الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

محمّد باقر الوحيد البهبهاني

الحاشية على مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

محمّد باقر الوحيد البهبهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-169-9
ISBN الدورة:
964-319-168-0

الصفحات: ٤١٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

وأمّا ما نسب إلى ابن طاوس فلا شبهة في كونه خلاف الواقع ، إذ اندراس جميع النسخ وتبدلها بالمرة بنسخة أخرى مضادة لها مع كون النسخ عند الفقهاء غالبا وفي نظرهم وانتشارها في الأقطار مما يحكم العادة بفساده ويحصل القطع بأنّه ليس كذلك ، مضافا إلى أنّه كيف اطلع ابن طاوس على جميع النسخ كلها ، فظاهر كلامه ليس مراده قطعا.

هذا كله مضافا إلى ما ذكرناه في الحاشية السابقة ، والمحقق في المعتبر قال : احتمل أن يكون ما في الكافي سهوا (١).

قوله : لضعفها وإرسالها. ( ١ : ٣١٨ ).

الضعف منجبر بعمل الأصحاب ، سيما مثل هذا العمل ، لاتفاق القدماء والمتأخرين من الفقهاء والمحدثين في الإفتاء والاعتبار.

وأمّا الاضطراب فمندفع بما أشرنا إليه من المرجح بل المرجحات ، سيما مع غاية وضوح بعضها لو لم نقل بحصول العلم ، وجلّ أدلة الفقه مضطربة ، والبناء على ترجيح مّا ، فكيف مثل هذا الترجيح ، بل الذي وجدنا عن المحقق أنّه حكم بكون ما في الكافي وهما.

وأمّا مخالفة الاعتبار فهذا من المحقق في غاية الغرابة ، لأنه صرح بأنّ كل ما تراه المرأة من الثلاثة إلى العشرة مما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض ما لم يعلم أنّه لعذرة أو لقرحة (٢) ، فلو خرج من الجانب الأيمن فهو قرحة ، ولو خرج من الأيسر وإن احتمل القرحة إلاّ أنّه يمكن أن يكون حيضا فهو حيض ، وادعى على ما ذكره الإجماع ، يعني أنّ الشارع حكم كذلك وما نحن فيه من جملته ، فالشارع حكم كذلك البتة فكيف يعترض بما يعترض ،

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٩٩.

(٢) المعتبر ١ : ٢٠٣.

٣٦١

مع أن خلقة النساء ربما تكون بحيث لو استلقين على أظهرهن ورفعن الرجلين يقع الرحم على الجانب الأيسر بحيث لو كان قرحة لخرج دمها من الجانب الأيمن ، فتأمّل.

وأمّا الشارح فقد ذكر في ما سبق : كل دم يكون بصفة الحيض يكون حيضا إلاّ أن يدل دليل على أنّه ليس بحيض (١). وما نحن فيه منه إذا كان بالصفة ، وكذا لو كان في أيام العادة ، ومرّ في اشتباه الحيض بالعذرة الصحيحتان الدالتان على أنه بمجرد الاستنقاع حيض البتة (٢) ، مع أنّه يتوجه عليهما أنّه لعله يكون دما آخر ، كما صرح به المحقق في المعتبر (٣) ، فتأمّل.

قوله : وظاهر كلام المصنف. ( ١ : ٣١٨ ).

يمكن أن يقال : لعل الغالب الخروج من الجانب ، كما هو الحال في باقي الصفات وإنّما الغلبة يكفي للتمييز.

قوله : وهل يشترط التوالي. ( ١ : ٣١٩ ).

في الفقه الرضوي : « فإن رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة أيام متواليات » (٤).

قوله : فلم يسقط التكليف. ( ١ : ٣٢٠ ).

إن أراد منه الاستصحاب فمع أنه غير قائل به يتوجه عليه أنه إن أراد من التكليف كونها في معرض التكليف ، ففيه : أن الحائض أيضا كذلك ، وإن أراد من التكليف كونها بالفعل ، ففيه : أن ذلك إنما يتم إذا دخل وقت العبادة‌

__________________

(١) المدارك ١ : ٣١٣.

(٢) المدارك ١ : ٣١٣ ، ٣١٤.

(٣) المعتبر ١ : ١٩٨.

(٤) فقه الرضا عليه‌السلام : ١٩٢ ، المستدرك ٢ : ١٢ أبواب الحيض ب ١٠ ح ١.

٣٦٢

ومضى منه مقدارها فرأت الدم ، وأمّا إذا رأت قبل ذلك فالأمر بالعكس ، والاستصحاب يقتضي عدم التكليف ، والتمسك بعدم القول الثالث مشترك بين الطرفين ، نعم يمكن التمسك بأنّها كانت طاهرة فتستصحب الطهارة ، إلاّ أنّه معارض بعمومات كثيرة وغيرها مما ستعرف.

وإن أراد منه العمومات ، ففيه : أنّها مخصصة بالحائض لا بما علم حيضها ، والحيض اسم لما في نفس الأمر ، مثل الفاسق في قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (١) وغير ذلك ، فمن أين علم أنّها داخلة في الحائض أو في غير الحائض؟! إذ الأول هو المستثنى ، والثاني هو المستثنى منه.

فإن قلت : إن المستثنى منه هو المكلف أي البالغة العاقلة ، وهذه لا شك في دخولها فيها ، وأمّا دخولها في الحائض فمشكوك فيه.

قلت : لو كانت داخلة في المستثنى منه قطعا يلزم من ذلك خروجها من المستثنى قطعا.

وإن أردت أن قبل الاستثناء كانت داخلة قطعا وبعد الاستثناء يحصل الشك في خروجها فالأصل بقاؤها على حالها.

قلت : إن أردت أن الحكم تعلق بالجميع ثم خرج البعض فما علم خروجه يحكم بالخروج ، وما شك فالأصل بقاؤه ، فلا شك في فساد ذلك ، إذ ليس هذا من العموم والتخصيص في شي‌ء بل هو نسخ وتمسك بالاستصحاب ، إذ حكم العام لا يتعلق بالأفراد إلاّ بعد خروج الخاص فيتعلق بما بقي ، فالأصل عدم التعلق إلاّ بما علم تحققه به ، وكونها بالغة عاقلة لا يكفي للعلم بالتعلق ، لأنّه لم يبق على إطلاقه وعمومه قطعا ، لخروج‌

__________________

(١) الحجرات : ٦.

٣٦٣

الحائض جزما ، ولا يدرى هل هي حائض أم لا ، وخروج الحائض عن العموم والإطلاق تقييد وتخصيص بغير الحائض البتة ، وما دل على أنّ الحائض تفعل كذا وكذا أيضا عام ، إلاّ أن يبنى على أنّه عند الشك يكون المظنون إلحاق الشي‌ء بالأعم الأغلب ، لكنه ـ رحمه‌الله ـ لم يعتبر ذلك ، لأن اعتماده على العمومات الدالة على الصفات والوقوع في أيّام العادة ليس إلاّ ، ولا يعتمد على إلحاق الشي‌ء بالأعم الأغلب ، فلاحظ كلماته وتأمّل.

على أنّا نقول : عموم ما دل على اعتبار الصفة واعتبار العادة يقتضي الحكم بكونها حائضا ، فلا وجه للشك حتى يستند لرفعه إلى إلحاق الشي‌ء بالأعم الأغلب لو كان الدم بالصفة أو في العادة ، ولو لم يكن كذلك فقد ادعوا الإجماع على أن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض ، مع ما مر في الحواشي السابقة في أول المبحث إذ يظهر من ذلك أنّه لو اتفق أن امرأة اعتادت برؤية الدم متفرقة في ضمن العشرة في كل شهر من أول عمرها إلى آخره فالظاهر أن أهل العرف والطب يحكمون بأنّه حيض ، ولا يقولون أن مثل هذه المرأة ممن لم تحض قط ، سيما إذا وقع الحمل واللبن من هذا الدم ، فإنه حينئذ مثل المني المسلوب الصفات المعلوم كونه منيا ، فتأمّل.

ومما ذكر ظهر أن الدليل لرأي الشيخ غير منحصر في ما ذكره ، فتدبر.

قوله : أن المتبادر من قولهم. ( ١ : ٣٢٠ ).

لا يخفى أن ما ذكره إنما ينفع لو كان الشيخ في النهاية قائلا بكون النقاء المتخلل طهرا كما ذكره جدّه ـ رحمه‌الله ـ ومع ذلك فالأولى الاستدلال على بطلانه بعموم ما دل على أنّ أقل الطهر عشرة ، لأنّه أدل على المطلوب ، لكنه ـ رحمه‌الله ـ يزيف كلام جده بما سيجي‌ء ، مع أنّ عبارة النهاية على ما رأيتها لا يظهر منها ما ذكره جده ـ رحمه‌الله.

٣٦٤

نعم ، ببالي أن ابن البراج شريك الشيخ في عدم اعتبار التوالي (١) ، فلعل عبارته تكون ظاهرة وأنا لم أطلع عليها ، ومع ذلك فلا بدّ من رفع اليد عن الظاهر لو كانت ظاهرة ، كما سيذكره الشارح ـ رحمه‌الله ـ ، ولعل نسبة جدّه ذلك إلى قائله من أنّ مستنده رواية يونس وهي ظاهرة فيه ، وهو تمسك بها من دون تعرض إلى توجيه لكنه محل تأمّل ظاهر ، سيما بعد حكمه بأنّ أقلّ الطهر مطلقا عشرة.

فعلى هذا نقول : لو كان رأيه أن النقاء المتخلل حيض ـ كما يقول به الشارح وغيره ـ فلا وجه لهذا الاستدلال عليه ، لأن الحيض المتفرق من المحالات عنده ، فكيف يبطل مذهبه بدعوى تبادر توالي الحيض ، فإنّ المذكور في الأخبار ليس إلاّ لفظ الحيض.

فإن بنى الأمر على أنّ المتبادر من لفظ الحيض هو الدم فبعد التسليم قوله عليه‌السلام : « وأكثره عشرة » ربما يأبى عن دعوى التبادر ، لأنّ العشرة التي لم يتوال فيها الدم لا تأمّل في كونها من أفراد الأكثر ، بل وأكثر الأفراد. وبعد التسليم لا شبهة في أنّ أقل الحيض عند الشيخ أيضا ـ مثلا ـ منحصر في رؤية الدم ثلاثة أيام متواليات ، إذ بعد تفرقة الدم لا يكون أقل الحيض البتة ، مثلا لو رأت الدم في الأول والخامس والعاشر يكون الجميع حيضا ، وأكثر الحيض عشرة أيام ، فيكون من أكثر الحيض لا أقل الحيض.

على أنّه لو كان المتبادر من الحيض الدم يكون جميع ما ورد وتضمن أنّ الحائض تفعل كذا وكذا يشمل ما نحن فيه ، فيظهر دليل آخر للشيخ ومن وافقه ، فتدبر.

نعم ، دليل المشهور هو عبارة الفقه الرضوي ، كما أشرنا إليه ، متأيدا‌

__________________

(١) المهذب ١ : ٣٤.

٣٦٥

بظن الإلحاق بالأغلب.

قوله : ضعيفة مرسلة. ( ١ : ٣٢١ ).

لكن الكليني روى هذه الرواية ، مع أنّه صرح في أول الكافي بأن جميع ما رواه فيه ، من الأخبار الصحيحة الصادرة عن المعصومين على اليقين (١) ، وربما يظهر من هذا أن الكليني ـ رحمه‌الله ـ أيضا موافق للشيخ ، لأن مذهبه هو مضمون أخباره.

وأيضا ملاحظة ما ذكر في الرجال في ترجمة يونس هذا يشير إلى صحة الاحتجاج بأمثال هذه الروايات عنه. هذا مع تأيّدها بما مر في الحاشيتين السابقتين ، إلاّ أن صراحة ما نقلناه عن الفقه الرضوي وانجباره بالشهرة ربما يعارضها ، والاحتياط واضح.

قوله : لأنه إن كان حيضا. ( ١ : ٣٢١ ).

في هذا التعليل شي‌ء لا يخفى على المتأمّل.

قوله : وهو بعيد. ( ١ : ٣٢٢ ).

هذا كالمتقدم عليه ، فتأمّل.

قوله : ومن تبعه معترفين. ( ١ : ٣٢٢ ).

ذكر الشهيد في الذكرى : أنّ المفيد ـ رحمه‌الله ـ ذكر النبطية من جهة الرواية (٢) ، فقوله : معترفين. غير مستقيم ، فلعل بعض المتأخرين ذكر عدم النص غفلة ، أو أراد منه عدم عثوره عليه مسندا ، فتبعه الشارح غفلة ، فنسب إلى الكل ما نسب ، فتأمّل.

قوله : واختلفوا في تعيينها. ( ١ : ٣٢٢ و ٣٢٣ ).

__________________

(١) الكافي ١ : ٩.

(٢) الذكرى : ٢٨.

٣٦٦

وقد ذكرت الأقوال في رسالتي فلاحظ.

قوله : وهي مع قصور سندها. ( ١ : ٣٢٣ ).

أمّا القصور ففيه : ما مر مرارا وسيجي‌ء من أنه لا قصور أصلا ، مضافا إلى أن الصدوق ـ رحمه‌الله ـ رواها ثم أفتى بها (١) ، والكليني أيضا رواها ، ويظهر منه أيضا أنّه أفتى بها ، ولذا قال : وروي ستون (٢).

وأمّا الدلالة فيكفي فيها عدم قول بين المسلمين ـ فضلا عن الشيعة ـ بأنّه غير الستين ، بل لا شبهة في أنّه لو كان غير الخمسين فهو الستون ليس إلاّ ، ويظهر ذلك من الخبر أيضا ، إذ لم يرد خبر في كون الحد غير ذلك ، بل ورد أن الحدّ ستون ويتأيد ذلك بما ذكرنا ، فتدبر.

ولا تعارضها صحيحة عبد الرحمن (٣) ، لأنّ المطلق يحمل على المقيد ، والعام على الخاص ، سيما إذا كان الإطلاق ، لأنه ينصرف إلى الغالب ، فتأمّل.

وربما كان مستند القول بالستين مطلقا رواية عبد الرحمن الأخيرة ، وما قال في الكافي : « وروي ستون سنة » ، والعمومات الدالة على اعتبار الصفة (٤) ، والعمومات الدالة على اعتبار العادة (٥) ، والإجماع الذي ادعي‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٥١ / ١٩٨.

(٢) الكافي ٣ : ١٠٧ / ٢.

(٣) الكافي ٣ : ١٠٧ / ٤ ، التهذيب ١ : ٣٩٧ / ١٢٣٧ ، الوسائل ٢ : ٣٣٥ أبواب الحيض ب ٣١ ح ١.

(٤) انظر الوسائل ٢ : ٢٧٥ أبواب الحيض ب ٣.

(٥) انظر الوسائل ٢ : ٢٨١ أبواب الحيض ب ٥.

٣٦٧

على أن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيضا (١) ، خرج الستون بالإجماع والأخبار وبقي الباقي ، ويؤيدها استصحاب كونها ممن تحيض ، وغيره مما مرّ.

قوله : كما هو. ( ١ : ٣٢٤ ).

هذا على تقدير كون الانتساب بالأب ، وإلا فالأغلب في الشيعة الآن انتسابهم بالأم ، كما لا يخفى.

قوله : فالأصل يقتضي. ( ١ : ٣٢٤ ).

الظاهر أنّ الأصل هو الراجح ، بناء على أن الشي‌ء يلحق بالأعم الأغلب.

قوله : ويعضده. ( ١ : ٣٢٤ ).

أقول : فيه ما عرفت.

قوله : وقال في المعتبر : إنه إجماع. ( ١ : ٣٢٤ ).

قد تقدم الكلام فيه ، ويدل على ذلك أيضا التعليل الوارد عنهم بأنه ربما تعجل بها الوقت فيحكم بكونه حيضا ، كما سيجي‌ء في موثقة سماعة (٢) ، فإن احتمال التعجيل كيف يكفي للحكم بالحيضية لو لم يكن الإمكان والاحتمال كافيا ، فتدبر.

ومرّ في حسنة ابن مسلم : « إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى ، وإن رأت بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة » (٣) وكذا‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ٢٠٣.

(٢) الكافي ٣ : ٧٧ / ٢ ، التهذيب ١ : ١٥٨ / ٤٥٣ ، الوسائل ٢ : ٣٠٠ أبواب الحيض ب ١٣ ح ١. وسيأتي في المدارك ١ : ٣٢٨.

(٣) الكافي ٣ : ٧٧ / ١ ، التهذيب ١ : ١٥٩ / ٤٥٤ ، الوسائل ٢ : ٢٩٨ أبواب الحيض ب ١١ ح ٣.

٣٦٨

يشهد عليه كل ما ورد من أنها تحيض بمجرد رؤية الدم (١).

قوله : من حيث ترك المعلوم. ( ١ : ٣٢٤ ).

قد عرفت الكلام في هذا أيضا.

قوله : تعويلا على مجرد الإمكان. ( ١ : ٣٢٤ ).

بل على الإجماع. وأمّا المجمعون فلعلهم اطلعوا على المستند ، وبكون الإجماع واقعيا ، والمظنون صحة دعوى الإجماع وحقيته ، مع ما عرفت مما يمكن أن يصير مستندا لهم ، وطريق الاحتياط واضح.

قوله : وهو غير بعيد (٢). ( ١ : ٣٢٧ ).

لعل مراده أن مقدار العادة والمتقدم والمتأخر يكون المجموع حيضا إلى عشرة أيام ، وما زاد عنها فاستحاضة ، يعني لا يجب الاقتصار على العادة في الحكم بكونه حيضا ، ولا جعل نفسها حيضا ، بل المتقدم والمتأخر أيضا حيض ، بشرط أن لا يزيد على العشرة ، فليلاحظ عبارة المبسوط.

قوله : وتشهد له. ( ١ : ٣٢٨ ).

في شهادتها له نظر ، بل الكل يشهد للمصنف.

قوله : موضع الخلاف. ( ١ : ٣٢٨ ).

ليس كذلك ، بل هو أعم ، كما صرح به ابن إدريس والشهيد ، وعبارة المحقق التي سيذكرها في المقام صريحة أيضا في ذلك ، وأمّا كلام المختلف فلا صراحة بل ولا ظهور فيه لما ذكره ، غاية ما فيه أنّه أتى بالأخبار المتضمنة لاعتبار الأوصاف دليلا على المدعى ، بعد جعله المدعى أعم كغيره ، وغير خفي أن دليل الفقيه ربما يكون أخص من المدعى ، ويتمون‌

__________________

(١) انظر الوسائل ٢ : ٢٩١ أبواب الحيض ب ٨ ح ٥ و ٦.

(٢) انظر المدارك ١ : ٣٢٧ الهامش (٥).

٣٦٩

المدعى بضميمة عدم القول بالفصل ، وربما كان المراد إبطال مذهب الخصم.

ومما يشهد على ما ذكرنا عدم تعرضه كغيره لحال الدم الذي لا يكون بصفة الحيض ، وأنّها إذا رأته ما ذا تصنع ، وحوالته على ظهور كون الأمر بالنسبة إليها الاحتياط ، فيها ما لا يخفى على المطلع بأحوال الفقهاء ، سيما أحواله ، فتأمّل.

قوله : قال : المرأة إذا رأت الدم. ( ١ : ٣٢٩ ).

أمثال هذه الأخبار تدل على التحيّض بمجرد الرؤية مطلقا ، بصفة الحيض يكون الدم أم لا ، ومر ما يكفي للتأييد والاعتضاد في المباحث السابقة.

قوله : بل يكفي ظهوره. ( ١ : ٣٢٩ ).

الأولى أن يقول : بل يكفي الظهور الذي اقتضته الأدلة الشرعية.

قوله : قلنا : الفرق أن اليوم. ( ١ : ٣٣٠ ).

لا يقال : هذا مخالف لما ذكره من أنّ ما رأته من الثلاثة إلى العشرة مما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض.

لأنه شرط تحقق الثلاثة المتوالية في الحكم بالحيضية ، فبعد تحقق الشرط كلما يمكن أن يكون حيضا من أول الثلاثة إلى آخر العشرة فهو حيض ، لا أنّه من آخر الثلاثة إلى آخر العشرة حيض.

وبالجملة : مدار حكمه على الأصل ، فقبل تحقق الثلاثة يكون الأصل العدم ، وبعد تحققها يكون التجاوز مانعا في الصورة التي ذكرها ، والأصل عدمه ، وأمّا غير الصورة وهو أن يكون الدم المتجاوز من أوله إلى آخره بلون واحد فمقدار الثلاثة حيض ، لكونه المتيقن ، والزائد منها يبنى على فعل العبادة ، كما سيجي‌ء عن المعتبر.

٣٧٠

والأقوى أنّها بمجرد الرؤية تترك ، كما هو الظاهر من الأخبار ، إلاّ أن يقال : إطلاقات الأخبار محمولة على الغالب ، وهو ما إذا كان بصفة الحيض ، فيرجع إلى ما ذكره الشارح ـ رحمه‌الله ـ ويصح لو لم يكن خرقا للإجماع المركب ، فتأمّل.

قوله : أما الدمان فظاهر. ( ١ : ٣٣٠ ).

بناء على اتصافهما بصفة الحيض فيشملهما العموم وأمّا إذا لم يكونا بصفته فلا يكونان حيضا عند الشارح ، وكذا إذا لم يكن أحدهما بصفته لا يكون حيضا عنده ، وأمّا على رأي المصنف وسائر الفقهاء فهما حيض مطلقا للكلية المدعاة في إجماعهم المنقول بخبر الواحد ، وعموم الأخبار وإطلاقها ، وخصوص حسنة ابن مسلم ، ويؤيده ما سيجي‌ء من أن ذات العادة إذا رأت ما زادت على عادتها تستظهر مطلقا ، إذ العادة أمارة كون الزائد عنها غير حيض ، ومع ذلك حكموا بالاستظهار ، فمع عدم العادة بطريق أولى ، وكل هذه يؤيد الكلية المدعاة ، فتأمّل.

قوله (١) : تحيضي أيام أقرائك. ( ١ : ٣٣٤ ).

لا يخفى أنه خطاب للمرأة الدامية المستمرة الدم المتجاوز دمها عن عادتها وصار مستمرا ، كما لا يخفى على من تأمّل حديثه وسابقه ولا حقه.

وأمّا صحيحة معاوية ورواية ابن ابي يعفور وأمثالهما مما قالوا عليهم‌السلام : المستحاضة بمجرد مضي الأيام تغتسل فمعلوم أن المستحاضة معناها : التي استمر بها خروج الدم بعد حيضها ، فهي أيضا المرأة الدامية السابقة ، ولا تأمل في أن المرأة إذا جاوز دمها عن العشرة وتكون ذات العادة ترجع إلى عادتها البتة ، وتجعل كل ما زاد عن عادتها استحاضة ، والمستحاضة تغتسل وتصلي بلا شبهة ، إذ لا تدري أن دمها يدوم ويتجاوز‌

__________________

(١) هذه الحاشية ليست في « أ » و « و ».

٣٧١

عن العشرة فيكون استحاضة وتصير من قبيل المرأة الدامية ، أو ينقطع على العاشر فلا يكون استحاضة ، وإذا لم يكن استحاضة يكون حيضا ، إذ لا ثالث ، وعرفت أن الاستظهار طلب ظهور الحال في كون الدم حيضا أو طهرا أي استحاضة ، إذ لا حدث من الدم سواهما ، والمظهر للاستحاضة التجاوز عن العشرة ، وللحيض هو الانقطاع على العاشر ، وهو وفاقي عند الأصحاب ، وليس لهم فيه ارتياب ، كما سيجي‌ء ، فظهر أن بين الأخبار لا تعارض أصلا ، وأن المظهر هو الذي ذكره الفقهاء ، وسيجي‌ء بسط الكلام.

فالأولى أن يقال : إنّ اختلاف أخبار الاستظهار في قدره وأكثرها وارد بكلمة ( أو ) المفيدة للتخيير والترديد لا يلائم الوجوب ، مع أنّه يظهر من بعض الأخبار جواز دخول الزوج بها بعد العادة ، وغير ذلك مما سنشير.

قوله : ويمكن الجمع بينها أيضا بحمل أخبار. ( ١ : ٣٣٤ ).

هذا مع ما بعده (١) ينافيه بعض الأخبار وفهم الفقهاء. والأخبار مثل موثقة سعيد بن يسار عن الصادق عليه‌السلام : « إنها إذا رأت بعد الطهر الشي‌ء من الدم الرقيق تستظهر بيومين أو ثلاثة ثم تصلي » (٢).

وصحيحة عبد الرحمن عن الكاظم عليه‌السلام في النفساء إذا طهرت بعد ثلاثين يوما ثم ترى الدم أو الصفرة « إنه إن كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة ، وإن كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام قرئها ثم تغتسل وتصلي » (٣).

__________________

(١) في « ج » و « د » : ما بعده.

(٢) التهذيب ١ : ١٧٢ / ٤٩٠ ، الاستبصار ١ : ١٤٩ / ٥١٣ ، الوسائل ٢ : ٣٠٢ أبواب الحيض ب ١٣ ح ٨.

(٣) التهذيب ١ : ١٧٦ / ٥٠٣ ، الاستبصار ١ : ١٥١ / ٥٢٣ ، الوسائل ٢ : ٣٩٣ أبواب الحيض ب ٥ ح ٢.

٣٧٢

قوله : ثم إن قلنا بالاستحباب. ( ١ : ٣٣٤ ).

لا يخفى أنها في الواقع إما طاهرة فيكون فرضها إتيان الصلاة ، أو حائض فيكون فرضها تركها ، ولما كان أمرها مترددا بين الأمرين رخّصها الشارع وخيّرها في اختيار أي الحالين شاءت إلى أن يظهر بالمظهر أمرها ، فإن اختارت حالة الطهر وصلّت وصامت بعد هذا الاختيار ثم انكشف أنها كانت طاهرة تمضي هذه الصلاة والصوم ، وإلاّ يظهر كون الصلاة والصوم لغوا ، فهي مخيرة في الاختيار ، وبعد الاختيار يكون ما فعلت عبادة مراعى إلى وقت الانكشاف ، ولما كان اليوم واليومان ـ مثلا ـ قريبا من الحيض والعادة ، والغالب أن الحيض يزيد عن العادة بهذا المقدار ويكون هذا مرجحا للحيضية ، جعل الشارع الأولى بالنسبة إليها اختيار حالة الحيض ، ثم بعد ذلك لما كان يبعد كونه حيضا ويقرب كونه طهرا جعل الأولى أن تختار جانب الطهر إلى أن يظهر بالكاشف أمرها ، هذا على طريقة الفقهاء ، فتأمّل.

قوله : فيجب عليها قضاء ما أخلّت به. ( ١ : ٣٣٦ ).

استشكله العلامة في النهاية ، وسيجي‌ء حكمه.

قوله : لعدم الظفر بما يدل عليها من النصوص. ( ١ :٣٣٦ ).

أقول : في مرسلة داود عن الصادق عليه‌السلام : المرأة تحيض ويمضي طهرها وهي ترى الدم فقال : « تستظهر بيوم إن كان حيضها دون العشرة أيام ، فإن استمر الدم فهي مستحاضة ، وإن انقطع الدم اغتسلت وصلّت » (١).

__________________

(١) الكافي ٣ : ٩٠ / ٧ ، التهذيب ٢ : ١٧٢ / ٤٩٤ ، الوسائل ٢ : ٣٠١ أبواب الحيض ب ١٣ ح ٤.

٣٧٣

ويظهر منها أنها إذا استمر دمها تكون مستحاضة ، وظاهر الاستمرار التجاوز عن العشرة ، والظاهر أن بالاستمرار يظهر كونها مستحاضة بالنسبة إلى مجموع الدم الذي رأت في الطهر ، كما لا يخفى على المتأمّل ، وأيضا لم يتعرض لحكم المستحاضة أصلا ، وتعرض لحكم حال الانقطاع ، فظهر أنّ هذا الانقطاع غير انقطاع الاستحاضة ، حيث جعله في مقابل الاستحاضة التي لم يتعرض لحالها ووكل إلى الظهور من خارج ، وهذه الرواية رواها في الكافي مع زيادة تؤكد ما ذكرنا ، فتأمّل.

قوله : والمستفاد من الأخبار أن ما بعد أيام الاستظهار استحاضة. ( ١ : ٣٣٦ ).

ليس كذلك قطعا ، لأن المستفاد من أكثر الأخبار أن ما بعد أيام العادة استحاضة ، بل ربما كانت متواترة ، مثل صحيحة معاوية المتقدمة (١) وما وافقها من أخبار كثيرة صحيحة ومعتبرة (٢) ، ومثل الحسن كالصحيح عن ابن سنان أنه « لا بأس أن يأتيها بعلها إلاّ أيام حيضها » (٣) ، وما وافق من الأخبار.

ومثل ما ورد أن كل ما رأت بعد أيام حيضها فليس من الحيض (٤) ، وما ورد أن المستحاضة تصوم رمضان إلاّ أيام حيضها ثم تقضيها (٥).

إلى غير ذلك مما دل على اعتبار العادة في الحيض‌

__________________

(١) في المدارك ١ : ٣٣٤.

(٢) الوسائل ٢ : ٢٨١ ، الباب ٥ من أبواب الحيض ، والوسائل ٢ : ٣٧١ أبواب الاستحاضة ب ١.

(٣) الكافي ٣ : ٩٠ / ٥ ، التهذيب ١ : ١٧١ / ٤٨٧ ، الوسائل ٢ : ٣٧٢ أبواب الاستحاضة ب ١ ح ٤.

(٤) الوسائل ٢ : ٢٧٨ أبواب الحيض ب ٤.

(٥) الوسائل ٢ : ٣٧٨ أبواب الاستحاضة ب ٢.

٣٧٤

والنفاس ، ورجوع المرأة إليها فيهما ، وعدم وجوب الاستبراء.

ومن الأخبار ما تدل على أنها بعد تمامية عشرة أيام تصير مستحاضة (١).

وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه‌السلام : المستحاضة أيطؤها زوجها؟ وهل تطوف بالبيت؟ قال : « تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه ، فإن كان قرؤها مستقيما فتأخذه ، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل » (٢).

فمع جميع ما ذكر كيف يقول : المستفاد من الأخبار أن ما بعد أيام الاستظهار استحاضة.؟!.

مع أن الأخبار (٣) التي يظهر منها ما ذكره مختلفة جدا ، منها ما يظهر أن بعد يوم استحاضة ، ومنها ما يظهر بعد يومين ، ومنها ما يظهر بعد ثلاثة ، ومنها ما يظهر بعد العشرة ، ومنها ما يتضمن الترديد بيوم أو يومين وغير ذلك ، مع أن الترديد لا وجه له ، لأن الاستحاضة اسم دم يخرج من عرق العاذل ، ومن موضع غير موضع الحيض ، كما عليه أهل اللغة والفقهاء ، ويظهر من الأخبار.

وأيضا إن قال بأن دم أيام الاستظهار حيض واقعا ، فهو مخالف للأخبار المتواترة وما عليه جميع المسلمين ومنهم الشارح.

وإن قال : إنه ليس بحيض ولا استحاضة ، فهو أيضا مخالف لما يظهر من الأخبار المتواترة وما عليه جميع المسلمين من انحصار الدم الذي هو حدث‌

__________________

(١) الوسائل ٢ : ٣٠٣ أبواب الاستحاضة ب ١٣ ح ١١ و ١٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠٠ / ١٣٩٠ ، الوسائل ٢ : ٣٧٥ أبواب الاستحاضة ب ١ ح ٨.

(٣) انظر الوسائل ٢ : ٣٠٠ أبواب الحيض ب ١٣.

٣٧٥

مانع من الصلاة والصوم في الدماء الثلاثة.

وإن قال بأنه مردد بين الاستحاضة والحيض والنفاس ، كما ذكرنا في ما سبق وظهر من كلامه ، ففيه أيضا : أن قضاء الصوم لازم على أيّ تقدير ، لعموم ما دلّ على قضائه ، وأمّا قضاء الصلاة فقد وقع التصريح في الأخبار بلفظ الاستظهار وهو طلب ظهور الحال في كون الدم حيضا أو طهرا ، فإن ظهر كونه حيضا يكون حكمه حكم الحيض ، لعموم ما دل على حكم الحيض ، وكذا ان ظهر كونه استحاضة ، فحينئذ يجب قضاء الصلاة أيضا ، لعموم ما دل عليه ، مع أن جلّ روايات الاستحاضة لم يتعرض فيها لذكر القضاء أصلا ، بل جلّ مواضع قضاء الفوائت ، والمستند في الكل العموم ، فتكون الأخبار دالة على قضاء الصوم والصلاة بالدلالة الالتزامية ، لأن معنى تستظهر طلب ظهور الحال وكونه حيضا ، فلازمه وجوب قضاء الصوم قطعا ، أو استحاضة فلازمها وجوب قضاء الصوم والصلاة معا ، فكيف يقول : المستفاد من الأخبار أنّه لا يجب قضاء ما فات؟!

قوله : وأنه لا يجب. ( ١ : ٣٣٦ ).

فيه : أنه على هذا لم يبق للاستظهار ـ مع وروده في كثير من الأخبار وكونه مجمعا عليه ـ معنى ، إذ سبق منه آنفا أنه طلب ظهور الحال في كون الدم طهرا أو حيضا يعترف بالعموم أيضا ، ولا وجه للاستفادة كما عرفت ، سيّما مع كون الصوم مثل الصلاة في عدم التعرض لقضائه. مع أنّ ثبوت كونه طهرا ممّا مرّ في المرسلة.

مضافا إلى أنّ الدم الموجود بعد العشرة طهر يقينا ، فالموجود في الدقيقة الخارجة عن العشرة إذا كان طهرا على اليقين يكون الموجود في الدقيقة المتصلة بتلك الدقيقة طهرا أيضا على اليقين ، لأنّ الوجدان حاكم بأنّ الدم الموجود في الدقيقتين المتصلتين دم واحد من نوع واحد ولا يجوز أن يكون‌

٣٧٦

بعضه حيضا ـ وهو الموجود في الدقيقة الداخلة في العشرة ـ وبعضه طهرا ـ وهو الموجود في الدقيقة الخارجة عن العشرة ـ مع أنّهما نوعان مختلفان في الماهية مختلفان في المخرج ، لأن الطهر عن عرق العاذل والحيض من قعر الرحم ، ولذا اختلف حكمهما وعلاماتهما ، ثم ننقل الكلام إلى الدقيقة المتصلة بالدقيقة الداخلة ، وهكذا إلى أن يتصل بدم العادة ، فيحكم بأنّه من العادة بمقتضى العادة وغيرها من الأدلة.

على أنّهم عليهم‌السلام أمروا بالاستظهار في كثير من الأخبار ، والتكليف لا يكون إلاّ بشي‌ء موجود يتمكن المكلف من تحصيله فلا بدّ من مظهر وكاشف يظهر الحال ، فإذا ظهر كونه حيضا فلا بدّ من جريان حكمه ، وكذا لو ظهر كونه طهرا ، ثم إنه غير خفي أنه ليس هاهنا كاشف قطعا ووفاقا سوى ما ذكره الفقهاء ، ولم يشر أحد إلى شي‌ء آخر أصلا ، فتعين أن يكون هو الذي قرروه على قياس ما قرر في غسل المتوسطة ، مع أنّهم ربما يبنون في بيان المجملات وتقريرها على ما قرره الفقهاء وبينوه من قبيل ما مر في وقت غسل المتوسطة ، وما سيجي‌ء في باب الإقامة أنها سبعة عشر أنّ النقص من التهليل الآخر ، وغير ذلك.

ولكن التفصيل الذي ذكروه لم يظهر من الأخبار ، أمّا أخبار الاستظهار فكما أشار إليه الشارح ، وأمّا غيرها فيظهر من بعضها أن ما زاد استحاضة مطلقا (١) ، ومن بعضها أنه حيض كذلك مثل حسنة ابن مسلم (٢) ، ومرسلة يونس عن بعض رجاله عن الصادق عليه‌السلام حيث قال فيها : « فإذا‌

__________________

(١) الوسائل ٢ : ٢٨٣ أبواب الحيض ب ٥ ح ٢ و ٥.

(٢) الكافي ٣ : ٧٧ / ١ ، التهذيب ١ : ٥٩ / ٤٥٤ ، الوسائل ٢ : ٢٩٨ أبواب الحيض ب ١١ ح ٣.

٣٧٧

حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلّت ، فإذا رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلاة ، فإن رأت الدم من أول ما رأته الثاني الذي رأته تمام العشرة أيام ودام عليها عدت من أول ما رأت الدم الأول والثاني عشرة أيام ، ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة » (١).

وأيضا استصحاب الحالة السابقة يقتضي ذلك ، وكذا الكلية المدعاة وهي أن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض ، وأدلة تلك الكلية أيضا تقتضي ذلك وقد مرت الإشارة ، فلاحظ.

وأيضا إطلاق الأخبار الدالة على أن أكثر الحيض عشرة يقتضي ذلك ، وأيضا ما ذكره من أنّه لا يجب قضاء ما فاتها في أيام الاستظهار يقتضي ذلك ، إذ لو كان الدم استحاضة لوجب القضاء البتة ، لأن المستحاضة طاهرة قطعا ودمها طهر جزما.

وفي قوية يونس أنّه قال عليه‌السلام : « ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمسا أو أقل ما قال لها : تحيّضي سبعا ، فيكون قد أمرها بترك الصلاة أيامها وهي مستحاضة غير حائض » ، الحديث (٢).

فظهر مما ذكر أن الأدلة في كون الزائد إلى العشرة طهرا أو حيضا متعارضة ، فإما أن يبنى على الترجيح ولا مرجح بحسب الظاهر ، أو يبنى على التخيير وإن كان الأولى اختيارها جانب الحيض في أيام الاستظهار ، كما‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٧٦ / ٥ ، التهذيب ١ : ١٥٧ / ٤٥٢ ، الوسائل ٢ : ٢٩٩ أبواب الحيض ب ١٢ ح ٢.

(٢) الكافي ٣ : ٨٣ / ١ ، التهذيب ١ : ٣٨١ / ١١٨٣ ، الوسائل ٢ : ٢٨٨ أبواب الحيض ب ٨ ح ٣.

٣٧٨

اختاره الشارح ـ رحمه‌الله.

وأمّا المفصّل فلعله جعل التفصيل وجه الجمع ، ويكون استناده في هذا الوجه إلى ما أشرنا إليه من شهادة المرسلة ، وظهور معنى الاستظهار ، وانحصار المظهر في ما ذكروه إجماعا ، وأن هذا الدم يحتمل أن يكون حيضا وهو الفطري الخلقي الذي هي مفطورة به ، وتقرؤه ثم تدفعه ، بأن زاد ما قرأته أو تأخر دفعه فيكون بقية ما جاء في العادة ، وبحسب العادة ربما يزيد ، كما أنّه ربما ينقص ، وتعارف ذلك بين النساء واشتهر بينهن ، بل قلّ ما يتفق أن لا يزيد ولا ينقص أصلا ، بل لعله لا يكاد يتحقق ما يكون أخذه في آن أخذ السابق ، وانقطاعه في آن انقطاعه. ويحتمل أن يكون طهرا بأن يكون من فساد وحدوث عيب وعروض آفة ، فإذا انقطع على العاشر ترجح كونه حيضا : لأصالة الصحة وعدم العيب وعدم حدوث آفة ، ولأنه الفطري الخلقي ، مضافا إلى كثرة وقوع الزيادة والنقيصة وتعارفه ، وأمّا إذا تجاوز فلا شك في حدوث العيب والآفة والخروج عن الصحة والخلقة المفطورة ، ويبعد غاية البعد أنّه إلى آن تمام العشرة يكون بقية الحيض والفطري الصحيح ، وأنّه بعد ذلك الآن بلا فصل حدث العيب والآفة فخرج ( بسببه ) (١) ، مع أنّه متصل واحد في النظر.

ويعضده مقتضى عادة ذات العادة ، ويحمل ما دل على أنّه استحاضة على صورة التجاوز ، كما يحمل ما دل على أن المستحاضة عليها الغسل ثلاثا أو لكل صلاتين على غير القليلة أو المتوسطة أيضا ، ونظائر تلك الأخبار.

مع أنّه ربما يظهر من بعض الأخبار ـ موافقا للغة ـ أن الاستحاضة‌

__________________

(١) كما في « أ » و « و » ، وفي سائر النسخ : بشبهة.

٣٧٩

استحاضة إذا استمر الدم (١) ، فلاحظ.

وكيف كان الأحوط قضاء ما فات ، لكثرة ما دل على أنّه استحاضة ، وأنّ المستحاضة لا تسقط عنها الصلاة ، وهو إجماعي أيضا. هذا ، مضافا إلى قول القائلين بالتفصيل والمؤيدات لهم ، والله أعلم.

قوله : قضاء ما فاتها في أيام الاستظهار مطلقا. ( ١ :٣٣٦ ).

لم نجد الاستفادة إلاّ من جهة عدم تعرض المعصوم عليه‌السلام لقضائه. ويمكن أن يقال : إنه عليه‌السلام في هذا المقام لعله ليس بصدد التعرض للقضاء ، لأنه عليه‌السلام لم يتعرض لقضاء الصوم أيضا مع أنّه واجب قطعا ، ويؤيده أيضا أنه عليه‌السلام لم يتعرض لقضاء أيام الحيض أيضا. مع أنّ ما دل على عموم قضاء الفوائت يشمل ما نحن فيه ، ولم يخرج من العموم إلاّ صلاة الحائض ، وأيام الاستظهار عند الشارح ـ رحمه‌الله ـ غير أيام الحيض ، وعند المشهور أيضا ، إلاّ أن يظهر كونه حيضا. والمعصوم عليه‌السلام في غالب صور القضاء لم يتعرض لذكره بخصوصه في خبر من الأخبار ، بل اكتفى بالعمومات ، ومسلم عند الشارح هذا.

قوله : كما قرأ به السبعة. ( ١ : ٣٣٧ ).

ويشهد على ذلك ما ورد في الأخبار من أنّ غسل الحيض سنّة (٢) ، فتأمّل.

لكن يتوقف الاستدلال على بطلان الحقيقة الشرعية ، ويمكن أن يقال : لا دليل على ثبوتها في كلام الله تعالى وكلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

__________________

(١) انظر الوسائل ٢ : ٣٧٣ أبواب الاستحاضة ب ١ ح ٥.

(٢) انظر الوسائل ٢ : ١٧٤ و ١٧٦ أبواب الجنابة ب ١ ح ٤ و ١١.

٣٨٠