إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام

الشيخ محمد بن طاهر السماوي

إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام

المؤلف:

الشيخ محمد بن طاهر السماوي


المحقق: الشيخ محمّد جعفر الطبسي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مركز الدراسات الإسلامية لحرس الثورة
المطبعة: حرس الثورة الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٠٢

( مسعود بن عمر ) : الأزدي الفهمي سيد الأزد وبسبب قتله قامت حرب البصرة بعد هلاك يزيد ، وهو الذي منع من قتل عبيد الله بن زياد يومئذ ، ويكنّى بأبي قيس ، وله شرف ، وهو الذي جمع الناس وخطبهم لنصرة الحسين فلم يتوفق. ويمضى في كتب المقاتل أنّه يزيد بن مسعود النهشلي ، وهذا تميمي يكنّى بأبي خالد وليس من رؤساء الأخماس ، ولعله مكتوب إليه أيضا. والذي يستظهر من الخطبة والكتاب إلى الحسين عليه‌السلام أنّ الذي جمع الناس هذا ، لا مسعود. ولكن الطبري وغيره من المؤرخين لم يذكروا الثاني.

( قيس بن الهيثم ) : بفتح هاء هيثم وسكون الياء المثنّاة تحت وبالثاء المثلّثة ، بن أسماء بن الصلت السلمي ، سيّد أهل العالية ، وله شرف وذكر في حرب البصرة.

( عبد الله بن عبيد الله ) : بن معمر بوزن مقعد التيمي تيم قريش ، وهذا كان في البصرة وله شرف.

( شريك بن الأعور ) : بفتح شين شريك بن الحرث الهمداني ، من المعروفين بالتشيع ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام والمقاتلين بين يديه في حروبه ، ولي الأعمال بعده لآل أميّة ، فأمّا أبوه الحرث الأعور فمن خوّاص أمير المؤمنين عليه‌السلام كما هو معلوم.

( مسلم بن عمرو ) : الباهلي ، هذا أبو قتيبة بن مسلم صاحب خراسان وفارس الحرون الذي جل خيل العرب من نسله إلى مدّة مائتي سنة ، وكان مسلم رسول يزيد لعبيد الله في ولاية المصرين وعزل النعمان فاستصحبه ، ويمضى في بعض الكتب أنّه مسلم بن عقبة ، وهو غلط فإنّ ذلك شامي لم يكن له في حرب الكوفة يد ، وإنّما تولّى حرب المدينة المعروف بحرب الحرّة ليزيد.

حصين ـ بضم الحاء المهملة وفتح الصاد والياء آخر الحروف والنون ـ بن تميم ابن أسامة بن زهير بن دريد التميمي صاحب شرطة عبيد الله. ويمضى في الكتب

٤١

حصين بن نمير السكوني وهو غلط فاحش فإنّ ذلك عند يزيد حارب به أهل المدينة ومكّة ، وله في محاربة عين الوردة رئاسة في أهل الشام وسمعة.

( ضفّة الطف ) : بفتح الضاد وتشديد الفاء جانبه ، والطف شاطي النهر ، ويطلق على جانب نهر الفرات الجنوبي من البصرة إلى هيت (١) ، ويخص بالموضع الذي قتل فيه الحسين عليه‌السلام.

( القادسية ) : موضع معروف من منازل الحاج عند الكوفة بينه وبينها خمسة عشر فرسخا.

( مخط القلادة ) : يعني موضع خط القلادة وهي في الحقيقة الجلد المستدير من الجيد ، فكما أنّ ذلك الجلد لازم على الرقبة كذلك الموت على ولد آدم ، هذا إذا قلنا إنّ مخطّ اسم مكان ، وإن قلنا إنّه اسم مصدر بمعنى خطّ ، فيعني به إنّ الموت دائرة لا يخرج ابن آدم من وسطها كما إنّ القلادة دائرة لا يخرج الجيد منها في حال تقلّده.

( وما أولهني ) : يعني ما أشدّ شوقي ، والوله شدّة الشوق.

( وخير لي ) : يعني خار الله لي مصرعا أي اختار ، ويمضي على بعض الألسنة ، وفي بعض الكتب خير بالتشديد وهو غلط فاحش.

( عسلان الفلوات ) : بضم العين وسكون السين جمع عاسل وهو المهتز والمضطرب ، يقال للرمح وللذئب وأمثالهما ، والمراد هنا المعنى الثاني.

( النواويس ) : جمع ناوس في الأصل ، وهو القبر للنصراني ، والمراد به هنا القرية التي كانت عند كربلا.

( جوفا ) : بضم الجيم وسكون الواو جمع جوفاء وهي الواسعة ويجري على بعض

__________________

(١) قال الحموي : هي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار. راجع معجم البلدان : ٥ / ٤٢١.

٤٢

الألسن تحريك الواو أو تشديدها وهو غلط.

( أجربة سغبا ) : أجربة جمع جراب كأغلمة وغلام ، والمراد به البطن مجازا ، وسغبا بضمّتين جمع سغبى من السغب وهو الجوع.

( ورأيت ) : في نسخة ( أحوية ) : فكأنّه جمع لحوية البطن وهي أمعاؤها ، والمعروف حوايا فإن وردت أحوية فما أحسبها إلاّ خيرا من أجربة.

لا يقال : إنّ العسلان لا تتسلّط على أوصال صفوة الله لطفا من الله وإيثارا له ، لأنّا نقول : إنّ الكلام جرى على القواعد العربيّة والأساليب الفصيحة كما يقول قائلهم : عندي جفنة يقعد فيها الخمسة يعني لو كانت ممّا يفعل به ذلك لقعد فيها خمسة رجال ، فيكون معنى الكلام لو جاز ذلك على أوصالي لفعل بها ، وهذا كناية عن قتله وتركه بالعراء.

( لن تشذ ) : لن تنفرد وتتفرّق. ( لحمته ) : بضم اللام وهي القرابة.

( حظيرة القدس ) : اسم الجنّة أو اسم موضع شريف منها.

( التنعيم ) : موضع على أربعة فراسخ من مكّة في الحل.

( وادي العقيق ) : موضع عند المدينة وفيه أرض لابن الزبير ولغيره.

( مغذا ) : مسرعا من أغذ بالسير إذا أسرع.

( ذات عرق ) : بكسر العين موضع يتصل بعرق ، وهو جبل حاجز بين تهامة ونجد.

( الحاجر من بطن الرمة ) : الحاجر بالحاء المهملة والجيم والراء المهملة : موضع ، وأصله ما أمسك شفة الوادي.

( والرمّة ) : بضم الراء المهملة والتشديد ، وقد يخفّف : واد متسع في طريق مكّة تنزل بطنه بنو كلاب فبنو عبس فبنو أسد.

( الثعلبيّة ) : بالثاء المثلثة والعين المهملة والباء المفردة والياء المثنّاة تحت موضع في طريق مكّة ، يقال : هو ثلثا الطريق من الكوفة.

٤٣

( زرود ) : موضع عند الثعلبيّة بينها وبين الخزيميّة.

( زبالة ) : بضم الزاء المعجمة موضع عند الثعلبيّة أيضا بينها وبين الشقوق.

( العقبة ) : بالحركات موضع عند واقصة.

( شراف ) : بفتح الشين المعجمة موضع عند واقصة أيضا بينها وبين الفرعاء.

( ذو حسم ) : بضم الحاء المهملة وفتح السين المهملة والميم بعد : جبل هنالك كان النعمان يصطاد فيه ، وفيه يقول الشاعر : أليلتنا بذي حسم أنيري. ويمضى في الكتب حسب وخشت وجشم وكلّ غلط من النسّاخ.

( استمرت حذاء ) : استمرت دامت ، و ( حذاء ) : بالحاء المهملة والذال المشدّدة المعجمة الناقة الماضية بسرعة ونشاط ، والناقة المقطوعة الذنب والرحم التي لم يعلق بها أحد وينقطع عنها كل أحد ، وفسّرت الفقرة في التاج (١) بالمعاني الثلاثة ، فعلى الأوّل يكون المعنى أنّ الدنيا أدبر معروفها واستمرت على ذلك ومضت بسرعة ، وعلى الثاني استمرت على ذلك ولم يبق لها شيء يمسكه اللاحق ولا ذنب لها فيقبض ، وعلى الثالث استمرّت على ذلك لم يصلها واصل.

( عمر بن سعد ) : ابن أبي وقّاص وهو مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ، يكنّى بأبي حفص. وأمّه أمة ، وأمّ أبيه حمنة بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس ، وهو ابن عم هاشم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص صاحب علي عليه‌السلام.

( عمرو بن الحجاج ) : بن سلمة الزبيدي سيد زبيد ، وله شرف فيهم وذكر في المغازي.

( شمر بن ذي الجوشن ) : بفتح الشين وكسر الميم ويجري على الألسن ويمضى في الشعر الحديث كسر الشين وسكون الميم وهو خلاف المضبوط ، وذو الجوشن

__________________

(١) راجع تاج العروس : ١٠ / ٨٥.

٤٤

أبوه ، واسمه شراحيل بن الأعور قرط بن عمرو بن معاوية بن كلاب الكلابي الضبابي ، وهو قاتل الحسين عليه‌السلام وكان أبرص خارجيّا.

( أنت أخو أخيك ) : يعني أنّ محمّد بن الأشعث الذي غدر بمسلم بن عقيل في الأمان ، أخوك فأنت مثله في الغدر.

( أفر فرار العبيد ) : أي لا أتاكم ذليلا معطيا باليد ولا أهرب عنكم هرب العبد ، بل أنازلكم حتّى يقضي الله ما هو قاض ، ويجري في بعض الألسن أقرّ إقرار العبيد وهو خطأ.

( أصرخناكم موجفين ) : أي أجبنا صراخكم مسرعين إليكم السير ، والإيجاف نوع من السير فيه سرعة ، والاسم منه الوجيف.

( حششتم ) : أي أوقدتم وأصله من جمع الحشيش للإيقاد.

( إلبا ) : بكسرة الهمزة وفتحها : الاجتماع على الظلم والعدوان ، يقال : هم إلب واحد أي مجتمعون على الظلم والعدوان.

( مشيم ) : بفتح الميم أي مغمد من شام السيف بمعنى أغمده. ( الجأش ) : القلب والفكر.

( يستحصف ) : أي يستحكم ، يقال : رأي حصيف أي محكم. ( الدبا ) : بفتح الدال وتخفيف الباء المفردة الجراد.

( الفراش ) : بفتح الفاء الذي يتساقط على الضوء ليلا.

( عبيد الأمة ) : بتخفيف الميم بمعنى الجارية كناية عن الذل مأخوذة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ذلّ قوم تملكهم أمة » ، ويجري على الألسن التشديد وهو وإن كان له ضرب من التأويل لم يتعلق ببلاغة.

( شذاذ ) : بضم الشين المعجمة وتشديد الذال المعجمة أيضا جمع شاذّ ، وهم المتفرقون من الجمع ويعبّر عنهم بالفارطة والغوغاء.

٤٥

( شجا للناظر ) : الشجا الحزن ، والشجى ما يعترض بالحق (١) من عظم وغيره للإنسان وغيره.

قال الشاعر :

ربّ من انضجت غيظا قلبه

قد تمنّى لي موتا لم يطع

ويراني كالشجى في حلقه

عسرا مخرجه ما ينتزع

وكلّ بالقصر ، والمعنى يحتمل كلا.

( وما إن طبنا إلخ ) : الطب بكسر الطاء : العلّة والسبب. والجبن بضم الجيم وسكون الباء : ضدّ الشجاعة بفتح الشين ، والدولة بفتح الدال : الغلبة في الحرب ، وبضمّها التداول في المملكة ، قال الله تعالى ( دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ ) (٢) ، والمراد به المعنى الثاني على الظاهر. والأبيات لفروة بن مسيك ، بفتح فاء فروة وضم ميم مسيك المرادي. ومعنى البيت إن قتلنا لم يكن عارا علينا لأنّ سببه لم يكن عن جبن وعدم إقدام على المكافح ، ولكن سببه منايانا ودولة آخرين ، ومثل هذا لم يكن عارا. وقال آخر يعتذر لعدوّه في ذلك :

فلم يك طبهم جبنا ولكن

رميناهم بثالثة الأثافي

أنشده ابن قتيبة في ترجمة خفاف له في كتاب معجم الشعر والشعراء.

( مصبّرة ) : أي ممزوجة بالصبر.

( السبج ) : بفتح السين المهملة وفتح الباء المفردة حجارة سوداء يعمل منها الخرز.

( قد نصل ) : يقال نصل الخضاب من اللحية إذا بانت أصولها بأن مضى عليها أكثر من ثلاثة أيّام فهي سوداء ، وأصل الشعر أبيض ، ويزعم بعض الناس أنّها اتصل بها

__________________

(١) كذا في الأصل ، والصحيح : بالحلق.

(٢) سورة الحشر : الآية ٧.

٤٦

الخضاب ، وذلك وهم لعدم فهمه المعنى وتصحيف.

( بتبان ) : بثوب قصير يلبسه الفعلة وأمثالهم.

( يلمع فيه البصر ) : أي لا يثبت فيه البصر لشدّة بياضه.

( بواني صدره ) : البواني الأضلاع المقدمة في الصدر.

( مالك بن النسر ) : بالنون والسين ، ويمضى في بعض الكتب النسير بالتصغير الكندي البدي وهم من كندة.

( سنان ) : بكسر السين بن أنس بن عمرو النخعي كان من أشراف النخع ومن الخوارج.

( خولي بن يزيد الأصبحي ) : خولي بفتح الخاء المعجمة وتسكين الواو واللام قبل ياء في صورة المنسوب ، ويجري على بعض الألسن خولي بكسر الخاء وفتح الواو واللام قبل ألف مقصورة وهو خطأ. والأصبحي نسبة إلى ذي أصبح أحد ملوك حمير الذي تنسب إليه السياط الأصبحيّة.

قد تم ضبط ما يهم من ألفاظ فاتحة الكتاب فلنبدأ بالمقاصد.

٤٧
٤٨

المقصد الأوّل

في آل أبي طالب بن عبد المطلّب ومواليهم

من أنصار الحسين عليه‌السلام

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

ولد في أوائل خلافة عثمان بن عفان ، وروى الحديث عن جدّه علي بن أبي طالب عليه‌السلام كما حقّقه ابن إدريس قدس‌سره في السرائر ، ونقله عن علماء التاريخ والنسب (١). أو بعد جده عليه‌السلام بسنتين كما ذكره الشيخ المفيد قدس‌سره في الإرشاد (٢). وأمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وأمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أميّة. وأمّها بنت أبي العاص بن أميّة. وكان يشبّه بجدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنطق والخلق والخلق.

وروى أبو الفرج أن معاوية قال : من أحقّ الناس بهذا الأمر؟ قالوا : أنت ، قال : لا ، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي عليه‌السلام ، جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيه شجاعة بني هاشم ، وسخاء بني أميّة ، وزهو ثقيف.

__________________

(١) السرائر : ١ / ٦٥٥ ، وفيه : « في أمارة عثمان ».

(٢) الإرشاد : ٢ / ١٣٧.

٤٩

وفي علي عليه‌السلام يقول الشاعر :

لم تر عين نظرت مثله

من محتف يمشي ومن ناعل

يغلي نهيئ اللحم حتّى إذا

أنضج لم يغل على الآكل

كان إذا شبّت له ناره

يوقدها بالشرف القائل

كيما يراها بائس مرمل

أو فرد حيّ ليس بالآهل

لا يؤثر الدنيا على دينه

ولا يبيع الحقّ بالباطل

أعني ابن ليلى ذا السدى والندى

أعني ابن بنت الحسب الفاضل (١)

ويكنّى أبا الحسن ، ويلقّب بالأكبر لأنّه الأكبر على أصحّ الروايات ، أو لأنّ للحسين عليه‌السلام أولادا ستّة ثلاثة أسماؤهم علي ، وثلاثة أسماؤهم عبد الله وجعفر ومحمّد ، كما ذكره أهل النسب فهو أكبر من علي الثالث على رواية.

وروى أبو مخنف عن عقبة بن سمعان قال : لمّا كان السحر من الليلة التي بات بها الحسين عند قصر بني مقاتل ، أمرنا الحسين بالاستقاء من الماء ، ثمّ أمرنا بالرحيل ففعلنا ، قال : فلمّا ارتحلنا عن قصر بني مقاتل ، خفق برأسه خفقة ، ثمّ انتبه وهو يقول : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين » ، ثمّ كرّرها مرّتين أو ثلاثا ، فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين عليه‌السلام ـ وكان على فرس له ـ فقال : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين ، يا أبت جعلت فداك ، ممّ استرجعت وحمدت الله »؟ فقال الحسين عليه‌السلام : « يا بنيّ إنّي خفقت برأسي خفقة فعنّ لي فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا » ، فقال له : « يا أبت لا أراك الله سوءا ، ألسنا على الحق »؟ قال : « بلى ، والذي إليه مرجع العباد »

__________________

(١) راجع مقاتل الطالبيين : ٨٦.

٥٠

قال : « يا أبت ، إذن لا نبالي نموت محقّين » فقال له : « جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده » (١).

قال أبو الفرج (٢) وغيره : وكان أوّل من قتل بالطف من بني هاشم بعد أنصار الحسين عليه‌السلام علي بن الحسين عليهما‌السلام ، فإنّه لمّا نظر إلى وحدة أبيه تقدّم إليه وهو على فرس له يدعى ذا الجناح ، فاستأذنه للبراز ـ وكان من أصبح الناس وجها ، وأحسنهم خلقا ـ فأرخى عينيه بالدموع وأطرق ثمّ قال : « اللهمّ اشهد أنّه قد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه ، ثمّ صاح : « يا ابن سعد ، قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظني في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، فلمّا فهم علي الإذن من أبيه شدّ على القوم وهو يقول :

أنا علي بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

فقاتل قتالا شديدا ، ثمّ عاد إلى أبيه وهو يقول : يا أبت ، العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فبكى الحسين عليه‌السلام وقال : « وا غوثاه أنّى لي الماء ، قاتل يا بنيّ قليلا واصبر ، فما أسرع الملتقى بجدّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا ». فكرّ عليهم يفعل فعل أبيه وجدّه. فرماه مرّة بن منقذ العبدي بسهم في حلقه (٣).

وقال أبو الفرج : قال حميد بن مسلم الأزدي : كنت واقفا وبجنبي مرّة بن منقذ ، وعلي بن الحسين يشدّ على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم ، فقال مرّة عليّ آثام العرب

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٣٠٩ ، بتفاوت في بعض العبارات.

(٢) مقاتل الطالبيين : ١١٥.

(٣) راجع اللهوف : ١٦٦.

٥١

إن مرّ بي هذا الغلام لأثكلنّ به أباه ، فقلت : لا تقل ، يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه. فقال : لأفعلنّ ، ومرّ بنا عليّ وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحه فانقلب على قربوس فرسه فاعتنق فرسه فكرّ به على الأعداء فاحتووه بسيوفهم فقطّعوه (١). فصاح قبل أن يفارق الدنيا : السلام عليك يا أبتي ، هذا جدّي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى وهو ينتظرك الليلة ، فشدّ الحسين عليه‌السلام حتّى وقف عليه وهو مقطّع فقال : « قتل الله قوما قتلوك يا بنيّ ، فما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول » ، ثمّ استهلت عيناه بالدموع ، وقال : « على الدنيا بعدك العفا » (٢).

وروى أبو مخنف ، وأبو الفرج عن حميد بن مسلم الأزدي أنّه قال : وكأنّي أنظر إلى امرأة قد خرجت من الفسطاط وهي تنادي : يا حبيباه يا ابن أخيّاه ، فسألت عنها ، فقالوا : هذه زينب بنت علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فجاءت حتّى انكبّت عليه ، فجاء الحسين عليه‌السلام إليها وأخذ بيدها إلى الفسطاط ، ورجع فقال لفتيانه : « احملوا أخاكم » فحملوه من مصرعه ، ثمّ جاءوا به فوضعه بين يدي فسطاطه (٣). وقتل ولا عقب له.

وفيه أقول :

بأبي أشبه الورى برسول

الله نطقا وخلقة وخليقه

قطعته أعداؤه بسيوف

هي أولى بهم وفيهم خليقه

ليت شعري ما يحمل الرهط منه

جسدا أم عظام خير الخليقة

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ١١٥.

(٢) راجع مقاتل الطالبيين : ١١٥ ، واللهوف : ١٦٧.

(٣) تاريخ الطبري : ٣ / ٣٣١ بتفاوت في بعض الكلمات.

٥٢

( ضبط الغريب )

ممّا وقع في هذه الترجمة :

( الخلق ) : بضم الخاء الطبع وبفتحها التصوير. ( يغلي ) : أي يفير.

( النهيء ) : كأمير اللحم النيء. ( يغلي ) : الثاني ضدير خص.

( الشرف ) : الموضع العالي وهو على زنة جبل.

وقال الشاعر :

آتي النديّ فلا يقرّب مجلسي

وأقود للشرف الرفيع حماري

( القابل ) : المقبل عليك ومنه عام قابل.

( السدى ) : ندى أول الليل والندى ندى آخر الليل ويكنّى بكلّ منها وبهما عن الكرم.

( قطع الله رحمك ) : يعني قطع نسلك من ولدك كما قطعت نسلي من ولدي فإنّه لا عقب له.

( الأوفى ) : وصف الكأس وهي مؤنثة بالأوفى ، وهو مذكر غير صحيح على القواعد العربيّة ، فإن صحّت روايته فمحمول على أنّ المراد بالكأس الإناء والظرف وأمثالهما.

( احتووه ) : أي حازوه إليهم واشتملوا عليه ، يقال : احتويت على الصيد إذا حزته إليك واشتملت عليه.

( قربوس ) : السرج بفتح القاف والراء ولا تسكن الراء إلاّ في الضرورة بمعنى حنوه.

( الخليقة ) : الأولى بمعنى الطبيعة ، والثانية بمعنى الجديرة ، والثالثة بمعنى المخلوقات.

٥٣

عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

ولد في المدينة ، وقيل في الطف ، ولم يصح. وأمّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن كلب. وأمّها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب المذكور ، وأمّها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم. وأمّها الرباب بنت أوس بن حارثة بن لام الطائي ، وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين عليه‌السلام :

لعمرك إنني لأحب دارا

تحل بها سكينة والرباب

أحبّهما وأبذل جلّ مالي

وليس لعاتب عندي عتاب

وكان امرؤ القيس زوّج ثلاث بناته في المدينة من أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وقصّته مشهورة ، فكانت الرباب عند الحسين عليه‌السلام وولدت له سكينة وعبد الله هذا.

قال المسعودي والأصبهاني والطبري وغيرهم : إنّ الحسين لمّا آيس من نفسه ذهب إلى فسطاطه فطلب طفلا له ليودّعه ، فجاءته به أخته زينب ، فتناوله من يدها ووضعه في حجره ، فبينا هو ينظر إليه إذ أتاه سهم فوقع في نحره فذبحه (١).

قالوا : فأخذ دمه الحسين عليه‌السلام بكفّه ورمى به إلى السماء وقال : « اللهمّ لا يكن أهون عليك من دم فصيل ، اللهمّ إن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير لنا ؛ وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين ، فلقد هوّن ما بي أنّه بعينك يا أرحم الراحمين » (٢).

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٣٣٢ ، مقاتل الطالبيين : ٩٤. ولم أعثر عليه في مروج الذهب ولا في إثبات الوصيّة.

(٢) راجع الكامل : ٤ / ٧٥.

٥٤

قالوا : فروي عن الباقر عليه‌السلام « أنّه لم تقع من ذلك الدم قطرة إلى الأرض » (١). ثمّ إنّ الحسين عليه‌السلام حفر له عند الفسطاط حفيرة في جفن سيفه فدفنه فيها بدمائه ورجع إلى موقفه (٢).

وروى السيّد الطاوسي أنّه أخذ الطفل من يدي أخته زينب فأومى إليه ليقبله ، فأتته نشابة فذبحته فأعطاه إلى أخته وقال : خذيه إليك ، ثمّ فعل ما فعل بدمائه ، وقال ما قال بدعائه (٣).

وروى أبو مخنف أنّ الذي رماه بالسهم حرملة بن الكاهن الأسدي (٤). وروى غيره إنّ الذي رماه عقبة بن بشر الغنوي (٥). والأول هو المروي عن أبي جعفر محمّد الباقر عليهما‌السلام.

يا لرضيع أتاه سهم ردى

حيث أبوه كالقوس من شفقه

قد خضبت جسمه الدماء فقل

بدر سماء قد اكتسى شفقه

( ضبط الغريب )

ممّا وقع في هذه الترجمة :

( الحجر ) : هو بتثليث الحاء المهملة وبعدها الجيم الساكنة حضن الإنسان.

( الكاهن ) : بالنون ، ويجري على بعض الألسن ويمضى في بعض الكتب باللام ، والمضبوط خلافه.

__________________

(١) اللهوف : ١٦٩ ، مثير الأحزان : ٧٠ ، وعنه البحار : ٤٥ / ٤٦.

(٢) الاحتجاج : ٢ / ١٠١ ، وليس فيه : ورجع إلى موقفه.

(٣) اللهوف : ١٦٩.

(٤) تاريخ الطبري : ٣ / ٣٤٣.

(٥) راجع مقاتل الطالبيين : ٩٥. وليس فيه : الغنوي.

٥٥

( الشفقة ) : الأولى الحذر من جهة المحبّة ، والثانية هي شفق مضاف إلى ضمير البدر ، والشفق هو : الحمرة الشديدة عند أوّل الليل بين المغرب والعشاء.

العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

ولد سنة ست وعشرين من الهجرة. وأمّه أمّ البنين ، فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر المعروف بالوحيد بن كلاب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. وأمّها عمرة بنت الطفيل فارس قرزل ، ابن مالك الأخزم رئيس هوازن ، بن جعفر بن كلاب. وأمّها كبشة بنت عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب. وأمّها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس هوازن ، ابن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمّها فاطمة بنت جعفر بن كلاب. وأمّها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف. وأمّها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خزيمة. وأمّها بنت حجدر بن ضبيعة الأغرّ بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار. وأمّها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة. وأمّها بنت ذي الرأسين خشين ابن أبي عاصم بن سمح بن فزارة. وأمّها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان.

قال السيد الداودي في العمدة : إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة عالما بأخبار العرب وأنسابهم ـ : ابغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلد لي غلاما فارسا ، فقال له : أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة ، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس (١).

__________________

(١) عمدة الطالب : ٣٢٤ بتفاوت في بعض الكلمات.

٥٦

وفي آبائها يقول لبيد للنعمان بن المنذر ملك الحيرة :

نحن بنو أم البنين الأربعه

ونحن خير عامر بن صعصعة

الضاربون الهام وسط المجمعة

فلا ينكر عليه أحد من العرب ، ومن قومها ملاعب الأسنّة أبو براء الذي لم يعرف في العرب مثله في الشجاعة ، والطفيل فارس قرزل ، وابنه عامر فارس المزنوق ، فتزوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام فولدت له وأنجبت. وأوّل ما ولدت له العبّاس عليه‌السلام يلقّب في زمنه قمر بني هاشم ، ويكنّى أبا الفضل. وبعده عبد الله ، وبعده جعفرا ، وبعده عثمان. وعاش العبّاس مع أبيه أربع عشرة سنة ، حضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه بالنزال ، ومع أخيه الحسن أربعا وعشرين سنة ، ومع أخيه الحسين عليه‌السلام أربعا وثلاثين سنة ، وذلك مدّة عمره ، وكان عليه‌السلام أيدا شجاعا فارسا وسيما جسيما يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطان في الأرض.

وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « كان عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله عليه‌السلام ، وأبلى بلاء حسنا ، ومضى شهيدا (١).

وروي عن علي بن الحسين عليه‌السلام أنّه نظر يوما إلى عبيد الله بن العبّاس بن علي عليه‌السلام فاستعبر ثمّ قال : « ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يوم أحد ، قتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمّه جعفر ابن أبي طالب ، ولا يوم كيوم الحسين ، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل ، يزعمون أنّهم من هذه الأمّة ، كلّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه ، وهو يذكّرهم بالله فلا يتّعظون ، حتّى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا ، ثمّ قال : « رحم الله العبّاس فلقد آثر وأبلى ، وفدى

__________________

(١) الخصال : ٨٦ ، باب الاثنين ، عمدة الطالب : ٣٢٣.

٥٧

أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه ، فأبدله الله عزّ وجلّ منهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة ، كما جعل لجعفر بن أبي طالب.

وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة » (١).

وروى أبو مخنف أنّه لما منع الحسين عليه‌السلام وأصحابه من الماء وذلك قبل أن يجمع على الحرب اشتدّ بالحسين وأصحابه العطش ، فدعا أخاه العبّاس فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ليلا ، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ، واستقدم أمامهم باللواء نافع فمنعهم عمرو بن الحجاج الزبيدي ، فامتنعوا منه بالسيوف وملأوا قربهم وأتوا بها والعباس بن علي ونافع يذبان عنهم ويحملان على القوم حتّى خلصوا بالقرب إلى الحسين (٢). فسمّي السقّاء وأبا قربة.

وروى أبو مخنف أنّه لما كاتب عمر بن سعد عبيد الله بن زياد في أمر الحسين عليه‌السلام وكتب إليه على يدي شمر بن ذي الجوشن بمنازلة الحسين ونزوله ، أو بعزله وتولية شمر العمل ، قام عبد الله بن أبي المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر الوحيد ـ وكانت عمّته أمّ البنين ـ فطلب من عبيد الله كتابا بأمان العبّاس وإخوته ، وقام معه شمر في ذلك ، فكتب أمانا وأعطاه لعبد الله ، فبعثه إلى العبّاس وإخوته مع مولى له يقال له : كزمان ، فأتى به إليهم فلمّا قرءوه قالوا له : أبلغ خالنا السلام وقل له أن لا حاجة لنا في الأمان ، أمان الله خير من أمان ابن سميّة. فرجع ، قال : ووقف شمر في اليوم العاشر ناحية فنادى : أين بنو أختنا ، أين العبّاس وإخوته ، فلم يجبه أحد ، فقال لهم الحسين عليه‌السلام : أجيبوه ولو كان فاسقا ، فقام إليه العبّاس فقال له : ما تريد؟ قال : أنتم

__________________

(١) الخصال : ٦٨ ، باب الاثنين ، ح ١٠١.

(٢) تاريخ الطبري : ٣ / ٣١٢ ، بتفاوت وسقط في بعض الكلمات.

٥٨

آمنون يا بني أختنا. فقال له العبّاس : لعنك الله ولعن أمانك ، لئن كنت خالنا أتؤمنّا وابن رسول الله لا أمان له؟ وتكلّم إخوته بنحو كلامه ثمّ رجعوا (١).

وروى أبو مخنف أيضا وغيره أنّ عمر بن سعد نادى في اليوم التاسع : يا خيل الله اركبي وأبشري بالجنّة. فركب الناس وزحفوا ، وذلك بعد صلاة العصر ، والحسين عليه‌السلام جالس أمام بيته محتبيا بسيفه وقد خفق على ركبتيه ، فسمعت زينب الصيحة فدنت منه وقالت : أما تسمع الأصوات يا أخي قد اقتربت! فرفع الحسين عليه‌السلام رأسه وأخبرها برؤية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه يدعوه ، فلطمت زينب وجهها وقالت : يا ويلتاه ، فقال لها : ليس الويل لك يا أخيّة ، اسكتي رحمك الرحمن. ثمّ قال العبّاس له : يا أخي قد أتاك القوم فنهض ، ثمّ قال : « يا عبّاس ، اركب بنفسي أنت حتّى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم » ، فأتاهم العبّاس في نحو عشرين فارسا فيهم زهير وحبيب فقال لهم : ما لكم وما بدا لكم وما تريدون؟ فقالوا : جاء أمر عبيد الله أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم. قال : فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا ثمّ قالوا : القه فأعلمه ذلك ، ثمّ أعلمنا بما يقول. فانصرف العبّاس يركض فرسه إلى الحسين عليه‌السلام يخبره ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم حتّى أقبل العبّاس يركض فرسه فانتهى إليهم ، فقال : يا هؤلاء : إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ينظر في هذا الأمر ، فإنّ هذا أمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق ، فإذا أصبحنا التقينا فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه. قال : وإنّما أراد بذلك أن يردّهم عن الحسين تلك العشيّة حتى يأمر بأمره ويوصي أهله ، وقد كان الحسين عليه‌السلام قال له : « يا أخي ان استطعت أن تؤخّرهم هذه العشيّة إلى غدوة ،

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٣١٣.

٥٩

وتدفعهم عنّا لعلّنا نصلّي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أني قد كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار » ، فقال لهم العبّاس ما قال ، فقال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر؟ فقال : ما ترى أنت ، أنت الأمير والرأي رأيك ، فقال : قد أردت أن لا أكون ذا رأي. ثمّ أقبل على الناس فقال : ما ذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج : سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها. وقال قيس بن الأشعث : لا تجبهم إلى ما سألوك فلعمري ليصبحنّك بالقتال غدوة. فقال : والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشيّة ، ثمّ أمر رجلا أن يدنو من الحسين عليه‌السلام بحيث يسمع الصوت فينادي : إنّا قد أجّلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى الأمير ، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم (١).

وروى أهل السير عن الضحّاك بن قيس المشرقي ، قال : إنّ الحسين عليه‌السلام جمع تلك الليلة أهل بيته وأصحابه فخطبهم بخطبته التي قال فيها : « أمّا بعد : فإنّي لا أعلم أهل بيت إلخ ». فقام العبّاس فقال : لم نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبدا (٢). ثمّ تكلّم أهل بيته وأصحابه بما يشبه هذا الكلام ، وسيذكر بعد.

قالوا : ولمّا أصبح ابن سعد جعل على ربع المدينة عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي ، وجعل الميمنة لعمرو بن الحجاج الزبيدي ، والميسرة لشمر بن ذي الجوشن الضبابي ، والخيل لعزرة بن قيس الأحمسي ، والرجال لشبث بن ربعي ، وأعطى الراية لدريد

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٣١٣ ، وأورده الشيخ المفيد في الإرشاد ٢ / ٩٠.

(٢) راجع الإرشاد : ٢ / ٩١.

٦٠