذات ميناؤها المعروف باسم [ نانس ] قرب مياه المحيط الأطلسي حيث تنزل عليها القنابل والصواريخ وألوان الدمار كالمطر المنهمر بواسطة قوات بحرية متطورة فنياً وعسكرياً والتي أشار إليها بعبارة المهارات أو الفنون البحرية.

٣٤٢

وسوف يشهد الخليج العربي تواجد الأساطيل البحرية الكثيفة ، وقد صار هذا أمراً مألوفاً لنا اليوم إذ أن الخليج العربي صار ساحة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ يأتونه متى ما شاؤوا ويعيثون به وبشعوبه فساداً كما يريدون ، هناك في الخليج العربي سيكون مصير أسطول عظيم بين الأساطيل أن يتناثر متخبّطاً وأن يتبعثر.

ثم أن شراً مخيفاً سيتولد في ألمانيا بسبب كل من روسيا وتركيا ( أو أمريكا ) وهو أمر لا علم لنا به الآن وهو ما ستكشف لنا عن كُنهه الأيام.

٣٤٣
٣٤٤

تونس والجزائر وايران

« سوف تُهاجَم فرنسا من خمسة أطراف بسبب إهمالها

تونس والجزائر يستشير هما الإيرانيون

[ ليون ] و [ أشبيليه ] و [ برشلونه ] سوف تسقط

ولن يمكن إنقاذُها بواسطة جيش ال‍ڤ‍ينيسيين »

الأول ـ ٧٣

[ ليون Leon ] هو إسم مدينة في أسبانيا ، كما أنه إسم يطلق على مدينة أخرى تقع في المكسيك وأخرى في نيكاراغوا. ونفس اللفظه ولكن بهجاء مختلف [ ليون Lyon ] هو الإسم الذي يطلق على ثاني أكبر مدن فرنسا بعد باريس ولكن ما جاء في النص هو الإسم الأول والظاهر أنه يقصد المدينة الأسبانية [ أشبيلية Seville ] ميناء أسباني ومدينة إسلامية عريقة التأريخ وفيها قصر شاهق بناه مسلموا الأندلس ويسمونه [ القصر Alcazar ].

[ برشلونه Barcelona ] ميناء ومدينة صناعية في

٣٤٥

أسبانيا وهي ثاني أكبر مدنها بعد العاصمة مدريد ، وفيها بقايا رومانية من القرن الرابع عشر ق. م.

[ ڤ‍نس Venice ] أو مدينة البندقية ، هي ميناء ومدينة مشهورة في إيطاليا وهي مُقامة على عدد كبير من الجزر يبلغ عددها حوالي المائة جزيرة صغيرة تربط بينها الجسور وتكثر فيها القنوات والممرات المائية التي تستعمل كطرق للمواصلات. وكان قد أنشأها الرومانيون الهاربون من هجوم وقع عليهم من الشمال ثم صارت جمهورية في القرن التاسع الميلادي وعندها صارت ولمدة خمسة قرون أقوى دولة بحرية أوروبية.

وجيش أهل ڤ‍نس هو الجيش الإيطالي ومن باب تسمية الكل باسم الجزء ، وإيطاليا هي من أعضاء حلف الناتو منذ تأسيسه في ٤ / ٤ / ١٩٤٩.

ونراه هنا وهو يقول بأن الإيرانيين سوف يستشيرون أهل تونس والجزائر ويحرّضونهم على ما يبدو للمشاركة في هذه الحملة التي ستشمل فرنسا وأسبانيا والتي سوف تتم على خمسة محاور ضد فرنسا لوحدها وبسبب من إهمالها وعدم التفاتها إلى ما يتبغي أن تلتفت إليه ، إنها عملية غزو عسكري ضخم للغاية وسوف يحاول الجيش الإيطالي وحلفاؤه من دول حلف شمال الأطلسي التدخل لحماية هاتين الدولتين العضوتين في نفس الحلف ولكن

٣٤٦

بدون جدوى لأن الخطب سيكون أعظم مما يمكن احتواؤه.

ويبدو أن نوستردامس يرى أنه سيكون للإيرانيين وللجزائر وتونس ومراكش وليبيا ومصر دوراً أساسياً ومهماً جداً في ثورة التغيير الكبرى القادمة وحروبها ، ولا ننسى عدد المرات التي ذكر فيها البرابرة ودورهم في إسقاط الهيمنة الاستكبارية العالمية القائمة اليوم بكل ما فيها من ظلم وحيف وتخريب ، وكما ذكرنا فإن عبارة البرابرة صارت تطلق على سكان الساحل البربري وهو في الأصل ساحل الجزائر وتونس ومراكش على البحر الأبيض المتوسط ، ثم صار الساحل البربري هو ساحل أفريقيا الشمالي كله ، ثم صارت عبارة البرابرة تطلق على العرب بصورة عامة ثم المسلمين بصورة خامة.

ايران تغزو

« مشعلٌ ملتهب سوف يُرى في السماء ليلاً

بالقرب من منبعِ ومصبِّ نهر [ الرون ]

مجاعةٌ وسلاح ، المعونة تأتي متأخرة جداً

إيران سوف تتحرك وتغزو مقدونيا »

الثاني ـ ٩٦

أشار إلى إيران باسمها القديم وهو بلاد [ فارس Persia ].

٣٤٧

[ مقدونيا Macedonia ] هي أرض واسعة تبلغ مساحتها حوالي ٢٦٠٠٠ كيلومتراً ، والجزء الأكبر منها وهو الشمالي يشكِّل المناطق الجنوبية من يوغسلاڤ‍يا الحالية ، أما الجزء الباقي من مقدونيا فهو داخل الحدود السياسية لدولة اليونان الحالية ، فهي إذن مقتسمة بين دولتين معاصرتين.

نهر ال‍ [ رون Rhone ] ينبع في جبال الألب في سويسرا ويجري غرباً فيمر وسط بحيرة جنيف ثم يدخل فرنسا مستمراً على إتجاهه حتى يصل مدينة [ ليون Lyon ] الفرنسية حيث يستبدر جنوباً متجهاً نحو البحر الأبيض المتوسط حيث يصب فيه قرب ميناء [ مارسل ] الفرنسي.

وقد يكون المشعل الملتهب هو إشارة إلى هجمة صاروخية عنيفة جداً بحيث تشاهد نيران الصواريخ على هذا الإمتداد الواسع من الأرض المتوسط ، أو لعله إشارة إلى تلك الظاهرة التي سبق وأن ذكرناها في خصوص نجمة تحترق سبعة أيام يكون ضوؤها من الشدة بحيث تبدو لنا وكأنها شمس ثانية ، أو أنها أمر آخر خافٍ علينا في الوقت الحاضر. ولكن هناك حالة حرب واستعداد لها وأسلحة الدمار منتشرة في كل مكان ويصاحب ذلك كله مجاعة والمعونات تأتي متأخرة بسبب حالة عامة من

٣٤٨

الفوضي والشلل. وتصل قوات إسلامية من جهة إيران لتغزو منطقة مقدونيا جنوب يوغسلاڤ‍يا وشمال اليونان ، إذن المشهد ينسجم مع بقية النبوءات والتي تخص حرباً واسعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الوسطى.

جيوش ايرانية

« القائد الإيراني يتحشد في أسبانيا الكبرى

أسطول من السفن ضد الرجال المحمديين

من [ پارتيا ] و [ ميديا ] ، ويسلبون اليونان

بعدها انتظار طويل في الميناء ال‍ [ أيوني ] الكبير »

الثالث ـ ٦٤

[ پارثيا Perthia ] إسم دولة قامت في إيران ( الدولة الپارتية وسط قرن الثالث قبل الميلاد لتبلغ قمة القوة والتوسع في القرن الأول ق. م. حتى تمَّ دحرُها من جانب الرومان حوالي سنة ٣٩ ق. م. إلى أن استطاع أردشير الأول أن يستعيدها ويُنشيء الدولة الساسانية.

[ ميديا Media ] إسم منطقة قديم تقع شمال غرب إيران كانت تحت سيطرة الأمبراطورية الأشورية ثم استقلت لنفسها ثم صارت جزءاً من الأمبراطورية الفارسية على زمن كورش ( سايرس ) في القرن السادس ق. م.

٣٤٩

والمقصود إذن من ذكر هاتين المنطقتين الإيرانيتين هو إيران ككل.

[ والبحر الأيوني Ionian Sea ] هو جزء البحر الأبيض المتوسط المحصور بين رأس إيطاليا وبين اليونان. والإشارة هي إلى أحد الموانيء القائمة عليه.

وقد أشار إلى اليونان ببعض جزرها المسماة [ سايكلدز Cyclades ] والرجال المحمديون هم طبعاً المسلمون أتباع محمد (ص).

وأمّا القائد الإيراني فقد سمّاه في الأصل بالقائد الفارسي حيث أن فارس هي الإسم القديم المعروف عن إيران الحالية ولم يطلق عليها إسم إيران إلا بعد سنة ١٩٣٥ ، وليس واضحاً لنا ماذا يمكن أن يكون هذا القائد الإيراني ، فإن من المحتمل له أن يكون أحد قوّاد أو أعوان الإسماعيلي العظيم الذي سيملأ العالم رعباً في سنة ١٩٩٩ ، أو أنه قد يكون أحد أبطال الحوادث التي سوف تسبق الحرب الكبرى المذكورة أو تليها ، على كل حال فإن نوستردامس يرى بأنه سوف يجمع قواه ويتحشّد في أسبانيا الكبرى ، ولا وجود لأسبانيا الكبرى في يومنا هذا فهو ولا شك أنه يعني بذلك أسبانيا وأطرافها من دول أوروبا ، ويبدو أن هذا القائد الإيراني سوف يأتي بجيش من مسلمي إيران ( الذين سمّاهم بالرجال المحمديين من

٣٥٠

پارثيا وميديا ) وفي ضمنهم أسطول بحريّ ، ولكن إسطولاً معادياً سوف يخرج لملاقاتهم ولأيقاف زحفهم.

ثم يأتي بعدها على ذكر سَلبٍ لليونان وعلى إنتظار طويل في أحد الموانيء اليونانية أو الإيطالية ( ميناء البحر الأيونيّ ) ، وليس في كلامه ما يوضّح أيَّ الطرفين يعني بذلك ، هل هو طرف الجيوش الإسلامية القادمة من إيران في زحف واسع على أوروبا أم هو طرف الأسطول أو القوات المعادية لها والتي تحاول أن توقف زحفها.

٣٥١
٣٥٢

سيطرة اسلامية شاملة

« بالنار والحديد ، ليس بعيداً من البحر الأسود

تأتي قوات من إيران لتحتل [ طرابزوند ]

[ فاروس ] و [ مثلين ] ترجفان ، سيطرةٌ شاملة

بحرٌ الأدرياتيك يغطّيه الدم العربي »

الخامس ـ ٢٧

[ طرابزوند Trebizond ] هي مدينة تقع إلى الجنوب الشرقي من البحر الأسود في تركيا الحالية ، قامت فيها مملكة قديمة سنة ١٢٠٤ وبنفس الإسم ، أنشأها الرومان البيزنطيون وبقيت حتى سنة ١٤٦١ حيث استولت عليها الأمبراطورية العثمانية.

[ فاروس Pharos ] هي جزيرة عند مدخل ميناء الاسكندرية في مصر كان يقوم عليها فنار لإرشاد السفن إلى الميناء أُنشيء في القرن الثالث قبل الميلاد وكان يعتبر واحداً من عجائب الدنيا السبعة في العالم القديم

٣٥٣

وكان ارتفاعه حوالي ٦٠ متراً وهو على شكل دوائر أسطوانية يعلو بعضها وفي قمّته نار تشتعل باستمرار وقد تمّ خرابه تماماً سنة ١٣٥٠ م إثر زلزال أصاب الجزيرة.

[ مَثِلين Methilene ] هي جزيرة تابعة لليونان حالياً وتقع في البحر الأبيض المتوسط ( البحر الأيجي ) على بعد عشر كيلومترات من الساحل التركي وتحمل إسماً ثانيا وهو [ لسبوز Lesbos ] وهي مسقط رأس أكبر شاعرة يونانية [ ساڤو Sappho ] والتي قيل عنها أن شِعرها العاطفيّ كان موجَّهاً إلى بنات جنسها فهي من الشاذّات جنسياً ، وكلمة [ Lesbian ] المستعملة عند الغربيين للإشارة إلى النساء من هذا القبيل هي نسبة إلى هذه الجزيرة التي تنتسب إليها هذه الشاعرة.

بحرُ الأدرياتيك هو ذلك القسم من البحر الأبيض المتوسط الذي يمتدّ بين إيطاليا غرباً ويوغسلاڤ‍يا وألبانيا شرقاً.

والرباعية هذه تقول بأن جيشاً إسلاميا يأتي زاحفاً من جهة إيران متّجهاً إلى تركيا ( الدولة العضوة في حلف شمال الأطلسي ) ليحتلّ شمالها حيث موضع مملكة طرابزوند الرومانية القديمة ، وقد يكون المقصود من هذه الممكلة هو أن تكون رمزاً للتدخّل الغربي وللسيطرة

٣٥٤

الغربية على عالم المسلمين لأن مملكة طرابزوند وكما ذكرنا هي ممكلة أنشأها الرومان من أسلاف الغربيين على أراضي تركيا الحالية ، فيكون معنى الهجوم الإيراني هذا هو الهجوم على مثل هذا النوع من السيطرة والتحكم الغربي.

وعلى كل حال فإن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ فيما يبدو وإنما سيكون هناك وفي نفس الوقت زحف إسلامي عربي على مناطق أوروبا الوسطى والجنوبية في عمليات هجومية تكون فيها مقتلة عظيمة يذهب ضحيتها الكثير من هؤلاء المسلمين حتى أن مياه البحر الأبيض المتوسط ( أو جزءه المسمّى ببحر الادرياتيك ) لتغطّيها دماؤهم التي تراق فيه ، وليس واضحاً أمامنا إن كان ذلك في عملية زحف واحدة تأتي من إيران ويشارك فيه العرب أم أنّ هناك زحفين يجري كل منهما على حده. ولكننا نلاحظ بأنه يجعل كلاًّ من اليونان ومصر ( أشار إلى كل منهما بإسم جُزُر تابعة لهما ) في منزلة واحدة بحيث يكون لهما ردّ فعل واحد ، وفي هذا من المغزى ما لا يخفى ، فاليونان هي دولة محسوبة على المعسكر الغربي وعضوة في حلف الناتو ( شمال الأطلسي ) وفي مصر تقوم حكومةٌ لها علاقة متينة جداً بأمريكا وحليفاتها وسوف ترتجف كلتاهما ( مصر واليونان ). وهناك احتمال آخر هو أن تكون

٣٥٥

الرجفة في هذا البلد غير الرجفة في ذاك من حيث طبيعتها وعواملها. وقد سبق ذكر مثل هذه المشاهد والروى في نصوص سابقة من هذا الكتاب ، إلاّ إن المشهد الذي أمامنا في هذه الرباعية يصف حالة من ثورة عارمة ومن هجوم كاسح يأتي من أصقاع المسلمين بعربهم وبعجمهم فلا يقف في طريقهم شيء حتى تكون لهم السيطرة الشاملة وحتى تكون لهم اليد العليا وتكون أيدي المستكبرين والطواغيت هي السفلى ، أنه بركان يتفجّر في شرق الأرض فترتجّ له كلّ الأرض.

٣٥٦

الدور اليهودي ومصيره

شيء من تأريخ بني إسرائيل واليهود :

إسرائيل هو إسم يعقوب النبي (ع) ، وبنوه هم يوسف وبنيامين وإخوته الذين غدروا به وألقوه في الجبّ وباعوه كعبدٍ مملوك ، وقد سكنوا مصر بعد أن جاء بهم يوسف الصدّيق (ع) إليها وهو عزيز مصر زمن المجاعة آنذاك ، ومنهم إنحدرت قبائل بني إسرائيل الإثنتي عشرة وكثر عددُهم وإزدهرت أحوالهم إلى أن صار فرعون مصر يضطهدهم ويستضعفهم فخرجوا بزعامة موسى عليه السلام حوالي سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد من مصر إلى صحراء سيناء ومنها إلى أرض كنعان ( فلسطين ) وعاشوا هناك متفرّقين كلٌّ في حدود منطقته ، لا قدرة لأحد على جمع كلمتهم ، حتى جاء صاموئيل فنجح في توحيدهم ومهّد لقيام مملكتهم هناك والتي أُنشئت سنة ١٠٢٥ قبل الميلاد داود (ع) ملكاً وورثة إبنُه سليمان (ع) ، وبوفاة النبي

٣٥٧

سليمان (ع) سنة ٩٣٣ ق. م. انتهت الممكلة أو الدولة الوحيدة التي عرفها اليهود في تأريخهم قبل قيام إسرائيل الحالية ، لأنه وبعد وفاته مباشرة انقسمت المملكة إلى شطرين ؛ شمالي ( سوماريا ) وفيه عشرة من قبائلهم ، وجنوبي ( جوديا ) مركزه أورشليم وفيه قبيلتان. فجاء الآشوريون من العراق إلى الجزء الشمالي منهما بعد عشرة سنوات فقط فخربوه وقتلوا أهله وشتّتوهم في كل أقطار المعمورة. وبعد ذلك بمائة عام جاء البابليون من العراق أيضاً فغزوا الجزء الجنوبي المتبقّي منهما وفي موجتين فدمروا هيكل سليمان ومحوا مدينة أورشليم ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك أبداً.

وقد انتشرت الديانة اليهودية في بعض أقاليم أوروبا الجنوبية والشرقية وفي الشرق الأوسط ولكنها كانت محدودة الإنتشار ، ولا نعرف كم بقي من بني يعقوب ( إسرائيل ) اليوم بعد كل ما شهدته هذه الملّة من عمليات إبادة وتدمير على مرّ التأريخ.

والشيء الذي يثير أشد الغيظ هو أن اليهود وعلى طول تأريخهم لم يجدوا الرحمة والأمن والاستقرار إلا في ربوع المسلمين والعرب ومع ذلك لم يجد منهم المسلمون والعرب إلا كلّ كيد وأذى وحقد عندما تكون الدولة لهم وعندما يتمكنوا من رقاب المسلمين ، وهذا

٣٥٨

غاية الخبث واللؤم. فعلى زمن الدولة الإسلامية في الأندلس ( في شبه الجزيرة الأسبانية ) كانت الأندلس ملجؤهم من الإضطهاد الذي كانوا يلقونه في كل أطراف العالم فازدهرت حياتهم هناك وعاشوا في أمن وسلام حتى جاء سقوط الحكم الإسلامي في أسبانيا على أيدي النصاري فعادوا إلى تشردهم وهوانهم وتم طردهم من أسبانيا سنة ١٤٩٢ م واتجه معظمهم هذه المرة أيضاً إلى أحضان المسلمين في المناطق التي تسيطر عليها الدولة العثمانية آنذاك. وقبل ذلك وفي سنة ١٢٩٠ قام الملك أدوارد الأول الإنكليزي بطردهم من بريطانيا ولم يتمكنوا من الرجوع إليها إلا بعد ذلك بأربعمائة عام على عهد رجل الدولة البريطانية ( كرومول ) [ ١٥٩٩ ـ ١٦٥٨ وكان من شأن كرومول هذا أن الملك تشارلز الثاني أمر بنبش رُمَّتِه وتعليقها بعد موته بثلاث سنوات ، أي أنهم شنقوا جثتَه البالية ] ، بل إنّ الصليبيين كانوا يذبحونهم ذبح النعاج ويخربون بيوتهم في مناطق تواجدهم على طريق موجات الجيوش النصرانية الذاهبة بمباركة البابا إلى فلسطين لمهاجمة المسلمين وحربهم.

ثم أنظر بعد ذلك إلى ما فعلوه بسكان فلسطين الآمنين من العرب والمسلمين بعد أن قدروا عليهم وتمكنوا منهم حيث صاروا يدخلون عليهم بيوتهم

٣٥٩

فيخرجونهم منها ويحتلّونها أو يُحيلونها إلى أنقاض وصاروا يطردون السكان من مزارعهم وقراهم إلى خارج البلاد ويعذبون من بقي تحت رحمتهم أو يقتلونه أو يمثّلون به وصاروا يسومونهم ألوان الخسف والعذاب والإهانة والتحقير بلا رحمة لطفلٍ أو لشيخ ، لأمرأةٍ أو لرجل وبقلوب أشد قسوة من الحجر الصلد.

ولقد امتاز قرنُنا العشرين هذا بسمة خاصة جداً وهي بروز اليهود على مسرح التأريخ بروزاً فاحشاً لم يسبق له نظير ، فبعد ما لا يقل عن ثمانية وعشرين قرناً من الزمن يعودون فيسيطرون على مرافق الحياة في العالم كله من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه وذلك من خلال المنظمات السرية مثل الماسونية ونادي روتاري وغيرهما ، ومن خلال سيطرتهم على الإقتصاد والإعلام والجنس ، فالمؤسسات المالية والشركات التجارية والصناعية الكبرى والبنوك العالمية وشركات النقل العالمية ، إضافة إلى شبكات الدعارة بكل ألوانها من توفير المومسات على مختلف المستويات إلى أفلام الجنس ومجلاته وكل ما يرتبط بذلك من أجواء الفضائح وعمليات الابتزاز ، وبالإضافة إلى الإعلام بكل صوره من جرائد ومجلات عالمية وأفلام سينمائية وشركات إنتاجها ودور النشر وشبكات التلفيزيون المحلّية منها والعالمية

٣٦٠