الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

بالنسبة إلى القليل أيضا ، بأنه إذا نقص عن الكر ولو يسيرا يكون الحكم فيه عند الشك الانفعال التغيري مطلقا على خلاف حكم الكر ، فكيف تقضي العادة بالحكمين عند الشك في التغير وتقضي عند عدم الشك بالمقايسة بين قدري الماء والنجاسة ، ويكون اختلاف الكر أيضا مبنيا على ذلك على ما ذكره ، ولا يخفى ما فيه من التدافع والدور والحزازات. مع أنه كيف يفهم هذه الأمور من المنطوقات والمفهومات؟!

وبالجملة : حكم أولا بانضباط قدر الكر ، بدعوى انضباط ما يرد عليه عادة ، فأوردنا عليه ما أوردنا ، وحكم آخرا بعدم الانضباط بسبب عدم انضباط مقدار النجاسة والماء ، فمع ما فيه من التدافع يلزم أن يكون أيّ قدر من الماء لم يتغير من النجاسة يكون كرا ، وأي قدر تغير يكون أقل من الكر.

فمع فساده في نفسه كيف يجعله الشارع مزيلا لحيرة الراوي بأن قال : إذا كان قدر كر لم ينجسه شي‌ء ، وإذا لم يكن قدر كر فكذا مع أنه ليس قدرا معروفا ، مع أن الراوي لما سمع قنع وسكت ، فظهر أن قدره كان مضبوطا معروفا عندهم.

وظهر مما ذكر حال استشهاده باختلاف الأخبار في حد الكر على كون ما دل على الانفعال مبنيا على الكراهة حيث ارتكبه تارة أخرى ، وكذا حال جعله نظير اختلاف النزح. فتأمّل جدا.

قوله : فإنّه يكفي. ( ١ : ٤٠ ).

لعله مجرد دعوى. إلاّ أن يقول بالتطهير بمجرد الملاقاة ، منضما إلى ما اختاره سابقا في ماء الحمام من الاكتفاء بكون المجموع من المائين كرا مع الاتصال مطلقا ، وقد ظهر منه بالنسبة إلى الأول تردد وتوقف ، وأمّا الثاني فقد أشرنا إلى وجه استشكال الأصحاب فيه.

وربّما يظهر منه أن حكم العلامة ـ رحمه‌الله ـ بالاكتفاء في تطهير الغدير باتصاله بالكر يكون في صورة تساوي السطح والانحدار أيضا لا إلقاء‌

٨١

الكر والأنصاب من فوق ، ومن ثم استشكل في جريان حكم الحمام في غيره ، ولعل نظر الشيخ علي أيضا إلى ذلك ، لا إلى اعتبار الزيادة عن الكر ، بل ليس نظره إليه قطعا ، إذ يريد الدفعة لا الزيادة.

وبالجملة : الأول عنده محل تأمّل وعند بعض الأصحاب ، والثاني وإن لم يتأمّل فيه لكن لا يكفي في الاعتراض عليهم ، وتصريحهم وإن لم يكن حجة بنفسه لكن لا محيص عن اعتباره بناء على ما اعترف من كون العموم محل نظر ، لأن الوفاق إنما تحقق فيه ، والماء محكوم بنجاسته شرعا ، ولا بد في طهارته من دليل شرعي ، فتأمّل جدا.

فإن قلت : لعل البالغ كرا يكفي للقول بالمزج وإن لم يعتبر فيه الدفعة ، بناء على ما ذكره من أن انفعال الطاهر ليس أولى من طهارة النجس ، فإنه جار في صورة المزج أيضا.

قلت : يكفي إذا كان الممزوج متصلا بما بقي ، لا مطلقا ، ومن أين يعلم اتصاله به ، ومع ذلك يكفي عند الشارح ـ رحمه‌الله ـ لا غير ، لأن الاكتفاء بالمزج من غير اعتبار الدفعة في خصوص المقام أول الكلام ، وسيجي‌ء تمام الكلام عن قريب ، فتأمّل.

قوله : والإجماع المنقول. ( ١ : ٤٣ ).

ما يظهر من كلامه ليس الإجماع الاصطلاحي ، بل الإجماع على الرواية كما فهمه ، أو على كونها صحيحة كما فهمت ، مع أن ما ذكره المحقق يورث الريبة أيضا في ما ذكره.

مع أن قوله : ومعنى لم يحمل. ، لا يخلو من تأمّل ـ وإن صرح الجماعة ـ للتأمّل في حجية مثله. مع أن الانفعال بالملاقاة ليس شيئا يظهر فيه ، والتغير لا دخل للكر فيه ، كما مر. على أنه لا دخل له في المقام ، فلعل معنى لم يحمل لم يقبل ، وهو الأوفق بظاهر العبارة ، وما ورد في غير واحد من الأخبار أنه لا ينجسه شي‌ء.

٨٢

وقوله : وهو ضعيف. ، فيه : أن نقله الإجماع لا يستلزم وقوعه في زمانه ، بل عبارته ظاهرة في خلاف ذلك ، كيف والشارح ـ رحمه‌الله ـ كثيرا ما ينقل الإجماع على سبيل الاعتداد والاعتماد ، مع أنه قريب العهد.

نعم حجية مثله محل نزاع معروف ، مع عدم النزاع في كونه ظنيا ، قال بها من قال بعموم حجية ظن المجتهد ، أو شمول ما اعتمد عليه من أدلة حجيّة خبر الواحد ، وأنكرها من أنكرهما ، فالعناية بشأن الإنكار والإقرار لا ما ذكره ، فتأمّل.

وقوله : بدخول المعصوم. فيه : أنه لا حاجة إلى العلم بالدخول ، بل يكفي العلم بكون هذا رأيه ، وهو ممكن في كل زمان ، وغير الممكن بعد انتشار الإسلام هو العلم بإجماع كل المسلمين ، لا ما اعتبرناه من اتفاق جمع يحصل به العلم بقول المعصوم عليه‌السلام ، أو فعله أو تقريره أو رأيه ، وحمل كلامهم على إرادة الشهرة فيه ما فيه.

وقوله : لانحصار الأدلة. ، لو تم ما ذكره لم يتم جل المسائل الفقهية ، لأن دليلها خصوص مورد ، والخاص لا يدل على العام ، وفهم العموم إنما هو من الإجماع إلا فيما ندر.

مثلا : لم يرد في نجاسة الأبوال والأرواث من غير مأكول اللحم على سبيل العموم سوى حديث واحد ، وهو قولهم : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (١) ، غاية ما يثبت منه وجوب الغسل بالنسبة إلى الثوب لا البدن ، والبول لا الروث. مع أن بين نفس وجوب الغسل والنجاسة تفاوتا كثيرا.

مع أنّ تلك الأحاديث الخاصة كثير منها ليست بصحيحة ، وهي ليست بحجّة عنده ، بل ربما يصرح بأن الشهرة لا يجبرها. مع أن جلها متعارضة‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٥٧ / ٣ ، التهذيب ١ : ٢٦٤ / ٧٧٠ ، الوسائل ٣ : ٤٠٥ أبواب النجاسات ب ٨ ح ٢.

٨٣

بحيث لا يكون لجمعها أو ترجيحها كتاب أو سنة ، والمرجحات الواردة في السنة متعارضة بحيث لا يمكن الجمع أو الترجيح بكتاب أو سنة. مع أنه ـ رحمه‌الله ـ لا يمشي على المرجحات المنصوصة ، بل يمشي على المظنونة.

مع أن المدار في تصحيح الأخبار على الظنون ، بل رجح ـ رحمه‌الله ـ التعديل على الجرح بظنون ، وميز المشترك بظنون ضعيفة ، بل مداره في ما ذكر وغيره على الظنون.

على أن خبر الواحد أيضا ظن من الظنون ، فإن اعتمد عليه بالإجماع ثبت المطلوب ، وإن اعتمد بالمعهود من الأدلة فنسبتها إليه وإلى الإجماع المنقول بخبر الواحد على السوية.

وما قيل من أن في مثل هذه الإجماعات كثيرا ما نرى المخالف (١) ، ففيه : أنّ ذلك غير مضرّ في إجماع الشيعة ، بل صرحوا بأنه لو خلا عن المائة لم يضر (٢). وما قيل من أنه كثيرا ما نرى التعارض فيها (٣) ، ففيه : أنّ التعارض في الأخبار أزيد منه بمراتب شتى ، ومرجعها لا يجب أن يكون حكم الله الواقعي ، بل يكفي كونه فعلا أو قولا أو تقريرا ، مطابقا لحكم الله الواقعي أو لا.

وأيضا القرائن المجازية واصطلاح زمان الشارع وأصالة عدم السقط أو التغيير أو غير ذلك ليس على حجيتها كتاب أو سنة ، ولو كان فرضا لشمل الإجماع المنقول ، فتأمّل جدا.

وبالجملة : مداره في الفقه على عدم القصر على ما ذكره ، كما لا‌

__________________

(١) انظر رسالة الشهيد الثاني في وجوب صلاة الجمعة ( المطبوعة مع عدة من رسائله ) : ٩١.

(٢) المعتبر ١ : ٦.

(٣) انظر الحدائق ١ : ٣٧.

٨٤

يخفى ، فلاحظ من أول المدارك إلى آخره ، وغيره من تأليفاته. بل يصرح كثيرا بأنه لا قائل بالفصل ، منه في باب نجاسة البول والغائط (١). وكثيرا ما يعتمد على إجماع يدّعى ، فضلا عن إجماع يدعي هو ، منه في الباب المذكور ، وباب نجاسة المني (٢) ، وغير ذلك. والظاهر أن عبارته هنا فيها مسامحة.

وإنما قلنا بإمكان حصول العلم برأي المعصوم في مثل زمان ابن إدريس أيضا ، لأن تحقق العلم من اجتماع الظنون وتعاضدها غير عزيز ، كما في الخبر المتواتر ، والواحد المحفوف بالقرائن وغيرهما ، بل هو في غاية الكثرة ، ولا ينكره أحد من المسلمين وغيرهم ، إلا نادرا من الكفار ، لشبهته في مقابل البديهة.

وحصول الظن من فتوى فقيه ماهر عادل متق ، باذل للجهد في استحصاله من الأدلة الشرعية ، مستفرغ للوسع في ملاحظة جميع ماله دخل في الأخذ والفهم ، موص للغير في الاحتياط في أخذ الحكم غايته ، لا ينكره قلب خال عن الشوائب والمعايب ، سيما إذا كان الفقيه من القدماء ، ثم إذا رأينا فقيها آخر مثله يشاركه حصل ظن آخر من قوله ، وقوة أخرى من اجتماعهما ، وهكذا كلما رأينا فتوى حصل ظن منه ، وقوة من انضمامه ، واخرى من انضمامين ، وعلى هذا القياس ، إلى أن يحصل العلم من نفس ذلك.

أو بضميمة ملاحظة أن أذهانهم مختلفة في إدراك الأمور واستنباط المسائل ، ومشربهم متفاوت في تأسيس المباني وتأصيل الأصول ، ومع ذلك اتفقوا هذا الاتفاق ، وخصوصا بعد التفطن بما أشرنا إليه آنفا.

وسيما إذا كان الحكم مما يعم به البلوى وتكثر إليه الحاجة ، وخصوصا‌

__________________

(١) المدارك ٢ : ٢٥٨.

(٢) المدارك ٢ : ٢٦٦.

٨٥

بعد ملاحظة أن الأحكام الفقهية عند الرواة وسائر الشيعة ما كانت مقصورة في ما رووه في ذلك الزمان ، لأن تلك الروايات وردت بعد ظهور الشرع وانتشاره في الأقطار وامتداد ذلك في الأعصار ، بحيث ما كان الرواة جاهلين ولا مستشكلين إلا في أمور خاصة دعاهم إلى الجهل بها والاستشكال فيها أسباب معينة ، كما هو الحال في أمثال زماننا. نعم في أمثال زماننا حصل بعض ما كانت غير حاصلة في ذلك الزمان ، وإن خفي بعض ما كانت ظاهرة فيه.

والأئمة عليهم‌السلام ما كانوا يلقون إليهم الأحكام من أولها إلى آخرها ، وما كانوا يعترضون على الرواة حين استشكالهم في أمر خاص بأن هذا الحكم من أين عرفت؟ ، ولم تسأل عن هذا الأمر الخاصّ دون نفس الأحكام وباقي متعلقاتها؟ ، وما ذكرنا ظاهر على المتأمّل في الأخبار.

وأيضا : الكليني ـ رحمه‌الله ـ ما أتى بجميع روايات الأحكام المسلمة عند الشيعة ، التي لا تأمّل في وفاق كل الشيعة عليها ، بل الفقه لو كان مقصورا في الروايات المروية في الكافي خاصة لعله لم يثبت كثير منه ، وكذا الحال بالنسبة إلى غير الكليني ـ رحمه‌الله ـ من القدماء.

وبالجملة : بملاحظة جميع ما ذكروا وما أشرنا إليه لعله يحصل ما لا يقصر عن الخبر الواحد المحفوف بالقرائن ، سيما بملاحظة أنه باتفاق جمع من الصيارفة على كون دينار زيوفا يحصل اليقين عادة مع عدم عدالتهم ، بل وظهور فسقهم ، وكذا الحال في جميع الصناعات وجميع أهل الخبرة حتى العلوم.

وبالجملة : مرجع القطع في الإجماع إلى الحدس ، فلا مانع من الحصول لبعض دون بعض ، ولا الحصول مع عدم العلم باجتماع الكل ، بل ومع خروج بعض أيضا ، كما صرح به المحقق ـ رحمه‌الله ـ وغيره من‌

٨٦

المحققين (١) ، بل ولبعض على نحو ولآخر على خلافه ، كما ادعى السيد الإجماع على المنع من العمل بخبر الواحد (٢) ، لما صرح به متكلموا الشيعة في كتبهم الكلامية ، والشيخ وغيره على حجية الخبر الواحد (٣) ، لما يظهر من محدثيهم ، وغير ذلك. بل ولا مانع من الحصول لبعض في وقت دون وقت ، أو حصول القطع بالخلاف في المسألة في وقت آخر ، أو القطع بخلاف ذلك.

فلا يحسن الجرأة في الاعتراض على الفقهاء ، ولا توجيه كلامهم بإرادة الشهرة ، لكون ذلك نوع تدليس منهم لما يظهر من كلماتهم ، حاشاهم عن ذلك. مع أن الحمل على الشهرة لا يرفع التعارض ، لأن خلاف المشهور ليس بالمشهور.

مع أن أمثال هذه الاختلافات في العلميات واردة ، بل وأشد وأزيد ، مثل ما ورد في علم الكلام وغيره ، فلا يحسن حمل كلامهم على إرادتهم الظن أو الشك أو الوهم من العلم ، فتأمّل.

والحاصل أن ذلك منهم ليس لتسامحهم في أمر الدين ، لتفاوت الأمارات ظهورا وخفاء في الأوقات والأحوال. وليس مثل أدلة أصول الدين ، لكونها في معرض العثور (٤) للمجتهد.

هذا بالنسبة إلى أنفسهم ، وأما بالنسبة إلى حصول الظن لنا فقد عرفت أنه لا خلل ، إلاّ أنه وقع التعارض نادرا غاية الندرة ، وغير خفي أن أخبار الآحاد وغيرها من الأدلة والأمارات لا يخلو عن التعارض غالبا ، سيما أخبار‌

__________________

(١) انظر المعتبر ١ : ٣١ ، ومعالم الدين : ٢٠٠.

(٢) رسائل الشريف المرتضى : المجموعة الأولى : ٢٤ ، في جوابات المسائل التبانيات ، وأيضا : ٢٠٣ ، في جوابات المسائل الموصليات الثالثة.

(٣) عدة الأصول ١ : ٣٣٧ ، مبادئ الوصول : ٢٠٧.

(٤) في « و » : القصور.

٨٧

الآحاد ، سيّما العام والمطلق ، والأمر والنهي وأمثالها ، والجرح والتعديل ، وغير ذلك.

وقد أشرنا إلى أن مرجع الأحكام ليس الحكم الواقعي ، مع أن مرجعه مرجع الكتاب والسنة من دون فرق ، بل مستنده الكتاب والسنة ، كما أشرنا.

ويؤيده أيضا ما ورد عنهم : « أن المجمع عليه لا ريب فيه » (١) ، لأن الظاهر أن علة نفي الريب هي الإجماع.

( ويؤيده أيضا أن كثيرا من الأحكام نحن مطمئنون بكونها عند الشافعي ـ مثلا ـ كذا ، بحكم الشافعية ، فتأمّل ) (٢).

ويؤيده أيضا أن جلّ المستحبات ورد الأمر بها أو أشد منه ، ولا يخطر بالبال سوى الاستحباب.

وأيضا ورد الأمر بإعادة اليومية لنجاسة معينة في الثوب ، فيفهم البدن أيضا ، وكل نجاسة ، وكل فريضة من الصلاة ، بل وكل نافلة منها ، وقس على ما ذكرنا سائر الأحكام ، وكون ظواهر القرآن ومظنونات الأخبار ـ كيفما كان الظهور ـ حجة ، إلى غير ذلك ، فتأمّل جدا.

هذا بالقياس إلى القاعدة ، وإلاّ ففي خصوص الموارد ربما يتحقق خصوصيات مؤكدة موضحة ، مثل طهارة الحديد (٣) وغيرها ، فتأمّل.

قوله : لعدم صدق. ( ١ : ٤٤ ).

هذا بإطلاقه لعله محل تأمّل ، كما أن الأولين أيضا بالإطلاق محل مناقشة.

ثم إن في صورة عدم الصدق يصدق على كل واحد أنه أقل من الكر ،

__________________

(١) الكافي ١ : ٩ ، الوسائل ٢٧ : ١١٢ أبواب صفات القاضي ب ٩ ح ١٩.

(٢) ما بين القوسين ليس في « ه‍ ».

(٣) انظر الوسائل ٣ : ٥٢٨ أبواب النجاسات ب ٨٣.

٨٨

فيشمله عموم ما دل على انفعاله ، على القول بالعموم ، كما هو المشهور بين الأصحاب ، ولعله لذا اشترطوا الدفعة في إلقاء الكر على النجس. وأما على القول بعدمه فدخوله تحت قوله عليه‌السلام : « إذا كان الماء. » محل تأمّل ، إذ ظاهر الماء الواحد لا المتعدد ، فدخول المتعدد العرفي فيه محل تأمّل ، نعم يمكن أن يقال : تشمله الأصول والعمومات.

ومن هنا يظهر قوة مختار جده ، وكذا رأى الشارح ـ رحمه‌الله ـ من أنه لا يحتاج إلى الدفعة ، لكن مقتضاه عدم الحاجة إلى إلقاء الكر بل يكفي اتصال الكر وإن انقطع فورا ، على القول بالاتصال ، وعلى القول بالمزج فعلى قدر تحقق المزج وإن انقطع بعده.

فتطهير المدّ من الماء لا يحتاج إلى مزج الكر ، بل وتطهير الأزيد منه بكثير أيضا.

فما ظهر من الشارح ـ رحمه‌الله ـ من عدم الحاجة إلى خصوص الدفعة محل تأمّل على رأيه وعلى رأي المشهور أيضا ، ومخالف لمقتضى الأدلة ، إذ على القول بعموم مطهرية الماء لا حاجة إلى الإلقاء ، وعلى القول بعدم ثبوت التطهير إلا من الوفاق يتعين الدفعة البتة.

قوله : وجزم العلامة. ( ١ : ٤٥ ).

إذا كان الأعلى كرا فلا شك في تقوّي الأسفل به في ماء الحمام ، للنص والوفاق ، وأما غير ماء الحمام فمحلّ إشكال عند العلامة ، كما مرّ ، وعند غيره حكمه حكم ماء الحمام ، بناء على أنّ الظاهر عندهم عدم مدخلية الحمام ، لقوله عليه‌السلام : « أليس هو بجار » (١) وعدم حجية مفهوم اللقب ، وذكر الحمام لشيوعه وندرة غيره لو تحقق ، مع عدم ظهور تحقّقه.

__________________

(١) راجع ص ٥٩.

٨٩

مع أنه لا أقل من الشك في المدخلية فيتحقق الشك في عموم المفهوم بالنسبة إليه. وليس دلالته على العموم من قبيل الصيغ الموضوعة للعموم ، فيكفي الشك ، كما أشرنا سابقا.

مع أنه يمكن أن يقال بالقياس بطريق أولى ، بأنه مع التساوي يتقوى ، فمع كونه أسفل أولى ، لقوة الأعلى وغلبته ، ولذا فرّقوا بين ورود الماء على النجاسة وعكسه ، ولعل نظر من قال بتقوّي الأسفل بالأعلى دون العكس إذا كان المجموع كرا إلى هذا. ويمكن إرجاع كلام المحقق الثاني إلى هذا بضرب من العناية.

قوله : ويلزمهم. ( ١ : ٤٥ ).

فيه : أنّ المنحدر ماء واحد عرفا ، فلا يستشكلون في دخوله تحت العموم ، وإن أردت المنصبّ فدعوى العلم بالبطلان مع الاعتراف بعدم الوحدة محل نظر. مع أنه ليس الوارد عليهم أزيد ممّا ادعاه من الدخول تحت العموم ، فلا يلزمهم أمر معلوم الفساد مضافا إلى ذلك. وظهور شمول قولهم للمنحدر المتصل الذي هو ماء واحد عرفا ظهورا بينا محل تأمّل ، فتأمّل.

قوله : فإن كل ما ثبت. ( ١ : ٤٦ ).

قيل : إنّ غالبه يدوم ، والظن يلحق بالأغلب ، وكل ظن للمجتهد حجة إلا ما ثبت المنع منه بخصوصه ، كالقياس (١).

ومنع بعضهم هذه الغلبة بأن الدوام مختص بالقار الذات ، وهو غير غالب. سلمنا ، لكن كون الحكم الشرعي منه ممنوع. مع أن كل دوام ليس على حد واحد ، بل يتفاوت بتفاوت عادة الله تعالى ، فلا يمكن الحكم به إلى‌

__________________

(١) انظر معارج الأصول : ٢٠٧ ، ومعالم الدين : ٢٣٠.

٩٠

أن يثبت خلافه (١).

ومنع بعضهم حجّيّة مثل هذا الظن مع تسليم تحققه (٢) ، ولا يبعد تحققه ، بملاحظة أنّ الأحكام الشرعية غالبها يدوم حتى يثبت خلافها.

واستدل أيضا بما في غير واحد من الأخبار من أنه لا ينقض اليقين بالشك أبدا (٣) ، بناء على أن المراد كل يقين وكل شك بعده (٤). ومنع الدلالة بعضهم بأن الظاهر وروده في موضع ثبت دوامه إلى حد معين ، وحصل الشك في تحقق الحد حتى يتأتى أن يقال : اليقين نقض بالشك ، وإلا فالشك اللاحق لا يجامع اليقين السابق (٥) ، وفيه نظر ، إذ الشك في الحد يوجب رفع اليقين من الحين ، فالعبرة بالسابق.

وقال بعضهم بثبوت الاستصحاب في موضوع الحكم الشرعي لا نفسه (٦) ، يعني ثبت منه بقاء الموضوع وعدمه لا بقاء الحكم السابق إلى أن يثبت حكم شرعي لشي‌ء. مثلا إذا لم يعلم أن الشي‌ء الذي تحقق هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ لا يمكن إثبات عدم كونه حدثا بهذا الحديث ، بل القدر الذي يثبت إثبات عدم تحقق الحدث المعلوم حكمه شرعا ، أي حكم الشارع بأنه يبني على عدم حدوثه. وادعى ظهور ما ذكره بتتبع موارد الأحاديث.

وربما منع بأن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحل (٧). ولا يخلو عن‌

__________________

(١) انظر الإحكام للآمدي ١ : ٣٦٨ ، ٣٦٩.

(٢) انظر الفوائد المدنية : ١٤١.

(٣) الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١.

(٤) انظر مشارق الشموس : ٧٦ ، الوافية للفاضل التوني : ٢٠٣ ، ملاذ الأخيار ١ : ٦٣.

(٥) ذخيرة المعاد للسبزواري : ١١٤ ، ١١٥.

(٦) الفوائد المدنية : ١٤٣.

(٧) انظر الحدائق ١ : ١٤٥ ، الوافية : ٢٠٨.

٩١

قرب. نعم استصحاب الموضوع أظهر أفراده.

ويؤيد ما ذكرناه ما أشرنا إليه من غلبة الأحكام الفقهية في البقاء ، وطريقة الفقهاء أنهم إذا ثبت حكم شرعي يحتاجون في حكمهم بخلاف ذلك إلى دليل شرعي ، وأمرهم مقصور على ذلك ، ولا يقولون في موضع بعد تحقق حكمه أن هذا الآن حكمه كذا فقط ، وبعد ذلك الأصل عدمه ، فليلاحظ كتبهم الاستدلالية والفقهية ، بل البقاء رسخ في أذهان المتشرعة بحيث يصعب عليهم فهم خلافه.

نعم عند تغير الموضوع بتغير العلة أو الوصف المشعر بالعلية يتأملون في البقاء حينئذ ، مع أن ظاهر أكثرهم البقاء حينئذ أيضا ، فتأمّل.

وممّا ذكرنا لعله يظهر التأمّل في فهم العموم من الأدلة الدالة على النجاسة بالتغير من حيث دلالة اللفظ ، فإن قوله عليه‌السلام : « فإذا تغير الماء فلا تتوضأ » يحتمل أن يراد منه ما دام متغيرا. ورجوع الإطلاق إلى العموم الذي ليس ممّا وضع اللفظ له أزيد مما ذكر لعله يحتاج إلى إثبات ، إذ لو قال : إذا فقدت الماء فتيمم وصل بذاك التيمم ، لا يفهم منه أن بعد وجود الماء بعد ذلك التيمم يجوز الصلاة به أيضا ، فتأمّل.

وبالجملة : لا بدّ من ملاحظة الأمثلة الشرعية والعرفية وغيرها والتأمّل فيها.

نعم ربما أمكن الفرق بين زوال العلة المؤثرة ، وما هو شرط في تأثير العلة ، كالقلة في الانفعال بالملاقاة ، فإن زواله لا يوجب انتفاء المعلول ، لأنه ليس علة بل هو شرط لحصول التأثير ، وقد حصل فهو متأثر مطلقا ، فتأمّل.

نعم قوله عليه‌السلام : « كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر » ظاهر العموم في نجاسة الماء بعد العلم بها ، كما بيّنّاه.

٩٢

قوله : كأصالة البراءة. ( ١ : ٤٧ ).

جعله إياها من الأدلة العقلية خاصة محل تأمّل ونظر ، للنصوص الكثيرة الواردة فيها (١) ، مضافا إلى الإجماعات المنقولة (٢) ، بل جعلها الصدوق من عقائد الإمامية (٣) ، وقد كتبنا فيها رسالة مبسوطة.

مع أن الاستصحاب هو أصالة عدم التكليف ، وهي مما يقتضي براءة الذمة ، لا أنها هي هي ، وأصالة العدم تجري في جميع الأحكام ، أي عدم البروز من الشارع ، وأما أصل البراءة فإنما هو في الواجب والحرام ، ودليله ليس عدم التكليف فقط ، بل الإجماع والنصوص أيضا.

ثم إنه ـ رحمه‌الله ـ يحكم بهذا الأصل في الأحكام الشرعية ، وعده سابقا أيضا من جملة الأدلة الشرعية ، فلعل بناءه ـ رحمه‌الله ـ على أن الشرع يثبت بأمثال هذه الأدلة العقلية ، ولهذا يحكم بالاحتياط كثيرا مع تصريحه بأنه حكم عقلي. فتأمّل.

قوله : الإجماع. ( ١ : ٤٧ ).

قد مر ما فيه في الكر المتمم ، فراجع (٤).

قوله : لإرسالها. ( ١ : ٤٧ ).

قد بسطنا الكلام في الرجال في أن مراسيله كالمسانيد الصحيحة ، كما هو المشهور ، لأن المدار في الصحة على الظن ، وهو هنا حاصل البتة ، إذ احتمال كونه الضعيف عندنا خلاف الظاهر (٥) ، فتأمّل.

__________________

(١) انظر الوسائل ١٥ : ٣٦٩ أبواب جهاد النفس ب ٥٦ ، وعقد السيد شبّر في الأصول الأصلية : ٢١٢ بابا في الآيات والروايات الواردة في حجية أصالة البراءة.

(٢) منها ما نقله المحقق في معارج الأصول : ٢٠٥.

(٣) انظر اعتقادات الصدوق : ١٠٧ ، المطبوعة مع شرح باب الحادي عشر.

(٤) راجع ص ، ٨١ ـ ٨٢.

(٥) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٢٧٥.

٩٣

قوله : على الأشهر. ( ١ : ٤٧ ).

لظاهر خبر إبراهيم بن محمّد الهمداني (١) ، وما نقل عن الفقه الرضوي (٢) ، وقيل : مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم مطلقا ، وذهب إليه جماعة منهم العلامة ـ رحمه‌الله ـ في نصاب الزكاة خاصة (٣).

قوله : لعموم قوله عليه‌السلام. ( ١ : ٤٨ ).

نظرا إلى الحكم الظاهري ، لا أن المراد من الحديث بيانه واقعا.

قوله : متيقن. ( ١ : ٤٨ ).

أي متيقن اعتباره واشتراطه في عدم الانفعال. والأصل إما عدم اشتراط الزائد ، وهو استصحاب حال العدم ، ولا يخفى أنه فرع حجّيّته ، وإما براءة الذمة ، بناء على أنّ النجاسة تكليف ، فيجب الطهارة به عند عدم غيره ، لعدم القول بالفصل ، لكن هذا الأصل لدفع التكليف دائما لا لإثباته ، فتأمّل.

قوله : الصحيحة. ( ١ : ٤٨ ).

سيناقش في صحتها ، مع أن المدني يناسب مستند المشهور ، أعني خبر أبي بصير.

قوله : بحملها. ( ١ : ٤٨ ).

بأن يكون السؤال في مكة فضبط الخبر على ما صدر احترازا عن النقل‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٧٢ / ٩ ، الفقيه ٢ : ١١٥ / ٤٩٣ ، التهذيب ٤ : ٨٣ / ٢٤٣ ، معاني الأخبار : ٢٤٩ / ٢ ، عيون أخبار الرضا ١ : ٢٤١ / ٧٣ ، الوسائل ٩ : ٣٤٠ أبواب زكاة الفطرة ب ٧ ح ١.

(٢) فقه الرضا « ع » : ٢١٠ ، مستدرك الوسائل ٧ : ١٤٣ أبواب زكاة الفطرة ب ٧ ح ١.

(٣) التحرير ١ : ٦٢ ، المنتهى ١ : ٤٩٧.

٩٤

بالمعنى ، إذ كان مشكلا عندهم ، كما يظهر من ملاحظة الأخبار ، واعتمادا على القرينة ، وقد ذهبت من تقطيع الأحاديث أو غيره ، أو اتكالا على فهمها بالقراءة على الشيخ وأخذ الإجازة منه ، كما لا يخفى على المطلع على الرجال وغيره.

وربما يقربه أن ابن أبي عمير روى عن ابن المغيرة يرفعه إلى أبي عبد الله عليه‌السلام : « أن الكر ستمائة رطل » (١) ، وصحيحة ابن مسلم ـ تلك ـ عن ابن المغيرة ، عن الخزاز ، عن محمّد بن مسلم الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب؟ ، قال : « إذا كان قدر كر لم ينجسه شي‌ء ، والكر ستمائة رطل » (٢) ، فظهر أن الروايتين واحدة ، وأن ابن أبي عمير رواها أيضا ، فلعله رواها تارة باللفظ ، وأخرى بالمعنى ، فتدبر.

ولعل قوله في الصحيحة : الغدير فيه ماء مجتمع. يؤيّده أيضا ، لأن الغالب الاحتياج إلى معرفة حاله في الأسفار ، وأن الغالب تحققه فيها وفي الصحيح عن صفوان قال : سألت الصادق عليه‌السلام عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، ويغتسل فيها الجنب (٣)؟ الحديث.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٣ / ١١٩ ، الاستبصار ١ : ١١ / ١٦ ، الوسائل ١ : ١٦٨ أبواب الماء المطلق ب ١١ ح ٢.

(٢) التهذيب ١ : ٤١٤ / ١٣٠٨ ، الاستبصار ١ : ١١ / ١٧ ، الوسائل ١ : ١٥٩ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ٥ ، وذيل الحديث : « والكر ستمائة رطل » في الوسائل ١ : ١٦٨ أبواب الماء المطلق ، ب ١١ ح ٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤ / ٧ ، التهذيب ١ : ٤١٧ / ١٣١٧ ، الاستبصار ١ : ٢٢ / ٥٤ ، الوسائل ١ : ١٦٢ ، أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٢. بتفاوت.

٩٥

قوله : ليس بدليل. ( ١ : ٤٨ ).

ورد من الشرع الأمر بالاحتياط كلية ، نعم هو مبني على الاستحباب عند المجتهدين. مع أنّ الأصل عنده أيضا حكم عقلي ، ويحكم به في الفقه كثيرا.

ويمكن أن يكون مراده ـ رحمه‌الله ـ أن الاحتياط لا يصير دليلا على تعيين قدر الكر شرعا ، بل المدار فيه على العمل بما هو أوثق ، ويتفاوت بتفاوت المواضع ، فربما يكون الأحوط الأكثر ، وربما يكون الأقل. سلمنا ، لكنه معارض بمثله وإن كان أقل تحققا منه.

قوله : ولا يبعد. ( ١ : ٤٨ ).

هذا هو الظاهر ، لأن مشايخه ما كانوا من أهل المدينة ، كما هو الظاهر. مع أنه أثبته في أصله لأهل العراق وللرواة عنه مع عدم التنبيه على المراد. مع أن الاحتمال يكفي لمنع الاستدلال.

قوله : مجهول. ( ١ : ٤٩ ).

الظاهر أن ابن يحيى زيادة ، كما يشهد به الكافي والاستبصار ، وهو ابن عيسى. ويحتمل أن يكون يحيى مصحف عيسى ، وعثمان أخباره معمول بها عند الشيعة ، كما يظهر من الكشي والعدة (١). مع أنه تاب ولم يمنع من رواياته. وأبو بصير مشترك بين ثلاث ثقات ، كما حققناه. هذا مضافا إلى أن الشهرة جابرة.

وبالجملة : لا ينبغي القدح في تلك الرواية من حيث السند.

لكن في دلالتها على المذهب المشهور نظر من حيث إهمال البعد الثالث. وليس هو من قبيل قولهم : ثلاثة في ثلاثة ، لشيوع الإطلاق وإرادة الضرب في الأبعاد الثلاثة ، لوجود الفارق ، وهو عدم ذكر شي‌ء من الأبعاد‌

__________________

(١) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٨٣٠ ، عدة الأصول ١ : ٣٨١.

٩٦

بالخصوص في المثال ، بخلاف الرواية ، حيث صرح ببعد العمق ، فيكون البعد الآخر هو القطر ، ويكون ظاهرا في الدوري.

ويؤيده أن الكر مكيال ، كما هو الظاهر ، وفي القاموس : الكر مكيال للعراق (١) انتهى ، والمعهود منه هو الدوري. وكذا رواية ابن حي الواردة في الركي (٢) ، إذ لا قائل بتفاوت الكرين ، فيكون الحاصل منهما كون الكر ثلاثة وثلاثين شبرا ( ونصفا وثمنا ونصف ثمن ) (٣) ، ولا قائل به بخصوصه. مع أن الشيخ حمل رواية ابن حي على التقية ، فيترجح كون هذه الرواية أيضا على التقية ، فتبقى رواية إسماعيل بن جابر سالمة عن المعارض.

قوله : إلى من يدعي. ( ١ : ٤٩ ).

هو ابن زهرة على ما قيل (٤).

قوله : قول القميين. ( ١ : ٤٩ ).

هذا هو الأظهر ، لصحة مستندهم ، وقوة دلالته ، وظهوره في المربع كما مر ، وتقاربه من الخبر الآخر الآتي الظاهر في الدوري ، لما أشرنا إليه ، ولإشعار لفظة السعة أيضا ، فإنّه يكون على هذا ثمانية وعشرين شبرا وسبعي شبر ، ويكون نقل أحد الخبرين بالمعنى ، واقترابه أيضا من خبر أبي بصير وابن حي على ما ذكرنا.

فيكون الزائد مبنيا على الاحتياط ، أو على أن الكر على ما هو الظاهر تقريبي لا تحقيقي ، كما هو أحد القولين ، لاختلاف المياه ثقلا وخفة ، وكذا الأشبار وما حددت به خلقة ومساحة ، ومن هنا اختلف الأخبار في تحديده.

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ١٣٠.

(٢) الكافي ٣ : ٢ / ٤ ، التهذيب ١ : ٤٠٨ / ١٢٨٢ ، الاستبصار ١ : ٣٣ / ٨٨ ، الوسائل ١ : ١٦٠ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ٨.

(٣) بدل ما بين القوسين في « ب » و « ج » و « د » : وخمسة أثمان ونصف.

(٤) قاله المحقق السبزواري في الذخيرة : ١٢٢ ، وهو في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١.

٩٧

ولو كان تحقيقا لشاع وذاع ، ولكان في كل بلد وفي كل قرية بل لكل مكلف خصوصا في الأسفار كر محدود معين موروث خلفا عن سلف ، وهو ظاهر البطلان. فتدبر.

قوله : لرواية إسماعيل. ( ١ : ٥٠ ).

وفي بعض النسخ : لصحيحة إسماعيل ، ولعله الصحيح بعد ملاحظة قوله بعد : نعم يمكن المناقشة. ، وقوله : وضعفها المصنف.

قوله : ولا يخفى. ( ١ : ٥٠ ).

هو ظاهر ، وقيل في توجيهها أن ضمير مثله راجع إلى ما دل عليه قوله :

ثلاثة أشبار ونصفا ، أي في مثل ذلك المقدار ، إذ لا محصل في إرجاعه إلى الماء ، وكذا ضمير في عمقه (١). وقيل فيه تكلف واضح. على أنه لا يفيد اعتبار ذلك المقدار في العمق (٢).

قوله : والجواب واحد. ( ١ : ٥٠ ).

ليس كذلك ، لما أشرنا إليه.

قوله : والذي يظهر. ( ١ : ٥٠ ).

وهذا هو الظاهر ، ونبه عليه في المنتقى أيضا (٣).

قوله : ضعيفة. ( ١ : ٥٠ ).

ليس كذلك ، لأنّ محمّدا ثقة ، وفاقا لجماعة منهم العلامة في المختلف (٤) ، وقد حققناه في الرجال (٥).

__________________

(١) الحبل المتين : ١٠٨.

(٢) الذخيرة : ١٢٢.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٥١.

(٤) مختلف الشيعة ٧ : ٣١.

(٥) انظر تعليقات الوحيد على منهج المقال : ٢٩٨.

٩٨

قوله : إذ معنى. ( ١ : ٥١ ).

الظاهر أن هذا المعنى ليس له معنى ، بل هو وارد في الدوري أيضا ، كما مر.

قوله : في المعتبر. ( ١ : ٥١ ).

لكن لم يظهر بعد أنه فرضه في المربع ، فتدبّر.

قوله : لم يعتبر التكسير. ( ١ : ٥١ ).

لا يخفى ما فيه من التفاوت ، إذ ربما يصل إلى حد المشهور ، وربما يبعد عنه غاية البعد. وفرضها بعض المحققين على ما يظهر من كلامه فيما لو كان طوله تسعة أشبار ، وعرضه شبرا ، وعمقه نصف شبر ، فإن مساحته أربعة أشبار ونصف ، إذ قال بعد ذلك ، فما ذكره الشارح الفاضل من أن أبعد الفروض عنها ما لو كان كل من عرضه وعمقه شبرا وطوله عشرة أشبار ونصفا محل تأمّل. مع أن المناسب أن يذكر فرضا لا يزيد مجموع الأبعاد فيه على عشرة ونصف ، وليس ما ذكره كذلك (١).

قلت : وفي كلام المتأمّل أيضا تأمّل ، إذ المفروض فرض أبعد الفروض ، و [ أبعد ] (٢) منه ما لو كان طوله عشرة ، وكل من عرضه وعمقه ربع شبر ، فالمساحة نصف شبر وثمنه.

قوله : وعن ابن الجنيد. ( ١ : ٥٢ ).

ما أشد التباين بين تحديده هنا وفي الوزن ، حيث قال بالقلتين وفاقا للشافعي والحنبلي (٣) ، وحد بالخمسمائة رطل ، ولعل ما هنا يبعد من تحديد أبي حنيفة أيضا ، حيث قال بعشرة في عشرة بذراع الكرباس ، في عمق لا يظهر الأرض بالاغتراف ، إذ يتأتى ذلك العمق فيما لو كان نصف شبر أو أقل ،

__________________

(١) الذخيرة : ١٢٣.

(٢) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٣) الشافعي في الأم ١ : ٤ ، وانظر المغني والشرح الكبير ١ : ٥٢.

٩٩

فلعل مستنده مستنده.

قوله : بكل ما روى. ( ١ : ٥٢ ).

الظاهر أنه أراد الروايات المعلومة المعمولة بها ، فتأمّل.

قوله : وكأنه يحمل. ( ١ : ٥٢ ).

فيه إشارة إلى احتمال وجه آخر ، ولعله اللزوم التخييري ، ويكون التعيين باختيار المكلف ، كما قيل في بعض موارد النزح ، ومواضع التخيير بين القصر والإتمام ، فتأمّل.

قوله : إذا صح. ( ١ : ٥٢ ).

فيه : ما أشرنا إليه في أوائل الكتاب من التسامح في أدلة السنن.

قوله : عملا بالعمومات الدالة. ( ١ : ٥٢ ).

وربما منع العموم ، لفقد ما يدل عليه ، فإن المفرد المحلى ليس موضوعا له ، بل اللام في المقام إما مشترك بين الجنس ، والاستغراق ، والعهد الخارجي ، والذهني ، أو مختص بالجنس ، لأنه موضوع للإشارة والتعريف ، ومدخولة موضوع واسم للجنس. ويمكن إثبات العموم على التقديرين.

أما على الثاني ـ وهو الأظهر ـ : فلأن الحكم تعلق بالجنس فيدور معه ، كما تقول : التمر حلو ، والرجل خير من المرأة ، وغير ذلك. وظهور العموم بهذا النحو عرفا لعله لا تأمّل فيه.

وأمّا على الأول : فلأنّ العهد الخارجي موقوف على معهود مسبوق حينئذ ، والذهني لا يفيد فيخرج كلام الحكيم عن الفائدة ، مع أن الرواة بمجرد استماع اللفظ كانوا يقنعون ويسكتون ، فانحصر في المعنيين الآخرين. فكيف كان تفيد العموم.

ومن قال بأن الأحكام لا تتعلق بالطبائع إما يجعل ما ذكر قرينة على إرادة الاستغراق وتعيينه ، أو إرادة عموم من دون كونه مما وضع اللفظ بإزائه ،

١٠٠