الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

بالمعنى (١). وممّن صرح بذلك أيضا صاحب المعالم في معالم فروعه (٢). بل وربما صرحوا بأن حديث : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » من المتواترات.

وأمّا الدلالة على الانفعال فمن جهة الكثرة ، وتضاعيف الأنحاء ، وتعاضد بعضها ببعض ، مضافا إلى فتاوى الجل بل كاد أن يكون الكل ، صارت بحيث لا مساغ للحمل على الكراهة بأجمعها ، سيما وأن يكون كراهة بحيث لا مضايقة أصلا ورأسا من الاستعمال ، كما هو مقتضى جل أدلة الخصم وظاهر استدلاله وفتواه ، بل ربما يكون القول بالكراهة ، سيما المغلظة ، كما يرتكبه موافقوه الآن من الأقوال المستحدثة والخارجة عن مقتضى جل أدلة الطرفين ، بل كاد أن يكون الكل ، كما ستعرف ، فتأمّل.

مع أنّ كثيرا من الأخبار لا يكاد يقبل التوجيه ، مثل روايتي الإنائين (٣) ، ورواية الولوغ (٤) ، سيما بعد ملاحظة ما سيجي‌ء في مبحثه.

ورواية عمار في زيادات التهذيب عن الصادق عليه‌السلام : الرجل يجد في الإناء فأرة ، وقد توضأ مرارا وغسل ثيابه واغتسل ، وهي متسلخة ، قال : إن رآها قبل الغسل والوضوء والغسل فعليه أن يغسل ثيابه ، ويغتسل ، ويغسل كل ما أصابه الماء بعد الوضوء والصلاة. وإن كان رأى بعد ما فرغ فلا يمس من الماء شيئا ، وليس عليه شي‌ء ، لأنه لا يعلم متى سقطت ، لعلها سقطت تلك الساعة (٥).

__________________

(١) روضة المتقين ١ : ٥٤.

(٢) معالم الفقه : ٥.

(٣) الكافي ٣ : ١٠ / ٦ ، التهذيب ١ : ٢٤٨ / ٧١٢ ، ١ : ٢٤٩ / ٧١٣ ، الاستبصار ١ : ٢١ / ٤٨ ، الوسائل ١ : ١٥٥ ، ٦٩ أبواب الماء المطلق ب ٨ ، ١٢ ح ١٤ ، ١.

(٤) انظر المدارك ١ : ٣٩.

(٥) التهذيب ١ : ٤١٨ / ١٣٢٢ ، الوسائل ١ : ١٤٢ أبواب الماء المطلق ب ٤ ح ١ بتفاوت في العبارات.

٦١

وفي الموثق كالصحيح عن محمّد ، عن الصادق عليه‌السلام : الكلب يشرب من الإناء ، قال : « اغسل الإناء » (١) ، وغير ذلك من الأخبار ، فتأمّل.

قوله : لنا قوله. ( ١ : ٣٨ ).

لا يقال : لم تثبت الحقيقة الشرعية.

لأنا نقول : المتحقق في موضعه أن حال كلام الصادقين عليهما‌السلام ومن بعدهما حال المتشرعة. على أن الحمل على اللغوي لا يصح ، إذ لا يسأل عنه (٢) الجهّال فضلا عن الفقهاء ، وسيما عنهم عليهم‌السلام.

وأيضا ولوغ الكلب وأمثاله لا دخل له فيه ، وكون الماء قدر كر لا ربط له في عدمه ، وكذا كونه أقل لا دخل له في وجوده.

وكون المراد أمرا شرعيا وهو الكراهة ، يأباه أن الصارف عن اللغوي يعين المصطلح عليه ، وهو مسلم عند المنكرين ، وعليه المدار في الفقه ، ووجهه القطع بكثرة استعمال الشارع فيه إلى أن وقع النزاع في صيرورته حقيقة فيه عنده ، وقال به الأعاظم من الفحول ، وكونه حقيقة في قرب من الزمان وفاقا ، فليس من قبيل سائر المجازات سيما نادر الاستعمال ، وخصوصا إذا لم يظهر استعماله ولم يثبت.

مع أن القرائن ظاهرة من الأخبار على أن مراد السائل ما كان السؤال عن الكراهة. مع أنّ غير واحد من أخبارهم صريحة في النجاسة ، أو ظاهرة غاية الظهور ، كما أشرنا. مع أن المشهور المعروف عند المسلمين كان‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٢٥ / ٦٤٤ ، الاستبصار ١ : ١٨ / ٣٩ ، الوسائل ١ : ٢٢٥ ، أبواب الأسآر ب ١ ح ٣.

(٢) في « ج » و، « د » : عن.

٦٢

الإشكال والاختلاف في الانفعال وعدمه ، ولأجل هذا كان فقهاء أصحابهم : يسألونهم بأن الحق ما ذا ، ويريدون الحق عندهم : ، كما لا يخفى على المتفطن.

قوله : ما دون الكر. ( ١ : ٣٨ ).

بل نقلوا الإجماع على حجية هذا المفهوم بخصوصه (١).

قوله : وهو كناية. ( ١ : ٣٩ ).

ويؤيده ما ورد عنهم عليهم‌السلام من المنع عن صب فضلة الماء وعده إسرافا (٢) ، وقد ورد الأمر بالإهراق في ملاقاة النجاسة في كثير من الأخبار (٣).

قوله : قد تواتر. ( ١ : ٣٩ ).

يشبه أن يكون وقع لابن أبي عقيل اشتباه بين هذا المضمون وبين قولهم : « كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر » وأمثاله ، إذ لو كان هذا المضمون متواترا عنهم عليهم‌السلام في عصره فلم لم يروه أحد ممن عاصره والمقاربين لعصره بطريق واحد فضلا عن التواتر؟ وما أشاروا الى ذلك في مقام الاستناد والاستدلال ، سيما مع شدة جهدهم في ضبط رواياتهم ، حتى الشواذ ، وغير المعمول بها أو بظاهرها ، مع نهاية مهارتهم فيها ، بل بذلوا جهدهم في ضبط روايات العامة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلي عليه‌السلام وغيرهما ، مما يمكن أن يتأيد به.

ولذا روى بعضهم هذا المضمون من طريق العامة عنه صلّى الله عليه‌

__________________

(١) لم نعثر على ناقله.

(٢) الوسائل ٥ : ٥١ أبواب أحكام الملابس ب ٢٨.

(٣) الوسائل ١ : ١٥٠ أبواب الماء المطلق ب ٨.

٦٣

وآله (١) ، ولم يشر أحد من الخاصة إلى ورود مثله عن الصادق عليه‌السلام ، أو غيره من الأئمة عليهم‌السلام في موضع من المواضع ، مع أنّهم ربما يذكرون الرواية بهذا المضمون من طريق العامة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويظهر من علم الرجال أنه ربما يقع أمثال هذا الاشتباه من الرواة.

ولعل ما ذكرنا هو المنشأ لمخالفة سائر الشيعة من الفرقة الناجية المعاصرين للأئمة عليهم‌السلام الكثيرين الخلطة لهم ، الراوين منهم ، الوكلاء عنهم ، وكذا قريبي العهد منهم المطلعين على رأيهم ، بل وطريقة عملهم وعمل أهلهم وخواصهم ، وابن أبي عقيل لم يصل إليهم ، ولم يستند إلا إلى أنّه قد تواتر عنهم ـ وفيه ما قد عرفت ـ وإلى ما روي عن الباقر عليه‌السلام ، على تقدير أنه هو استند إليه ، لا أن العلامة ذكر له.

مع أنه يقرب في الظن أن هذه الرواية مختصرة مضمون رواية زرارة عنهم عليهم‌السلام ، المتضمنة للنجاسة مع تفسخ الميتة دون عدم التفسخ ، وعدمها إذا كان الماء أكثر من راوية ، مع ضعف السند ، مع أنّ الرواية هكذا : قلت له : راوية من ماء سقطت فيها فأرة ، قال : « إذا تفسخ فلا تشرب ولا تتوضأ ، وإن كان غير متفسخ فاشرب وتوضأ إذا أخرجتها طرية ، وكذلك الجرة ، وحب الماء ، والقربة ، وأشباه ذلك من أوعية الماء »(٢).

فظهر أن نفس هذه الرواية مضمونها ما ذكرناه ، فهي حجة على ابن ابي عقيل ، لا أنها حجة له ، سيما بملاحظة قوله عليه‌السلام : وأشباه ذلك من أوعية الماء ، إذ قال هكذا ولم يقل : وكذلك كل ماء ، أو كل قدر من الماء ، أو كل وعاء منه.

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ١٧٤ / ٥٢١.

(٢) التهذيب ١ : ٤١٢ / ١٢٩٨ ، الاستبصار ١ : ٧ / ٧ ، الوسائل ١ : ١٣٩ ، أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ٨. بتفاوت يسير.

٦٤

فهي تضرّ ابن أبي عقيل من جهتين :

الأولى : الانفعال من المتفسخ دون غير المتفسخ ، ولم يقل به هو ولا غيره من الشيعة ، فلعله من مذاهب العامة ، فهذا مضعف آخر للرواية ، مانع عظيم للاستدلال ( ومقام التأويل غير مقام الاستدلال ) (١).

والثانية : مفهوم الرواية يدل على انفعال أقل من القربة وأشباه ذلك ، والدلالة ظاهرة ، بل المفهوم مفهوم الحصر ظاهرا ، وأما منطوقها فهو أيضا لا يدل على مذهبه ، بل على عدم انفعال قدر خاص. إلاّ أن يراد النقض (٢) ، أو التشبّث بعدم القول بالفصل ، وفيه : أنّه سيجي‌ء ما يظهر منه القائل به ، فالمناسب أن يؤتى بهذا الخبر في مبحث قدر الكر ويتكلم فيه لا أن يؤتى به دليلا لابن أبي عقيل.

مع أن المخالف ليس إلا هو ، فإن كان إجماع فهو مخالف ، وإلاّ فكيف يتأتّى له التشبث به؟! فهذا حال معاصريه والقريبي العهد لهم ، وأمّا فقهاؤنا المتقدمون والمتأخرون مع تبائن سلائقهم واختلاف مشربهم اتفقوا على الانفعال كل الاتفاق ، بل وربما نسبوا ابن أبي عقيل إلى مخالفة الإجماع ، منه ما أشرنا.

وموثقة عمار وسماعة الواردتان في أنّه إذا وقع في أحد الإنائين قذر ولا يدرى فيهراقان ويتيمّم (٣) ، إذ اتفق الأصحاب على العمل بمضمونها ، ونقل الاتفاق جمع ، منهم الفاضلان (٤) ، ونقل الخلاف من خصوص الشافعي (٥).

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٢) في « أ » و « د » و « و » : النقص.

(٣) راجع ص ٦١.

(٤) المعتبر ١ : ١٠٣ ، نهاية الإحكام ١ : ٢٤٨.

(٥) حكاه عنه في الخلاف ١ : ١٩٧ وهو في الأم ١ : ١٠.

٦٥

وفي مسألة الولوغ ادعى الشيخ في الخلاف ، والعلامة في المنتهى ، والشهيد في الذكرى (١) ، الإجماع على الغسل ثلاثا ، أو لهن بالتراب ، والأصل فيه صحيحة أبي العباس (٢) ، وسيجي‌ء المسألتان مع المباحث والمتعلقات.

وفي بحث قدر الكر نقل الإجماع (٣) ، والأصل فيه مرسلة ابن أبي عمير (٤). وفي انفعال غسالة الحمام نقل الإجماع (٥). وفي حجية مفهوم الشرط في قولهم : إذا كان الماء قدر كر نقل الاتفاق.

وبالجملة : تتبع كثير من المسائل يشهد بعدم اعتنائهم أصلا بفتواه ، فتأمّل جيدا.

قوله : والجواب. ( ١ : ٣٩ ).

يمكن الاستدلال بأخبار أخر ، إلاّ أن الكل مشترك في عدم المقاومة ، إما من حيث السند أو الدلالة أو كليهما ، مع ندرة القائل والمخالفة لما اشتهر بين الأصحاب غاية الشهرة ، لو لم نقل بالإجماع ومظنة اشتباهه.

وأنه لم يستند إلى هذه الأخبار ، ومستنده ، لم يرو في أصول الشيعة ، ومظنة أن مستنده هي لا غير ، والمعارضة مع ما هو أكثر بمراتب شتى ـ لو لم نقل بالتواتر ـ وأقوى دلالة ، مع صحة السند ، لو لم نقل بالقطع ، كما مر ، والموافقة لمذهب العامة المشهور في زمان الصدور ، سيما في الحجاز.

__________________

(١) الخلاف ١ : ١٧٥ ، المنتهى ١ : ١٨٧ ، الذكرى : ١٦.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٥ / ٦٤٦ ، الاستبصار ١ : ١٩ / ٤٠ ، الوسائل ٣ : ٥١٦ أبواب النجاسات ب ٧٠ ح ١.

(٣) كما في المعتبر ١ : ٤٧ ، والغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥١.

(٤) انظر المدارك ١ : ٤٧ ).

(٥) السرائر ١ : ٩١.

٦٦

مع أن معارضها متضمن للأحكام الشائعة عند الشيعة المعمولة بينهم ، أو المختصة بهم ، مثل حد الكر وغيره.

مع أن عمدة أسباب الاختلاف التقية.

وربما يؤيدها (١) اختلاف تحديد الكر ، ويضعف التأييد أن الاختلاف في الجملة لا يخلو عنه الأحكام الفقهية ، ولم يجعل الاختلاف مرجح عدم اللزوم أول مرة بالبديهة ، بل المدار على الترجيح ، ومع اليأس عنه على الأصول ، وإلاّ لم يوجد حكم فقهي ، والرجحان ستعرفه. ومع الإغماض فخصوص الزائد محمول على الاستحباب ، كما هو أحد الأقوال.

نعم لو كان الاختلاف من قبيل اختلاف النزح فالظاهر أنه مرجح ، ولو سلم فقد عرفت ما بإزائه من المرجحات.

فإن قلت : صحيحة زرارة عن الصادق عليه‌السلام ، عن الحبل يكون من شعر الخنزير ، يستقى به الماء من البئر ، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال : « لا بأس » (٢) ، خالية عن الوهن سندا ودلالة.

قلت : ليس كذلك ، لأن نجاسة شعر الخنزير محل كلام ، مع احتمال كون المشار إليه ماء البئر بقرينة « يستقى » المفيدة للاستمرار ، مع التعرض لذكر قوله : « من البئر » وتقييد يستقى به ، المشعر بمدخليته في السؤال.

وموثقة ابنه الحسين عنه ، عن الصادق عليه‌السلام : شعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها ويتوضأ؟ ، قال : « لا بأس » (٣).

__________________

(١) في « ج » و « د » : يؤيّده.

(٢) الكافي ٣ : ٦ / ١٠ ، التهذيب ١ : ٤٠٩ / ١٢٨٩ ، الوسائل ١ : ١٧٠ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ٢.

(٣) الكافي ٦ : ٢٥٨ / ٣ ، الوسائل ١ : ١٧١ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ٣.

٦٧

واحتمال عدم وصول الشعر إلى الماء وإن كان بعيدا ينفع لعدم العلم بالنجاسة ، وهو المعتبر في موضوع الحكم ، سيما في الماء عند معظم المحققين ، كما هو مقتضى الدليل بالنظر إلى موضوع الحكم. وأمّا نفس الحكم فيكفي ظن المجتهد ، كما هو المحقّق والمسلّم ، مع أنّه لا محيص عنهما.

مع أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يحصل اليقين بأنه نجسها شي‌ء ـ وسيما الماء ـ بالأخبار الدالة وحكم الاستصحاب.

وسيجي‌ء التحقيق في الفرق بين نفس الحكم وموضوعه في ما ذكر ، فلاحظ.

فإن قلت : في الحسن : الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق يريد أن يغتسل ويداه قذرتان؟ ، قال : « يضع يده ويتوضأ ويغتسل » (١) ، الحديث.

قلت : غير معلوم أن القليل أقل من الكر ، ولا أن القذر هو النجس ، لعدم كونهما حقيقتين فيهما ، لا عند الشارع ولا المتشرعة ، ولا قرينة ظاهرة.

مع أنّ قوله : « يتوضأ » يشهد على البناء على التقية ، لظهوره في المعنى الاصطلاحي ، لثبوت الحقيقة الشرعية في كلام الصادقين عليهما‌السلام ، كما مر ، مضافا إلى ظهوره من تتبع أحاديثهم ، مع مقارنته مع قوله : يغتسل ، فربما يكون الحديث من الشواهد على احتمال التقية في ما دل على الطهارة ، كما مر.

ولعل قوله : ليس عليكم ، مؤيد له ، بأن يكون إشارة إلى النجاسة ، وأنّها من جهة التقية توجب الحرج ، وذلك لأن جواز استعمال النجس‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤ / ٢ ، التهذيب ١ : ١٤٩ / ٤٢٥ ، الاستبصار ١ : ١٢٨ / ٤٣٨ ، الوسائل ١ : ١٥٢ أبواب الماء المطلق ب ٨ ح ٥ ، بتفاوت في العبارة.

٦٨

اضطرارا خلاف الإجماع ، بل والضرورة ، والطاهر لا حرج فيه أصلا ، وإن كان مكروها ، سيما حال الاضطرار ، فالسؤال ليس عن الكراهة وعلاجها حال الاضطرار ، مضافا إلى بعده في نفسه.

على أنّه لو كان السؤال عن علاج الكراهة لتعين كون المراد من القذر معناه الحقيقي مع أنّه لا صارف عنه ، فلا دلالة له بوجه من الوجوه. فتأمّل.

قوله : وإمكان تأويلها. ( ١ : ٤٠ ).

وإن كان بعيدا ، بناء على أن الجمع أولى من الطرح ، حتى مثل الحمل على التقية ( بأن كان هناك قرينة يظهر منها ، وبذهابها صار بعيدا ، كما هو الحال في جميع الأخبار المؤولة ، مثل تخصيص العموم ، والحمل على الاستحباب ، وغيرهما. والأقرب الحمل على التقية ) (١) لما مر.

لا يقال : كما يمكن تأويله يمكن تأويل مستند المشهور.

لأنا نقول : هذا موقوف على تكافؤ الدليلين ، وقد عرفت حاله ، لأن القاعدة المقررة المسلمة المنصوص عليها التي مدار الفقه عليها ، ولولاها لم يحصل الفقه ، أن المتعارضين إن كان أحدهما راجحا يتعين كونه هو الحجة دون المرجوح ، فلا يمكن تخريب الحجة وتأويلها بسبب المرجوح الذي ليس بحجة ، بل العكس متعين.

وأما الجمع مهما أمكن ، فلا دليل عليه أصلا ورأسا ، بل خلاف المستفاد من النص ، فضلا عن أن يقدم على تلك القاعدة المسلمة الثابتة من الأدلة العقلية والنقلية ، وأولوية الجمع بتأويل المرجوح إنّما هي لإرجاع ما ليس بحجة إلى الحجة ، وصونه عن مخالفة الحجة الموجبة للبطلان والطرح.

فإن قلت : أصل البراءة ، وأصل الطهارة ، والعمومات ترجح الخبرين.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « أ » و « ج » و « د » و « ه‍ ».

٦٩

قلت : لا ترجح إلاّ أحد المتكافئين ، إذ مفاد الأصل أنه لو لم يقتض مقتض يكون كذا ، والراجح مقتض ، كما أشرنا ، والعام يخصص بالراجح ، لأنه قرينة ، سيما بملاحظة شيوع التخصيص ، وعلى ما ذكر يكون المدار في الفقه. على أنّها لو كانت مرجحات مطلقا لم يحصل التكافؤ أيضا ، كما عرفت.

على أن رواية الولوغ لا يمكن تأويلها ، بل وربما كان غيرها أيضا كذلك ، سيما بعد ملاحظة الإجماعات المنقولة ، والتفريعات ، والتعاضد ، وكون التواتر بالمعنى ، وغير ذلك مما مرّ.

مع أنّه لو فرض إمكان الحمل فلا أقل من الوجوب تعبدا ، أو الكراهة المشددة غاية الشدة ، وشي‌ء منها لم يفت به ابن أبي عقيل ، بل لم يفت بكراهته أصلا ، فلو لم يعتبر وجود فتوى من القدماء ولم يضر المخالفة عندك لفتواهم فما الداعي لمثل هذا التوجيه الركيك؟! ولم لا تقول بالانفعال في هذه الموارد الخاصة ، إذ لا معارض لها بالخصوص ، وأمّا العمومات فالخاص مقدم.

مضافا إلى أنّه كما يظهر منها عدم الانفعال كذا يظهر عدم الكراهة ، فضلا عن تلك الكراهة والوجوب التعبدي ، فتأمّل.

ولا عبرة بعموم المفهوم عندك ، سيّما وأن يعارض المنطوق كما اعترفت. ولا ملازمة بين القول بالانفعال في الموارد والقول بعموم المفهوم.

مع أنه على تقدير التسليم وتسليم رجحانه على المنطوق العام أيضا فالخاص مقدم ، فيلزمه القول بعدم الانفعال في هذا الخاص ، فإن تمسك بنفي القول الثالث فكذلك نتمسك بنفي القول بالكراهة ، سيما أن تكون مغلظة ، فتأمّل.

على أن حمل قوله عليه‌السلام : « وإن لم يغلب فتوضأ واشرب » على الجواز بكراهة شديدة بعيد أيضا ، فيلزم تخريب جميع الأحاديث من‌

٧٠

الطرفين ، وتخريب أحدهما أولى ، بل يلزم تخريب الصحاح وغيرها ، الصراح والقريبة إلى الصراحة ، وظاهرة الدلالة ، المعمول بها عند الفقهاء ، المتعاضدة بما أشرنا في الحواشي السابقة ، بخلاف ظاهر خبر ضعيف مستجمع لأسباب الضعف الكثيرة ، مما أشرنا إليها أيضا ، مضافا إلى عدم وجدان قائل به ، بل وربما يظهر العدم ، وفيه ما فيه.

قوله : لكن لا يخفى. ( ١ : ٤٠ ).

ربما يوهم ظاهر كلامه في هذا المبحث ورود اعتراض عليه ، بأنّك لو قلت بعموم المفهوم فلا وجه لما ذكرت هاهنا ، وإلا فلا وجه لاختيارك مذهب المشهور بخصوص حديثين في موردين مخصوصين ، أو ثلاثة في ثلاثة ، وجعل رواية الباقر عليه‌السلام من المعارض ، ثم الطعن في السند وارتكاب التعسف بإرجاعها إلى المشهور.

وجوابه أنّه ـ رحمه‌الله ـ اختار خلاف ابن أبي عقيل ، أي القدر المشترك بين المشهور ورأي الشيخ والسيد ، واكتفاؤه بالحديثين مبني على اعتماده على عدم القول بالفصل ، أي الخارج عن الأقوال المذكورة ، أو على الإجماع البسيط على حسب ما أشرنا ، وإلاّ فالقول بعدم الانفعال في خصوص الفأرة مما لا يجوز أن ينسب إلى مثله ، لمخالفته الإجماع ، بل وضروري الدين.

فالمنفي في قوله ولا على انفعاله. العموم الذي يشمل محل نزاع المشهور مع الشيخ ، لا مطلقا ، يظهر ذلك من تضاعيف أقواله في هذا المبحث. وقوله : وهو متجه ، يشير إلى ما ذكرنا ، (١) وإلى تأمله في رأي الشيخ أيضا.

قوله : وقد استثنى الأصحاب. ( ١ : ٤٠ ).

نبه بذلك على أن الأصحاب قائلون بالانفعال كلية إلاّ ما استثنوه ،

__________________

(١) في « ب » و « و » زيادة : بل.

٧١

ولعل مستندهم الإجماع البسيط الذي أشرنا أو المركب.

وينبّه على ذلك حالنا وحال الفقهاء في كل عصر ومصر ، بأنّا بملاحظة حديث في موضع خاص ، مثل حديث الولوغ ، يسبق إلى أذهاننا انفعال القليل مطلقا من كل نجاسة ، من دون مدخلية خصوص ولوغ الكلب مثلا ، سبقا لا تأمّل فيه ولا تزلزل ، ولو أطلعنا على مثل ما روي عن الباقر عليه‌السلام مثلا يسبق إلى أذهاننا عدم الانفعال كذلك ، من دون مدخلية موت الفأرة والجرة.

ثم من جهة السبقين يسبق إلى ذهننا التعارض بينهما ، بحيث نضطر إلى بذل الجهد التام في استحصال المرجحات وحجية تلك المرجحات ، ونضطرب في ذلك ، ثم في الجمع ولو بتعسفات شديدة ، أو الطرح بعد اليأس بالمرة ، ولا يختلج بخاطرنا احتمال اختصاص كل بمورده ، حتى في مقام تعسفات الجمع واضطراب القدح والطرح. مع أنّه لا تعارض أصلا ورأسا لو لا ما يرسخ في الخاطر من الإجماع.

ولذا لا يوجد تفاوت أصلا في ما ذكرنا بين القائل بحجية المفهوم ومنكرها والقائل بعمومه ومنكره ، بل ربما لا يخطر بالبال أصلا في المقامات المذكورة حديث المفهوم فضلا عن العموم والإشكال ورفعه بتحصيل رجحان ما. مع أن عموم المفهوم لا يقاوم خصوص المنطوق إجماعا ، فضلا عن أن يترجح عليه وفاقا ، وخصوصا أن يحصل الاطمئنان التام (١) الذي أشرنا.

ومما يؤيد قول الأصحاب تتبع تضاعيف الأحاديث الواردة في المقامات الخاصة التي لا تحصى ، إذ بملاحظة جميعها ربما يحصل العلم العادي بعدم مدخلية خصوصية مادة ، مثلا رأينا الشارع قال في موضع : إذا شهد عدلان فاعتبروا ، وفي موضع آخر قال كذلك ، وهكذا إلى أن قال في‌

__________________

(١) في « أ » و « و » زيادة : واليقين.

٧٢

مواضع لا تحصى ، ربما يحكم بأن الشهادة حجة شرعية كلية حتى يثبت خلافه ، ولعله لهذا حكم الفقهاء بالكلية ، فتأمّل.

ويقوّي ما أشرنا عمومات المفاهيم وأقوال الاعلام ، حتى أن الشيخ والسيد استدلا لعدم الانفعال بخصوص دليل تشبثوا به ، بحيث يظهر أنه لولا ذلك لكانا قائلين بالانفعال مطلقا ، وكذا الحال في استثناء ماء الحمام وغيره ، فلاحظ وتأمّل (١).

ولنختم المبحث بذكر كلمات عن بعض من قال بعدم الانفعال ـ وإن ظهر مما سبق فسادها ـ مزيدا في التوضيح.

الأولى : لو انفعل شي‌ء من القليل لاستحال إزالة الخبث مطلقا ، والتالي باطل بالضرورة من الدين. بيان الملازمة : أن كل جزء من أجزائه الواردة على المحل النجس إذا لاقاه نجس ، وما لم يلاقه لم يطهر ، والفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه تحكم. إلى آخر ما قال (٢).

ولا يخفى ما فيه ، إذ لا يلزم من انفعال شي‌ء منه العموم حتى يلزم استحالة الإزالة.

مضافا إلى أنّه لو كان مراده أن العام مما لا يمكن تخصيصه ففساده في غاية الوضوح ، بل بلغ التخصيص إلى حد الشهرة ، وتلقي بالقبول أنه ما من عام إلا وقد خص ، والحال في المسائل الفقهية لعله أزيد مما ذكر ، كما لا يخفى ، مع أنه من أول الفقه إلى آخره بناؤه على تخصيص العمومات.

وإن أراد أن المخصص غير موجود ، ففيه أن ما ذكروه من الضرورة‌

__________________

(١) في « ألف » و « ب » و « و » زيادة : تذنيب : وممّا يرد على القائل بعدم الانفعال : أنّه إن وقع كلب أو خنزير في الماء وخرج يجوز أن يعصر شعره لإخراج الماء الذي رسب فيه ، أو بطنه لإخراج ما دخل في بطنه من حلقه ، وإن لم يكف ذلك للوضوء والشرب يبول فيه مقدار ما لا يخرج الماء عن كونه ماء ـ كما إذا دخل فيه ماء الورد وما ماثله ، وسيجي‌ء أنّه يجب ذلك عند تعذر الماء ـ ثم يتوضّأ أو يشرب وإن كان الماء موجودا وافرا ، وفيه ما فيه.

(٢) انظر مفاتيح الشرائع ١ : ٨٢.

٧٣

يكفي ، سيما والأخبار كثيرة في الغسل والتطهير معمول بها بين المسلمين ، بل من المتواترات المقبولة. مضافا إلى عدم تكليف ما لا يطاق وعدم الحرج لاشتراط الإزالة في الواجبات والأكل والشرب وغيرهما ، ولا يحصل بغير الماء بالضرورة.

وإن أراد انه لو انفعل لكان العلة تنجيس النجاسة وقبول الماء لها من دون مدخلية عدم إزالة الخبث البتة ، ولا يجوز تخلف المعلول عن علته ، ففساده أيضا كما تقدم ، لأنه قياس حرام عند الشيعة ، بل وفاسد عند العامة أيضا ، لما ظهر من الفارق.

( مع أنّه لو تم لزم انسداد باب تخصيص العموم ، بجريانه في كل عام وخاص متنافي الظاهر ) (١). مضافا إلى أن العلل الشرعية يجوز فيها التخلف بالبديهة ، سيما المستنبطة في القياس ، ولذا لا تعارض ما هو أقوى منه عند القائل به ، فكيف تعارض الظاهر (٢) وغيرها مما ذكر.

وإن أراد الاستنباط من تتبع التضاعيف على حسب ما أشرنا ، ففيه : أنه بعد التمامية لا محيص من القول بالانفعال ، وإلا فلا اعتراض.

إلاّ أن يقال : لو حمل على ظاهرها يلزم ذلك ، وفيه : أن القدر الثابت ـ على القول به ـ الانفعال بخصوص ورود النجاسة عليه ، وفي غير الإزالة لعدم استفادة أزيد من ذلك من مجموع التضاعيف ، فدعوى حصول القطع بما يشملها (٣) أيضا فاسد قطعا ، بل بملاحظة ما أشرنا من أدلة حصول الإزالة يحصل القطع بعدم الشمول.

ثم قوله : إن لاقاه نجس ، ممنوع ، بل مصادرة ، لعدم العموم في المفهوم عنده وعند غيره ممن شاركه من المحققين ، وخصوصيات الموارد لا‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ه‍ ».

(٢) في « ا » : الضرورة.

(٣) في « أ » و « و » : يشملهما.

٧٤

شمول لها قطعا ، وضميمة عدم القول بالفصل فاسد ، أما في ورود الماء على النجاسة فلقول السيد وغيره أيضا ، وأما في الإزالة فلقول جمع ، وهم بين قائل بالانفعال بعد الانفصال ، وقائل بعدمه مطلقا ، ومستند القولين عدم العموم. واختص الأولون بالاحتجاج بما ورد من الأمر بغسل المنفصل.

على أنه لا مانع من القول بالانفعال بالوصول وحصول الإزالة ، كما قال آخرون ، تمسكا في الانفعال بعموم المفهوم وغير ذلك مما مر ، وحصول الإزالة بما مر آنفا ، وكون مباحث النجاسة والإزالة من أولهما إلى آخرهما تعبدية محضة كما لا يخفى ، ولذا صرح بنظيره ، كما في مطهرية أحجار الاستنجاء والأرض وغيرهما.

وأيضا عنده أنّ المتنجّس لا ينجّس ، (١) فلعل الطهارة تحصل بالغسلة الثانية ، فيكون الغسالة كالمحل بعدها ، كما هو أحد الأقوال ، ذهب إليه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الخلاف (٢) ، محتجا على نجاسة الغسالة الأولى بأنه ماء قليل لاقى نجاسة فوجب الحكم بنجاسته ، وعلى طهارة الثانية بالأصل ، وانتفاء الدليل على النجاسة ، وسيجي‌ء تمام الكلام فيه في مقامه إن شاء الله. فتدبر.

على أنه لو تم ما ذكره لزم القول بعدم انفعال الجسم الرطب بالماء ، لأن رطوبته ماء فلا ينفعل ، والجسم في نفسه لا ينفعل ، فتأمّل.

ويلزمه أيضا إن كان عنده ماء لا يفي بطهارته من الحدث أو الخبث أو شربه أن يبول فيه على سبيل الوجوب بمقدار لا يخرج الماء عن الإطلاق ويصدق عليه أنه ماء عرفا ، على قياس ما قاله الأصحاب في إدخال الماء المضاف في الماء لأجل الوفاء للطهارة ، كما سيجي‌ء ، بل وإن كان ذلك الماء خرج عن حلق الكلب أو الخنزير أو عن شعرهما بالعصر ، وغسل اليدين‌

__________________

(١) انظر المفاتيح ١ : ٧٥.

(٢) الخلاف ١ : ١٧٩.

٧٥

من العصر من ذلك. بل يلزمه جواز أن يفعل جميع ما ذكرناه على تقدير وجدان الماء الكثير غاية الكثرة ، وفيه ما فيه.

الثانية : قال : الأكثر على نجاسة ما دون الكر ، لمفهومي الصحيحين ، وظاهر الآخرين ـ إلى أن قال : ـ لا يعارض المفهوم المنطوق ، ولا الظاهر النص (١). انتهى.

ولا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما سبق ، حيث حصر الأدلة في الأربعة مع أنها لا تحصى ، إلا أن نظره لما كان مقتصرا على المدارك ولم يذكر فيه في المقام غيرها قال ما قال ، وهذا عيب عظيم في المجتهد.

وأعظم من هذا أنه في كتابه الحديثي جمع في حكمه بعدم الانفعال جميع ما يمكن أن يستدل له وما يتراءى منه ذلك ، وما لا دخل له فيه ، مثل طهارة ماء الاستنجاء ، وغسالة الغسل وغير ذلك ، وفي باب القدر الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات أتى بقليل مما دل على الانفعال بدلالة ضعيفة ، أو محل خدشة (٢) ، وأما باقي الأدلة الظاهرة والنصوص فقد شتته تشتيتا لا يعثر عليه طالب أدلة هذه المسألة ، فيظن الجاهل ندرة أدلة الانفعال مع ضعف الدلالة.

وقوله : ولا الظاهر النص ، أراد من أحد الظاهرين صحيحة الفضل في الولوغ ، وقد عرفت أنه لا يمكن تأويله ، فكيف عده ظاهرا وغير مقاوم للنص ، وأراد من النص العمومات ورواية الحسن السابقة ، فقد عرفت حالها.

انظر إليه كيف جعل النص ظاهرا ، مع أن كونه نصا في غاية الظهور ، بل لا يمكن تأويله كما عرفت سابقا ، وجعل الظاهر ـ على تقدير كونه ظاهرا ـ نصا. والعمومات لا شبهة في كونها من الظواهر ، ورواية الحسن أيضا كذلك ، لو سلم الظهور فيها.

__________________

(١) المفاتيح ١ : ٨٣.

(٢) الوافي ٦ : ١٥ و ٣١.

٧٦

الثالثة : منع عموم المفهوم ، ثم حمله على الانفعال في صورة التغير خاصة (١). ولا يخفى ما فيه ، لأن المراد من « شي‌ء » في المنطوق الملاقاة لا التغير أيضا ( للقطع بنجاسته به مطلقا ، والشرط وقع بالنسبة إلى المراد لا غير المراد أيضا ) (٢) ، فكيف يدخل في المفهوم ما ليس داخلا في المنطوق؟! سيما مع عدم إفادة المفهوم العموم عنده. وأعجب من ذلك أن يكون المراد خصوص ما لم يكن داخلا ليس إلاّ ، وفائدة الشرط منحصرة فيه ، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الرابعة : قال : فيكون ـ أي الكر ـ تحديدا للقدر الذي لا يتغير بالنجاسة غالبا (٣).

وفيه : أن النجاسات التي سئل عن حالها في الملاقاة وصدر الكر في الجواب ثلاثة أقسام :

منها ما لا دخل له في التغير غالبا ، بل ومطلقا ، مثل الولوغ ، واليد المساورة ، وغيرهما.

ومنها ما له دخل في مقام الاستعمال ، إلاّ أن العادة تقضي بعدم الانضباط قطعا ، لبداهة التفاوت في الاستعمال غالبا ، بل وكليا ، في عدد الاستعمال ، والحاجة إليه ، ومقدار عين النجاسة ، وصفاتها المؤثرة ، وخلوص العين من غيرها مما له دخل في التغير ، مثل الوسخ وغيره ، ومشوبيتها به ، وتخلل الاستعمالات ( الطاهرة ) (٤) التي لها دخل عظيم في التأثر والتفاوت فيه وفي الكيفية والكمية على قياس ما ذكر.

وكذا الحال بالنسبة إلى القابل ، مضافا إلى الأمور الخارجة ، مثل‌

__________________

(١) انظر مفاتيح الشرائع ١ : ٨٣.

(٢) ما بين القوسين غير موجود في « ه‍ ».

(٣) مفاتيح الشرائع ١ : ٨٣.

(٤) بدل ما بين القوسين في « و » : الظاهرة.

٧٧

تفاوت الهواء حارا وباردا ورطبا ويابسا ، إلى غير ذلك ، ومنه توالي الاستعمالات وتراخيها ، وطول المكث وقصره.

ومنها ما يرد ويقع في الماء ، مثل الجيفة والدم وغيرهما ، وحاله حال السابق أيضا.

على أن ما التزمه من أن عدم الانفعال بالملاقاة كان في عصر صدور الروايات من جملة المعلومات عند كل أحد إلى حد لم يحتج إلى سؤال وجواب قطعا ينادي بفساده مشاهدة الأخبار وحال المسلمين في الأعصار والأمصار ، سيما الشيعة حيث اتفقوا على ما اتفقوا في قرب عهد من الأئمة والرواة وبعده ، لو لم نقل في زمانهم عليهم‌السلام أيضا ، بل لا شبهة في كون زمانهم عليهم‌السلام كذلك ، فتدبر.

وكذا التزامه بأن الرواة كان سؤالهم عن خصوص التغير ، من حيث إنهم كانوا يعلمون أنه هو المنجس لا غير ، والسؤال كان عن أنه هل وقع التغير أم لا ، يشهد بفساده أيضا الاعتبار ، وما يظهر من الأخبار ، إذ التغير أمر محسوس يدركه كل من له حس ، والمعتبر منه الحسي ، كما يدل عليه الأخبار ، وعليه المعظم. فكيف كان الرواة يركبون الجمال ويسافرون البعيد ويسألون خصوص الإمام عليه‌السلام أن الماء الذي كان في وقت في بيتنا ووقع استعمال النجس هل تغير أم لا؟! مع أنهم كانوا أصحاب الحواس والعقول.

وكذا جميع أهل الكوفة ، وسيما ما هو من قبيل صحيحة علي بن جعفر ، فلاحظ. وخصوصا على ما قاله من أنّهم حينما كانوا يستفهمون هل وقع التغير أم لا؟ يجابون بأنه إذا كان قدر كر لم ينجسه شي‌ء ، وأنهم من هذا الجواب ما كانوا يفهمون إلا وقوع التغير إن لم يكن كرا ، وعدمه إن كان.

على أن التغير أمر محسوس فكيف تستقيم الحوالة فيه إلى أمر مجهول موهم لخلاف المقصود ومقتض للاغراء بالجهل.

مع أن المعتبر لو كان التغير الحاصل من عين النجس خاصة ـ كما‌

٧٨

عليه المعظم وهو مقتضى الأدلة ـ فمحال تحققه بالاستعمالات الغالبة بالنسبة إلى ما ينقص عن الكر بشي‌ء يسير ، سيما وأن يكون إذا لم ينقص هذا اليسير لا يتغير عادة أصلا ، فتدبر.

مع أن المتنجس عنده لا ينجس.

على أن الماء طاهر كله حتى تعلم النجاسة ، فمع الشك يكون طاهرا شرعا ، فكيف يكون السؤال والجواب والسائلون فقهاء ، والأئمة صلوات الله عليهم في أخبار كثيرة صرحوا بأن مع الشك يكون طاهرا ، بل وحذروا بقولهم : « إياك أن تنقض اليقين بالشك أبدا » (١) ، وأمثاله.

على أن أدلة طهارة الماء وطهارة الأشياء واستصحابها إلى أن يحصل العلم في غاية الوفور مع الظهور ، فكيف يكون حالهما أخفى عندهم من عدم الانفعال بالملاقاة.

على أن السؤال على ما ذكرت يكون عن موضوع الحكم ، وقد عرفت أن المعتبر فيه هاهنا العلم اليقيني ، بل بعض العلماء لم يكتف فيه بالعلم العادي بل اعتبر العقلي ، ومعلوم أن ما يحصل مما يعتاد وروده ـ على تقدير التسليم ـ ليس أزيد من المظنة. مع أن وقوع ذلك الاشتباه على تقدير التسليم في غاية الندرة ، فكيف يحمل مثل هذه الأخبار الكثيرة عليه؟! سيما وأن يكون السائلون الفحول من الرواة ، ويكون سؤالهم عنهم عليهم‌السلام ، فإن السؤال عن الموضوع بأنه هل تحقق التغير أم لا؟ لا يتأتى من جاهل ، فكيف من مثل هؤلاء الفحول ، وسيما أن يكون يسألون عن المعصوم عليه‌السلام ، إذ ليس معرفة الموضوع شأن المجتهد والفقيه ، فكيف يسأل عن المعصوم عليه‌السلام؟!

مع أنا قد أشرنا إلى أن القطع حاصل بأن السؤال كان عن الطهارة والنجاسة. ولإن تنزلنا فلا شبهة في أن السؤال كان عن الحكم الشرعي‌

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٤٥ أبواب نواقض الوضوء ب ١.

٧٩

بالبديهة ، وخصوصا أن بناء توجيهك على أن الاخبار محمولة على الغالب المتعارف ، مع أنك عرفت ما فيه.

الخامسة : قال : إن اشتراط الكر مثار الوسواس (١).

وفيه : أنّ مثاره الحكم بالنجاسة بمجرد المظنة أو الاحتمال أو الوهم ، وقد عرفت أن الحكم بالنجاسة منحصر في العلم واليقين ، بل وتأمل بعض في الاكتفاء باليقين العادي ، وعلى أيّ تقدير اليقين اعتباره مسلم ثابت من الأدلة ، فلا محيص عنه ، للزوم الحرج أيضا ، كما لا يخفى على الملاحظ في أمر غير الماء أيضا.

مع أنا لم نجد فرقا بين الماء وغيره من الثياب ، والبدن ، والأواني ، وغيرها في حكاية الوسواس وحال الوسواسين ، بل ربما يوجد حالهم بالنسبة إلى غير الماء أشد ، فالمناسب على ما ذكرت عدم انفعال كل شي‌ء لا خصوص الماء ، لأنه لا ينفع ، بل نفس التكليف مثاره على ما توهمت ، فالمناسب أن لا يكون تكليف بناء عليه.

على أن الانفعال الذي اخترت أيضا مثاره قطعا ، حيث جعلت نسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء في التغير والتأثير ، ونسبة ضعفه إلى ضعفه كذلك ، وعلى هذا القياس ، وجعلت الحكم بعدم الانفعال في صورة الشك مخصوصا بما إذا بلغ كرا ، مع أنك جعلت حد الكر غير منضبط.

مضافا إلى أن غالب ما كان الرواة وغيرهم يحتاجون إلى معرفة حكمه هو صورة الأقل من الكر ، مع أنه معترف بأنه غالب ما كان في زمان الرواة الماء القليل ، فلعل سؤالهم في الحقيقة يكون عن حال القليل.

فإن كان الجواب يكون بالنسبة إلى الكر فقط ففيه ما فيه ، وإن كان‌

__________________

(١) الوافي ٦ : ١٩.

٨٠