الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

وأيضا ترجيح هذه القراءة لا بدّ له من مرجح ، فإذا وقعت المخالفة في القراءة فالمشهور التخيير لا الترجيح ، لأنّ الترجيح إنّما يطلب في موضع يراد أنّ الأمر في الواقع كيف هو ، وغير ظاهر كون ما نحن فيه منه ، لأنّ الشرع أمضى كلّ هذه القراءات مع أنّ الحق واحد منها ، بل ربما كان الحق القراءة المنسوبة إلى أهل البيت عليهم‌السلام ، فالشرع جعل هذه القراءات ممّا يجوز لنا التمسك به ، فالعبرة بتجويز الشرع لا بكونها موافقة للواقع.

مع أن قوله تعالى ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) (١) قراءة الجميع من حيث لا يشذ عنهم أحد ، فهو أرجح البتة ، وظاهرها يخالف ظاهر هذه القراءة ، مع أنّها أقوى سندا ، بل ربما كانت أقوى دلالة أيضا ، لموافقتها لقراءة يطّهّرن بالتشديد ، على أنّه لا أقل من التساوي ، والترجيح بأصل الإباحة يعارضه استصحاب الحرمة ، وكيف كان فالعبرة بالأخبار.

وعلى تقدير رجحان قراءة يطّهّرن على حسب ما ذكرنا فالمراد من الطهارة المعنى الذي هو حقيقة عند المتشرعة ، وهو مما يكثر استعمال الشارع اللفظ فيها إلى أن توهموا أو (٢) قالوا : إنه حقيقة ، فتأمل (٣).

قوله : ويدل على الجواز. ( ١ : ٣٣٨ ).

في استدلاله بها عجب ، لأنها تدل على خلاف مختاره ، ووردت هذه الرواية بطريقين موثقين عن ابن مسلم عن الباقر عليه‌السلام ، وأما الروايات الأخر فغير صحيحة ، وهو لا يعمل بها فلا تكون حجة عنده ، والحق أنّها حجة ، لانجبارها بالشهرة ، فمن هذه الجهة تقاوم الصحيحة ،

__________________

(١) البقرة : ٢٢٢.

(٢) في « ج » و « د » : و.

(٣) ليس في « أ » و « و ».

٣٨١

والشارح ـ رحمه‌الله ـ لا يرضى بالانجبار بها ويقول : إن وصلت الشهرة إلى حدّ الإجماع ، فهي حجة ، وإلاّ فلا تنفع.

ومما يعضد المشهور كون تلك الروايات أكثرها موثقة ، ومع ذلك توافقها العمومات الدالة على حلية وطء النساء ، من الآية والأخبار ، والروايات الدالة على الكفارة في وطء الحائض في أول الحيض أو وسطه أو آخره ، فإنها ظاهرة في عدم الحرمة بعد ذلك ، إذ لو كان حراما لكان يتوجه إليه ويأمر بالاستغفار وغير ذلك.

والأحوط أن لا يجامع إلاّ أن يكون شبقا ، بل الأحوط الترك مطلقا.

قوله : وبما رواه الشيخ. ( ١ : ٣٣٩ ).

وورد في النفساء أيضا أنّه بعد الطهارة يأمرها بالغسل ثم يجامع (١) ، والسند قوي.

قوله : بمقتضى الأصل السالم. ( ١ : ٣٤١ ).

هذا بناء على دعوى فهم مضي مقدار الطهارة والصلاة عند ما تحيض من الروايتين الموثقة والمضمرة ، أو عدم حجيتهما وما ماثلهما ، بل الحجة ما دل على عموم قضاء الفوائت ، والفوت لا يتحقق إلاّ بالنسبة إلى شي‌ء له وقت معين وقد مضى ذلك الوقت ولم يفعل ذلك الفعل فيه.

وفيه : أنّه إن أراد الوقت الذي تعلق وجوب ذلك فيه وصح فعله فيه شرعا فلا يتحقق هذا المعنى في مثل قضاء صلاة النائم وصوم الحائض ، بل وما ترك نسيانا أو غفلة أو لعذر من الأعذار ، وينحصر في ما يترك عصيانا ، وإلاّ فلا شك في شمولها للفائت الذي لم تدرك مقدار الطهارة والصلاة ، بل ولم تدرك شيئا من الوقت حال الطهارة أصلا.

__________________

(١) التهذيب ١ : ١٧٦ / ٥٠٥ ، الوسائل ٢ : ٣٩٥ أبواب النفاس ب ٧ ح ١.

٣٨٢

وبالجملة : دلالة الروايات على مضي المقدار بخصوصه كما ترى.

والعلامة ـ رحمه‌الله ـ في المنتهى لم يقل ما نسبه إليه ، بل صرح فيه أن القضاء ليس تابعا للأداء ، إلاّ أنّه ذكر في هذه المسألة أنّه لا بدّ من مضي مقدار الطهارة والصلاة حتى يتحقق شرط الوجوب والتكليف ، يعني أن الفوت والقضاء لا يصدقان ولا يتحققان إلاّ بعد مضي هذا المقدار من الوقت.

ولذا لو مات المكلف قبل دخول وقت الفريضة لم يصدق عليه أنه فاتته الفريضة وأنّ عليه قضاء ، إذ لم يرد منه فريضة أصلا إلاّ بعد دخول الوقت ، فكيف يصدق عليه في ذلك الآن ـ أي قبل الوقت ـ أنّه فاتت منه الفريضة وأن عليه قضاءها ، فإن القضاء عبارة عن تدارك ما فات ، لا أنّه عبارة عن تكليف مبتدأ ، ولذا لا يقال : إنّ صلاة الظهر مثلا عند دخول وقتها أو في أول وقتها قضاء وفائتة ، بل أداء وحاضرة.

فمراده ـ رحمه‌الله ـ أنه ما لم يمض المقدار المذكور لا يصدق فائتة الطاهرة وقضاء صلاة الطاهرة حتى يجب عليها القضاء ، بل يصدق فائتة الحائض وقضاء صلاة الحائض ، ولا شك أن الحائض لا تقضي الصلاة بل تقضي الصوم ، فعرفت أن ما ذكره حق لا محيص عنه ، لصدق الحكم المذكور ، وإلاّ فالعمومات كيف تكفي من دون ملاحظة ما ذكره ، فتدبر.

والحاصل أن الأصل السالم إنّما يكون سالما إذا لم تشمل العمومات الدالة على وجوب قضاء الفوائت ما نحن فيه ، وعدم الشمول إنما يظهر مما ذكره وإلاّ فالعموم لا يقاومه الأصل.

قوله : ومتى انتفى انتفى. ( ١ : ٣٤٢ ).

قد عرفت أن القضاء هو تدارك ما فات ، وأن الفوت لا يتحقق إلاّ في المطلوب الموقت الذي كان في ذلك الوقت مطلوبا وفات ، والفوت يتحقق‌

٣٨٣

بالترك عمدا أو بعروض مانع من تحقق المطلوب أحيانا ، وبعروضه يسقط التكليف الثابت ، والسقوط ما دام عروض المانع موجودا ودائر معه ، وفرق واضح بين عدم تحقق طلب أصلا وبين تحققه إلاّ أنه عرض مانع عن وجود المطلوب أحيانا لا يتمكن المكلف بسببه من إيجاده ، فيسقط بسببه إلزام المكلف الحكيم بإيجاده ومؤاخذته بتركه ، بل ويقبح طلبه حينئذ ، والمانع أمر خارجي عقلي ، كالنوم والنسيان وأمثالهما ، وذلك المانع قسمان : قسم يكون مانعا عن تحقق نفس المطلوب ، وقسم يكون مانعا من تحقق شرط المطلوب ، مثل الطهور للصلاة ، فإنه ربما لا يتحقق ما يتطهر به ، وهو الماء والتراب ، وربما لا يتمكن من استعماله أصلا ، وربما لا يتحقق نفس الطهارة أصلا بأن كانت حائضا مثلا ، إذا عرفت هذا فلا بدّ من حمل كلام الشارح على ما يوافق ما ذكرنا.

قوله : قال بعض المحققين. ( ١ : ٣٤٤ ).

لا يخفى أن مراد بعض المحققين أنه لم يكن لتأخير الغسل في الصورة المذكورة في الخبر معنى ، يعني أن المعصوم عليه‌السلام علل النهي عن اغتسالها بمجي‌ء ما يفسد الصلاة ، فلو لا وجوبه للصلاة لم يكن لتأخيره من هذه الجهة معنى ، ولا تأمّل في الظهور ، لأن معنى الحديث أنها يمكنها الغسل إلاّ أنّه لا يجب عليها ، لأن الوجوب لأجل الصلاة ، ولا يمكنها أن تصلي ، فتكون هذه الرواية موافقة لموثقة عمار ، ويكون معنى قوله عليه‌السلام : « فلا تغتسل » لا يجب عليها ، لأنه نهي ورد مورد توهم الإيجاب ، كما حقق في الأصول ، ويمكن أن يكون غسلها إنما هو لرفع الحالة المانعة عن الصلاة ، فإذا لم يرتفع فلا تغتسل ، بناء على أنّ الحدث حالة واحدة ، كما مر في بحث تداخل الأغسال من أنّهم قالوا : إذا اغتسل مغتسل بقصد رفع حدث معين يرتفع الجميع ، فلاحظ وتأمّل.

٣٨٤

قوله : قال عليه‌السلام : إن طهرت بليل من حيضها. ( ١ : ٣٤٥ ).

لا يخفى أن هذه الرواية موثقة في غاية القوة ، بل موثقة كالصحيحة ، والموثق حجة ـ كما حققناه في محله ـ فضلا عن مثلها ، وسيما بملاحظة انجبارها بالشهرة ، وتأيدها بأن الغالب مساواة حكم الجنب والحائض ، ومنع بعضهم دلالتها على الوجوب ، وليس بشي‌ء ، لظهور كلمة « على » في اللزوم ، ويؤيده أيضا أن المستحاضة تقضي صومها إذا أخلت بالأغسال كما سيجي‌ء ، ووجه التأييد ظاهر ، فتأمّل.

قوله : فكيف يكون سببا. ( ١ : ٣٤٧ ).

إن أراد أن ذلك محرم عند العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ فبعد تسليم ذلك في هذا الموضع من الكتاب أيضا فعدم ضرره ظاهر ، لأنّه صرح بعدم وقوفه على حجة ، إنما يأتي بذلك نكتة (١) للشيخ ومن تبعه ، وإن أراد أنه عند الشيخ ومن تبعه حرام فغير معلوم أنّه حرام عندهم ، بل رأيت نهاية الشيخ فظهر لي أنه غير قائل بالحرمة ، بل الذي يظهر من الكل أنّهم قائلون بجواز مرور الحائض ، بل ربما يظهر أنّهم يقولون ذلك في الجنب الذي بدنه ملوث أيضا ، والأخبار صريحة في مرور الحائض ، ولم يتأمّل أحد فيها ولم يوجهها.

نعم ، ربما يرد على العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ أنّه على التقدير الثاني أيضا لا وجه للتخصيص بالحائض ، فتأمّل.

قوله : ولعله لزيادة. ( ١ : ٣٤٧ ).

لا يخفى أنّ العلة هي الرواية المذكورة ، فهي منجبرة بالشهرة ، مضافا إلى قوة في نفس السند ، والتأييد بما ذكره ، فالتوقف لعله ليس في محله.

__________________

(١) في « ج » و « د » : لكونه.

٣٨٥

قوله : وهو غير جيد. ( ١ : ٣٤٧ ).

قال في المعتبر : إن الحكم بالكراهة مذهب علمائنا لا يختلفون في ذلك (١). ولا يخفى أن ما ذكره كاف للحكم بالكراهة ، لتسامحهم فيه ، بل كاف في الوجوب والحرمة أيضا ، لأن الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة ، سيما بعد ملاحظة أن الأصحاب كلهم أفتوا بالكراهة ، مضافا إلى أن الجنب والحائض في الغالب حكمهما واحد في أمثال المقام ، مع أنّه ربما يظهر من الأخبار الدالة على جواز القراءة (٢) لها (٣) أن حالهما واحد في الجواز ، فلو ظهر أن الجنب جوازه بعنوان الكراهة إلاّ في صورة واحدة خاصة يكون حال الحائض أيضا كذلك ، وهذا صالح للتأييد والتقوية كسابقه ، إن لم نقل بأنه دليل آخر ، فتأمّل.

نعم ، ربما يظهر ما استحسنه الشارح. إلاّ أن يقال : القدر الذي ظهر من الأخبار أنّها كقراءة الجنب في الجملة ، لا إلى حد يشمل الصورة الواحدة ، لعدم الوثوق في الظهور إلى هذا الحد ، والأظهر أن اعتماده على الإجماع ، وما ذكر مؤيد.

قوله : فلتسجد إذا سمعتها. ( ١ : ٣٤٨ ).

وروي في الموثق أيضا عن الصادق عليه‌السلام أنّ « الحائض تسجد إذا سمعت السجدة » (٤) ، لكن لا يخفى أنه ليس بين الروايات تعارض ، لأن‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ٢٣٣.

(٢) انظر الوسائل ٢ : ٢١٥ أبواب الجنابة ب ١٩.

(٣) في « ب » و « ج » و « د » : لهما‌

(٤) الكافي ٣ : ٣١٨ / ٤ ، التهذيب ٢ : ٢٩١ / ١١٦٨ ، الاستبصار ١ : ٣٢٠ / ١١٩٢ ، الوسائل ٢ : ٣٤١ أبواب الحيض ب ٣٦ ح ٣.

٣٨٦

مقتضى صحيحة أبي عبيدة وجوب السجدة عليها إذا سمعت ، ورواية عبد الرحمن أنه لا يجب إذا سمعت ، لأنّ النهي إذا ورد في مقام توهم الوجوب لا يكون باقيا على حقيقته ، ويكون المراد عدم الوجوب ، كما حقق في محله.

وأمّا روايتا أبي بصير فمحمولتان على الاستحباب أو على صورة الاستماع ، لما ظهر من الخارج أن السجدة إنما تجب بمجرد السماع ، واستثناء الحائض لا وجه له ، بل هي أولى بعدم الوجوب.

قوله : بما رواه في الصحيح. ( ١ : ٣٤٩ ).

في طريقها أبان بن عثمان ، والشارح ـ رحمه‌الله ـ ربما يحكم بصحة حديثه وربما يتأمّل ـ على ما أظن ـ وإن الظاهر أن حديثه كالصحيح ، لما حققناه في الرجال (١).

قوله : وفيه كلام مشهور. ( ١ : ٣٥٠ ).

الكلام ليس إلاّ من الصدوق ـ رحمه‌الله ـ وشيخه ، وأمّا باقي الفقهاء والمحدّثين وعلماء الرجال فلم يذكروا ذلك أصلا ، بل ظاهرهم الاتفاق على عدم الضرر من هذه الجهة ، مع أنّ الأصل براءة الذمة ، والإطلاقات ربما تكون واردة مورد الأغلب من أنّ السماع بعد الاستماع ، بل لم نجد إطلاقا سوى مضمرة أبي بصير ، مع ضعفها بقاسم بن محمّد الجوهري وعلي بن أبي حمزة ، وإن كان ممن قال الشيخ إنّه ممن أجمعت العصابة على العمل بروايته (٢) ، إلاّ أنّه لا يقاوم يونس ولا عبد الله بن سنان.

__________________

(١) تعليقات الوحيد على منهج المقال : ١٧ ، ١٨.

(٢) عدة الأصول ١ : ٣٨١.

٣٨٧

وبالجملة : هذه الرواية أقوى سندا قطعا وكذلك أقوى دلالة ، ومتأيدة بالأصل وموثقة عمار عن الصادق عليه‌السلام ، في الرجل يسمع السجدة قبل غروب الشمس وبعد صلاة الفجر ، فقال : « لا تسجد » (١) للإجماع على أن كراهة الوقت لا يسقط الوجوب الفوري ، ويؤيدها أيضا رواية عبد الرحمن ، كما عرفت.

قوله : الخامس يحرم على زوجها وطؤها. ( ١ : ٣٥٠ ).

كما يحرم على الرجل يحرم على المرأة أيضا وتعزر مثل الرجل ، أمّا الكفارة فليس عليها وفاقا.

ولو اتفق الحيض في أثناء الجماع وعلم به الرجل وجب النزع ، وكذا لو أخبرت المرأة ، لما ستعرف.

قوله : فالظاهر وجوب القبول. ( ١ : ٣٥٠ ).

ويمكن الاستدلال برواية السكوني عن الصادق عليه‌السلام « إن عليا عليه‌السلام قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض : كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها في ما مضى كان كذلك ، فإن شهدت صدقت ، وإلاّ فهي كاذبة » (٢) ، لكنها على طريقة الشارح يشكل العمل بها.

قوله : ولو لا وجوب القبول. ( ١ : ٣٥١ ).

فيه : أنّه على تقدير تسليم شمول ما خلق الله لدم الحيض ، مقتضى ما ذكرت وجوب قبول ما أخبرت من أنّ الله خلق في رحمي ، لا أنّ الدم خرج من رحمي ، وإلاّ فلا شبهة في أنّ الدم كان مخلوقا في رحمها قبل خروجه.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٩٣ / ١١٧٧ ، الوسائل ٦ : ٢٤٣ أبواب قراءة القرآن ب ٤٣ ح ٢.

(٢) التهذيب ١ : ٣٩٨ / ١٢٤٢ ، الاستبصار ١ : ١٤٨ / ٥١١ ، الوسائل ٢ : ٣٥٨ أبواب الحيض ب ٤٧ ح ٣.

٣٨٨

قوله : إذا ادعت صدقت. ( ١ : ٣٥١ ).

وفي الصحيح : « العدة والحيض إلى النساء » (١).

وإطلاق هذين الخبرين يشمل جميع الصور ما لم يعلم كذبها ، واختاره العلاّمة ـ رحمه‌الله ـ في النهاية ، وقيل ما لم يظن أيضا ، واختاره الشهيد الثاني ، والأول أوفق للإطلاق في المقام ، وللعمومات الدالة على عدم العمل بالظن.

قوله : بأصالة الإباحة. ( ١ : ٣٥١ ).

أي باستصحاب الإباحة ، أو عموم ما دل عليها ، والمجموع دليل.

قوله : فإنهم غير ملومين. ( ١ : ٣٥١ ).

في دلالتها على الاستمتاع كيف كان نظر ، لأن الظاهر محافظة الفرج عن الزنا ، وورد الخبر (٢) بأن هذا هو المراد ولا عموم ، بل مطلق فينصرف إلى المعهود ، فتأمّل.

قوله : وقد وردت بذلك روايات كثيرة ، كموثقة عبد الله بن بكير. ( ١ : ٣٥١).

أقول : غير الصحيحة منجبرة بالشهرة ، مع أنّ الموثقة حجة ، والصحيحة منجبرة بعدم القول بالفصل ، مع أنّ قوله : « ما بين » عام و « لا يوقب » مطلق ، فلعله منصرف إلى المعهود ، فتأمّل.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٩٨ / ١٢٤٣ ، الاستبصار ١ : ١٤٨ / ٥١٠ ، الوسائل ٢ : ٣٥٨ من أبواب الحيض ب ٤٧ ح ٢.

(٢) الوسائل ١ : ٣٠٠ أبواب أحكام الخلوة ب ١ ح ٣.

٣٨٩

قوله : موافق لمذهب العامة. ( ١ : ٣٥٣ ).

وببالي أنّه ورد هكذا في أحاديثهم (١) أيضا.

قوله : جمعا بين الأدلة. ( ١ : ٣٥٣ ).

لا يخفى أن الأمر على الشارح ـ رحمه‌الله ـ مشكل ، لأنه لا يعمل بالخبر الذي ليس بصحيح ، والآية على تقدير سلامتها عن معارضة الآية الأخرى فالخبر الصحيح يخصصها ، فإنه يخصص الآية بمثله ، وأمّا صحيحة عمر بن يزيد فيحتاج تتميمها إلى ثبوت إجماع مركب ، وهو أيضا مشكل عنده ، كما مر ، إلاّ أن يقول : إن الصحيحين تعارضا فيبقى الأصل والآية بحالهما.

قوله : هذا التقدير مستفاد من مرسلة. ( ١ : ٣٥٤ ).

وفي الفقه الرضوي (٢) كما في هذه الرواية المرسلة من أوّلها إلى آخرها ، والأصحاب اتفقوا على الكفارة ، إلاّ أنّ الخلاف في الوجوب والاستحباب.

وأمّا قدر الكفارة بالنحو الذي ذكره المصنف هو المعروف بين القدماء والمتأخرين ، سوى الصدوق في المقنع ، فإنه قال : يتصدق على مسكين بقدر شبعه (٣).

__________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٥٥ / ٢١٢ ، ٢١٣.

(٢) فقه الرضا عليه‌السلام : ٢٣٦ ، المستدرك ٢ : ٢١ أبواب الحيض ب ٢٣ ح ١.

(٣) المقنع : ١٦.

٣٩٠

والأظهر الاستحباب ، والأحوط الوجوب ، لا لأن الأخبار ضعيفة ، لأنها منجبرة بعمل الأصحاب ، بل للاختلاف الذي بينها ، وكذا بينها وبين صحيحة العيص ، ولعل مراده عليه‌السلام : لا أعلم واجبا عليه سوى الاستغفار.

ولا فرق في المرأة بين الزوجة الدائمة والمنقطعة ، بالإجماع والإطلاق ، وأمّا الأمة لو وطأها سيدها فالمشهور أيضا كذلك ، وقال الشيخ والصدوق : يتصدق السيد بثلاثة أمداد (١) ، لما ورد في بعض الروايات (٢).

وأمّا الزنا ووطئ الشبهة فربما يكون الأمر فيهما كذلك ، لعموم الروايات وإطلاقها ، ويحتمل العدم ، لكونهما من الفروض النادرة ( مع أن الكفارة لتكفير الذنب ، فمع شدّة الذنب ربما لا يكفر بل ينتقم الله منه ، فتأمّل ) (٣).

قوله : والأصح عدم التكرر. ( ١ : ٣٥٦ ).

الأظهر عدم التداخل مطلقا ، كما يفهمه أهل العرف ، وإن كان علل الشرع معرفات ، إذ مقتضى ذلك جواز التداخل لا لزومه ، بل الظاهر عدمه ، لما ذكر ، ولأصالة العدم ، فتأمّل.

مع أنّه على ما ذكره يلزم التخيير بين فعل واجب وتركه إذا أراد الحرام ثانيا ، وكذا الحال إذا أراد ثالثا ، وهكذا ، لأن الواطئ بفعل الحرام أوّلا وجبت عليه الكفارة قطعا على القول بالوجوب ، والواجب تركه حرام موجب‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٥٣ ، النهاية : ٥٧٢.

(٢) الفقيه ١ : ٥٣ / ٢٠٠.

(٣) ما بين القوسين ليس في « أ » و « و ».

٣٩١

للعقاب.

إلاّ أن يقول بأنّه واجب موسع ، وبعد التأخير وفعل الحرام ثانيا تكفي كفارة واحدة ، لصدق الامتثال.

لكن يرد ما قلناه من أنّه إذا كفّر قبل الحرام الثاني يكون واجبا قطعا ، والواجب على تركه العقاب ، ويجب أيضا بعد الحرام الثاني كفارة أخرى ، هي أيضا واجبة قطعا على تركها العقاب ، فيكون المكلف مخيرا بين أن يفعل واجبا واحدا أو واجبات متعددة ، وقد صرح في بحث نزح خمسين للعذرة أنه لا معنى للتخيير بين الأقل والأكثر.

إلاّ أن يقول : بعد الفعل صار واجبا ، وقبله لم يكن واجبا ، وفيه ما فيه.

أو يقول بمجرد إرادة التكفير واختياره صار واجبا ، وقبلها لم يكن ، وفيه أيضا ما فيه.

أو يقول : الكفارة الأولى والثانية والثالثة وهكذا ليست بواجبة ما لم تكن الكفارة الأخيرة ، لأن الواجب هي الأخيرة خاصة ، وفيه أيضا ما فيه.

أو يقول : إن الكفارة الأخيرة أسقطت عقاب الكفارات الأول ، وهو محتمل إلاّ أنّه خلاف مدلول كلامه ، لأن مدلول كلامه أنّه حينئذ لم يكن عليه إلاّ كفارة واحدة ، والواجب منحصر في الواحد ، وأنّه من باب تعدد الأسباب لمسبب واحد ، فلا يدفع عنه ما اعترضنا عليه من أنّه يلزم تخيير المكلف بين أن يجعل واجبه أقل أو أكثر ، فتدبر ، وليس اعتراضي مخصوصا بل كلما هو نظيره مما اختاره يرد عليه ، وكذا إن اختاره غيره ، فتأمّل.

قوله : فإيقاع هذه الأغسال الواجبة. ( ١ : ٣٥٧ ).

لا يخفى أن هذه الأغسال ليس على تركها عقاب عندهم ما لم يتضيق وقت العبادة ، كما هو المشهور ، أو يحصل الظن بحصول الموت أيضا ، كما هو عند القائل بالوجوب لنفسه ، فالطرفان متفقان على عدم العقاب في غير‌

٣٩٢

الصورتين مع رجحان الفعل ، وهذا بعينه مذهب المشهور من قولهم بالاستحباب لنفسه ، فأيّ معنى للحكم بإيقاعه بنية الوجوب ، وأن الظاهر من الوجوب الوارد في الاخبار هو هذا ، مع أنّه ليس في الأخبار إشارة إلى النية أصلا ، وقصد الوجوب ليس معناه إلاّ أنّه لو لم يفعل هذا الفعل لكان معاقبا ، وبعد العلم بعدم عقاب أصلا كيف ينوي أن هذا الفعل واجب عليه ، إذ ما لم يتضيق لم يكن عقاب أصلا ، فشرط العقاب تحقق الضيق ، وهو يعلم أنّه لا يضيق ، وأمّا الواجب لغيره فالعقاب على ترك الغير ، كما صرحوا به ، فلا ضرر فيه.

( وأمّا الواجب الموسع لو ترك في مجموع الوقت يكون عليه عقاب البتة ، وهذا الغسل ليس كذلك ، إذ لو اغتسل بقصد أن يوقع بعده حدثا لا يكون على تركه العقاب ، لأنه لو لم يفعل لا يكون عليه بأس أصلا ، إنّما البأس إذا ترك عقيب الحدث الأخير ، وهذا واضح إن لم يكن غفلة ) (١) وتمام الكلام مر في أول الكتاب (٢).

قوله : أجمع علماؤنا. ( ١ : ٣٥٧ ).

في الفقه الرضوي : « وليس في غسل الجنابة وضوء ، والوضوء في كل غسل ما خلاف الجنابة ، لأن غسل الجنابة فريضة تجزئه عن [ الفرض ] الثاني ، ولا يجزئه سائر الأغسال عن الوضوء ، لأن الغسل سنة والوضوء فريضة ، ولا تجزئ سنة عن فرض ، وغسل الجنابة والوضوء فريضتان ، فإذا اجتمعا فأكبرهما يجزئ عن أصغرهما ، وإذا اغتسلت بغير جنابة فابدأ بالوضوء ثم اغتسل ، ولا يجزئك الغسل عن الوضوء ، فإن اغتسلت ونسيت الوضوء فتوضأ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ج » و « د ».

(٢) راجع ص ٣٠ و ٣١.

٣٩٣

وأعد الصلاة » (١) انتهى.

والصدوق في الفقيه ذكر ذلك بعينه (٢) ، وغير خفي أنّه أخذه منه ، وأفتى به ، وذكر في أول الفقيه ما ذكر ، فتدبر وقال في أماليه : إن من دين الإمامية الإقرار بأن كل غسل فيه وضوء في أوّله ، إلاّ غسل الجنابة فإنه فريضة (٣).

وفي الغوالي ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كل الأغسال لا بدّ فيها من الوضوء إلاّ الجنابة» (٤).

قوله : ولا جعل الثانية من الحسن. ( ١ : ٣٥٨ ).

إذا كان في الرواية من ليس من الحسان بل كلهم من الصحاح كان اللازم أن يذكر في الصحيح عن حماد ، وظهر أن مراده من الحسن ليس المعنى الاصطلاحي ، وهو غير بعيد بالنسبة إلى العلامة ـ رحمه‌الله ـ فتأمّل.

قوله : وأجيب عنه بأن الآية. ( ١ : ٣٥٩ ).

تخصيص الكتاب على تقدير تسليم جوازه بأخبار الآحاد يشكل بمثل هذه الأخبار المعارضة لأخبار أخر معمول بها عند الأصحاب ومشتهرة بينهم في الرواية والعمل. ويؤيد عموم الكتاب عمومات الأخبار الكثيرة الواردة في أن من أحدث الأصغر عليه الوضوء. فتأمّل جدا.

وأمّا المخصص فالضعيف ليس بحجة أصلا فضلا عن أن يقاوم الكتاب والأخبار الموافقة له المنجبرة بعمل الأصحاب وغيره ، وأما الصحيح‌

__________________

(١) فقه الرضا : ٨٢ ، المستدرك ١ : ٤٧٦ أبواب الجنابة ب ٢٦ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٢) الفقيه ١ : ٤٩.

(٣) الأمالي : ٥١٥.

(٤) العوالي ٢ : ٢٠٣ / ١١٠ ، المستدرك ١ : ٤٧٧ أبواب الجنابة ب ٢٦ ح ٣.

٣٩٤

فتضعفه مخالفة الكتاب والأخبار التي وردت بحد التواتر : أنّ ما خالف الكتاب ليس بحجة ، بل ورد أن ما لم يوافقه ليس بحجة (١) ، وكذا تضعفه الأخبار الموافقة للكتاب ، وكذا تضعفه مخالفة الشهرة بين الأصحاب ، والأخبار الواردة في الأمر بأخذ ما اشتهر وترك الشاذّ النادر (٢) ، وما فيه من التعليل بعلة عقلية ظاهرة.

ومع جميع ذلك ليس فيه ما يدل على العموم في الغسل ، إذ مسلم عنده كغيره أن المفرد المحلى باللام لا يفيد العموم من حيث اللغة ، وما ذكره من القرينة موجودة في الآية أيضا ، فلا وجه لمنعه العموم فيها ودعواه العموم في الخبر. على أنّه ستعرف الوهن فيما ذكره ، وبعد التسليم يكون حاله كحال عموم الكتاب ، والخاص إنما يقدم على العام لكونه أقوى دلالة ، ومع ذلك عام الكتاب إنما يخصص ( بما تكون ) (٣) دلالته قطعية ، على ما يظهر من كلام من يجوّز تخصيص الكتاب به ، حيث قال : الخاص وإن كان ظني السند إلاّ أنّه قطعي الدلالة ، فيقاوم ( قطع الكتاب ) (٤) على أنّه لا أقل من أن تكون الدلالة قوية غاية القوة ، ( وأين هذا مما نحن فيه ، لما عرفت ) (٥).

ومما يضعف ( عموم الغسل في الصحيح ) (٦) ـ مضافا إلى ما مرّ وسيجي‌ء ـ ملاحظة الأخبار الواردة في التيمم وغيره ، أنهم حينما كانوا يريدون بيان حال الغسل كانوا يقولون : والغسل من الجنابة كذا ، فلاحظ‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٢٧ : ١٠٦ أبواب صفات القاضي ب ٩.

(٢) انظر الوسائل ٢٧ : ١٠٦ أبواب صفات القاضي ب ٩.

(٣) في « ب » و « ج » و « د » : بالخاص الذي تكون.

(٤) في « ب » و « ج » و « د » : الكتاب الذي هو قطعي المتن وظنّي الدلالة.

(٥) ما بين القوسين ليس في « أ » و « و ».

(٦) ما بين القوسين ليس في « أ » و « و ».

٣٩٥

وتأمّل.

قوله : وإن كان المرسل لها. ( ١ : ٣٥٩ ).

لا وجه للطعن بالإرسال ، لما ذكره علماء الرجال في الرجال ، وذكرنا أيضا ، وليس هذا موضع البسط ، لأن طريقة الفقهاء تسليم مرسلاته وقبولها ، سيما في المقام ، لأن المشهور قالوا بمضمونها ، بل غير خفي أنّهم اعتمدوا عليها ، أو هي معظم معتمدهم ، كما لا يخفى على من تتبع أحوالهم وكلماتهم ، والرواية لو كانت ضعيفة لكانت منجبرة بالشهرة ، فضلا عن أن تكون مرسلة ابن أبي عمير ، ومع ذلك هي موافقة للكتاب وما نقلناه من الفقه الرضوي والأمالي ، ومخالفة لمذهب العامة أيضا (١) ، وموافقة لما رواه علي ابن يقطين ، عن الكاظم عليه‌السلام : « إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل » (٢).

قوله : لأنا نقول. ( ١ : ٣٥٩ ).

لا يخفى أن ظاهرها الثبوت واللزوم ، وكون المراد أن في كل غسل يستحب أن يتوضأ والأولى أن يتوضأ بعيد ، والأخبار المعارضة لهذا الخبر ربما يظهر منها عدم الاستحباب المؤكد ، وهذا الخبر على تقدير تسليم دلالته على الاستحباب فظاهر أنّه مستحب مؤكّد ، بل وغاية التأكيد ، بل‌

__________________

(١) لعل المراد مخالفة ذيل المرسلة لمذهب العامة ، لأنهم قالوا باستحباب الوضوء مع غسل الجنابة وحكي عن بعضهم وجوبه ، كما في المغني لابن قدامة ١ : ٢٥١ ، وأمّا وجوب الوضوء مع سائر الأغسال فالظاهر أنّه موافق لأكثر العامة ولم نجد خلافه في كتبهم الموجودة عندنا ، غير ما حكي عن بعضهم كالزرقاني في شرحه على مختصر أبي الضياء ـ في فقه مالك ـ ١ : ١٠٥.

(٢) التهذيب ١ : ١٤١ / ٤٠١ ، الاستبصار ١ : ١٢٧ / ٤٣٤ ، الوسائل ٢ : ٢٤٨ أبواب الجنابة ب ٣٥ ح ٣.

٣٩٦

ويظهر من الأخبار المعارضة حرمة الوضوء وأنّه بدعة ، وأين هذا من الاستحباب فضلا عن المستحب المؤكد.

قوله : وما رواه الشيخ. ( ١ : ٣٥٩ ).

ليس فيها صراحة بأنّه يجزئ عن الوضوء للصلاة ، إذ ربما كان المراد أنّه مجز عنه لتحقق الغسل ، سيما على القول بوجوبه لنفسه ، فتأمّل.

قوله : والتعريف في الغسل. ( ١ : ٣٥٩ ).

يمكن إثبات عموم الآية بمثل ما ذكره ، إذ لا فرق بين أدوات الإهمال وتعريف المفرد باللام ، فتأمّل.

قوله : فيكون للاستغراق. ( ١ : ٣٥٩ ).

فيه منع ظاهر ، لأن الحمل على الاستغراق فرع تساوي نسبة الكامل وغيره ، ألا ترى أن لفظ الصلاة والزكاة والصوم وغيرها لا ينصرف إلا إلى الواجبات منها ، وكذا فرع تساوي نسبتها في الأغلبية ، ولذا لو قيل : بع بالنقد ، ينصرف إلى الغالب خاصة ، وكذلك الصلاة إلى اليومية ، والزكاة إلى غير الفطرة ، وأمثالها.

قوله : إذ لا خصوصية لغسل. ( ١ : ٣٦٠ ).

فربما يظهر منه أنّ من أحدث الأصغر مخيّر بين الوضوء والغسل مطلقا ، بل والغسل أفضل فردي الواجب التخييري ، ولعله مخالف لما عليه الفقهاء ، وما هو المستفاد من الأخبار الواردة في رفع الحدث الأصغر ، إذ ظاهر أن الفقهاء لا يرضون بأن من بال مثلا يجوز له أن يتوضأ للبول أو يغتسل للبول ، بل ويغتسل لرفع حدث البول يكون أولى وأبلغ وألطف ، ولو احتاج إلى التيمم يكون مخيرا بين جعله بدلا عن الوضوء أو عن الغسل ، بل وجعله بدلا عن الغسل أولى ، وكذا الحال بالنسبة إلى الأخبار.

٣٩٧

والعلاّمة ـ رحمه‌الله ـ ادعى أن الظاهر عند إطلاق لفظ الغسل هو غسل الجنابة ، وحمل كل مطلق في المقام على ذلك ، وحمل الأخبار المعينة على عدم الوضوء لتحقق الغسل لا لأجل الصلاة ، وحمل رواية الهمداني الآتية على أنّه ليس في غسل الجمعة وضوء لأجل الصلاة إذا تحقق قبل دخول الوقت ، كما هو الغالب المتعارف.

فلو حمل على غسل الجنابة ـ بناء على ما قيل : إن المفرد المحلى باللام إذا أمكن حمله على المعهود لم يجب حمله على العموم ، والمطلق ينصرف إلى الكامل والغالب ، ولعل غسل الجنابة كذلك ، لحصول سببه في أكثر الأحيان ، وكثرة الاحتياج إليه ، وكونه فرضا لازم الحصول بالنسبة إلى الرجال والنساء جميعا ، فصار بمنزلة الحاضر المعهود في الذهن ـ لارتفع هذا الإشكال ، وكذا إشكال التعارض بينه وبين روايتي ابن أبي عمير وغيرهما مما مرّ. ( وورد عنهم عليهم‌السلام : إن أحاديثنا تفسر بعضها بعضا (١) ، وظهر علينا ذلك ، بل بناء الفقه عليه ) (٢). وسيجي‌ء عن الشارح أيضا أن إطلاق لفظ الصلاة ينصرف إلى الفريضة اليومية ، وغير ذلك من نظائر ما نحن فيه ، فتأمّل.

وأمّا مرسلة حماد فمعارضة بما ذكرنا ، ولذا حملها من حملها ، ويمكن حملها على أنّه لا يحتاج في تحقق الغسل ليوم الجمعة إلى الوضوء ، لا أنّه يكفي لاستباحة الصلاة.

على أنّه ورد في علة الأمر بغسل الجمعة : « إنّ الله تعالى أتمّ وضوء‌

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) ما بين القوسين ليس في « ا ».

٣٩٨

الفريضة بغسل الجمعة ما كان فيها من تقصير » (١) فتأمّل.

نعم ، مجهولة إبراهيم بن محمّد الهمداني أنه « لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة ولا غيره » (٢) ، والعمل بها مشكل ، لما عرفت من ثبوت الوضوء البتة من روايتي ابن أبي عمير وغيرهما ، ولا تقاوم هذه الرواية تلك الروايات بوجه من الوجوه يظهر ذلك للمتأمّل في ما ذكرناه.

وبالجملة : الأحوط أن لا يكتفى بأمثال هذه الظواهر من هذه الأخبار مع ما قد عرفت مما هو فيها.

ومما يقرب حمل صحيحة ابن مسلم على غسل الجنابة ملاحظة روايته الأخرى عن الباقر عليه‌السلام أيضا قال : إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه‌السلام أنّه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة ، قال : « كذبوا على علي عليه‌السلام » إلى أن قال : « قال الله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (٣).

( ثم اعلم أنّ الشارح ـ رحمه‌الله ـ إن أراد من قوله : إذ لا خصوصية.

بحسب الشرع فمصادرة ، وإن أراد بحسب طهارة الجسد ونظافته ففيه ما كتبناه في الحاشية السابقة ، فتأمّل.

على أنّ اتصاف غسل الجنابة مسلم ثابت وغيره مشكوك فيه ، والأصل‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٢ / ٤ ، التهذيب ١ : ٣٦٦ / ١١١١ ، المحاسن : ٣١٣ / ٣٠ ، الوسائل ٣ : ٣١٣ ، أبواب الأغسال المسنونة ب ٦ ح ٧.

(٢) التهذيب ١ : ١٤١ / ٣٩٧ ، الاستبصار ١ : ١٢٦ / ٤٣١ ، الوسائل ٢ : ٢٤٤ أبواب الجنابة ب ٣٤ ح ٢.

(٣) التهذيب ١ : ١٣٩ / ٣٨٩ ، الاستبصار ١ : ١٢٥ / ٤٢٦ ، الوسائل ٢ : ٢٤٧ أبواب الجنابة ب ٣٤ ح ٥.

٣٩٩

عدمه فتأمّل ) (١).

قوله : وقد ورد هذا التعليل بعينه في غسل الجمعة في مرسلة حماد بن عثمان. ( ١ : ٣٦٠ ).

هذه ـ مع أنها مرسلة ـ فيها اشتراك أيضا ، فكيف تقاوم ما مر مما عرفت ، ورواية علي بن يقطين أقوى من هذه الرواية.

قوله : وتقريب الاستدلال ما ذكرناه. ( ١ : ٣٦٠ ).

دلالة هذا أضعف ، لأن الغسل المحلى باللام لعله غسل الجنابة المذكور سابقا ، فكيف يبقى الوثوق بإفادته العموم؟! مع أن أداة العموم مفقودة ، والضابطة أن المفرد المحلى باللام إذا تكرر يكون الثاني عين الأول ، فتأمّل.

قوله : ويشهد لهذا القول أيضا. ( ١ : ٣٦١ ).

لا يخفى أن المتداول بين الفقهاء وغيرهم التعبير بلفظ خصوص الغسل ، مثل : أن تغتسل للحيض والاستحاضة والنفاس ، و: يجب في مس الميت الغسل ، و: يجب غسل الميت ، و: هل يجوز جماع الحائض قبل الغسل أم لا. إلى غير ذلك من أوّل الكتاب إلى آخره.

وكذا لو سألت عنا في المقامات نقول لها : اغتسلي ، من غير تعرض لذكر الوضوء في مقام من المقامات.

وكذا الحال في الأغسال المستحبة فنقول : غسل الجمعة سنة ، أو : اغتسل للجمعة ، وهكذا في سائر الأغسال ، من غير إشارة إلى الوضوء.

وكذا الفقهاء في كتبهم من غير تعرض لذكر الوضوء أصلا ، مع أنّه لا شبهة عندنا أنّا نريد الوضوء مع الغسل ، وكذا الحال في سائر الأغسال.

فالمقام ليس مقام ذكر الوضوء حتى يقال : مع عدم ذكره ظاهر في عدم‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « ب » و « ج » و « د ».

٤٠٠